يهدى ثواب هذا العمل إلى روح والدنا الحاج أحمد الموسى وأخينا عبدالله أحمد الموسى

الغزوات

عدد الزوار : 850 عدد المواد : 11 عدد الاقسام : 0
المواد
المؤلف :

غـزوة الخنـدق

بعد تلك الغزوات المتتالية والانتصارات التي حققها المسلمون بقيادة النبي (ص) وبعد النكسات التي أصابتهم في أحد والرجيع والبعث المؤلف من أربعين أو سبعين رجلاً إلى نجد بناءا لطلب أحد زعمائها عامر بن مالك المعروف بملاعب الأسنة ظل المسلمون يعيشون في جو يسيطر عليه الخوف والحذر من حملة واسعة تشترك فيها قريش بعد ما منيت بما يشبه الهزيمة في بدر الموعد، تشترك فيها مع غطفان وهذيل والقبائل المتاخمة لحدود الشام، ويهود بني قينقاع والنضير الذين أجلاهم النبي (ص) عن المدينة وشردهم في الآفاق، وأصبحوا يتربصون به وأصحابه ويودون لو يتاح لم واو بأغلى الأثمان أن يدركوا ثأرهم منه.

أن محمداً الذي فر من مكة مع أتباعه، وأصبح في بضع سنين مرهوب الجانب يهدد الجزيرة بكاملها، ويمني قومه بأنهم سيحكمونها مع بلاد الفرس والرومان في المستقبل القريب وقريش تعرف كل ذلك وتهزها أخباره أكثر من جميع العرب واليهود، وهي التي وقفت في طريقه منذ أن أعلن دعوته وظلت تكافحه وتطارده طيلة ثلاثة عشر عاماً حتى هاجر لينجو من الموت الذي اختارته له.

وما عيها بعد أن أعياها إلا أن تمد يدها إلى الأعراب واليهود في مختلف أنحاء الجزيرة عساهم أن اتفقوا عليه وهاجموه في البلد الذي آواه ونصره، أن يدركوا ثأرهم منه ومن أتباعه في أيام معدودات. وتطوع اليهود في بادىء الأمر للقيام بتأليب الناس عليه وجمعهم لمهاجمته في المدينة في حين أن هذه الفكرة كانت ترواد قريشاً وغيرها من العرب ولكنها شكرت لهم هذه البادرة وباركت جهودهم في هذا السبيل بعد أن جمعتهم الغاية ووحدت بينهم الأهداف.

فقد جاء في كتب السيرة والتاريخ أنه في شهر شوال من السنة الخامسة لهجرة النبي (ص) اتفقت قريش وجماعة من الأعراب واليهود على غزو محمد في المدينة.

وكان من أمرهم أن جماعة من زعماء يهود بني النضير الذين أجلاهم النبي (ص) عن المدينة وصادر بعض ممتلكاتهم منهم سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس الوائلي وجماعة غيرهم وفدوا على قريش في مكة وحرضوهم على حرب المسلمين ووعدهم بأن يكونوا معهم حتى يستأصلوا النبي (ص) وأصحابه، فقالت لهم قريش: يا معشر اليهود أنكم أهل الكتاب الأول وتعلمون بما أصحبنا عليه نحن ومحمد، ونحن نسألكم أديننا خير أم دينه، فقالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق مه وبهذه المناسبة نزلت الآية.

{ألم ترى إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا*أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا}(النساء51_52)

ولما سمعت قريش من اليهود ذلك استبشرت وطمعت بهذا التكتل الجديد أن يحقق لها النصر النهائي على محمد وأتباعه وتواعدهم وإياهم على حربه عندما يتيسر لهم من العرب من يناصرهم عليه.

ولم يكتف اليهود بتفضيل الوثنية على التوحيد الذي يدعو إليه محمد وجميع الأديان السماوية بما في ذلك اليهودية، لم يكتفوا بذلك بل ذهبوا يتجولون بين الأعراب ويحرضون على حرب محمد ويخوفوهم منه ومن أتباعه إن استتب لهم الأمر،وذكروا لهم ما دار بينهم وبين قريش، وما تم عليه الإتفاق من غزو المدينة بأكبر عدد ممكن لا يمكن للمسلمين أن يواجهوه مهما بلغوا من القوة والبأس، وتيسر لهؤلاء أن يستنفروا أكبر عدد من الأعراب لمساندتهم وفي الموعد المعين لخروجهم خرجت قريش بقيادة أبي سفيان في أربعة آلاف مقاتل، بينهم ثلاثة آلاف فارس، وعقدوا لواءهم في دار الندوة وأعطوه إلى عثمان بن طلحة وقادوا معهم ألفاً وخمسمائة بعير، وخرج من بني سليم سبعمائة بقيادة سفيان بن شمس حليف حرب بن أمية وخرج معهم بنو أسد وفزارة في ألف مقاتل بقيادة عيينة بن حصن، وخرج معهم من أشجع وبني مرة بن عوف وغيرهم عدد كبير حتى بلغ مجموعهم أكثر من عشرة آلاف مقاتل.

وبلغ خبرهم رسول الله (ص) عن طريق جماعة من خزاعة وفدوا عليه وأخبروه بالتجمع الذي أعدته قريش وأحلافها من العرب واليهود لغزوه، فجمع النبي (ص) جماعة من أصحابه وأخبرهم بما اجتمعت عليه قريش وأحلافها وحثهم على الجهاد والاستعداد لمقابلة الغزاة واستشارهم فيما يجب أن يتخذه لمنعهم من دخول المدينة، فأشار عليه سلمان الفارسي بأن يحفر خندقاً من الجهة التي يمكن للمشركين أن يدخلوا منها، وقال له: يا رسول الله (ص) كنا بفارس إذا حوصرنا حفرنا خندقاً يحول بيننا وبين عدونا، فاستحسن النبي (ص) وأصحابه هذا الرأي وأمر بحفره، وبهذه المناسبة اجتمع المهاجرون والأنصار بسلمان الفارسي وكل يقول: سلمان منا، فقال النبي (ص): سلمان منا أهل البيت كما جاء في تاريخ الطبري.

ثم أن النبي (ص) حدد لكل عشرة من المسلمين أن يحفروا لأربعين ذراعاً، وكان هو كأحدهم يحفر بيده ويجهد نفسه بالعمل وواصل المسلمون عملهم بإخلاص ونشاط إذا استثنينا جماعة ممن تظاهروا بالإسلام وأبطنوا الغدر والنفاق كانوا يتسللون إلى بيوتهم ومنهم من يأتي إلى النبي (ص) يطلب الإذن وتذرع بأسباب لا تمت إلى الواقع بصلة ويدعون بأن بيوتهم مكشوفة إلى الغزاة ومعرضة للإحتلال.

{يقولون ان بيوتنا عورة وما هي بعروة إن يريدون إلا فراراً}

ومضى المخلصون يعملون ليلاً ونهاراً لا يتركون العمل إلا لأسباب قارهة، ثم يعودون إلى عملهم، وبهذه المناسبة أنزل الله على النبي (ص) الآيات التالية:

{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله* فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فائذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم* لا تجلعوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}.

وجاء في كتب السيرة أنه بينما كان سلمان مع تسعة يحفرون في المساحة التي يحددها الرسول لهم، وإذا بصخرة بيضاء قد اعترضهم وهم يحفرون فأعجزهم ولم تصنع بها المعاول شيئاً، فقالوا لسلمان اذهب إلى رسول الله (ص) فأعجزهم بذلك فلعله يأمرنا بالعدول عنها، فإنا لا نريد أن نتخطى أمره.

ولما أخبره بذلك أقبل عليهم وهبط بنفسه إلى الخندق وأخذ المعول من سلمان وضرب الصخرة ضربة صدعتها وخرج منها بريق أضاء أجواء المدينة صدعتها وخرج منها بريق أضاء أجواء المدينة صدعتها وخرج منها بريق أضاء أجواء المدينة صدعتها وخرج منها بريق أضاء أجواء المدينة صدعتها وخرج منها بريق أضاء أجواء المدينة صدعتها وخرج منها بريق أضاء أجواء المدينة صدعتها وخرج منها بريق أضاء أجواء المدينة صدعتها وخرج منها بريق أضاء أجواء المدينة صدعتها وخرج منها بريق أضاء أجواء المدينة حتى لكأنها مصباح في بيت مظلم على حد تعبير الرواي فكبر رسول الله (ص)، ثم ضربها ضربة ثانية فتصدعت وخرج منها نفس البريق الأول وفي الضربة الثالثة تكسرت وظهر لها بريق أضاء ما وراء المدينة، فكبر رسول الله (ص) وأشرقت نفسه الكبيرة للنصر المؤمل في النهاية، ثم أخذ بيده سلمان وصعد من الخندق، فقال له بأبي وأمي أنت يا رسول الله (ص) لقد رأيت شيئاً ما رأيته قط، فالتفت رسول الله (ص) إلى القوم وقال: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ فقالوا نعم يا رسول الله (ص) (ص) بأبينا أنت وأمنا لقد رأيناك تضرب فيخرج البريق كالموج فرأيناك تكبر فكبرنا وأم نر غير ذلك، قال صدقتم لقد أضاءت لي في البرقة الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى وأخبرني جبرائيل بأن أمتي ظاهرة عليها، ثم ضربت الثانية فأضاءت لي قصور الحمر من أرض الروم، واخبرني جبرائيل بأن أمتي ظاهرة عليها، وفي الضربة الثالثة أضاءت لي قصور صنعاء وأخبرني جبرائيل بأن أمتي ظاهرة عليها فاستبشر المسلمون بذلك.

وقال المنفقون حينما سمعوا بذلك ألا تعجبون من محمد يحدثكم ويمنيكم ويخبركم بأنه يبصر من يثرب قصور الحيرة وصنعاء ومدائن كسرى وأنتم تحفرون خندقاً ليحول بينكم وبين أعدائكم واحدنا اليوم لا يأمن أن يذهب لقضاء حاجته فنزلت الآية:

ولقد بححت من النداء

بجمعكم هل من مبارز

إني كذلك لم أزل

متسرعاً نحو الهزاهز

أن الشجاعة في الفتى

والجود من خير الغرائز

والنبي يلتفت يمنة ويسرة ويدعو المسلمين إلى مبارزته فلم يستجب له أحد، فقام علي (ع) إلى النبي (ص) وقال أنا له يا رسول الله (ص) والنبي ويقول له اجلس إنه عمرو، فقال علي وإن كان، فأذن له وأعطاه سيفه الفقار وألبسه درعه وعممه بعمامته وقال كما جاء في بعض المرويات: اللهم إنك قد تذرني فرداً وأنت خير الوارثين فبرز إليه علي وهو يقول:

لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز

ذونية وبصيرة والصدق منجي كل فائز

إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء يبقى صيتها بعد الهزاهز

وقال النبي (ص) لما برز له علي (ع) برز الإيمان كله إلى الشرك كه كما جاء في شرح النهج المجلد الرابع ص344.

ولما تقابلا قال له عمرو من أنت، قال أنا علي بن أبي طالب، فقال ليبرز إلي غيرك يا ابن أخي من أعمامك من هو أشد منك، فإني أكره أن أقتلك لأن أباك كان صديقاً ونديماً لي في الجاهلية.

وجاء في شرح النهج أن شيخنا أبا الخير مصدق بن شبيب النحوي كان يقول إذا أمرونا في القراءة عليه إلى هذا الموضع: والله ما أمره بالرجوع إبقاء عليه كما يدعي، بل خوفاً منه، فلقد عرف قتلاه في بدر وأحد وعلم إنه إن ناهضه قتله فاستحيا أن يظهر الفشل فأظهر الإبقاء والإرعاء وإنه لكاذب فيهما.

وأضاف المؤلفون في السيرة أن علياً قال له لكني أن أقتلك، فقال يا ابن أخي إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك فارجع وراءك خير لك، فقال له علي (ع) أن قريشاً تتحدث عنك إنك تقول: لا يدعوني أحد إلى خلتين إلا أخذت واحدة منهما، وفي رواية ثانية إلى ثلاث إلا أجبت لو إلى واحدة منها قال أجل، فقال له علي: فإني أدعوك إلى البراز فقال إني لا أحب إن أقتلك فقال له علي ولكني أحب أن أقتلك فأخذه الحماس عندئذ واقتحم عن فرسه وعقره، ثم أقبل على علي (ع) فتنازلا وتجاولا فضربه عمرو بسيفه فاتقاه علي بدرقته فأثبت فيها السيف وأصاب رأسه كما جاء في بعض المرويات، فضربه علي على حبل عاتقه فسقط يخور بدمه.

وجاء في بعض المؤلفات في السيرة عن جابر بن عبدالله الأنصاري إنه قال: كنت قد تبعت علياً لأنظر ما يكون من أمره، ولما ضربه علي ثارت غبرة شديدة حالت بيني وبينهما غير إني سمعت تكبيراً فكبر المسلمون عند ذلك، فعلمنا أن علياً قد قتله، وأنجلت الغبرة عنهما فإذا علي على صدره يحز رأسه وفر أصحابه ليعبروا الخندق فرماه المسلمون بالحجارة، فقال يا معشر المسلمين قتلة أكرم من هذه: فنزل إليه علي فقتله.

وجاء في سيرة ابن هشام عن الزهري إنه كان مع عمرو بن ود إبنه مسحل بن عمرو بن ود فقتله علي (ع)، ولحق علي بهبيرة بن أبي وهب وكان علي راجلاً وهبيرة فارساً فضربه بالسيف فأصاب قربوس سرجه فسقطت درعه وانهزم عكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب، وأصيب منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بسهم فمات منه بمكة كماء جاء في رواية الطبري.

وفي سيرة ابن اسحاق أن المشركين بعثوا إلى رسول الله (ص) يعرضون عليه عشرة آلاف درهم في مقابل جثة عمرو بن ود فقال لهم لا حاجة لنا بها وإنا لا نأخذ ثمن الموتى، وقيل إن العرض كان في مقابل جثة نوفل بن عبدالله بن المغيرة.

وفي الإرشاد وغيره عن محمد بن اسحاق إنه قال: لما قتل علي (ع) عمرو بن ود وأقبل نحو رسول الله (ص) ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطاب: هلا سلبته درعه فإنه ليس في العرب درع مثلها، فقال إني استحييت إن كشف سوءته.

وفي شرح النهج إن مبارزة علي لعمرو بن ود يوم الخندق أعظم من أن يقال عنها عظيمة وأجل من أن يقال عنها جليلة وما هي إلا كما قال شيخنا أبو الهديل وقد سأله سائل أيما أعظم منزلة عند الله علي أم أبو بكر، فقال يا ابن أخي: والله لمبارزة علي عمراً يوم الخندق تعدل أعمال المهاجرين والأنصار وطاعاتهم كلها وتربي عليها فضلاً عن أبي بكر وحده.

وفي المجلد الاني من فضائل الخمسة من الصحاح الستة عن المجلد الثاني من مستدرك الصحيحين عن سيفان الثوري بسنده عن النبي (ص) إنه قال: لمبارزة علي ابن أبي طالب لعمرو بن ود يوم الخندق أفضل أعمال أمتي إلى يوم القيامة ورواه الخطيب البغدادي في تاريخه ص13ص19.

وذكر هذا الحديث بنصه الحرفي الرازي ي تفسيره الكبير في الجزء الأخير خلال حديثه عن ليلة القدر وفضلها.

وجاء في الدر المنثور للسيوطي في تفسير قوله تعالى: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال}، وجال فيه عن ابن أبي حاتم وإبن مردويه وإبن عساكر إن الله كفى المؤمنين القتال بعلي (ع).

وجاء في شرح النهج عن قيس بن الربيع بسنده إلى ربيعة بن مالك السعدي إنه قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت يا عبدالله إن الناس يتحدثون عن علي ابن أبي طالب ومناقبه، فيقول لهم أهل البصرة أنكم لتفرطون في تقريظ هذا الرجل، فهل أنت محدثي بحديث عنه أذكره للناس فقال ربيعة وما الذي تسألني عن علي، وما الذي أحدثك عنه، والذي نفس حذيفة بيده لو وضعت جميع أعمال أمة محمد في كفة الميزان منذ بعث الله محمداً إلى يوم الناس هذا ووضع عمل واحد ممن أعمال علي في الكفة الأخرى لرجح على أعمالهم كلها.

قال ربيعة هذا المدح الذي لا يقام له ولا يقعد ولا يحمل وأين كان المسلمون يوم الخندق وقد عبر إليهم عمرو وأصحابه فملكهم الهلع والجزع ودعاهم إلى المبارزة فأحجموا عنه حتى برز إليه علي فقتله، والذي نفس حذيفة بيده لعلمه ذلك اليوم أعظم أجراً من أعمال أمة محمد إلى هذا اليوم، وإلى أن تقوم الساعة.

وفي رواية ثانية أنه قال يا لكع وكيف لا يحمل هذا المدح، وأين كان فلان وفلان وحذيفة وجميع أصحاب محمد (ص).

ولما نعي إلى أخته عمرة قالت من قتله، من الذي تجرأ عليه، قيل لها علي بن أبي طالب قالت لقد قتل الأبطال وبارز الأقران وكانت ميتته على يد كفء من قومه ثم أنشأت تقول:

لو كان عمرو غير قاتله

لكنت أبكي عليه دائم الأبد

لكن قاتله من لا يعاب به

قد كان يدعى أبوه بيضة البلد

من هاشم في ذراها وهي صاعدة

إلى السماء تميت الناس بالحسد

قوم أبى الله إلا أن يكون لهم

كرامة الدين والدنيا بلا لدد

يا أم كثلوم أبكيه ولا تدعي

بكاء معولة حرى على ولد

وع هذه الضربة القاسية التي لم تكن قريش وأحلافها تنتظرها فقد بقي الغزاة على مواقفهم، وتأزمت الأمور على المسلمين بعد أن نقض بنو قريظة العهد وانحازوا إلى جانب المشركين، وخاف المسلمون أن يهاجموهم من حصونهم، وقد بدأوا يتسللون إلى المرتفعات التي فيها النساء.

فقد حدث يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه أنه قال: كانت صفية بنت عبدالمطلب في فارع حصن حسان بن ثابت وكان حسان مع النساء والأطفال، وقالت صفية فمر بنا رجل من اليهود وجعل يطوف بالحصن وقريظة قد قطعت ما بينها وبين رسول الله (ص) من العهد وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا ورسول الله والمسلمون في مقابل عدوهم، والعدو كاد أن يحيط بالمدينة من جميع جهاتها لا سيما بعد أنضم بنو قريظة إليهم وهم أعرف بالثغرات التي تمكنهم من التغلغل في شوارع المدينة وتنفذ بهم إلى مسجد الرسول وبيته، وأدركت صفية أن اليهودي ربما يكون عيناً لقومه بني قريظة ليجد منفذاً إلى حصون النساء يدلهم عليه النبي (ص) ومن معه في شغل عنهم بتلك الحشود الهائلة التي تصول وتجول لتجد منفذاً للهجوم الشامل.

لقد أدركت صفية خطر هذا اليهودي الذي تلصص حول حصون النساء فقالت: يا حسان أن هذا اليهودي كما ترى يطوف حول حصوننا وإني والله آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا ورسول الله في شغل عنا بمن أحاط به من المشركين، فأنزل إليه وأقتله، فقال يغفر الله لك يا ابنة عبدالمطلب، والله إنك لتعلمين إني لست بصاحب هذا الأمر، قال صفية فلما سمعت منه ذلك ويئست من خيره شددت وسطي بثوب كان علي وأخذت عموداً ونزلت إليه من الحصن فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى الحصن، وقلت له يا حسان انزل إليه فأسلبه، فإنه لا يمنعني من سلبه إلا رجل، فقال ما لي بسلبه من حاجة يا بنت عبدالمطلب.

وظل الحصار مضروباً على المدينة وفي كثي من المرويات أن بعض كتائب المشركين تسللت من جهة بني قريظة إلى داخل المدينة فدافعهم المسملون فيها وثبت المؤمنون الصادقون يحدوهم الأمل بنصر الله سبحانه كما وعدهم الرسول وأنزل الله فيهم قوله:

{ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا أيماناً وتسليماً}(الأحزاب22).

وأما المنافقون وضعاف الإيمان من المهاجرين والأنصار فقد استغلوا تلك الأزمة للتضليل والتشكيك وجعلوا يتندرون بما كان النبي (ص) قد وعدهم به من دخول مكة فاتحين واحتلال قصور كسرى وقيصر فأنزل الله فيهم قوله:

{وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً}.

وظل النبي (ص) يفكر ويعمل للخلاص من تلك الأزمة التي لم يعرف لها المسلمون نظيراً من قبل، ولكنه لم يفكر في الإشتباك الشامل مع المشركين ولا وضعه في حسابه إلا إذا اضطروه إليه، لأن الحشود التي تجمعت وتكالبت قد أثرت إلى حد ما على معنويات المسلمين وأصبح من الصعب أن يثبتوا لهم، لا سيما وأن يهود بن قريظة قد انظموا إلى الغزاة وأصبحوا يهددون المدينة من الداخل، ففكر أولاً أن يصانع غطفان ومن معها بشيء من ثمار المدينة كما ذكرنا، ووجد من غطفان استعداداً لذلك، ولكنه لم يكن ليعقد اتفاقاً من هذا النوع، مع ما له من الفوائد بدون موافقة أصحاب تلك الثمار، لأن ثمار المدينة لأهلها، وما كان ليستبد عليهم في أموالهم، وبعد أن عرض الفكرة على زعيمي الأوس والخزرج لم يجد منهما استجابة لطلبة كما ذكرنا من قبل.

وفيما هو يفكر في عمل يخفف من حدة الموقف ويؤدي إلى تشتيت القوم وبعث الخلاف بينهم، وإذا بنعيم بن مسعود بن عامر ينسل من بين المهاجمين ويأتي النبي (ص) ليقول له أني أسلمن وآمنت برسالتك يا رسول الله (ص)، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فوجد رسول الله (ص) أن يوجهه ليبث روح التفرقة بين القوم، ما داموا يحترمون رأيه ويعتقدون بإنه منهم، فقال له: إنما أنت رجل واحد فخذل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة.

فخرج نعيم بن مسعود حتى انتهى إلى بني قريظة وكان لهم نديماً من قبل، فقال لهم: يا بني قريظة لقد عرفتم ودي لكم وصلتي بكم، فقالوا قل ما تريد فلست عندنا بمتهم، فقال لهم أن قريشاً و غطفان ليسوا كأنتم البلد بلدكم وفيه أموالكم وأولاكم ونساؤكم ومن الصعب عليكم أن تتحولوا لغيره، أما قريش و غطفان فقد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه فذاك ما يريدون، وإن عجزوا رجعوا إلى بلادهم وخلوا بينكم وبينه، ولا طاقة لكم به أن خلا بكم، وأرى لكم أن لا تقاتلوا مع القوم إلا أن تأخذوا منهم رهناً من أشرافهم يكونوا بأيديكم وعندها يضطرون أن لا يتخلوا عنكم ويرجعوا إلى بلادهم.

واقتنعت قريظة بهذا الرأي وقالوا له لقد أرت بالصواب، ثم خرج وأتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمداً، وقد بلغني أمر رأيت علي حقاً أن أبلغكموه فاكتموه علي، فقالوا لك ذلك، قال بلغني أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد وقد أرسلوا إليه بذلك وعرضوا عليه أن يأخذوا رجالاً منكم ومن غطفان ويسلموه إياهم وليضرب أعناقهم ثم ينحازوا معه حتى يستأصلوكم، فأجابهم هو لذلك، فإن بعث إليكم اليهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم فلا تسلموا لهم أحداً.

وخرج إلى غطفان وقال: يا معشر غطفان أنتم وأهلي وعشيرتي واجب الناي إلي، ولا أراكم تتهمونني في شيء، فقالوا أنت لست بمتهم عندنا، ثم قال لهم ما قاله لقريش وحذرهم من اليهود وغدرهم بهم، واستطاع أن يشحن جو قريش وغطفان بالشك والريب في يهود بن قريظة.

وجاء في كتب السيرة أنه لما كانت ليلة السبت من شوال أرسل أبو سفيان رؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن ابي جهل ومعه جماعة من قريش وغطفان فقالوا لهم أنا لسنا بدار مقام، وقد هلك الخف والحافر فاستعدوا للقتال حتى نناجز محمداً ونفرغ مما بيننا وبينه، فأرسلوا إليهم أن اليوم السبت ونحن لا نعمل فيه شيئاً، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثاً فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك نقاتل معكم محمداً حتى تعطونا رهناً يكون بأيدينا لنطمئن بأنكم ستقاتلونه إلى النهاية فأنا نخشى أن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تسرعوا إلى بلادكم وتتركونا وإياه وهو في بلدنا ولا طاقة لنا به وحدنا.

فرجع عكرمة ومن معه إلى قريش غطفان وأخبروهما بمقالة القوم، فقالوا عند ذلك صدق نعيم بما حدثنا بهن فأرسوا إليهم أنا لا ندفع لكم رجلاً واحداً من رجالنا فإن كنتم تريدون القتال فأخرجوا لنقاتله غداً واصر كلمن الطرفين على موقفه ورفض اليهود أن يتعاونوا معهم إلا إذا دفعوا لهم الرهائن.

وصمم أبو سفيان ومن معه من غطفان على أن يناجزوا محمداً في صبيحة يومهم التالي بعد أن يئسوا من بني قريظة، وكانت قبلها تحصل مناوشات بين الطرفين بالنبال والسهام، فلما كان الليل عصفت ريح شديدة هو جاء مصحوبة بأمطار وصواعق لا عهد لأحد منهم بها وظلت العواصف والأمطار تشتد حتى اقتلعت خيامهم وكفأت قدروهم وداخلهم من الرعب والخوف ما لم يعهدوه في تاريخهم الطويل، وخيل إليهم أن المسلمين سينتهزون هذه الفرصة للوثبة عليهم والتنكيل بهم.

فقام طلحة بن خويلد ونادى أن محمداً قد بدأكم بالشر فالنجاة النجاة، وقال أبو سفيان: يا معشر قريش أنكم والله ما اجتمعتم بدار مقام لقد هلك الكراع والخف واخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم ما نكره وقد ولقينا من شدة الريح ما ترون فارتحلوا فإني راحل الساعة فأسرع القوم والعواصف تبعث بخيامهم أمتعتهم واستخلفوا ما أمكنهم حمله في تلك الحالة من استولى عليهم الخوف والرعب ولم يعد طمع بالنجاة بأنفسهم تاركين الكثير من أمتعتهم حيث كانوا.

وجاء في كتب التاريخ والسيرة عن حذيفة بن اليمان أن رسول الله (ص) قد دعا عليهم وسأل الله سبحانه أن يكشف عنه ما أحاط به من بلاء ويصرف عنه شرهم، ولما أحس أن القوم يتحركون مذروعين ألتفت إلى المسلمين وقال من منكم يذهب إليهم وينظر لنا ما فعلوا وأنا أضمن له أن يكون رفيقي في الجنة، فلم يقم أحد، فدعاني رسول الله (ص) لذلك، فلم أجد أبداً من تنفيذ أمره، فقمت وذهبت إلى القوم ودخلت بينهم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل وهم يستعدون للإنصراف فما زلت بينهم حتى انصرفوا فرجعت وأخبرت رسول الله (ص) بحالهم فحمد الله سبحانه وإلى ذلك تشير الآية:

{يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا} (الأحزاب9).

رجع النبي (ص) ومعه أصحابه إلى المدينة بعد أن وقفوا في وجه الغزاة أكثر من عشرين يوماً ليلاً ونهاراً قد أعياهم الجوع والسهر والخوف من تسلط العدو عن نسائهم وذرايتهم تمنوا أن يخلدوا إلى الراحة ولو أياماً قليلة بعد تلك الغزوة الطويلة التي لم يسبق للمسلمين وحتى ليثرب في تاريخها الطويل أن عانت ما عانته في تلك الأيام من الخوف والقلق والجوع كما ذكرنا، وقد أوجز الله سبحانه حالتهم بالآية التالية:

{إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم و إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنون*هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً} (الأحزاب 10-11).

لقد تمنى المسلمون بعد تلك الجهود المضنية لو يتاح لهم أن يخلدوا إلى الراحة ولو بضعة أيام، ولكن أنى لهم الراحة والاطمئنان على مصيرهم واليهود الذين أغروا قريشاً وغطفان وغيرهما من الأعراب بالوقوف إلى جانبهم في ذلك الغزو الذي كاد أن يقضي على المسلمين لولا العناية الإلهية التي وفرت للمشركين أسباب الهزيمة وبدت طلائعها ابتداء من قتل علي (ع) لعمر بن ود العامري ونوفل بن عبدالله وفرار من معهما من الأبطال الذين استطاعوا عبور الخندق، والتدابير الحكيمة التي اتخذها النبي (ص) بواسطة نعيم بن مسعود لتشتيت أمرهم وتمزيق وحدتهم، وانتهاء بتلك العواصف والصواعق والأمطار التي سدت عليهم جميع المنافذ ولم تترك لهم مجالاً للاستقرار والبقاء ولا أملاً بالسلامة، وامتلأت قلوبهم من الخوف والرعب.

هؤلاء الذين ساهموا في حشد تلك الألوف وانضموا إليهم متجاهلين معاداتهم للنبي وعهودهم التي قطعوها على أنفسهم بالوفاء لجميع بنوها، هؤلاء لا يزالون إلى جانبهم في المدينة ونفوسهم لا تنطوي على غير المكر والغدر واخداع وسيمثلون بالغد القريب نفس الدور الذي الدور مثلوه بالأمس مع قريش وأحلافها من الأعراب في غير ذلك الفصل الذي حدثت في تلك الأحداث التي روعت المشركين وزعزت جميع آمالهم وأهدافهم.

ولو أفترضنا أن النبي (ص) جدد لبعهد معهم في تلك الفترة، فما الذي يمنعهم من نقضه والخروج عليه مرة ثانية كما فعلوا بالأمس، في حين أنهم لم يجدوا منه إلا الصدق والوفاء كما أعترف بذلك زعيمهم حينما دعاه حبي بن خطب للاشتراك مع الغزاة كما ذكرنا.

لقد التزم النبي (ص) بجميع بنود الاتفاق مع بني قريظة كما التزم بها مع بني النضير وبني قينقاع وظل وفياً كريماً يحوطها ويرعاها بما انطوت عليه نفسه الكريمة من النبل والكرم والوفاء، ومع كل ذلك فقد كانوا أداة سوء وشر لم يذق هو أصحابه طعم الراحة إلا بعد أن أخرجهم منها، وها هم بنو قريظة يمثلون نفس الدور الذي مثله بنو قينقاع والنضير وأسوأ منه.

الزوار : 250
الاضافة: 13/09/2008
غـزوة الخنـدق
المؤلف :

غزوة بني المصطلق

مجمل القول في غزوة المصطلق كما جاء في كتب السيرة المطهرة هي:

أن الحارث بن أبي ضرار دعا قومه خزاعة ومن في جوارحهم من الأعراب إلى غزو المدينة، ولما بلغ خبرهم رسول الله بعث بريدة بن الحصيب ليكشف له خبرهم فاستأذنه بريدة أن يقول ما يشاء لإنجاح مهمته فأذن له النبي (ص) ومضى بريدة إليهم: فقال الرجل منكم قدمت عليكم بعد ما بلغني أنكم تعدون العدة وتتأهبون لغزو هذا الرجل يعني بذلك النبي، فإذا صح الخبر فأنا معكم بمن أطاعني من قومي لنكون يداً واحدة عليه ولعلنا نستأصلهم.

فرحب الحارث به وطلب إليه التعجيل بمن معه من قومه، فرجع إلى رسول الله (ص) وأخبرهم بحالهم فندب رسول الله (ص) الناس إليهم لليلتين خلتا من شعبان كما جاء في كتب السيرة فأجابوه إلى ذلك وخرج معه في هذه الغزوة جماعة من المنافقين طمعاً في الغنائم وخرج رسول الله (ص) بمن معه حتى بلغ ماء يقال له المريسيع وكانوا قد تجمعوا عليه وأعطى راية المهاجرين في هذه الغزوة لعمار بن ياسر، وراية الأنصار لسعد بن عبادة وأصاب عيناً للمشركين كان قد وجهه الحارث ليأتيه بخبر رسول الله (ص) فعرض عليه النبي (ص) أن يسلم فأبى عليه فأمر بقتله، وزحف كل من الفريقين للآخر واحتدم القتال بينهما فقتل منهم عشرة ووقع الباقون في أيدي المسلمين أسارى، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد قتله بعض المسلمين خطأ.

وجاء في سيرة ابن هشام أن علياً (ع) قتل رجلين من بني المصطلق وأسرهم النبي (ص) مع نسائهم واستولى على مواشيهم وأموالهم، وكانت الإبل ألفي بعير والغنم خمسة آلاف شاة وأٍر مائتي عائلة ومن بينهم جويرية بنت الحارث، وحينما قسم رسول الله (ص) الغنائم وقعت في سهم ثابت بن قيس ابن الشماس، وكانت عزيزة في قومها.

ويدعي اين هشام في سيرته وابن كثير في تاريخه وغيرهما أنها كاتبته في فداء نفسها فأتت رسول الله (ص) تستعين به في فدائها، وحدث جماعة عن عائشة أنها قالت لقد رأيت جويرية على باب حجرتي فكرهتها وعرفت بأنه سيرى منها رسول الله (ص) ما رأيت من جمالها فدخلت عليه وقالت له: يا رسول الله (ص) أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عليك ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن الشماس وقد جئتك أستعينك على كتابتي فقال لها أفهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله (ص)؟ قال: أقضي عنك كتابتك وأتزوجك فرحبت بذلك، وتم زواجه منها بعد أن أعتقها كما جاء في بعض المرويات.

ولما بلغ المسلمين حديث زواجها من رسول الله (ص) أرسوا من كان بأيديهم من الأسرى، وهم أكثر من مائة أهل البيت كانوا لا يزالون في أيدي المسلمين بدون فداء على حد تعبير الرواة، وعقب على ذلك اين هشام بأنه لا يعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها إلا أنها كانت السبب في اسلامهم وخلاصهم من الأسر.

وقيل أن أباها جاء إلى النبي (ص) يطلبها منه فردها عليه ثم تزوج منها وقيل غير ذلك.

وقد أدرك المسلمون في هذه الغزوة نصراً مظفراً بدون أن يكلفهم سوى قتيل واحد قتله أحد المسلمين خطأ كما ذكرنا، ولم يحدث فيها ما يعكر صفو المسلمين سوى ما جاء في كتب السيرة من أن خادماً لعمر بن الخطاب كان يستقي من ماء المريسيع ازدحم على الماء مع مولى لبني عوف من الأنصار وكادا أن يقتتلا، فاجتمع الطرفان وكاد الشر أن يقع بينهما.

واستغل هذه الحادثة عبدالله بن أبي وكان في جماعة المنافقين، وفيهم زيد بن الأرقم، وهو غلام حدث، فقال ابن أبي لقد كاثرونا في بلادنا، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن منها الأعز منها الأذل، وأقبل على قومه يحثهم ويحرضهم على التنكر للرسول وأصحابه، فذهب زيد بن الأرقم وأخبر الرسول بما سمع من عبدالله بن أبي وعنده عمر بن الخطاب، فدعا إلى قتل عبدالله بن أبي فأنكر عليه النبي (ص) ذلك وقال له يا عمر أتريد أن يتحدث الناس بأن محمداً قتل أصحابه، ثم أمر بالرحيل في ساعة لم يكن ليرحل بها لولا تلك الحادثة، ومشى بالناس طوال الليل وشطراً من اليوم الثاني حتى آذتهم الشمس فنزلوا وقد أنهكهم السير، فلما استراحوا تابع مسيرته إلى المدينة ونزلت سورة المنافقين كما جاء في تاريخ ابن خلدون.

ولما سمع عبدالله بن أبي بمقالة أبيه تبرأ منه وجاء إلى النبي (ص) وقال يا رسول الله (ص) أنت والله الأعز وهو الأذل: وإن شئت أخرجته من المدينة، ثم اعترض أباه قبل دخولها وقال له: والله لا يدخلها حتى يأذن لك رسول الله (ص) فأذن له النبي (ص) ودخلها مع الناس ثم قال ولده عبدالله: بلغني يا رسول الله (ص) أنك تريد قتل أبي وإني أخشى أن تأمر أحداً بقتله فتدعوني نفسي إلى الثأر منه: وإن قتلت قاتله أكون قد قتلت مسلماً بكافر، ولكن مرني بذلك فأنا والله مستعد لأن آتيك برأسه فجزاه رسول الله (ص) خيراً وقال له: لا يصل إلى أبيك سوء أبداً ولنحسنن صحبته ما دام أظهرنا.

وجاء في المرويات أن جماعة قالوا لعبدالله بن أبي: اذهب إلى رسول الله (ص) ليستغفر لك فلوى رأسه ترفعاً واستخفافاً بذلك القول ونزلت الآيات من سورة المنافقين بهذه المناسبة: {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رؤوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون*سواء عليهم استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين}(المنافقون5).

ويدعي المؤلفون في سيرة النبي (ص) أن النبي (ص) بعد أن أسر بني المصطلق وتزوج جويرية ابنة زعيمهم وترك المسلمون ما بأيديهم من الأسرى تكريماً لها أسلم زعيمهم الحارث وأخذ الإسلام ينتشر بينهم، وبعد عامين من اسلامهم كما جاء في تاريخ ابن خلدون بعث النبي (ص) الوليد ين عقبة بن أبي معيط ليجبي صدقاتهم فخرجوا يتلقونه فخافهم على نفسه فرجع إلى رسول الله (ص) وأخبره أن القوم قد هموا بقتله وامتنعوا على إعطائه الصدقات فأكثر المسلمون الحديث عنهم وأشاروا على النبي (ص) بغزوهم ثانية، وظلوا يلحون على رسول الله (ص) حتى هم بذلك، وفيما هم في الحديث عن غزوهم وإذا بوفد منهم أقبل على المدينة ليبين للنبي حقيقة ما جرى، وحلفوا له بأنهم لا يزالون على اسلامهم وقد خرجوا لاستقباله لا لقتله كما يدعي الوليد بن عقبة.

ونزلت الآية من سورة الحجرات لتؤكد للنبي صدقهم وهي قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين*واعموا أن فيكم رسول الله لو يعطيكم في كثير من الأمر لعنتم}(الحجرات6).

وفي مجمع البيان المجلد الخامس بعد أن نقل القول الأول في نزول الآية قال وقيل أنها نزلت فيمن لرسول الله أم مارية أم إبراهيم يأتيها ابن عم لها قبطي، فدعا رسول الله (ص) علياً وقال له: يا أخي خذ هذا السيف فإن وجدته عندها فاقتله فقال علي (ع) يا رسول الله (ص) أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة أمضي لما أمرتني به أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فقال بل الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.

قال علي (ع) فأقبلت متوحشاً بالسيف فوجدته عندها فاخترطت السيف فلما عرف أني أريده صعد إلى نخلة ثم رمى بنفسه وشفر برجليه فإذا هو واجب أمسح ما له مما للرجال قليل أو كثير، فرجعت وأخبرت النبي (ص) بذلك، فقال الحمد لله الذي يصرف عنا السوء أهل البيت ونزلت الآية.

الزوار : 294
الاضافة: 13/09/2008
غزوة بني المصطلق
المؤلف :

غزوة بني لحيان وذي قرد

يدعي جماعة من المؤلفين في السيرة النبوية أن غزوة بني لحيان وذي قرد كانتا بعد صلح الحديبية، وذهب ابن سعد في طبقاته أنهما كانتا قبل الحديبية وذكرهما ابن هشام في سيرته بعد غزوة الأحزاب وقتل بني قريظة وقبل غزوة بني المصطلق بعد أن مر عليهما نحو من ستة أشهر، وكان ذلك في ربيع الأول.

وقيل في جمادى الأولى وقد خرج النبي من المدينة في مائتين من أصحابه قاصداً بني لحيان لينتقم لأصحابه السبعة الذين غدر بهم بنو لحيان عند ماء الرجيع قبل ذلك الوقت بنحو من سنتين تقريباً، ولم يعلم أحداً بمقصده مخافة أن يتسرب خبره إلى القوم فينهزموا، أو يتخذوا الحيطة لأنفسهم، وأظهر أنه يريد الشام، وجعل يجد السير مسرعاً بمن معه حتى بلغ منازل بني لحيان، وصادف أن جماعة رأوه وهو متجه نحوهم فأخبروا بني لحيان بذلك فتركوا منازلهم واعتصموا برؤوس الجبال ومعهم أمتعتهم وذراريهم، فلم يتمكن منهم النبي فرجع واتجه نحو عسفان موهماً أهل مكة أنه قاصداً إليها، فنزل عسفان وبعث فارسين من أصحابه حتى بلغا كراع الغميم على مقربة من مكة، ورجع بمن معه إلى المدينة وه يردد مع أصحابه آيبون تائبون لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال.

الزوار : 325
الاضافة: 13/09/2008
غزوة بني لحيان وذي قرد
المؤلف :

غزوة حنين

كانت هذه الغزوة بعد أن فتح النبي مكة واستقام له أهلها ملتفين حوله حيث أقام وحيث ذهب ونفوسهم مطمئنة إلى أن ما بقي من العرب على الشرك سيدخلون في الإسلام طائعين خلال أشهر معدودات وأنهم لكذلك يعيشون في هذا الجو من الإطمئنان والهدوء والتطلع إلى غد أفضل، والنبي (ص) لا يزال في مكة يبعث السرية تلو الأخرى إلى القبائل المجاورة لمكة ليطهر المنطقة من عبادة الأوثان ويجمعهم على الإيمان باللّه ورسوله، وفيما هم يعيشون في هذا الجو من الغبطة، وإذا بالأخبار تترامى إليهم بأن هوازن وأحلافها كثقيف وجشم ونصر قد ساءهم انتصار النبي في مكة وقدروا أن الدائرة ستدور عليهم، وإن المسلمين سيقتحمون عليهم بلادهم وديارهم أن عاجلاً أو آجلاً، فاجتمعوا بقيادة مالك بن عوف لمهاجمة محمد ولصده عن ديارهم وبلادهم إذا هو فكر في غزوهم.

وكانوا حينما خرج النبي من المدينة ظنوا أنه متجه إليهم فاجتمعوا لمقابلته، وتبين لهم بعد ذلك أنه قاصد لمكة، ولم يبق لديهم من شك بعد أن خضعت له مكة وأقبل أهلها وهم الأعداء الألداء لرسالته يتهافتون على الدخول فيها أنه سيغزوهم في بلادهم فأعدوا العدة لذلك وتكتلوا مع أحلافهم لمهاجمته بجموع لم يشهدها من قبل، ولم يتخلف عنهم سوى قبيلتي كعب وكلاب، فلم يستجب منهما أحد لطلب مالك بن عوف.

وكان دريد بن الصمة أحد بني جشم شيخاً كبيراً قد حملوه معهم ليستفيدوا من رأيه وخبرته بالحروب، كما اشترك معهم زعماء تلك القبائل ولكن القيادة العامة كانت لمالك بن عوف ومضت تلك الحشود التي قدرها المؤرخون بثلاثين ألفاً أو تزيد بقيادة مالك بن عوف لغزو محمد حيث كان، ونزلت بسهل اوطاس، فقال نعم مجال الخيل: لا حزن ضرس ولا سهل دهس، ثم قال لهم ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وثغاء الشاة وبكاء الصغير، فقال له مالك بن عوف لقد حملنا مع الناس النساء والأطفال حتى لا يطمع أحد بالفرار، فقال له دريد، وهل يرد المهزوم شيء إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك.

ثم قال له دريد: ما فعلت كعب وكلاب، فقال لم يشهد معنا منهم أحد، فقال غاب الجد والحد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، ثم سأله من شهد منكم فأجابه عمرو بن عامر وعوف بن عامر، فقال ذانك الجذعان لا ينفعان ولا يضران، ودار حوار بينهما لم يتفقا فيه على رأي واحد، وأخيراً قال له مالك: إنك قد كبرت وكبر علمك، والتفت إلى تلك الجموع وقال واللّه إن عصيتموني لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري وكان شاباً في الثلاثين من عمره قوي الإرادة ماضي العزيمة فتبعه الناس، ومضى دريد معهم لا يرد لهم رأياً بالرغم من كبر سنه وخبرته بالحروب والمعارك، وأمر مالك أصحابه أن ينحازوا إلى قمم حنين ومنعطفاتها.

ولما بلغ رسول اللّه (ص) خبر تلك الحشود التي خرجت لحربه أرسل عبد اللّه بن حدرد الأسلمي وأمره أن يدخل بين الناس متنكراً ويأتيه بخبرهم، فذهب ودخل بينهم واطلع على عدتهم وعددهم وإصرارهم على حرب رسول اللّه، والنبي يعد العدة ويحرض المسلمين على قتالهم والصبر والثبات ورجع عبد اللّه إلى النبي وأخبره بحالهم، فدعا رسول اللّه عمر بن الخطاب وأخبره بما رجع به عبد اللّه بن حدرد، فقال له عمر أن عبد اللّه بن حدرد يكذب عليك يا رسول اللّه، فقال له عبد اللّه كما جاء في رواية ابن هشام والطبري وغيرهما أن تكذبني فطالما كذبت بالحق يا عمر، فقال له عمر ألا تسمع ما يقول ابن حدرد يا رسول اللّه وأراد النبي أن يلطف الجو بينهما، فقال لقد كنت ضالاً فهداك اللّه إلى الإسلام ياعمر.

ولما أتم النبي تجهيز جيشه واستعار بعض الأعتدة من صفوان بن أمية كما ذكرنا خرج من مكة في اثني عشر ألف مقاتل، منهم ألفان من مكة وفي مقدمته الفرسان والإبل تحمل الذخيرة لثلاث خلون من شوال في السنة الثامنة من الهجرة، والمسلمون قد أخذهم الغرور بهذا العدد الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ حروبهم مع المشركين، وقال أبو بكر كما جاء في بعض المرويات: لا نغلب اليوم من قلة.

وبعث مالك بن عوف ثلاثة من أتباعه وأمرهم أن يندسوا بين أصحاب النبي ويأتوه بأخبارهم، فذهبوا وما لبثوا أن رجعوا إليه كالمدهوشين قد استولى عليهم الخوف، وقالوا له: رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق، فو اللّه ما تماسكنا إن أصابنا ما ترى، ولكنه مضى في طريقه مصمماً على قتال المسلمين وإبادتهم إذا وجد سبيلاً لذلك.

وجاء في كتب السيرة عن الحارث بن مالك إنه قال: خرجنا مع رسول اللّه (ص) إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، وكانت لقريش وغيرهم من العرب سدرة عظيمة يسمونها ذات أنواط يجتمعون تحتها في كل عام فيذبحون تحتها ويأكلون ويستريحون ويسمرون، فلما رأيناها تنادينا يا رسول اللّه اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فرد عليهم النبي وقال لقد قلتم كما قال قوم موسى:

{اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة إنكم قوم تجهلون}، ثم قال لتركبن سنن من كان قبلكم وبلغ النبي(ص) حنيناً مع المساء فنزلوا على أبواب واديها وأقاموا بها حتى الفجر وعبأ النبي أصحابه ووزع الألوية والرايات، فأعطى لواء المهاجرين لعلي (ع) وأعطى الراية لسعد بن أبي وقاص، وأعطى لواء الأوس إلى أسيد بن حضير، ولواء الخزرج لسعد بن عبادة، ووزع على بقية القبائل الرايات والألوية، وركب بغلته البيضاء، ولبس درعين ومغفراً.

قال جابر بن عبد اللّه الأنصاري لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة وذلك في عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا فكمنوا لنا في شعابه واحنائه ومضايقه، وإننا لكذلك، فما راعنا ونحن نسير إلا كتائب هوازن ومن معها من العرب قد شدوا علينا شدة رجل واحد فانهزم الناس عن رسول اللّه (ص) لايلوي أحد منهم على أحد قد أخذهم الخوف والفزع، وانحاز رسول اللّه (ص) إلى ذات اليمين، ثم قال أيها الناس إليّ أنا رسول اللّه محمد بن عبد اللّه فلم يجبه أحد من المنهزمين، وقال ابن قتيبة في المعارف: إن الذين ثبتوا مع رسول اللّه يوم حنين علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وأسامة بن زيد بن حارثة.

وجاء عن العباس بن عبد المطلب أنه قال في ذلك الموقف:

نصرنا رسول اللّه في الحرب سبعة وقد فرمن قد فر منهم واقشعوا

وثامننا لاقــــى الحمـــام بسيفـــه بما مسه في اللّــــه لا يتوجع

وقال الشيخ المفيد في إرشاده لم يبق مع النبي إلا عشرة نفر تسعة من بني هاشم، والعاشر أيمن بن أم أيمن فقتل أيمن وثبت التسعة، حتى رجع إلى رسول اللّه من كان قد انهزم.

وجاء في تاريخ الخميس وفي رواية أنه لم يبق معه إلا أربعة ثلاثة من بني هاشم علي والعباس وأبو سفيان ب الحارث وكان قد أخذ بعنان بغلته والرابع عبد اللّه بن مسعود، وأضاف إلى ذلك أن علياً والعباس كانا يحفظانه من قبل وجهه وعبد اللّه بن مسعود يحفظه من جانبه الأيسر وكان كل من يقبل على رسول اللّه يقتل ونص على ذلك أيضاً في السيرة الحلبية وقد وصف اللّه حالة المسلمين في ذلك اليوم بقوله:

{ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين* ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تراها}(التوبة 25-26).

وجاء في إرشاد المفيد أن الآية تعني بالمؤمنين علياً ومن ثبت معه من الهاشمين كما جاء في تاريخ اليعقوبي المجلد الثاني أن المسلمين قد انهزموا عن رسول اللّه وبقي في عشرة من بني هاشم وقيل تسعة وهم علي بن أبي طالب والعباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث ونوفل بن الحارث وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب والفضل بن العباس وعبد اللّه بن الزبير بن عبد المطلب، وأضاف إلى ذلك وقيل أن أيمن بن أم أيمن كان معهم.

وعلى أي الأحوال فلقد اتفق المؤلفون في سيرة النبي أن علياً وأكثر بني هاشم قد ثبتوا مع النبي، وبعض الروايات الشاذة تنص على أن أبا بكر وعمر قد ثبتا معه ولكن تاريخهما في حروب النبي مع المشركين يؤكد أنهما ليسا ممن يثبتون في الأزمات ولم يرو لهما ذكر مع المقاتلين في أكثر حروب النبي وغزواته وكانا أول المنهزمين في أحد كما ذكرنا في ذلك المقام.

واتفق المؤلفون في سيرة النبي(ص) على جماعة تظاهروا بالإسلام في مكة أظهروا الشماتة وأسفروا عن واقعهم.

قال الطبري في تارخه وابن هشام في سيرته والشيخ حسين الدياربكري في تاريخ الخميس وغيرهم أنه لما انهزم المسلمون ورأى من كان مع رسول اللّه من جفاة مكة الهزيمة قال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، هذا والأزلام في كنانته وكان مستبشراً بتلك الهزيمة وقال شيبة بن طلحة: اليوم أدرك ثأري من محمد وتقدم منه ليقتله فرأى علياً ومن معه من بني هاشم قد أحاطوا به من كل جانب يدافعون عنه.

وجاء في رواية الطبري عن شيبة أن الذي منعه منه شيء تغشاه فلم يعد يطيق ذلك فعلم أنه قد منع منه، هذا مع العلم بأن النبي قد كرمهم بالأمس في مكة ورد عليهم مفتاح الكعبة. وقال كلدة بن حسل أخو صفوان بن أمية لأمه الآن بطل السحر، ولما سمع صفوان من أخيه ذلك ورأى أبا سفيان مستبشراً قال لهما: لأن يملكني رجل من قريش أحب إليّ من أن يملكني رجل من هوازن، يعني بذلك أن انتصار محمد أحب إليه من انتصار مالك بن عوف، وقد بدا عليه الانزعاج من شماتة أبي سفيان وغيره ممن أعجبتهم هزيمة المسلمين في حين أنه كان لايزال على شركه.

ومهما كان الحال فلقد كان موقف المسلمين في حنين أسوأ من موقفهم في أحد في بداية الأمر وبعد ثبات النبي(ص) ومن معه من بني هاشم بدأ الموقف يتحول لصالح المسلمين. ويصف العباس بن عبد المطلب الموقف في ذلك اليوم بقوله: إني لمع رسول اللّه آخذ بزمام بغلته البيضاء، وكنت امرأ جسيما شديد الصوت ورسول اللّه(ص) يقول حين رأى من المسلمين ما رأى: إلى أين أيها الناس وهم لا يلوون على شيء، فقال لي يا عباس: صح يا أهل بيعة الرضوان يا أصحاب سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة إلى أين تفرون عن رسول اللّه، فناديت في الناس وكنت جهوري الصوت فأخذوا يتراجعون إلى أن اجتمع إليه نحو من مائة رجل فاستقبلوا بسيوفهم ورماحهم القوم.

وبرز جرول واكن معه راية هوزان يصنع بالمسلمين ما يصنع على حد تعبير الطبري وغيره فتحاماه الناس فبرز إليه علي ابن أبي طالب (ع) فقتله كما جاء في رواية اليعقوبي والمفيد وغيرهما، زفي رواية هشام الطبري أن علياً أقبل فضرب عرقوب جمله فوقع إلى الأرض فتناوله رجل من الأنصار وقتله واشتدت عزيمة المسلمين بذلك وتجالد الفريقان والنبي يتقدم ببغلته رويداً رويداً ويضرب بسيفه ويقول الآن جمي الوطيس.

وفي رواية ثانية أنه نزل على بغلته وقال أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب وتقدم نحو تلك الجموع يقارع الأبطال ويصرع الشجعان فما رثي في الناس أشد منه، هذا وعلي (ع) مرة يظهر عن يمينه وأخرى عن شماله يحصد بسيفه الرؤوس ويصرع الأبطال حتى قتل أربعين من أبطالهم، وعاد أكثر المسلمين إلى المعركة حتى أن الرجل منهم كان إذا أبطأ به بعيره أو التوى به من شدة الزحام وثب عنه واتجه إلى حيث ينادي العباس يريد أن يدفع عنه عار الفرار والهزيمة، وبعضهم لم يرجع إلا بعد أن أيقن أن المعركة تتجه اتجاهاً صحيحاً لصالح المسلمين.

ولم تتضح معالم الصباح حتى كانت أرض المعركة تهتز لوقع القتال، وأخذ النبي حفنة من التراب تناولها بيده، وقيل ناوله أياها أبو سفيان بن الحارث فألقاها في وجوه الأعداء، وقال: شهت الوجوه هم لا ينصرون وتقدم نحو القوم وقد تكاثر المسلمون خلفه فما تعالى النهار حتى كانت الكرة للمسلمين يضربون ويطعنون في صدور المشركين حتى انتفضت صفوفهم وتفرقت كتائبهم وصدتهم المسالك والزحام عن الفرار، ولم يكن لهم بد من الهزيمة والمسلمون في أثرهم يقتلون ويأسرون، وقد أخذهم الحماس حينما رأوا النبي يباشر الحرب بنفسه ببسالة لم يسمع بمثلها ومن حوله علي بنو هاشم الذين ثبتوا معه في الساعات الأولى من المحنة التي حلت بهم في ظلمة الفجر، ولولاهم لانتهت المعركة

بنتيجة لم يكن الشرك ليحلم ببعض منها، ودب الذعر والخوف في صفوف المشركين وأصبح كل إنسان يفكر في الطريق إلى الخلاص بعد أن أيقنوا أن المقاومة لا تجديهم وأنهم معرضون للفناء عن آخرهم فما هو إلا أن انكشفت المعركة أسفرت عن هزيمتهم تاركين نساءهم وأولادهم وأموالهم تحت رحمة المسلمين.

الزوار : 312
الاضافة: 13/09/2008
غزوة حنين
المؤلف :

غزوة غطفان

لقد استفاضت أنباء محمد وأصحابه بين العرب، وأدخلت تلك الأنباء الرعب في قلوب القبائل العربية لا سيما من كان قريباً منها إلى المدينة.

لقد دخل محمد وأصحابه بالأمس القريب وهم قلة يلتمسون في المدينة ملجأ يحميهم من غارات قريش وجيرانهم العرب واليهود، واليوم أصبحوا يقفون في وجه قريش ويجلون يهود المدينة بني قينقاع ويرسلون السرايا تتهدد الطرق والمسالك إلى الشام فيقتلون ويأسرون، ويعرضون رحلات قريش والعرب وتجارتهما للمخاطر، فماذا تراهم يصنعون في مقابل هذا الزحف المتصاعد يوماً بعد يوم، ومن حقهم أن يفكروا في مصيرهم، وفيما عسى أن يصيبهم من محمد وأصحابه أن ظفروا بهم، ولكن الغرور كان يستولي أحياناً على بعض القبائل، فتسول لهم نفوسهم أن يعادوا الرسول، ولو بغزو المدينة إذا اقتضى الأمر ذلك.

فمن ذلك أن جماعة من غطفان من بين ثعلبة بن محارب تجمعوا يريدون حرب الرسول (ص) فبلغه خبرهم فخرج إليهم في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة، ومعه أربعمائة وخمسون رجلاً من المسلمين، وما أن تسامع الأعراب بخبره حتى فروا إلى رؤوس الجبال ومضى مع أصحابه حتى بلغ ماء يقال له ذو آمر.

وجاء في البداية والنهاية أن هذه الغزوة يقال لها غزوة (ذي آمر) فعسكروا على ذلك الماء وأصابهم مطر كثير فابتلت ثياب النبي (ص)، فنزل تحت الشجرة هناك ونشر ثيابه لتجف رطوبتها، والمشركون من على رؤوس الجبال ينظرون إليه، فأرسل المشركون رجلاً منهم فتاكاً يقال له دعثور بن الحارث، وقالوا له أمكنك الله من قتل محمد، وذهب إليه دعثور ومعه سيف صقيل حتى قام على رأسه و السيف مشهور بيده فقال له: يا محمد من يمنعني منك اليوم؟ فقال النبي: الله يمنعك.

ودفع جبريل في صدره فوع السيف من يده، فأخذ رسول الله (ص) وقال لدعثور: من يمنعك مني؟ فقال لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله الله وأن محمداً عبده ورسوله، والله لا أكثر عليك جمعاً أبداً، فأعطاه رسول الله سيفه، فلما رجع إلى أصحابه قالوا له ويلك ماذا صنعت قال: نظرت إلى رجل طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري فعرفت إنه ملك، وشهت أن محمداً رسول الله، وأعطيته عهداً أن لا أكثر عليه جمعاً أبداً.

ثم جعل يدعو قومه إلى الإسلام وجاء في البداية والنهاية أن الآية التالية نزلت بهذه المناسبة:

{يا أيها الذين اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم}(المائدة 11).

وموضع التساؤل في هذه القصة أن النبي (ص) هل كان ينفرد عن أصحابه في غزواته، وهل يتركه أصحابه وحيداً في تلك الفلاة والمشركون على مقربة منهم، وهب أنه ذهب إلى الشجرة ليجفف ثيابه من المطر، ولكن كيف تركه ذلك الجيش المؤلف من أربعمائة وخمسين مقاتلاً، وخفي عليهم ذك الرجل الذي تحدر من الجبل لاغتياله وهو بعيد عن أصحابه كما جاء في رواية البداية والنهاية، كل ذلك يدعو إلى الشك في رواية ابن كثير والله العالم بحقيقة الحال.

لقد استفاضت أنباء محمد وأصحابه بين العرب، وأدخلت تلك الأنباء الرعب في قلوب القبائل العربية لا سيما من كان قريباً منها إلى المدينة.

لقد دخل محمد وأصحابه بالأمس القريب وهم قلة يلتمسون في المدينة ملجأ يحميهم من غارات قريش وجيرانهم العرب واليهود، واليوم أصبحوا يقفون في وجه قريش ويجلون يهود المدينة بني قينقاع ويرسلون السرايا تتهدد الطرق والمسالك إلى الشام فيقتلون ويأسرون، ويعرضون رحلات قريش والعرب وتجارتهما للمخاطر، فماذا تراهم يصنعون في مقابل هذا الزحف المتصاعد يوماً بعد يوم، ومن حقهم أن يفكروا في مصيرهم، وفيما عسى أن يصيبهم من محمد وأصحابه أن ظفروا بهم، ولكن الغرور كان يستولي أحياناً على بعض القبائل، فتسول لهم نفوسهم أن يعادوا الرسول، ولو بغزو المدينة إذا اقتضى الأمر ذلك.

فمن ذلك أن جماعة من غطفان من بين ثعلبة بن محارب تجمعوا يريدون حرب الرسول (ص) فبلغه خبرهم فخرج إليهم في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة، ومعه أربعمائة وخمسون رجلاً من المسلمين، وما أن تسامع الأعراب بخبره حتى فروا إلى رؤوس الجبال ومضى مع أصحابه حتى بلغ ماء يقال له ذو آمر.

وجاء في البداية والنهاية أن هذه الغزوة يقال لها غزوة (ذي آمر) فعسكروا على ذلك الماء وأصابهم مطر كثير فابتلت ثياب النبي (ص)، فنزل تحت الشجرة هناك ونشر ثيابه لتجف رطوبتها، والمشركون من على رؤوس الجبال ينظرون إليه، فأرسل المشركون رجلاً منهم فتاكاً يقال له دعثور بن الحارث، وقالوا له أمكنك الله من قتل محمد، وذهب إليه دعثور ومعه سيف صقيل حتى قام على رأسه و السيف مشهور بيده فقال له: يا محمد من يمنعني منك اليوم؟ فقال النبي: الله يمنعك.

ودفع جبريل في صدره فوع السيف من يده، فأخذ رسول الله (ص) وقال لدعثور: من يمنعك مني؟ فقال لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله الله وأن محمداً عبده ورسوله، والله لا أكثر عليك جمعاً أبداً، فأعطاه رسول الله سيفه، فلما رجع إلى أصحابه قالوا له ويلك ماذا صنعت قال: نظرت إلى رجل طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري فعرفت إنه ملك، وشهت أن محمداً رسول الله، وأعطيته عهداً أن لا أكثر عليه جمعاً أبداً.

ثم جعل يدعو قومه إلى الإسلام وجاء في البداية والنهاية أن الآية التالية نزلت بهذه المناسبة:

{يا أيها الذين اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم}(المائدة 11).

وموضع التساؤل في هذه القصة أن النبي (ص) هل كان ينفرد عن أصحابه في غزواته، وهل يتركه أصحابه وحيداً في تلك الفلاة والمشركون على مقربة منهم، وهب أنه ذهب إلى الشجرة ليجفف ثيابه من المطر، ولكن كيف تركه ذلك الجيش المؤلف من أربعمائة وخمسين مقاتلاً، وخفي عليهم ذك الرجل الذي تحدر من الجبل لاغتياله وهو بعيد عن أصحابه كما جاء في رواية البداية والنهاية، كل ذلك يدعو إلى الشك في رواية ابن كثير والله العالم بحقيقة الحال.

الزوار : 312
الاضافة: 13/09/2008
غزوة غطفان
المؤلف :

غزوة العشيرة

قد خرج رسول الله (ص) فيما يدعي المؤرخون وكتاب السيرة كابن هشام وابن جرير أنه خرج ليعترض على قافلة لقريش كانت في طريقها إلى مكة، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وكانت في السنة الثانية من هجرته، ولواؤه مع الحمزة بن عبدالمطلب، ومضى حتى نزل العشيرة من بطن ينبع ولم يلق بها أحداً، غير أنه وادع فيها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة.

وحدث ابن إسحاق عن جماعة عن عمار بن ياسر أنه قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة فلما نزل رسول الله وأقام بها رأينا أناساً من بني مدلج يعملون في عين لهم فيها نخل، فقال لي علي بن أبي طالب: يا أبا اليقظان هل لك أن تذهب إلى هؤلاء القوم فتنظر كيف يعملون؟ قال قلت إن شئت فجئناهم ونظرنا إلى عملهم ساعة ثم غشينا النوم، فانطلقت أنا وعلي (ع) حتى اضطجعنا في صور من النخل وفي دقعاء (أي على التراب اللين) فنمنا والله ما أيقظنا إلا رسول الله (ص) يحركنا برجله وقد تتربنا من تلك البقعة التي نمنا فيها ففي ذلك اليوم قال رسول الله لعلي: ما بالك يا أبا تراب، ثم قال: ألا أحدثكما بأشقى الناس قلنا بلى يا رسول الله، قال أشقى الناس رجلان أحيمر ثمود الذي عقر ناقة صالح، والذي يضربك يا علي على هذه ووضع يده على قرنه حتى يبتل منها هذه وأخذ بلحيته الكريمة.

ورواها ابن جرير الطبري ف تاريخه على هذا النحو أولاً، وأضاف أنه قيل غير ذلك، وتتلخص روايته الثانية أن عبدالعزيز بن أبي حازم روى عن أبيه أنه قال قيل لسهل بن سعد الساعدي أن بعض أمراء المدينة يريد أن يبعث إليك لتسب علياً على المنبر، وتقول له يا أبا تراب، قال ولله ما سماه بذلك إلا رسول الله.

قلت وكيف ذاك قال، دخل على فاطمة ثم خرج من الدار واضطجع في المسجد في فيئه، ثم دخل رسول الله (ص) على فاطمة وسألها عن علي (ع)، فقالت له هو ذاك مضطجع في المسجد، فجاءه رسول الله فوجده وقد سقط رداؤه عن ظهره وخلص إليه التراب، فجعل رسول الله يمسح عن ظهره التراب ويقول: أجلس يا أبا تراب، فوالله ما سماه بهذا الاسم إلا رسول الله (ص)، وكان والله أحب أسمائه إليه.

ولا منافاة بين الروايتين فمن الجائز أن يكون أول ما سماه بهذا الاسم في غزوة العشيرة كما جاء ذلك في رواية عمار حينما رآه نائماً فأيقظه ومسح عن ظهره التراب وقال كلمته الخالدة التي ظلت لغزاً طيلة أربعين عاماً حتى جاء ابن ملجم أحد الشقيين فضربه بالسيف في محرابه فخضب كريمته من دم رأسه، وناداه بهذا الاسم حينما رآه نائماً على تراب المسجد وقد علق التراب بظهره فمسحه وقال له اجلس أبا تراب.

ورى ابن هشام عن إسحاق أن جماعة من أهل العلم حدثوه بأن النبي أنما سمى علياً أبا تراب لأنه كان إذا تشاجر مع فاطمة على أمر من الأمور لم يلكمها ولم يقل لها ما تكره إلا أنه كان يأخذ التراب ويضعه على رأسه حتى أصبح علامة على أنه في نزاع م فاطمة (ع) فكان رسول الله إذا رأى ذلك منه عرف أنه في نزاع مع فاطمة، فيقول له مالك يا أبا تراب.

وبلا شك أن هذه الرواية من موضوعات عروة أو أبي هريرة اللذين روى عنهما ابن إسحاق في سيرته كثيراً ومن الثابت أن عروة كان يتعمد يسيء إلى علي وآل علي ويسند مروياته إلى خالته عائشة في الغالب، وموقف السيدة عائشة من علي و فاطمة معلوم لذا كل منصف، فلد أعلنت حرب طائشة على علي إمام المسلمين، وأراقت دماء الألوف من الأبرياء وتجاهلت نصوص القرآن التي أمرت نساء النبي أن يقرن في بيوتهن، ووصية رسول الله التي أحذرها فيها من موقفها المعادي لعلي.

ولكنها خالفت كل ذلك وقادت جيشاً لحربه في البصرة مخالفة بذلك نصوص القرآن وسنة رسوله (ص) والسيدة فاطمة (ع) أرفع شأناً من أن تغضب علياً أو تسيء إليه في قول أو فعل كما تؤكد ذلك سيرتها الكريمة.

الزوار : 329
الاضافة: 13/09/2008
غزوة العشيرة
المؤلف :

غزوة بدر الثانية

لقد جاء في طبقات ابن سعد أنها كانت في أول ذي القعدة على رأس خمسة وأربعين شهراً من الهجرة.

وفي تاريخ الطبري وأبي الفداء وسيرة ابن هشام والبداية والنهاية أنها كانت في شعبان وسماها المؤرخون بغزوة بدر الموعد، لأن أبا سفيان حينما خرج من أحد نادى في المسلمين أن موعدنا معكم بدر في العام القادم، وهو يريد بذلك أن ينتقم لقتلى بدر في المكان الذي قتلوا فيه، وفي الموعد المذكور نذر النبي (ص) أصحابه إلى لقاء قريش وخرج في ألف وخمسمائة من المقاتلين واستخلف على المدينة عبدالله بن رواحة، وأعطى لواءه لعلي (ع)، وسار النبي بمن معه حتى انتهى إلى بدر وأقام فيها ثمانية أيام، وقيل أنها كانت مركزاً يجتمع فيها العرب في كل عام يبيعون ويشترون، وقد خرج المسلمون معهم بضائع باعوها حيث صادف تجمع العرب فربح الدرهم درهماً وأقاموا بها ثمانية أيام ورجعوا وتخلف أبو سفيان عن الموعد.

وموضع التساؤل في أن المسلمين كما جاء في كتب التاريخ كانوا قد خرجوا لملاقاة أبي سفيان حيث تهددهم بالحرب في ذلك المكان، فقد خرجوا إذن لحرب مرتقبة مع قريش وأتباعها من العرب، ومع ذلك فكيف يخرجون بأمتعتهم للتجارة في تلك الأيام التي يجتمع فيها الأعراب في كل عام يبيعون ويشترون كما تنص على ذلك بعض المؤلفات في السيرة وكيف يخرج النبي (ص) لحرب قريش في أيام تجع الأعراب من مختلف النواحي للبيع والشراء وأكثرهم لا يزالون على الشرك، ومن غير البعيد لو وقع قتال في هذه الحالات أن ينحاز أكثرهم مع المشركين، وبذلك يتعرض المسلمون لأشد المخاطر على أموالهم وأنفسهم، وكل الاحتمالات لا بد وأن يضعها النبي في الحساب ويتحاشاها.

والذي أرجحه أن الغزوة لم تكن في الموعد الذي تجتمع فيه الأعراب للبيع والشراء ولم يحمل المسلمون معهم في تلك الغزوة من أموالهم وبضائعهم شيئاً، بل كانت غزواته لرد كيد المعتدين والمشركين.

والذي حدث فيها أن النبي (ص) خرج في ألف وخمسمائة أو أقل من ذلك أو أكثر على اختلاف الروايات وكان أبو سفيان كارهاً للخروج ومتخوفاً من ملاقاة النبي (ص) في ذلك المكان ووضع في حسابه أنه سيلتقي بقوم موتورين وقد استفادوا من معركة أحد دروساً ربما توفر لهم النصر على قريش وأحلافها، ومع ذلك فقد التقى بنعيم بن مسعود الأشجعي في مكة قبل خروجه واكن متعمراً فيها، في مكة قبل خروجه وكان معتمراً فيها، فقال له: يا نعيم كيف تركت محمداً في يثرب قال تركته على تبعئة لغزوكم، فقال له أبو سفيان يا نعيم أن هذا العام جدب ولا يصلح لنا إلا عام ترعى في الإبل ونشرب فيه اللبن، وقد جاء أوان موعد محمد، فالحق بالمدينة وثبطهم وأعلمهم أنا في جمع كثير لا طاقة لهم بنا لكي يأتي الخلف من قبلهم، ولك مني عشرة فرائض أضعها لك في يد سهيل بن عمرو وهو يضمنها لك، فجاء إلى سهيل بن عمرو وقال له يا أبا يزيد: أتضمن هذه الفرائض لكي أذهب إلى محمد ومعه فأثبطه عن الخروج في هذا الموعد، فقال له نعم أني ضامن لذلك فخرج نعيم حتى قدم المدينة فوجد الناس يتجهزون فاندس بينهم، وقال ليس هذا برأي: ألم يخرج محمد بنفسه إلى أحد وقد قتل أصحابه فيها، ومضى يخوف المسلمين من نتائج هذه الغزوة ويصور لهم مخاطرها حتى تخوف الكثير منهم وتردد جماعة في الخروج جمعهم وحثهم على الخروج، وقال: والذي نفسي بيده لو لم يخرج معي أحد لخرجي وحدي، ولما وحده المسلمون مصمماً على الخروج خرجوا معه كما ذكرنا.

ولكن الواقدي وكاتبه ابن سعد صاحب الطبقات يؤكدان أن المسلمين قد خرجوا معهم بضائع وأموالاً باعوها في بدر حيث يجتمع الناس في ذلك الموعد من كل عام.

وأم أبو سفيان فلما يئس من تراجع النبي (ص) خرج من مكة في ألفين من المشركين ومضى حتى انتهى إلى مر الظهران، وفي رواية ثانية إلى مكان يدعى عسفان بعد مسيرة يومين من مكة، وكان متخوفاً من لقاء المسلمين واضعاً في حسابه معركة بدر الكبرى ونتائجها التي أودت بحياة الأشراف من قريش ففضل الرجوع إلى متابعة المسيرة المحفوفة بتلك المخاطر، فجمع أصحابه ونادى فيهم أن هذا العام عام جدب لا يصلح لنا الخرج في مثله، ولا يصلح لكم إلا عام خصيب ترعون فيه أنعامكم وتشربون ألبانها وإني أرى الرجوع إلى مكة خيراً لنا فاستجاب له أكثر من كان معه، فرجع بهم إلى مكة فسماهم أهل مكة جيش السويق، يعنون بذلك أنهم خرجوا لشرب السويق لا للحرب.

ويدعي المؤلفون في السيرة أنه خلال الأيام التي كان النبي (ص) ينتظر فيها أبا سفيان في بدر أتاه مخشي بن عمرو الضمري وكان قد أودعه النبي (ص) في بعض غزواته، فقال له يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء، فأحس النبي منه الاستغراب والسخرية، فقال له نعم: يا أخا بين ضميرة وإن شئت مع ذلك رددنا إليك كان بيننا وبينك، ثم جالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك، فقال لا والله يا محمد: ما لنا بذلك من حاجة.

ولولا أن النبي أحس منه الاستهزاء والسخرية، لم يكن ليقابله بهذا الأسلوب لأنه لم يكن دعية حرب، بل كان موادعاً لا يقوم على منابذة أحد وحربه إلا إذا اضطرته الظروف لذلك، وكان مع ذلك لين الطبع كريم النفس قد بلغ الغاية من النبل والأخلاق الكريمة حتى أنزل الله:{وإنك لعلى خلق عظيم}

ولما يئس النبي من ملاقاة قريش وعلم برجوعهم إلى مكة رجع بمن معه إلى المدينة مستريحاً إلى هذا النصر الذي أعاد للمسلمين شيئاً من هيبتهم التي فقدوها في معركتهم مع المشركين في أحد، ومضى النبي ينظم أمور المسلمين حسبما يوحى إليه تنظيماً دقيقاً يتناول يو ذاك عدة ألوف من المسلمين، وهو على ثقة بأن ذلك النظام الذي يستمده من وحي السماء سيصبح بعد ذلك دستوراً ونظاماً لمئات الملايين من البشر لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وجاء في بعض المؤلفات في السيرة أن الآيات التالية نزلت على رسول الله (ص) بمناسبة هذه الغزوة.

{والذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم* الذين قال لهم الناس أن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم والكيل* فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم* إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين}

الزوار : 279
الاضافة: 13/09/2008
غزوة بدر الثانية
المؤلف :

غزوة حمراء الأسد

قال ابن هشام في سيرته، فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذن مؤذن النبي (ص) بطلب العدو وقال لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، ومن ذلك يبدو أن خروجه كان في اليوم الثاني أو الثالث لرجوعه إلى المدينة، وقد كلمه جابر بن عبدالله بن عمر بن حزام، فقال: يا رسول الله أن أبي كان قد خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي يا بني لا ينبغي لي ولا لك أن تترك هؤلاء النسوة ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله (ص) على نفسي فتخلف مع أخواتك فتخلفت عليهن، فأذن له رسول الله (ص) فخرج معه وأعطى اللواء إلى علي، وخرج معه المسلمون والجراح فيهم فاشية حتى أن أخوين من الأنصار وهما عبدالله بن سهل ورافع بن سهل كانا معه في أحد ورجعا جريحين، فلما أذن مؤذن النبي بالخروج في طلب العدو قال أحدهما للآخر: أتفوتنا غزوة مع الرسول الله (ص)، والله ما لنا دابة نركبها وما منا إلا جريح بجرح ثقيل، ومع ذلك فقد خرجا مع النبي (ص) فقال عبدالله لقد كنت أيسر جرحاً من أخيه، فكنت إذا غلب حملته حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلون ومضى رسول الله بمن معه من المسلمين حتى انتهى إلى مكان يدعى حمراء الأسد، وهو على ثمانية أميال من المدينة فأقام بها ثلاثاً.

وجمل سعد بن عبادة ثلاثين بعيراً من التمر وساق جزراً منها في يوم الاثنين والثلاثاء وأمرهم رسول الله بجمع الحطب فكانوا إذا أمسوا أوقدوا النار فيوقد كل رجل ناراً على حدة حتى من المكان البعيد.

ومر بهم معبد بن أبي معبد الخزاعي وهو يومئذ مشرك، وكانت خزاعة مسلمها وكافرها مسالماً للنبي (ص) فقال معبد: يا محمد عز علينا ما أصابك في نفسك وفي أصحابك وودنا أن الله تعالى أعلى كعبك وأن المصيبة كانت بغيرك ومضى في طريقه حتى التقى بأبي سفيان ومن معه بالروحاء وكانوا يفكرون في الرجوع إلى المسلمين بالمدينة ويقولون لقد أصبنا محمداً وأصحابه، وليس من الرأي أبو سفيان معبداً قال ما وراءك يا معبد قال إن محمداً خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرون عليكم تحرقاً وقد أجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا.

فقال أبو سفيان ويلك ما تقول يا معبد: قال والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل، فقال والله لقد أجمعنا الكرة عليهم حتى نستأصل بقيتهم، فقال أني أنهاك عن ذلك وقد حملني ما رأيت قلت فيهم أبياتاً:

كادت تهد من الأصوات راحلتي

إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل

تردي بأسد كرام لا تنابلة

عند اللقاء و ميل معازيل

فظلت عدواً أظن الأرض مائلة

لما سموا برئيس غير مخذول

فقلت ويل ابن حرب من لقائكم

إذا تغطمطت البطحاء بالجيل

إني نذير لأهل البسل ضاحية

لكل ذي إربة منهم ومعقول

من جيش أحمد لا وخش قنابله

وليس يوصف ما أنذرت بالقيل

فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه.

وجاء في رواية أخرى أن صفوان بن أمية نهاهم عن الرجوع إلى المدينة وقال لهم: أن القوم قد غضبوا ونخشى أن يكون لهم قتال غير الذي كان فرجعوا واتجهوا إلى مكة، فقال للنبي (ص) وهي بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كالأمس الذاهب.

ومضى النبي لما بلغه أنهم قد عدلوا عن الرجوع مضى راجعاً إلى المدينة وقد عاد للمسلمين ثقتهم بأنفسهم واسترد لهم مكانتهم التي تزعزعت في أحد، ومع ذلك فقد ظل المنافقون واليهود يرفعون رؤوسهم ضاحكين يحاولون تشكيك المسلمين برسالة محمد (ص) ويقولون ما محمد إلا طلب ملك ولو كان نبياً ما أصيب هكذا ولم يصب نبي في نفسه وأصحابه بمثل ما أصيب.

ومرة يقولون: إذا كانت بدر آية من آيات الله على رسالة محمد فما عسى أن تكون أحد وما دلالتها؟ وأحس النبي (ص) بحراجة الموقف ودقته لا في المدينة وحدها بل عند سائر القبائل العربية، فمن أرعبتهم نتائج معركة بدر، فقد ردت عليهم معركة أحد من السكينة والطمأنينة ما يشجعهم على معارضته، وحتى على غزوه في داخل المدينة، لذلك فقد اتجه إلى العمل لإرهاب المشركين وقطع الطريق على من يحاول بعث الشكوك وإلى التعويض عما فقده المسلمون في تلك المعركة.

الزوار : 331
الاضافة: 13/09/2008
 غزوة حمراء الأسد
المؤلف :

غزوة قرقرة الكدر

جاء في بعض كتب السيرة أن جمعاً من غطفان وسليم تكتلوا للاعتداء على المسلمين ومهاجمتهم، ولما بلغ النبي خبرهم خرج إلى قرقرة الكدر، وهي أرض ملساء لبني سليم فيها طيور في ألوانها كدرة، ومعه جمع من المسلمين ولواؤه مع علي (ع) ليأخذ الطريق عليهم، فلما وصل ذلك المكان رأى آثار النعم ولم يجد أحداً منهم، فأرسل نفراً من أصحابه إلى أعلى الوادي وانتظر هو في بطنه فلقي غلاماً أسمه يسار، فسأله عن القوم، فقال لا علم لي بهم إنما أورد لخمس وهذا يوم ربيعي والناس قد ارتفعوا إلى الحياة ونحن عراب في النعم، فجمع المسلمون ما وجدوا من النعم وكانت خمسمائة بعير، فأخذ رسول الله خمسها وقسم الباقي على المسلمين، فأصاب كل واحد بعيران.

ورجع إلى المدينة بمن معه وما لبث أن بلغه أن جمعاً كبيراً من بني سليم تجمعوا ببحران وتهيؤا لقتاله، فخرج في ثلاثمائة من أصحابه إليهم، حتى إذا كانوا دون بحران بليلة لقيهم رجل من بني سليم فسأله النبي (ص) عنهم فأخبره أنهم تفرقوا لما بلغهم خروجه إليهم، وهكذا كان الأعراب يجتمعون بقصد غزو المدينة وقتال المسلمين، وعندما يبلغهم أن النبي (ص) قد اتجه نحوهم بمن معه من المسلمين يتفرقون ويعتصمون برؤوس الجبال وبطون الأدوية خوفاً منه ومن أصحابه في أكثر الغزوات.

الزوار : 368
الاضافة: 13/09/2008
غزوة قرقرة الكدر
المؤلف :

غزوة ذات الرقاع

لقد اطمأنت المدينة بعد إجلاء بني النضير عنها أذلاء صاغرين، وضعف أمر المنافقين الذين كانوا يتآمرون مع اليهود عل النبي وأصحابه، وأصبح عبدالله بن أبي بن أبي سلول خائفاً يترقب اليوم الذي يلاقي فيه هو وأتباعه مصير أحلافه اليهود، وكانت المدينة لثلاثة أشهر تبدو عليها الطمأنينة ويخيم عليها السكون والهدوء، وبمضي أيام قلائل من جمادى الأولى من تلك السنة كما جاء في تاريخ الطبري وأكثر المؤلفات في السيرة بلغه أن بني محارب وبني ثعلبة من غطفان يعدون العدة لغزوه فخرج إليهم في أربعمائة من المسلمين، وقيل في سبعمائة، واستخلف على المدينة أبا ذر الغفاري كما جاء في سيرة إبن هشام وقيل غيره.

ولما بلغ ذات الرقاع وهي محلة فيها جبل فيه سواد وبياض وحمرة لقي جمعاً عظيماً من غطفان قد تأهبوا لحربة واستعدوا لقتاله كما جاء في رواية الطبري، فتهيب كل الفريقين الآخر، ولم يحدث بينهما قتال، وشرع الله صلاة الخوف في ذلك الموقف، فصلى النبي (ص) بأصحابه ركعتين ركعتين، بعد أن صلى نحو من نصفهم معه ووقف الباقون يحرسهم من عدوهم، وبعد انتهائهم صلى الله عليه وآله وسلم بالباقين أيضاً، ولم يذكر أحد من المؤرخين أنه وقع بين الطرفين قتال في هذه الغزوة، كما وأنه لم يذكر أحد بأن المسلمين قد غنموا فيها سوى ابن سعد في طبقاته فقد جاء فيها أن النبي مضى في طريقه حتى انتهى في طريقه حتى انتهى إلى محلاتهم فلم يجد بها أحداً غير النسوة فأخذهن وفر الرجال والأعراب إلى رؤوس الجبال.

وذكر ابن سعد هذه الغزوة بعد بدر الموعد وذكرها غيره من المؤلفين في السيرة قبلها. ويدعي هيكل في كتابه حياة محمد والسيد الأمين في أعيان الشيعة، أن غطفان ومن معها لما رأوا النبي تفرقوا تاركين نساءهم أمتعتهم فحمل المسلمون منها ما استطاعوا ولا مصدر لهما سوى ابن سعد في طبقاته.

ومن الجائز أن يكون النبي قد غزاهم مرتين في وقتين مختلفين غنم منهم في إحداهما ولم يغنم في الأخرى.

وجاء في تاريخ أبي الفداء أن رجلاً من غطفان قال لقومه: ألا أقتل لكم محمداً قالوا بلى فحضر عند النبي (ص) فأخذه واستله، ثم جعل يهزه ويهم بضرب النبي ويهم بضرب النبي ويكتبه الله، ثم قال يا محمد ألا تخافني، فقال له النبي لا أخافك فإن الله يمنعني منك، ثم إن الرجل رد السيف إلى غمده وأعطاه للنبي (ص) فأنزل الله سبحانه بهذه المناسبة:

{يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون}

وقد ورد نظير هذه الحادثة في إحدى غزوات النبي لغطفان بواسطة دعثور بن الحارث أحد المعروفين بينهم بالفروسية والفتك في حدث ذكرناه سابقاً ومن الجائز أن يحدث في غزوة نظير ما حدث في سابقتها، كما يجوز أن يختلف الرواة في مكان وزمان الحادثة الواحدة كما نجد ذلك كثيراً في كتب السيرة والتاريخ ومرد ذلك التشويش الموجود في كتب التاريخ والسيرة إلى تأخير زمان التدوين عن حياة النبي (ص) وتلاعب القصاصين والرواة وعملاء الحكام بأكثر الحوادث خلال فترة التي كان التدوين فيها خاضعاً لسيطرة الحاكمين كما ذكرنا ذلك في كتبنا السالفة.

الزوار : 373
الاضافة: 13/09/2008
غزوة ذات الرقاع
المؤلف :

غزوة ذات السلاسل

ذكر هذه الغزوة ابن جرير الطبري وابن هشام وغيرهما في حوادث السنة الثامنة لهجرة النبي (ص) ولم يرد فيه ذكر لعلي بن أبي طالب (ع).

وجاء في ما ذكره الطبري حولها أن النبي (ص) أرسل عمرو بن العاص إلى أرض بلى وعذرة يستنفر الناس لغزو الشام وأختار لهذه المهمة ابن العاص لأن جدته أم العاص كانت من تلك المنطقة.

وخرج عمرو بن العاص بمن معه حتى بلغ ماء بأرض جذام يقال له السلال ويبعث إلى النبي (ص) يطلب منه المدد، فبعث رسول الله أبا عبيدة بن الجراح في جماعة من المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر بن الخطاب، وقال للأبي عبيدة لا تختلفا، ولم انتهى عبيدة إلى مكان الذي فيه عمرو بن العاص، قال له عمرو، أنا الأمير على الناس فلم يخالفه أبو عبيدة.

وفي سيرة ابن هشام أن النبي (ص) بعث عمرو ابن العاص في ثلاثمائة من المقاتلين إلى بني قضاعة وكان قد بلغه أنهم يحاولون مهاجمة أطراف المدينة، ولما بلغته كثرتهم بعث إلى النبي (ص) فأمده بأبي عبيدة في مائتين من المهاجرين والأنصار.

ومحصل ما جاء في الإرشاء حول هذه الغزوة أن إعرابيا جاء يخبر النبي (ص) أن قوماً من العرب قد اجتمعوا بوادي الرمل واتفقوا على أن يبيتوك بالمدينة ووصفهم له فأرسل إليهم أبا بكر في جماعة من المسلمين ومضى حتى قارب أرضهم وكانت كثيرة الأحجار والقوم يقيمون في بطن الوادي، فلما انتهى بمن معه إلى الوادي خرجوا إليهم وقتلوا من المسلمين جماعة وانهزم بمن معه، فلما دخل المدينة أرسل النبي (ص) عمر ابن الخطاب فكان نصيبه نصيب صاحبه، ثم أرسل عمرو بن العاص فمثل نفس الدور الذي مثله صاحباه، وأخيراً لم يجد بداً من إرسال علي (ع) فأرسله في جماعة فيهم أبو بكر وعمر وعمرو ابن العاص وغيرهم من المهاجرين والأنصار وخرج معهم إلى خارج المدينة وودعه ودعا له ومضى علي (ع) بمن معه متجهاً نحو العراق فظن من معه أنه يريد غيرهم ومضى على الطريق على غير الطريق المؤدية إليهم، ثم انحرف نحوهم واستقبل الودي الذي فيه القوم وكان يسير ليلاً ويكمن نهاراً.

فلما اقترب من الوادي لم يشك ابن العاص أن الفتح سيكون على يده، فجاء إلى أبا بكر وقال له أنا أعلم بهذه الأرض من علي أبن أبي طالب وفيها من الضباع والذئاب ما هو أشد علينا من بني سليم، فإن خرجت علينا قطعتنا فكلمه لعله يتركنا نعلو الوادي، فجاءه أبو بكر يعرض عليه الفكرة فلم إليه علي (ع)، ثم جاءه عمر فلم يلتفت إليه، وبقى أمير المؤمنين مرابطاً في مكانه حتى الفجر ثم هاجم القوم على غفلة منهم فأمكنه الله من السيطرة عليهم وقتل سبعة من أبطالهم الأشداء وتم الفتح على يده.

ونزلت على النبي (ص) سورة العاديات بهذه المناسبة فبشر النبي (ص) أصحابه بالفتح وأمرهم أن يستقبلوا علياً (ع)، ولما انصرف علي (ع) عنهم راجعاً إلى المدينة ومعه الغنائم والأسرى وأصبح قريباً منها رأى النبي (ص) مقبلاً عليه ومعه المسلمين، فترجل عن فرسه، فقال له النبي (ص) اركب: فإن الله ورسوله عنك راضيان، فبكى أمير المؤمنين فرحاً، فقال له النبي (ص) يا علي (ع): لولا أني أشفق أن تقول فيك الطوائف من أمتي ما قالت النصارى في المسيح لقت فيك مقالة لا تمر ملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك.

وفي هذه الغزوة يقول السيد الحميري:

وفي ذات السلاسل من سليم

غذاة أتاهم الموت المبير

وقد هزموا أبا حفص وعمراً

وصاحبه مراراً فستطيروا

وقد قتلوا من الأنصار رهطاً

فحل النذر وأوجبت النذور

أزار الموت مشيخة ضخاماً

جحاجحة تسد بها الثغور

وجاء في مجمع البيان للطبرسي عن أبى عبدالله الصادق (ع) إن سورت العاديات لما بعث النبي (ص) علياً إلى ذات السلاسل فأوقع بهم، بعد ان بعث غيره من الصحابة ورجعوا خائبين، ولما نزلت على النبي (ص) خرج إلى الناس يصلي بهم الغداة فقرأ السورة في صلاته،فلما فرغ قال المسلمون إن هذه السورة لم نعرفها، فال رسول الله نعم ان علياً ظفر بأعداء الله وبشرني جبرائيل بذلك هذه الليلة فقدم علي (ع) بعد أيام بالغنائم والأسرى.

وجاء في تسمية هذه الغزوة ذات السلاسل هو ان علياً بعد ان تغلب عليهم وقتل جماعة شد الأسرى في الجبال مكتفين كأنهم في سلاسل.

وقيل ان السلاسل اسم لماء في ذلك المكان، وقيل ان المشركين ربطوا بعضهم ببعض بالسلاسل حتى لا يفروا من القتال .

ويدعي الأمين اعيان الشيعة ان الذين ذكروا هذه الغزوة بهذا النحو كل من الراوندي في الخرائج وعلي بن إبراهيم في تفسيره والزجاج ومقاتل ووكيع الثوري والسدي وعد جماعة غير هؤلاء.

الزوار : 675
الاضافة: 13/09/2008
غزوة ذات السلاسل
... نسألكم الدعاء ...

RSS

Twitter

Facebook

Youtube