يهدى ثواب هذا العمل إلى روح والدنا الحاج أحمد الموسى وأخينا عبدالله أحمد الموسى

شخصيات إسلامية

عدد الزوار : 1559 عدد المواد : 10 عدد الاقسام : 0
المواد
المؤلف :

إسلام الحمزة بن عبدالمطلب

الحمزة بن عبدالمطلب

بعد أن يئس المشركون من أبي طالب، ومن جميع الوسطاء الذين سمعوا للتوفيق بينهم وبين الرسول، بعد أن يئسوا ورأوا أن الإسلام ماض في طريقه والناس يقبلون عليه يوماً بعد يوم، استقر رأيهم على أن يصعدوا حملات التعذيب والإساءة حتى لمحمد (ص) بالشتم وإلقاء الأوساخ والتراب عليه أينما وجدوه، وتعهدت أم جميل من جهتها أن تتحدى محمداً وزوجته الوفية الصادقة في بيتها المجاور لبيتها، فتلقي على باب البيت وفي طريقهما إليه ما عندها من الأوساخ والأحجار وغير ذلك بقصد الإساءة والإيذاء، وزوجها عبد العزى يتعاهده من ناحيته إذا رآه يصلي أو يسير وحده فيلقي عليه ما يجده من الفراث والدم وخلافهما.

وفي ضحوة يوم من الأيام والنبي جالس في طريق المسعى على صخرة نائية يتأمل ويفكر على عادته، وجاريتان لعبد اللّه بن جدعان ولصفية بنت عبد المطلب يتسامران في مكان مطل عليه، وإذا بالحكم بن هشام وهو منحدر إلى البيت يميل إليه فيشتمه ويسخر منه والسفهاء من حوله يتضاحكون، ونظر محمد (ص) إلى أبي جهل وإلى الذين وقفوا من حوله يتضاحكون ويهزؤون وشكاهم بينه وبين نفسه إلى اللّه، ولم يكتف الحكم بذلك فأخذ حفنة من التراب ووضعها على رأسه، ورأت صفية ومولاة ابن جدعان كل ذلك ورقا له وعز عليهما أن يلقي كل ذلك ومع أنهما لم يؤمنا بمحمد بعد فقد غاظهما أنهما لا تستطيعان الدفاع عنه، ونظرت كل واحدة منهما إلى الأخرى والغيظ والأسى باد عليهما ومضتا في طريقهما تتعثران في سيرهما، وما هي إلا خطوات وإذا بالحمزة يقبل من ناحية الجبل وقد عاد من صيده وقوسه في يده متجهاً نحو البيت والناس ينظرون إليه بإكبار وإعجاب، فأقبلتا عليه وابتدرته مولاة ابن جدعان قائلة وصوتها يتقطع من الغيظ، يا أبا عمارة لو رأيت مالقي ابن أخيك محمد من الحكم بن هشام، فقال لها وماذا لقي منه؟ قالت وجده ههنا جالساً فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره، ثم صمتت كأنها لم تعد تملك أن تتكلم من شدة الدهشة، ومضى حمزة يتيم والغضب باد عليه، واعترضته مولاة صفية، فقالت: يا أبا عمارة لقد صب على رأسه التراب، فقال لها حمزة: أنت رأيت ذلك منه؟ قالت نعم، وانطلق الحمزة مغضباً نحو البيت ينحدر كما تنحدر الصخور من الأعالي لا يكلم أحداً ولا يسلم على أحد ودخل المسجد ينظر في وجوه الناس ليرى الحكم بن هشام فرآه جالساً في وسط القوم فاتجه نحوه حتى إذا كان على رأسه، فالتفت إليه الحكم ورآه يرتعد من الغضب فذعر منه، ثم جذب ثوبه، وقال يا أبا عمارة لقد سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا.

فقال له الحمزة: ومن أسفه منكم وأنتم تعبدون الحجارة من دون اللّه؟ ثم رفع قوسه وضربه به على رأسه ضربة شجته شجة منكرة، وصرخ فيه صرخة انخلع لها قلبه وقلوب الناس، ثم رد على ذلك أن استطعت فأنا أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً عبده ورسوله، أتشتمه وأنا على دينه؟

وهب رجال من مخزوم لينصروا أبا جهل، وقالوا لحمزة أنك قد صبأت، ورد عليهم الحمزة بقوله: وما يمنعني من ذلك وقد استبان لي منه أنه رسول اللّه جاء بالحق من عند اللّه فامنعوني إن كنتم صادقين، فقال لهم أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني واللّه استمعت ابن أخيه شيئاً يكرهه، ولم يكن أبو جهل ليطأطىء رأسه للمهانة تصيبه في جسمه ونفسه لو لم يكن على يقين بأن حمزة قادر على أن يقهر هؤلاء الرجال الذين تعصبوا له، ورأى أن يصبر ويكف أصحابه حتى لا يوجه إليه الحمزة ومضى هو مزهواً إلى محمد(ص) بعد أن قهر قريشاً يعانقه والدموع تتساقط من عينيه ويقول أشهد أنك رسول اللّه.

وزلزل هذا الحادث قريشاً وأقض مضاجعهم، لا لأن الحمزة قد ضرب أبا جهل وشجه جزاء لما قدمت يداه، بل لأن إسلام الحمزة الذي أعقب هذا الحادث قد منح محمداً وأتباعه شعوراً بالعزة والمنعة والقوة ما كان هذا الشعور ليحصل لو أسلم غيره مائة من الناس.

وأصبح الذين كانوا قد اعتنقوا الإسلام وتستروا في إسلامهم يتجاهرون به بلا حذر أو خوف بعد إسلام الحمزة، وأقبل على الإسلام جماعة من بني هاشم وبني عبد المطلب يدخلون فيه واحداً بعد واحد حتى أصبح أتباع محمد(ص) قوة يخشاهم المشركون، ولكن قريشاً وقد فشلت في جميع محاولاتها ومشاوراتها مع أبي طالب وغيره قد أجمعت إلى السير في طريقها المناهض لدعوة النبي.

وتشاوروا يوماً في أمره، فقال لهم أبو جهل أن محمداً قد أبى إلا ما ترون ولم يعد لنا من سبيل للحد من نشاطه إلا بالتضحية والمغامرات وإني أعاهدكم أني لأجلسن له غداً في مكان، فإذا جاء كعادته وقام يصلي لربه أخذت حجراً كبيراً وألقيته على رأسه، فلما أصبح أخذ حجراً كبيراً وجلس ينتظر رسول اللّه(ص) وجلست قريش في أنديتها تنتظر ما سيكون من أمره، فلما جاء النبي(ص) ووقف ليصلي، وكانت وجهته في صلاته يوم ذاك بيت المقدس، يصلي بين الركن اليماني والحجر الأسود، فلما شرع في صلاته قام أبو جهل وأخذ الحجر وانتظر سجود النبي لينفذ خطته، فما كان منه إلا أن رجع إليهم مضطرباً خائفاً، فقالوا له ما لك يا أبا جهل: فقال لما هممت بإلقاء الحجر عليه عرض لي دونه فحل من الابل ما رأيت مثل هامته ولا أنيابه فحلا قط قد أقبل علي وهم أن يأكلني ففررت منه.

وكانت قريش ترى أن قتل الرسول سيكلفها كثيراً لأن بني هاشم ومن يتصل بهم بأواصر القربى قد وقفوا إلى جانب محمد(ص) مشركهم ومؤمنهم وتعاقدوا على مقاومة كل من يحاول الاعتداء على حياته.

وحدث في بعض الأيام أن أبا طالب (ع) قد فقده في الأمكنة التي كان يأوي إليها فلم يقف له على خبر، فجمع أبو طالب فتيان بني هاشم وقال لهم: ليأخذ كل واحد منكم حديدة صارمة واتبعوني فإذا دخلت المسجد فليجلس كل واحد منكم إلى جانب عظيم من عظمائهم وليقتله إذا كان محمد قد قتل ففعلوا ما أمرهم به.

وقبل تنفيذ الخطة التي أعدها للانتقام من قريش جاءه زيد بن حارثة وأخبره بسلامة النبي، ولما أصبح أخذ بيد النبي ووقف به على أندية قريش ومعه فتيان بني هاشم وأخبرهم بما كان يريد أن يفعل لو أنهم أصابوا محمداً بسوء، وأراهم السلاح الذي أعده لهذه الغاية، فانكسر القوم وكان أشدهم انكساراً أبو جهل على حد تعبير الراوي.

وجاء في تاريخ اليعقوبي، أن العاص بن وائل السهمي والحارث بن قيس بن عدي السهمي، والأسود بن المطلب بن أسد، والوليد بن المغيرة المخزومي، والأسود بن يغوث الزهري كانوا يحرضون صبيانهم وغلمانهم عليه، فيلقونه بما لا يحب، حتى أنهم نحروا جزورا ًورسول اللّه (ص) قائم يصلي فأمروا غلاماً لهم فحمل السلا والفراث ووضعه بين كتفيه وهو ساجد، فأتى أبا طالب وقال له: كيف موضعي فيكم قال وما ذاك يا ابن أخي، فأخبره بما صنعوا به، فقام أبو طالب من ساعته مشتملاً سيفه ومعه غلام له فاخترط السيف وقال واللّه لا يتكلم رجل منكم إلا ضربته، ثم أمر غلامه فأخذ السلا والفراث ووضعها على وجوههم واحداً واحداً، فقالوا حسبك هذا يا أبا طالب.

الزوار : 324
الاضافة: 13/09/2008
 إسلام الحمزة بن عبدالمطلب
المؤلف :

إسلام أبي ذر الغفاري

لقد كان أبو ذر من السابقين إلى الإسلام ومن المتأهلين كما جاء في بعض المرويات ، واسمه جندب ، وسماه رسول الله (ص) عبد الله ، وكان هذا الاسم احب إليه من الاسم الذي اختارته له أمه .

ويروي الرواة في تاريخه أنه كان في أول أمره يقطع الطريق على الناس فيصيب من أموالهم ما يشاء في الليل والنهار ، ولا يصده عن هدفه شيء ، وفي الوقت ذاته كان يعبد الأصنام ، ويختص منها بصنم يدعى مناة صنم القبيلة ولكن عبادة الأصنام على غموضها وغفلة الجاهلين عن بطلانها ، وتسليمها تسليماً فرضته العادة عليهم كان في نفس أبي ذر منها أشياء تحرك مشاعره أحياناً إلى التفكير والتأمل في أمرها .

فقد جاء عنه أنه قدم لصنمه مناة في بعض الأيام لبناً ، ومضى بعيداً عنه ، وبينما هو يفكر في عمله هذا ، وإذا بثعلب يهجم على وعاء اللبن فيأكل ما فيه ، ولا يكتفي بذلك حتى يبول على الصنم ، فأثر هذا الحادث عليه وهالته جرأة الثعلب على معبوده ورجع يفكر في أمر هذا المعبود الذي لم يستطيع أن يدفع عن نفسه ضرر الثعلب وتحديه فكيف يدفع الضرر عن غيره ممن يعبدونه ويرجونه لدفع ما يحيق بهم من أضرار ونكبات.

ومضى يقول: ما عسى أن يكون لهذا المعبود الذي أعبده من قدرة، وهو حجر جامد لا يستطيع تحريك يديه ليرد عنه عادية كلب من كلاب البر أمطره ببولة، ولم يلبث وهو غارق في هذا النوع من التفكير أن هتف بنفيه يردد:

لقد ذل من بالت عليه الثعالب

أرب يبول الثعلبان برأسه

ولا خير في رب نأته المطالب

فلو كان رباً كان يمنع نفسه

وآمنت بالله الذي هو غالب

برئت من الأصنام فالكل باطل

ونفض يديه من مناة وأمثال مناة من تلك الأحجار والأخشاب والتماثيل التي لا تملك من الأمر شيئاً، وتدفع عن نفسها بول الكلاب والثعالب، وتوجه بعقله وقلبه إلى من بسط الأرض وسمك السماء، وأنزل الغيث وخلق هذه الكائنات الحية، وقدر لها أرزاقها وأعطى كل نفس هداها، وبقي قبل إسلامه شطراً من الزمن يندد بالأصنام وعبادها، ويتأمل في خلق السموات والأرض وجميع الكائنات، إلى أن انتهى إلى الإيمان بخالق الأرض والسماء ومقدر الأعمار والأرزاق وميسر الشمس والقمر والكواكب وخالق من في الكون.

لقد آمن بما آمن به زيد بن عمرو بن نفيل وابن الحويرث، وورقة بن نوفل وعبدالمطلب بن هاشم وأبو طالب وغيرهم ممن استخفوا بالأصنام والتماثيل.

وجاء عنه أنه قال لبعدالله بن الصلت الغفاري|: يا ابن أخي لقد صليت قبل أن ألقى رسول الله بثلاث سنين، فقال له لمن: قال الله واتوجه حيث يوجهني الله اصلي عشاءً حتى إذا كان من آخر السحر ألقيت كأني خفاء حتى تعلوني الشمس "والصلاة التي يعنيها أبو ذر أن صح الحديث هي التفكر والتأمل في الكون وتقلباته وما فيه من الغرائب والمخلوقات، أما الصلاة بمعناها الشرعي فلم تصدر حتى من النبي قبل نزول الوحي بها عليه"، وحاول أن يقنع أمه رملة وأخاه أنيساً بعقيدته وضلال من يعبد الأصنام، وعرض لهما ما يجول بنفسه من الأدلة والبراهين، فلم يجدا مخرجاً منها، وساورتها الشكوك بالأصنام وعبادتها حتى اشرفا على التراجع عنها والإيمان بالله العظيم.

وبقي أوب ذر يعبد الله بفطرته السليمة التي أوصلته إلى الحقيقة لا يتلون ولا يتردد، ولا ينقاد إلا إلى ما يراه حقاً وصواباً وصدقاً وعدلاً، وبرزت فيه نزعة التعصب للحق والتصلب فيه وصدق اللهجة بعد إسلامه ولمسها منه القريب والبعيد وقال فيه النبي (ص) كلمته المشهورة.

((ما أضلت الخضراء ولا قلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر))، وبقي أبو ذر مدة بين أهله وعشيرته موحداً مؤمناً بإله واحد يعبده بفطرته السليمة حسبما تحويه إلى من التقديس والتعظيم، حتى مر عليه رجل من قومه كانت قد بلغته أخبار دعوة النبي (ص) في مكة، وقال له يا أبا ذر: أن رجلاًَ بمكة يقول بمقالتك يزعم أنه نبي ويدعو الناس إلى عبادة الله، فانتعش أبو ذر وأشرقت نفسه، ولم يعد له ما يشغله عن استطلاع خبر هذا الرجل، ومعرفة ما يدعو إليه، فلم يلبث أن أرسل أخاه أنيساً إلى مكة وأوصاه بأن يستعجل له الأمور ويرجع إليه بما يطمئن إليه من أخباره، ونفذ أخوه المهمة، وسمع من أخبار محمد ودعوته من القريب والبعيد.

ورجع إلى أخيه ليخبره بما سمع ورأى، وقال له: لقد رأيت رجلاً يأمر بالخير وينهى عن الشر والبغي والمنكر والعدوان، ويدعو إلى إله واحد لا شريك له ولا نظير، ويسخر من الأصنام وعبادتها، فكان لهذه الكلمات أطيب الأثر في نفس أبي ذر واتفقت مع ما يختلج في ضميره ويهز مشاعره في حال تأملاته وتفكيره، وصمم أن يذهب بنفسه إلى مكة ليقف على خبر هذا الرجل الذي أصبح حديث الناس، فسار ترافقه أنه وأخوه يجد السير إلى نجد لزيارة أخوله ومنها إلى مكة المكرمة حيث محمد يدعو إلى الله.

ولما بلغها أنزل أمه وأخاه خارجها ودخل مكة وحده وطاف في شوارعها وتصفح وجوه الناس ليعرف من هو محمد، وظل يراقب الناس ويسمع من أحاديثهم إلى أن توارت الشمس ودب الظلام، وخلت الكعبة من الوافدين، وفيما هو في حيرة من أمره وإذا بشاب قد أقبل ليطوف في البيت فمر به وقال من الرجل؟ فقال هو في حيرة من أمره إذا بشاب قد أقبل ليطوف في البيت فمر به وقال من الرجل؟ فقال من بني غفار، فقال قم إلى منزلك، فقام معه وانطلق به إلى منزله ولم يسأل أحدهما صاحبة شيئاً، وفي الصباح خرج أبو ذر يطلب حاجته، وظل طوال يومه يترقب أخبار الرجل الذي جاء من أجله، فلم يستفد شيئاً وكره أن يسأل أحداً عنه، فمر به علي (ع) فقال له: أما آن للرجل أن يعرف منزله، وانطلق به فبات ليلته ولم يسأل أحدهما الآخر شيئاً، وفي اليوم الثالث سأل أبو ذر الغفاري علياً (ع) عن الرجل الذي خرج يدعو إلى الله سبحانه وأخذ عليه العهد ليتمكن أمره، فقال له علي (ع): أني ذاهب إليه فاتبع أثري، فأني أن رأيت ما أخاف عليك اعتللت بالقيام كأني أريد أريق الماء، وإن لم أر أحداً فاتبع أثري حتى تدخل حيث أدخل، ففعل ما أشار به علي (ع) ودخل في أثره على النبي (ص) فأخبره خبره وسمع قول رسول الله وأسلم، ثم قال يا رسول الله ما تأمرني، فقال النبي (ص) آمرك أن ترجع إلى قومك حتى يبلغك أمري، فقال أبو ذر: والذي نفسي بيده: لا أرجع حتى أصرخ بالإسلام في المسجد.

ثم دخل المسجد متحدياً لقريش ونادى بأعلى صوته أشهد أن لا إله الله وأن محمداً عبده ورسوله، وقام إليه المشركون وقالوا قد صبأ: وانهالوا عليه ضرباً حتى صرعوه فأتاه العباس بن عبدالمطلب وانكب عليه حتى خلصه من أيديهم وقال ما معشر قريش: إن طريقتكم في تجارتكم على قبيلة غفار، وإنهم سيقطعون الطريق عليكم إن أصبتموهم بمكروه .

وجاء في بعض المرويات عنه إنه كرر اعترافه بالإسلام ورسالة محمد بن عبدالله يوم اليوم الثاني وخلصه العباس من أيديهم كما فعل في المرة الأولى وتوعدهم هو بالانتقام لنفسه من تجارتهم التي لا بد لهم من المرور بها على غفار في طريقهم إلى الشام، ثم ودع الرسول وخرج حاقداً على قريش وغطرستها، فأقام بعسفان حتى تمر القوافل في طريقها وكما أقبلت عير لقريش فحتجزها حتى يقول لا إله الله وإن محمداً رسول الله فمن قال ذلك خلى سبيله ومضى في طريقه، ومن أبى تعرض للنكال والعقاب.

وجاء في الطبقات الكبرى لابن سعد أن أبا ذر ظل على موقفه هذا من قريش وتجارتها إلى أن هاجر الرسول (ص) إلى المدينة وكانت الحرب بينه وبين المشركين في بدر وأحد فالتحق بالرسول (ص) بعد أن أسلمت بواسطته غفار وجماعة من أسلم، ولازم أبو ذر الرسول طيلة حياته واشترك معه في أكثر مواقفه وحروبه، وظل وفياً للإسلام مخلصاً في أعماله لا يحابي أحداً مهما كانت منزلته ولونه على حساب دينه، ثائراً على الباطل وأهله صدوقاً في حديثه وإيمانه، حتى قال فيه رسول الله كلمته المشهورة بين الرواة والمحدثين. ما أظلت الخضراء و أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر.

وكان من الثائرين على المنحرفين والمستأثرين بأحوال العباد من حكام زمانه ، ولما أسرف عثمان بن عفان في عطاء مروان بن الحكم و الحارث بن الحكم بن أبي العاص و زيد بن ثابت وبذر أموال المسلمين ، وسلط الأمويين والمروانيين على رقاب الناس يعبثون في الأموال والأعراض ويتجاهرون بالمنكرات ، وأعلنها أبو ذر حرباً لا هوادة فيها وأخذ يندد بهم في المجتمعات، ويعيد إلى الأذهان قول الله سبحانه في المستهترين بأوامره .

(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم).

وشق على أولئك العابثين بأموال العباد أن يسمعوا صوتاً يندد بأعمالهم وتصرفاتهم فشكاه مروان بن الحكم إلى عثمان بن عفان ،فأرسل إليه نائلاً مولاه ليسكت وهدده بالعقوبة أن هو استمر على موقفه فقال أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله وعيب من ترك أمر الله،فوالله لأن أرضي الله بسخط عثمان أحب إليّ من أن أسخط الله برضاه .

وشاعت مقالته هذه حتى بلغت عثمان فاستدعاه إليه وحاول إغراءه فلم يجد إلى ذلك سبيلاً ثم جلده ونفاه إلى الشام ليكون تحت رقابة معاوية وزبانيته .

وبالرغم من كل ما بذله معاوية من المغريات وما استعمله معه من أساليب العنف والإرهاب لم يتخذ موقفاً في الشام أكثر ليونة من مواقفه في المدينة، ولطالما وقف أبو ذر على رؤوس الجماهير وسيوف الحكام مسلطة فوق رأسه يقول : والله إني لأرى حقاً يطفأ وباطلاً يحيا،وصادقاً مكذباً، أثرة بغير تقى، وصالحاً مستأثراً عليه . وسرت كلمات أبي ذر و صيحاته بين الجماهير سريان النار في الهشيم، وأيقن معاوية أن بقاءه في الشام يشكل خطراً على الدولة الأموية لا يمكن تلافيه، فكتب إلى عثمان يشكوه إليه ويحذره من بقائه في تلك البلاد لأن الجماهير قد أوشكت أن تقف إلى جانبه .

فكتب إليه عثمان ، أما بعد فاذا أتاك كتابي فاحمل جندباً إليّ على أغلظ مركب ، فأرسله معاوية مع جماعة من خاصته مكبلاً وأوصاهم أن لا يرافقوا به في ليل أو نهار، فلما بلغ المدينة سقط لحم فخديه من الجهد الذي أصابه.

ولما دخل على عثمان ، قال له أنعم الله بك عيناً ياجنيدب، فقال أبو ذر : أنا جنيدب وسماني رسول الله عبد الله فاخترت اسم رسول الله على اسمي، فقال عثمان: أنت الذي تزعم أنا نقول : يد الله مغلولة، وان الله فقير ونحن أغنياء، فقال أبو ذر: لو كنتم لا تزعمون ذلك

لأنفقتم مال الله على عباده ، وإني أشهد أني سمعت رسول الله يقول : إذا بلغ بنو العاص ثلثين رجلاً جعلوا مال الله دولاً وعباده خولاً ودين دخلاً ، واشتد الحوار بينهما وأبو ذر يزداد تصلباً وتصميماً على مناهضة الظلم والطغيان والتنديد بتلك الفئة الحاكمة التي استغلت ضعف عثمان وليونته على ذويه وأتباعه المستهترين بدين الله وحقوق عباده .

ولما لم يجدوا سبيلاً لاسكاته وضع عثمان في حسابه أحد أمرين أما قتله أو نفيه ، ورأى أن قتله يجر عليهم غضب المسلمين ونقمة الجماهير لأنها تقدس أبا ذر وتعلم ما له من الصلة الأكيدة بالرسول وقد سمعوه أكثر من مرة يقرظه ويثني عليه في مختلف المناسبات .

فلا بد من نفيه عن المدن والعواصم إلى مكان مقفر من السكان ومنع الناس من زيارته والاتصال به ، وكان الأمر كذلك فاختاروا له الربذة لتكون مسكنه ومدفنه وحملوه إليها مع زوجته وابنته على كره منه، فعاش فيها ما بقي من حياته وحيداً غربياً في أرض مقفرة من السكان وحتى من الطير والوحوش إلى أن وافته منيته ويسر الله له وفداً من العراق كانوا في طريقهم لحج بيت الله فلوحت لهم زوجته فمالوا إليها وفيهم مالك الأشتر النخعي فأصيبوا بما يشبه الذهول والدهشة حينما عرفوا أن الميت هو ذلك الصحابي الجليل الذي كان الرسول يجله ويفضله على الكثيرين من أصحابه ، فتولوا تعسيله ودفنه وصدق فيه الرسول (ص) :

يا أبا ذر تعيش وحدك وتموت وحدك وتدفن وحدك

الزوار : 782
الاضافة: 13/09/2008
إسلام أبي ذر الغفاري
المؤلف :

حبيب بن مظاهر الاسدي

هو حبيب بن مظاهر بن رئاب بن الاشتر من بني أسد وهو صحابي جليل رأى النبي (ص) كما صحب الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في كل حروبه، وكان من خاصته وحملة علومه وروي أن حبيباً التقى ميثم التمار فتحادثا فقال حبيب لكأني بشيخ اصلع ضخم البطن يبيع البطيخ عند دار الرزق، قد صلب في حب أهل بيت نبيه، فتبقر بطنه على الخشبة فقال ميثم وأني لأعرف رجلاً أحمر له ضفيرتان؛ يخرج لنصرة ابن بنت نبيه فيقتل ويجال براسه في الكوفة. ثم افترقا حتى قال الناس ما اكذبهم ويقول الرواة فما ذهبت الأيام والليالي حتى رأينا ميثماً مصلوباً على باب عمرو بن حريث. وجيئ برأس حبيب قد قتل مع الحسين (ع) ويروي أصحاب السير بأن حبيباً كان ممن كاتب الحسين (ع) وله مواقف عدة يذكرها أصحاب التواريخ منها انه عندما ورد مسلم بن عقيل إلى الكوفة ونزل دار المختار جاء الكثير من الخطباء إلى هذه الدار ومنهم عابس الشاكري وثناه حبيب فقام وقال لعابس بعد خطبته: رحمك الله لقد قضيت ما في نفسك بواجز من القول وأنا والله الذي لا اله الا هو لعلى مثل ما انت عليه، وكان حبيب ومسلم يأخذان البيعة للحسين (ع) في الكوفة ثم تخفيا... ويروى أن حبيباً وصل إلى معسكر الحسين (ع) ليلاً ولما رأى قلة أنصاره وكثرة محاربيه، قال للحسين (ع) إن ههنا حياً من بني اسد فلو أذنت لي لسرت إليهم ودعوتهم إلى نصرتك وعندما أذن له الإمام قال في كلامه لهم:

يا بني اسد قد جئتكم بخير ما أتى به رائد قومه، هذا الحسين بن علي أمير المؤمنين وابن فاطمة بنت رسول الله (ص) قد نزل بين ظهرانيكم، في عصابة من المؤمنين وقد اطافت به أعداءه ليقتلوه إلى أن قال: وقد خصصتكم بهذه المكرمة لأنكم قومي وبنو أبي وأقرب الناس مني رحماً فأجابه وجهاء قومه بالقول فوالله لجئتنا بمكرمة يستأثر بها المرء الأحب فالأحب.

وأجابوه جماعة آخرين بمثل ذلك وله مواقف أخرى يوم عاشوراء وكان حبيب على رأس ميسرة جيش الإمام الحسين (ع) وكان خفيف الاجابة ـ كما يصفه الرواة ـ لدعوة المبارز.

ولما صرع مسلم بن عوسجة كان لحبيب موقفاً عظيماً مع الإمام الحسين (ع) حيث كان يقول لمسلم: عز علي مصرعك يا مسلم: أبشر، فقال له مسلم بشّرك الله بالخير فقال حبيب: لو لا إني أعلم أني في اثرك لاحق بك من ساعتي هذه لاحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك، حتى احفظك في كل ذلك بما أنت له أهل من الدين والقرابة فاجابة مسلم بلى اوصيك بهذا رحمك الله (وأشار إلى الإمام الحسين (ع) أن تموت دونه فقال حبيب أفعل ورب الكعبة، ولما جاء دوره في القتال حمل على القوم وهو يرتجز:

أقسم لو كنا لكم أعداداً أو شطركم وليتمُ أكتادا

يا شر قوم حسباً وآدا

ويحمل ثانية فيقول:

أنا حبيب وأبــــي مظـــاهر فارس هيجاء وحرب تسعر

أنتم أعد عــــدة وأكثـــــــر ونحــن أوفــى منكم وأصبر

ولم يزل يقولها حتى قتل الكثير منهم الا أن احتوشه اكثر من أربعة رجال فاكثروا فيه الاصابات حتى لحق بربه شهيداً، فأخذ قتلته كل يدعي أنه قاتله ليفتخر بذلك، فأخذوا يجولون بجسده في العسكر وعندما بلغ الخبر الإمام الحسين (ع) قال (عند الله احتسب نفسي وحماة اصحابي...).

الزوار : 848
الاضافة: 13/09/2008
حبيب بن مظاهر الاسدي
المؤلف :

الخطيب الشيخ فاضل المالكي

بسم الله الرحمن الرحيم

نسبه واسرته

تمتد أعراق نسبه وفروع أسرته لتلقي بعناصر العلم أعلام الفقاهة العقيدة كالشيخ ورام والسيد ابن طاووس وآل كاشف الغطاء وآل الخضري وآل الشيخ راضي وغيرهم ويتضح لنا هذا المعني من خلال الإطلاع على سلسلة النسب الآتية :فهو الشيخ فاضل بن الحاج جواد بن الحاج علي بن الحاج جاسم بن مهنا بن قاطع بن جاسم بن الشيخ محمّد - شقيق الشيخ خضر جد الاسر العلمية في النجف الأشرف آل الخضري وآل كاشف الغطاء وآل الشيخ راضي - ابن الشيخ يحيى بن مطر بن سيف الدين المالكي الجناجي من عشيرة آل علي - بكسر العين - حسام الدين حفيد الفقيه الزاهد والأمير العابد الشيخ ورام صاحب المجموعة الاخلاقية الشهيرة باسمه(مجموعة ورام), وجد السيد ابن طاووس (طاب ثراه) لامه حفيدة شيخ الطائفة الطوسي , ابن أبي فراس المتصل نسبه المنصوص إلي البطل المجاهد ابراهيم - قاتل عبيد الله بن زياد - ابن الزعيم القائد مالك الأشتر النخعي الذي قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام: كان لي مالك كما كنت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

ولادته وتسميته

بين مولده الميمون واسمه الفاضل حلقه مقدسه ومكرمة مباركة تتعلق بفضل الله وتكريمة لأبي الفضل العباس بن أمير المؤمنين عليه السلام فقد كانت قصة مولده ان أباه الجواد لم يكن يولد له ولد ذكر ,فتوسل إلى الله تعالى بابي الفضل العباس عليه السلام أن يرزقه باسم مشتق من اسم ولده الفضل المكنى به ، ففي الليلة الرابعة من شهر شعبان من سنة 1373 هجري قمري حيث ميلاد قمر الهاشمين حقق الله لابيه مراده واستجاب توسله ودعاءه ببركة أبي الفضل فلم يتوقف لحظة واحدة دون المبادرة لاشتقاق اسمه الفاضل من وحي الحدث و المناسبة متيمنا و معتزا بأبي الفضائل و المكارم وقمر بني هاشم الذي قال فيه الشاعر

أبا الفضل يا من أسس الفضل والأبا أبي الفضل الا أن تكون له أبا

و كان مسقط رأسه قضاء الهندية التي يطلق عليها محليا (طويريج) المنتسب إليها الموكب الشهير بركضة عزاء طويريج في يوم عاشوراء بكربلاء المقدسة

وضعه الشخصي

يرتبط بعلاقة المصاهرة مع الأسرة الكريمة لبيت المرجع الراحل السيد محسن الحكيم فهو صهر نجله السيد محمد الباقر علي كريمته العلوية الجليلة أم أولاده محمد جواد و حسام الدين و مجتبى ومصطفى و شقيقاتهم الأربعة

دراسته

تلقي تعليمه الرسمي في الابتدائية و المتوسطة يوم كان صبيا ويافعا في مسقط رأسه ، ثم التحق بالدراسة الحوزوية في النجف الأشرف عام 1969 م و كان في أولياته قد حضر دورة في القرآن و الفقه والعقائد والاخلاق والسيرة أبان دراسته المتوسطه وقبل التحاقه بالحوزة العلمية على يد المرحوم العلامة السيد مرتضي العظيمى عالم الهندية آنذالك والذي توجه العمامة عام 1390 هجري قمري بعد ان استخار الله في ارتداء الزي الديني ولباس اهل العلم الآية الكريمة: ( إنهم كانوا يسارعون في الخيرات و يدعوننا رغبا و رهبا و كانو لنا خاشعين ) ، و بعد أن قطع أربع سنين من دراسته في الحوزة العلمية ، أدى الامتحان الخارجي في مواد الثانوية العامة في مديرية تربية محافظة بابل في (الحلة ) الفيحاء نجح متفوقا على اقرانه من طلاب الامتحان الخارجي عام 1972 م ، ثم التحق في آن واحد بكلية الفقه في النجف الأشرف ، و كلية القانون و االسياسة التابعتين لجامعة بغداد ، و قد استخار الله علي الجمع بينهما عند رأس الحسين فكانت الآية الكريمة (ووهبنا له إسحاق و يعقوب نافلة) فاتحة خير وتفاؤل للتوغل بمشواره العلمي موزعا أيام حضوره علي الكليتين في بغداد و النجف اضافة الي النضام الدراسة الحوزوية أيام حضور في النجف الأشرف ، حتي تخرج من الكليتين المذكورتين معا عام 1976 م حائزا على شهادة البكالوريوس باللغة العربية و العلوم الإسلامية من كلية الفقه ، و الليسانس في علم القانون (الحقوق ) ، ثم واصل بعدئذ دراسته الحوزية العليا حتى حضر عام 1399 هجري قمري أبحاث الخارج عند كل من آية الله العظمى السيد الخوئي (قدس سره) في مسجد الخضراء وآية الله العظمى السيد الشهيد الصدر (قدس سره) في مسجدي الطوسي و الجواهري. و كان من أبرز اساتذته الحوزويين قبل مرحلة الخارج كلا من السيد محمد تقي الحكيم (قدس سره) والسيد الشهيد عبد الصاحب الحكيم (قدس سره). و الشيخ محمد تقي الايرواني و السيد حسين الشاهرودي و الشيخ عبد الهادي حموزي و غيرهم فقد أخذ عنهم علوم الشريعة و اللغة العربية و الفقه و الأصول وسواها من علوم المعقول والمنقول ، وكان من أبرز زملائه في تلك الابحاث و الدروس المرحوم العلامة السيد محمد تقي الخوئي ـ طاب ثراه ـ و العلامة السيد كاظم شبر ـ فرج الله عنه. أما عن دراسته الاكاديمية العليا فقد قدم اطروحته في القانون الإداري الإسلامي إلي قسم الدراسات العليا في جامعة بغداد و نال بها درجة الماجستير ثم هاجر من العراق في أواخر عام 1979 م والقي رحاله في دمشق الشام و قدم عن طريق الملحقية الثقافية الفرانسية للدراسات العليا و ريثما يأتي قبوله في جامعة السوربون لفرانسا التحق بمعهد الحرية بشارع بغداد في دمشق لتعليم اللغة الفرانسية و تم قبوله في الجامعة المذكورة

Paris-UN

و واصل دراسته فيها حتي نال شهادة

D.E.A

في الفلسفة عام 1982 م. بعد ذلك غادر إلي طهران مشاركا في أعمال القضية الإسلامية العراقية ثم حط رحله في مدينة قم المقدسة و هناك و اصل مسيرته العلمية فحضر أبحاث الخارج في الفقه و الأاصول علي في مدينة قم المقدسة و هناك و اصل مسيرته العلمية فحضر أبحاث الخارج في الفقه و الأاصول علي كل من المعلمين أية الله العضمي الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظله) ، و أية الله العضمي الميرزاجواد التبريزي (دام ظله). و في سياق النشاط العلمي تصدي شيخنا المترجم للتدريس في الأواسط الحوزوية في النجف الأشرف في مدرستي القزويني و الشبرية ، و كذلك درس في مدارس الحوزوية العلمية في قم المقدسة كمدرسة السيد الكلبايكاني، ومدرسة الامام الهادي، ومنتدى جبل عامل والمسجد الاعظم وحسينية ارك ومكتبه الخاص بالاضافة الى مدرسته الخاصة (دائرة العلوم الاسلامية) والجامعة الاسلامية الحرة في كرج-ايران- والجامعة الاسلامية في لندن وقد درس المواد الأتية

د1. أصول الشيخ المظفر (قدس سره). ـ

د2. رسائل الشيخ الاعظم الانصاري (قدس سره). ـ

د3. مكاسب الشيخ الاعظم (قدس سره). ـ

د4. كفاية الاصول للمحقق الخراساني (قدس سره). ـ

د5. فلسفتنا للسيد الشهيد الصدر (قدس سره). ـ

د6. اقتصادنا للسيد الشهيد الصدر (قدس سره). ـ

د7. الحلقة الثالثة من اصول السيد الشهيد. ـ

د8. الالهيات في العقائد للشيخ السبحاني. ـ

د9. علوم القرآن - من تأليفه الخاص. ـ

د10. بداية الحكمة للعلامة الطباطبائي (قدس سره). ـ

د11. فقه اللمعتين للشهيدين (قدس سره). ـ

د12. جواهر البلاغة. ـ

د13. منطق الشيخ المظفر (قدس سره). ـ

د14. شرح ابن عقيل. ـ

د15. فقه اللغة. ـ

د16. العروض العربي. ـ

د17. علم القانون. ـ

د18. منية المريد في الاخلاق للشهيد الثاني ومحاضرات أخلاقية أخرى من تأليفه الخاص. ـ

د19. دورة في التاريخ الاسلامي وقد سجلت للجامعة الاسلامية في لندن على اشرطة الفيديو. ـ

د20. الفنون الخمسة (الخطابة - الكتابة - التدريس - التحقيق - طرق البحث العلمي). ـ

كما تصدى قبل ذلك لتدريس مادة التبليغ الاسلامي لطلبة الحوزة العلمية في النجف الاشرف وبأمر من استاذه آيه الله العظمى السيد الشهيد الصدر (قدس سره). ـ

كما شارك بمقالاته في عدة مؤتمرات علمية كمؤتمر الفكر الاسلامي ومؤتمر نهج البلاغة في طهران والمؤتمر العلمي في زاهدان ومؤتمر الامام الرضا عليه السلام في مشهد ومؤتمر القانون الإداري المنعقد في وزارة الطاقة بطهران ومؤتمر الوحدة الاسلامية في سريلانكا. ـ

مشروع دائرةالعلوم الاسلامية

كما قام بتأسيس موسسة جامعة (دائرة العلوم الأسلامية) التي تعتبر من المشاريع الطموحة في حقل العمل العلمي والتبليغي والخيري ــ فهو عبارة عن موسسة اسلامية حيوية متكاملة تأسست سنة 1411هـ باشراف شيخنا المترجم ورعايته لاقسامها الاربعة

م1. القسم الحوؤوي وهو عبارةعن مدرسة عملية نمولاجية ينتسب اليها مئات الطلبه من مستويات ومواصفات محددة وشروط نصت عليها اللوائح النظامية للمدرسة لقبول طلابها.ويقطع الطالب فيها ثمانية مراحل يتأهل بعدها لمرحلة البحث الخارج

م2. موسسة البحوث الإسلامية:تتصدى لاعداد البحوث الإسلامية وتحقيقها وطباعتها

م3. مركؤ التبليغ الإسلامي:ويتمثل هذا المركز فيما يلي

أ. إعداد المبلغين الرساليين وإرسالهم إلى مختلف المناطق لنشر الوعي والثقافةالإسلامية وخصوصا في المواسم الدينية المألوفة في شهر رمضان ومحرم الحرام

ب. التوزيع العالمي للكتب الإسلامية وخصوصا كتب العقيدة التي تعتمد منهج أهل البيت العصمة عليه السلام منبعا اصيلا لفهم الإسلام

ج. توزيع وإرسال المحاضرات الإسلامية المسجلة علىأشرطة الفيديو والكاسيت تلبية لطلبات الراغبين من المختلف أنحاَءالعالم

د. البثالإذاعي من خلال موسسة الإذاعةو التلفزيون في جمهوريةإيران الإسلامية

م4. الصندوق الخيري : ويقوم هذا الصندوق بعدة نشاطات خيريةتتمثل بما يلي

أ. إعطاء رواتب شهرية للايتام وذلك بعد تنظيم بطاقة شهريةلهم

ب. توزيع المساعدات النقدية وغيرها على المحتاجين سواء في قم أوغيرها

ج. رعاية المخيمات برقدها بالمساعدات وغالبا ما يذهب المشرف العام على دائرة العلوم بنفسه ليتفقد العوائل العراقية

د. تقديم سلف كقرضة حسنة لطلبة الحوزةوتقديم المنح والهدايا للطلبة المتفوقين

ومن الجدير بالذكرأنه يتم تغطية كافة مصاريف (دائرة العلوم الإسلامية) من قبل سماحة شيخنا المترجم وعلى نفقته الخاصة

اجازاته

تعتبر الإجازة في العرف الحوزوي سند الكفاءة و مستند التوثيق و الاعتماد بمنحها-عادة-المرجع الديني و تختلف بين الاطلاق والتقييد والشمول والتحديد حسب وثاقة الشخص و كفائته الدينية و العلمية. ونال شيخنا الفاضل عدة إجازات حسبية وروائية ووثائق علمية من مراجع التقليد العليا واساتذة الحوزة العلمية منهم

أ1. آية الله العظمى السيد السبزواري الذي اجازه إجازة حسبية روائية

أ2. آية الله العظمى السيد الكلبايكاني الذي اجازه إجازة حسبية روائية

أ3. الامام الخميني الذي اجازه في الشؤون الحسبية

أ4. آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي دام ظله الذي أجازه في الحسبة و الرواية و الفقاهة

أ5.آية الله العظمى السيد مهدي المرعشي الذي اجازه بـ ( بلوغ درجة الاجتهاد ) ـ

مؤلفاته

م1. مصارع الحق وهو عبارة عن عرض تحقيق زاخر بالشواهد لقصة مقتل الامام المظلوم ابي عبد الله الحســين (ع). طبع عام 1973 في مطبعة النعمان في النجف الاشرف وهو باكورة ابتاجه التأليفي

م2 .مسند علي بن سويد السائي طبع مؤتمر الامام الرضا عليه السلام في مشهد، وهو كتاب رجالي حديثي فقهي

م3 .كتاب ( بحوث إسلامية ) المشتمل على ابحاث متنوعة في القرآن الكريم والفقه والأصول والعقائد والمذهب

م4. مبادئ السلام في القانون الدولي الاسلامي

م5 .مجموعة محاضراته في علوم القرآن

م6. مجموعة محاضراته في تفسير القرآن

م7 .مجموعة محاضراته في الأخلاق

م8. مجموعة محاضراته في التاريخ الاسلامي

م9. مجموعة محاضراته في الخطابة

م10 .قرار البراءة من المشركين (كتيب في مائة صفحة) ـ

م11 .تقريرات أبحاثه الفقهية في (القواعد الفقهية) على مستوى (بحث الخارج) من محاضرات دروسه التي القاها في الحوزة العلمية

م12. فقه الاحوال الشخصية-- وهو بحث استدلالي في درس الخارج مقارنا بالقانون الوضعي

م13 .شرح وتحقيق المكاسب المحرمة والبيع و الخيارات للشيخ الأعظم (قدس سره) ـ

م14. دورة في اصول الفقه ضمن شرح وتحقيق كفاية الاصول للمحقق الكفائي (قدس سره) ـ

م15. تعليقات علمية على رسائل الشيخ الاعظم (قدس سره) ـ

م16. دورة فقهية استدلالية شرحا للروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية للشهيدين (قدس سرهما) ـ

م17. موسوعة الابحاث المقارنة بين الشريعة والقانون مثل (القانون الاداري الاسلامي) و (القانون الدولي الاسلامي) و (القانون الجنائي الاسلامي) ـ

م18. موسوعة الامام الحسن عليه السلام وهي دورة تحقيقية في دراسة شاملة لمختلف ابعاد حياة شخصية الامام الحسن عليه السلام تقع في عشر مجلدات

م19. موسوعة المحاضرات وهي سلسلة دراسات وبحوث اسلامية منبرية متفرقة تصنيفا موضوعيا وتقع في ما يزيد على ثلاثين مجلدا

م20. النظام السياسي في الاسلام والقضية العراقية

كما نشرت له عدة مقالات في صحف ومجلات مختلفة فقد نشر مقالا عن معركة بدر في مجلة الشروق، ومقالا آخرا عن الوحدة الاسلامية في جريدة الخليج الامارتية، ونشر مذكراته عن الشهيد الصدر في نشرة تصدرها الجالية العربية في فرنسا

وله مقالات في لواء الصدر، وعلى صفحات مجلة المواقف البحرانية وصوت الخليج في الكويت وصحيفة الوطن الكويتية. ولا زال يواصل نشاطه العلمي برعاية الله تعالى

خطابته

تمثل الخطابة في سماحة الشيخ المالكي موهبة مبكرة قبل ان تكون نتاجا دراسيا فقد بدا مسيرته الخطابية وله من العمر احدى عشر سنة. ولئن زاحمت مسيرته الدراسية (الحوزوية والاكاديمية) رحلته الخطابية الا قليلا لكنها-على قلتها-ممارسة متينة مركزة ورسالية هادفة وها هو اليوم يعد من انبغ الخطباء المعاصرين لمع نجمه وتألق اسمه في عصر الصحوة الاسلامية وبرز خطيبا مفوها هادرا ذا كفاءة عالية ومواهب خلاقة وطاقات مبدعة، وقد غطت محاضراته العديد المهم من اقطار العالم كدول الخليج وبلاد الشام وبايران وفرنسا وساحل العاج والعديدالمهم من محافظات العراق كالنجف الاشرف وكربلاء المقدسة وبغداد والكوت. كما اعتمده المرحوم الامام الخوئي عالما وخطيبا لافتتاح مسجد وحسينية منطقة (الشريخان) في الموصل بشمال العراق حتى منعته السلطة العفلقية من الاستمرار. بثت محاضراته من اذاعة وتلفزيون الجمهورية الاسلامية في اوج انتصارها وذروة انتشارها وفي ابان الحرب العراقية الايرانية وافرازاتها في المنطقة وحالة التوتر والترقب والتطلع لمستجدات الساحة وما يطرح فيها من آراء وتحاليل واصوات وشخصيات وقضايا وهموم. يقول مؤلف كتاب (معجم الخطباء) : (استمعت الى لقطات من تلك المجالس الموفقة فوجدتها لوحة مسبوكة منسجمة بوحدة موضوعها واشباع بحوثها وغزارة تحقيقاتها، فلعمر الحق لقد شدني اسلوب العرض ولباقة المنطق وسيطرة المحاضر وفن التنقل والتجوال بين حلقات البحث وتسلسل فروعه بطريقة محكمة واقتدار متفوق. ثم وجدته مركز الحفظ دقيق الملاحظة يتمتع بحافظة خطيرة وثروة كبيرة من الالفاظ الحديثة والمصطلحات المعاصرة التي تتدفق على لسانه فيرصع بها جميل بيانه. ولاشك ان هناك الاساتذة الاكفاء في دائرة المنبر المعاصر غير ان الشيخ المالكي -وللحق انصاف- اكبر رصيدا في الضبط والتحقيق واوسع ثروة في العرض والتدقيق ، واعمق بحوثا وتتبعا واستقراءا لما يطرح من مواضيع هامة وما يطرق من بحوث حيوية وما يثير قضايا ساخنة واحداث راهنة. ومع غاية الاحترام للجهود التي بذلوها في تطوير المنبر الحسيني ، فلقد ادوا ما عليهم وقاموا بدورهم الرائد وكان سعيهم مشكورا ، غير اننا نؤمن بأن الله لا يخلي الارض من حجة (وما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها ). ثم ان لمنبر سماحة الشيخ المالكي منهجه الخاص واسلوبه المتميز في الاطروحة والاداء فهو منهج توفيقي بين الطريقتين الحوزوية والجامعية واسلوب متوفر على فنية الخطابة وعلمية الطرح وهو للسبك التدريسي اقرب منه للحديث العام ونهج جامع من القديم والحديث متميز بالمتانة والابانة (وخير الكلام المتين المبين). هذا مضافا الى انفراده-تقريبا-في استعمال طريقة البحث المتسلسل في المنبر الحسيني فقد اشتهر في جامع الهاشمي في بغداد بمحاضراته العشرين في (فلسفة خلود الامام الحسين عليه السلام) والتي كانت توعية سياسية وتعبئة جهادية باتجاه الثورة الاسلامية المباركة ومحاضراته العشرين في جامع العكيلات في بغداد في بحث (الشجرة الملعونة في القرآن) الذي كان تعريضا واضحا في ادانة السياسة العفلقية في العراق من خلال فضح سياسة الامويين ومحاضراته العشرة عن الشخصية الاسلامية في منامة البحرين ومحاضراته الثلاثين عن الامام المهدي عليه السلام في حسينية المرتضى في الكويت. ومن ابرز امتيازات منبر الشيخ المالكي بل من اعز مفاخره هو ما عرف به من جرأة فائقة في مقارعة الانحراف ومقاومة الضالين والظالمين غير هياب من احد ولاآبه بما يلقي في طريق ذات الشوكة فهو-لعمري-مصداق مشرق لقوله تعالى (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا الا الله) وقد عرفته الساحة الاسلامية اخيرا بأنه (رائدقضية الدفاع عن العقيدة) وذلك من خلال وقفته البطلة في محاضرته المعروفة بـ(بحث الولاية والوليجة) الذي كافح فيه الانحراف ونافح عن حريم آل محمد صلوات الله عليهم اجمعين. ومن اهم ما يعتز به هو شهادة استاذه السيد الشهيد الصدر (قدس سره) بقوله فيه (لو كان لدينا في العراق عشرة من امثال الشيخ المالكي لما بلغ بنا الحال الى ما نحن فيه من نكبة الاسلام ونكسة المسلمين). ـ

مشروع تطوير الخطابه والمنبر الحسيني

وسعى السيد الشهيد الصدر-رضوان الله عليه- الى تطوير المنبر الحسيني بالشكل الذي ينسجم مع فكرة التطوير والبناء الجديد للحوزة العلمية. وكان هذا السعي نحو التغيير يقوم على اساس قناعة السيد الشهيد بأن كل خطيب يجب ان يكون عالما، وكل عالم يجب ان يكون خطيبا. وقد اعتمد على سماحة الشيخ المالكي-حفظه الله- في تنفيذ هذا المشروع المهم وقد جرت بينهما جلسات متعددة، ولعلها كانت اسبوعية، كان يتم فيها تدارس مقترح أنشاء معهد كبير لتعليم الخطابة وتعلم فنها يديره سماحة الشيخ المالكي ويكون تحت اشراف السيد الشهيد (رضوان الله عليه)

الزوار : 882
الاضافة: 13/09/2008
الخطيب الشيخ فاضل المالكي
المؤلف :

الشيخ عبد الزهراء الكعبي – 1327 – 1394 هـ

هو الخطيب الشهير الشيخ عبد الزهراء الكعبي بن الشيخ فلاح بن الشيخ عباس بن الشيخ وادي الكعبي .و هو ينحدر من أسرة عرفت بالفضل تنتسب إلى قبيلة (بني كعب) المنتهية إلى كعب بن لؤي بن وائل ، و قد نزحت من المشخاب و استوطنت كربلاء .

ولد خطيبنا في سنة 1327 هـ و نشأ دينية ، و أظهر شغفه في علوم اللغة و الدين ، فدرس العروض على الشاعر الكبير الشيخ عبد الحسين الحويزي و درس مبادئ العلوم على الشيخ علي الشيخ فليح الرماحي و درس الفقه و الأصول على العلامة الشيخ محمد بن داود الخطيب و أخذ المنطق على العلامة الشيخ جعفر الرشتي (1) .

خطابته : أخذ الخطابة على الخطيبين الشهيرين الشيخ محسن أبو الحب و الشيخ محمد مهدي الواعظ ثم برع في الخطابة براعة فائقة حتى اشتهر بها و أصبح من مشاهير خطباء العراق البارزين و كانت له مجالس عامرة في المساجد و المدارس و الدور و الأسواق في كربلاء و مدن العراق . كما سافر إلى خارج العراق كالبحرين و القطيف و الأحساء و غيرها ، و حاز على إعجاب المستمعين هناك ، لما له من دور متميز في هذا الفن و عرف بسجاياه الحميدة و طباعه الكريمة و جنوحه نحو الإنسانية .

أدبه : من خلال قراءتك لمقالاته المنشورة في المجلات الكربلائية كصوت المبلغين و غيرها تظهر لك قابليته الإبداعية و إثبات جدارته ، فكان من أئمة العربية طويل الباع ، حسن الاختيار ، غزير المادة . له اليد الطولى في النظم و النثر . و كفى بها شاهداً على علو همته ورفعة مقامه بين خطبائنا الأفاضل بما تركه من آثار نافعة و فوائد جمة ، و منها ديوان شعره المخطوط الموسوم بـ(دموع الأسى) إضافة إلى مخطوطات أخرى له محفوظة في مكتبته العامرة التي يزيد عدد كتبها على عشرة آلاف كتاب (1)

في شتى فنون المعرفة .

كان شاعراً مجيداً بالفصحى و العامية ، و لكن مقلاً ، و كثيراً ما كان يلقي نتاجه من على المنبر .

قال مؤرخاً بناء مسجد في كربلاء :

ذا مسجد أنفق في بناءه أكارم أهل علاً وسؤدد

سعى به (عبد الأمير) ذو العلا مَن قد سما بالعز هام الفرقد

و شاطرته في البناء عصبة ترجو بذاك الفوز يوم الموعد

يا داخلاً فيه اذكر الله هدى و بعده صل على محمد

و استغفر الله و أرخ قائلاً (شادوا على التقوى أساس المسجد)

1362 هـ

و لقد ابتكر الشيخ عبد الزهراء الكعبي قراءة (مقتل الحسين) بثوبه الجديد و اشتهر بقراءته أمام حشد هائل من الناس في صبيحة كل يوم عاشوراء (العاشر من محرم الحرام) من قلب مدينة كربلاء و يُقرأ القسم الأول منه من إذاعة بغداد و الاذاعات الأخرى .كما أن الفقيد كان يتلو القسم الثاني منه في الحسينية الحيدرية ، يوم العشرين من صفر (أي بمناسبة مرور أربعين يوماً من استشهاد الإمام) و كانت إذاعة بغداد و إذاعات أخرى تذيع ذلك سنوياً(3) .

و قد نذر نفسه لخدمة العلم و الدين و بث الوعي الإسلامي و التربية .

و من آثاره المطبوعة كتاب (الحسين قتيل العبرة) يقع في 184 صفحة طبع ثلاث مرات، الطبعة الأولى سنة 1970 م و الثانية سنة 1972 م و الثالثة سنة 1980 م .

و قد صدرت بعد وفاته (ذكرى خطيب كربلاء الشيخ عبد الزهراء الكعبي) بمناسبة مرور عشرين عاماً على رحيله . كتبه نخبة من أدباء كربلاء .

وفاته : انتقل إلى رحمة ربه مساء يوم الخميس 41 جمادى الأول سنة 1394 هـ و دفن في وادي كربلاء ، و أعقب و لدين هما : علي و عبد الحسين

ترجمه ثانية

الخطيب الشيخ عبد الزهراء الكعبي رحمة الله تعالى عليه

بين اليوم والأمس خطوات ولكنها اكبر من أن تقاس، فالكبار لا يقيمهم زمانهم فحسب، بل تبقى بصماتهم أثراً شاهداً ومنارات للأجيال تشع بنور القدسية والبهاء الذي استوحوه من نور الإمامة، من نور الإمام الحسين (عليه السلام).

اعتدنا أن نقدم لزوارنا الأعزاء في باب (شخصية العدد) إحدى الشخصيات المنبرية المعاصرة لنواكب المسيرة الخطابية عبر تاريخها الطويل، واليوم آثرنا أن نتوقف قليلاً عند بداية المنبر الحسيني في العصر الحديث، وعند رمزه الأول، الذي ما أن يذكر اسمه حتى يذكر الإمام الحسين (عليه السلام)، وما أن تذكر تلك المصيبة حتى يذكر هذا الشيخ الجليل.

إنه تاريخ الدمعة والثورة والأدب والقدوة الحسنة لخطبائنا في هذا العصر، إنه الخطيب الشهيد الشيخ عبد الزهراء الكعبي الكربلائي.

اسم على مسمى

بذكرى مولد الصديقة الزهراء (عليها السلام) في الخامس عشر من شهر جمادي الأولى في عام 1327 هـ ولد الشيخ عبد الزهرة الكعبي في كربلاء المقدسة، وبذكرى وفاتها في الخامس عشر من شهر جمادي الأولى أيضاً عام 1394 هـ الموافق 6/6 /1973 وفد على ربه آمناً مطمئناً، وبين الولادة والوفاة مسيرة أمدها سبعاً وستين عاماً حافلة بالعطاء والعظمة وكأن الإرادة الإلهية شاءت أن تنطلق هذه المسيرة المظفرة مع الزهراء وولائها حتى أصبح عبد الزهراء اسماً على مسمى وكأن فيه قول القائل:

يا قوم قلبي عند زهراء *** يقصده السامع والرائي

لا تــدعني إلا بيا عبدها *** فإنـــــه أشرف اسمائي

نسبته وأسرته

هو أبو علي الشيخ عبد الزهراء بن الشيخ فلاح بن الشيخ عباس بن الشيخ وادي الكعبي ينتسب إلى قبيلة بني كعب المنتهية إلى كعب بن لؤي بن وائل، وقد نزحت أسرته من المشخاب واستوطنت كربلاء

دراسته وخطابته

تعلم مبادئ القراءة والكتابة بالطرق التقليدية عند الكتّاب وحفظ القرآن كله في سن مبكرة عند الشيخ محمد السراّج في الصحن الحسيني الشريف، ثم تلقى علومه الدينية في حوزة كربلاء على أفاضل الأساتذة وطلائع العلماء، فقد أخذ أوليّات العلوم على العلاّمة الشيخ علي الرمّاحي، ثم درس الفقه وأصوله على يد العلاّمة الشيخ محمد الخطيب، وتتلمذ في المنطق على الشيخ جعفر الرشتي، وفي علم العروض على الشيخ عبد الحسين الحويزي، ثم أصبح هو من أساتذة الحوزة النابهين يلقي دروسه في الفقه الإسلامي واللغة العربية على مجموعة من طلبة العلوم الدينية.

أما خطابته فقد تلقاها عن خطيب كربلاء الشهير الشيخ محسن أبو الحب، والخطيب المؤلف الشيخ محمد مهدي المازندراني ومارس عمله بإتقان وإخلاص حتى أصبح من أبرز الخطباء العراقيين ومن أساتذة المنبر المبرّزين، وقد تخرج عليه جيل من خطباء المنبر الحسيني كان في طليعتهم الخطيب الشهير الشيخ عبد الحميد المهاجر والشيخ ضياء الزبيدي والشيخ علي حيدر والشيخ أحمد معرفة وغيرهم من الجيل المعاصر وذكر أحد تلامذته أن أكثر من خمسين خطيباً تأثروا بأسلوبه وطريقته في الخطابة، وكان يحرص على إعداد جيل من الخطباء متسلّح بثقافة دينية صحيحة وكان ينفق جل وقته في توجيه وتربية الخطباء الناشئين ويغدق عليهم بسخاء من مكارم أخلاقه وما يحتاجونه من خبرة منبرية واسعة.

كان شيخنا المترجم له خطيباً مربياً مخلصاً في خدمته لسيد الشهداء، ثنيت له وسادة المنبر الحسيني في كربلاء، ثم دعي خطيباً لإحياء المواسم الحسينية في كل من الكويت والبحرين والإحساء والقطيف ولبنان وغيرها، وذاع صيته الأرجاء بقراءة المقتل الحسيني الشهير.

الكعبي والأدبي العربي

يتبادر إلى الذهن عندما يذكر الشيخ الكعبي (مقتل الحسين)، وخطابة المنبر إلا أن للشيخ الخطيب باع طويل في الأدب العربي بقسميه الفصيح والدارج، فقد ذكر المرجاني في كتابه خطباء المنبر أن له ديوان شعر تحت عنوان: (دموع الأسى) لا يزال مخطوطاً في مكتبته بكربلاء، ولا يعلم إذا اعتراه التلف أو الضياع في ظل الظروف الراهنة، ومن نماذج شعره قال مؤرخاً مسجداً في كربلاء:

ذا مسجد قد جددت بنـــــــاءه *** أكارم أهــــــــل عـــــلا وســــــؤدد

سعى به عبد الأمير ذو العلى *** من قد سما بالـــعز هــــام الفرقـــد

وشاطرته في البنــاء عصبـة *** ترجو بذاك الفوز يــــــوم الموعـــد

يا داخلاً فيه اذكر الله هـــدى *** وبعــــــده صلّـــــي علـــى محـــــمد

واستغفر الله وأرّخ قـــــــائلاً *** شــادوا على التقوى أساس المسجد

ويقول في مدح الإمام الصادق (عليه السلام):

لأبي الكاظم الإمـــــام أيــادٍ *** ســــــابقات تعــمّ كل البرية

أظهر الله فيه شـــرعة طه *** بعد إخفائها فعــادت بهــــية

رويت عنـــه للأنــام علوم *** هي كانت من قبل ذاك خفية

فحفظنا تلك العلوم ومن ذا *** قد عرفنا بالفرقة الجـعفرية

ويقول في قصيدة في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام):

خليفة طه في الــــــبرية حيــــدرُ *** وليس سواه في الأنام أميرُ

إذا امتار أهل الأرض كيلاً فإنني *** ســوى حبهِ تاللهِ لستُ اميرُ

وقد نشرت له مجموعة من المقالات في مجلة صوت المبلغين الكربلائية، وله مكتبة ضخمة تربو على العشرة آلاف كتاب، وليس له تأليف مطبوع سوى المقتل.

المحطة الأخيرة

في ليلة الجمعة بكربلاء سكت صوت الكعبي فجأة، ذلك الصوت الذي كان للتو يجلجل ناعياً أم الأئمة بمجلس عزائها، وتعطلت تلك الحنجرة الخارقة التي تصدح بحزن في مصاب سيد الشهداء (عليه السلام) لنصف قرن من الزمن، وتوقف ذلك القلب الطيب العطوف، واطفأت تلك الروح المتوثبة، وخمدت تلك الشعلة الحسينية المتوهجة. لقد هجمت عليه المنية، وباغته ريب المنون، بعد أن حضر مجلس الفاتحة لأحد معارفه، وارتقى المنبر يؤبن الزهراء (عليها السلام) بذكرى وفاتها، وبعد فراغه أحس بدوار واضطراب نفسي شديد نقل على أثره إلى المستشفى الحسيني، وبعد إسعافه عادوا به إلى داره في حي الحسين، وهناك صعدت روحه إلى بارئها، ولفظ نفسه الأخير، والتحق بركب الحسين (عليه السلام) مع الشهداء والصديقين.

وفي صبيحة الحدث الجلل والخسارة الفادحة هبت كربلاء عن بكرة أبيها، وزحفت الجماهير من كل حدب وصوب لتشيع خطيبها المعظّم، فحملت نعشه على الرؤوس ورفعت جنازته على الأكف، وكان يوماً مشهوداً ضجت به الناس ضجّة واحدة، وحنّت حنّة ثاكلة تشيعه الدموع الساخنة، والزفرات اللاهبة، وأصوات تسجيلاته تخترق الأفق نعياً وحزناً حتى أنزلوه في مثواه الأخير في مقبرة كربلاء فإلى روح وريحان وجنة نعيم، وسلام عليكم أبا علي وعلى روحك الطيب وجسدك الطاهر، طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم وفزتم والله فوزاً عظيم

المصادر

(1) خطباء المنبر الحسيني ج2 ص188.

(2) معجم الخطباء، الجزء الأول. داخل السيد حسن

الزوار : 2534
الاضافة: 13/09/2008
الشيخ عبد الزهراء الكعبي – 1327 – 1394 هـ
المؤلف :

حجر بن عــدي

نسبه

هو حُجْر بن عدي (بضم الحاء وسكون الجيم) الملقب بالأدبر، ابن معاوية بن جبلة بن عدي بن ربيعة بن معاوية الأكرمين بن الحارث بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كندة الكندي الكوفي.. كنيته أبو عبد الرحمن، ويُعرف بحجر الخير وبحجر بن الأدبر تمييزاً له من ابن عمه حجر بن يزيد الموصوف بحجر الشر الذي شهد صفين في جيش معاوية..

نسبه. الكندي نسبة إلى قبيلته كندة، والكوفي نسبة إلى إقامته في مدينة الكوفة.. وهو من الأربعة الذين انتهى إليهم الجمال في تلك المدينة. هكذا نسبه في (أسد الغابة) وغيره.

وفي (الطبقات) ابن كندي بدل ابن كندة، قتل في ولاء علي (عليه السلام) بمرج عذرى أو عذراء في شعبان سنة 51هـ كما في الاستيعاب أو سنة 53هـ كما في مروج الذهب، ودفن بقرية عذرى التي ينسب المرج إليها من قرى دمشق على أميال منها إلى جهة الشرق وقبره بها معروف.. وفي (الاستيعاب): الموضع الذي قتل فيه حجر وأصحابه يعرف بمرج عذراء..

ولم تذكر المصادر من أسرته سوى ابنيه: عبيد الله وعبد الرحمن، اللذين قتلهما مصعب بن الزبير صبراً.

ذكر ابن سعد في (طبقاته) أن حجراً بن عدي وفد مع أخيه هاني إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) مسلماً، فكان إسلامه بداية صحبة مباركة، وفاتحة درب جهادي طويل.. سمع من الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) أحاديث شريفة حفظها فكانت جزءاً من السنة النبوية المتبعة..

أجاب داعي الجهاد فكان مع الجيش الإسلامي الذي فتح الشام كما ذكر ابن عساكر. ولعل حكمةً إلهية شاءت أن يكون قائداً للفرقة العسكرية التي فتحت مرج عذراء الذي شهد فيما بعد مأساة مقتله بسبب تمسكه بأوامر الإسلام ونواهيه وثبوته عليها.. وأيضاً شارك في القادسية وأبلى فيها البلاء الحسن.

لفت انتباهه المخلصون من رجال الصحابة أمثال أبي ذر الغفاري (رضوان الله عليه).. وكان من الحاضرين عند موته بالربذة، وعنى حضوره أنه يسير على خطى ذلك الصحابي الجليل في مقاومة أي انحراف عن جادة الإسلام المستقيمة..

قال الشيخ الطوسي في (رجاله) في أصحاب علي (عليه السلام): حجر بن عدي الكندي كان من الأبدال..(1).

وقال الكشي في (رجاله) أيضاً: حدثنا ابن عيينة حدثنا طاووس عن أبيه، انبأنا حجر بن عدي الكندي قال: قال لي علي (عليه السلام): كيف تصنع أنت إذا ضربت وأمرت بلعني؟ قلت: كيف أصنع؟ قال إلعنّي ولا تتبرأ منّي فإني على دين الله.

وقال ابن أبي الحديد في (شرح النهج): أمر المغيرة بن شعبة ـ وهو يومئذ أمير الكوفة من قبل معاوية ـ حجر بن عدي أن يقوم في الناس فيلعن علياً، فأبى ذلك، فتوعده المغيرة، فقام حجر فقال: أيها الناس إن أميركم أمرني أن ألعن علياً، فالعنوه، فقال أهل الكوفة: لعنه الله، وعاد الضمير إلى المغيرة بالنية والقصد..

وفي (الاستيعاب): كان حجر من فضلاء الصحابة رغم صغر سنه عن كبارهم. وكان على كندة يوم صفين، وكان على الميسرة يوم النهروان، وقال أحمد: قلت ليحيى بن سليمان: ابلغك أن حجراً كان مستجاب الدعوة؟ قال: نعم وكان من أفاضل صحابة النبي (صلى الله عليه وآله)..

وفي (أسد الغابة) كان من فضلاء الصحابة، وكان على كندة بصفين وعلى الميسرة يوم النهروان، وشهد الجمل أيضاً مع علي (عليه السلام) وكان من أعيان أصحابه، وكان قتله سنة 51هـ وقبره مشهور بعذراء، وكان مجاب الدعوة.

وفي طبقات ابن سعد: كان ثقة معروفاً، ولم يرو عن غير علي (عليه السلام) شيئاً..

وقال أبو معشر: كان حجر عابداً، وما أحدث إلا توضأ وما توضأ إلا صلّى.

وقد أجمل السيد محسن الأمين في موسوعته (أعيان الشيعة) ما ذكرته المصادر في فضل حجر بن عدي ومقامه..

فكانت صفات خلقية في جانب منها ركزت على (رياسته وشجاعته) الموجبة لاستحقاقه تولي قيادة الجيوش التي سيّرها الإمام علي (عليه السلام) في مواجهة أعدائه..

وظهرت شجاعته في اقتفائه أثر الضحاك بن قيس ـ قائد جيش معاوية ـ من العراق إلى تدمر حتى اضطره إلى الفرار ليلاً.. وأما (إباء نفسه) فقد حمله على تمنّي الموت قبل الرغم والذل، و أما (مجاهرته بالحق ومقاومته الظلم) فهو مما اشتهر به فلم يغرّه زخرف الدنيا، وقد بذل زياد له ما يحب إن هو كفّ عما هو فيه، فلم يفعل..

وكانت له صفات إيمانية في جانب آخر من سيرته، فهو من (خيار الصحابة) كما شهد له بذلك كبار العلماء. وهو (عابد) وصفه الحاكم في (مستدركه) بأنه راهب الصحابة، وأنه ما أحدث إلا توضأ، وما توضأ إلا صلّى. وهو (زاهد) (عارف) (مستجاب الدعوة) قارب الأنبياء والمرسلين وهو (مسلّم لأمر الله تعالى) سلم نفسه للقتل اختياراً دون البراءة من علي (عليه السلام).

وهو إلى ذلك موالٍ علياً (عليه السلام) من أعيان أصحابه على حد تعبير ابن الأثير

الزوار : 395
الاضافة: 13/09/2008
حجر بن عــدي
المؤلف :

إسلام عمار بن ياسر

لقد أسلم أبو ذر وعمار بن ياسر في وقتين متقاربين في بدء الدعوة و النبي لا زال يتستر في دعوته، وقد اتخذ دار الأرقم مقراً له، والمسلمون يتسللون إليه على التوالي الواحد بعد الآخر، وهو يوصيهم بالصبر والتستر من قريش وجبابرتها.

وجاء في ترجمة عمار انه ينتمي بالنسب إلى مذحج، وهو يمني الأصل وفد والده ياسر بن عامر على مكة مع أخويه الحارث ومالك في طلب أخ لهما قد انقطعت أخباره، ثم رجع أخواه الحارث ومالك، وبقي هو ووالده في مكة، فتحالف مع أبي حذيفة بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم، وزوجة أبو حذيفة أمه له تدعى سمية بنت خياط فولدت له عماراً، ثم اعتقه أبو حذيفة، ولم يزل ياسر والد عمار مع حذيفة إلى أن مات، ولما ظهر محمد ابن عبدالله يدعو إلى الإسلام أسرع هذا البيت إلى الإسلام وأخلص في إسلامه، وصبر على جميع أنواع الأذى في سبيله.

وجاء في خبر إسلامه عن والده محمد بن عمار عن أبيه أنه قال: لما ذهبت لدار الأرقم لأسمع من النبي (ص) لقيت صهيب بن سعفان على الباب ينتظر الأذن، فقلت له ما تريد، قال أريد لأن أدخل على محمد لاسمع كلامه، قلت وأنا أريد ذلك، ثم دخلنا على النبي فعرض علينا الإسلام فأسلمنا ومكثنا يومنا عنده إلى أن أمسى المساء فخرجنا وأخفينا أمرنا مخافة قريش واتباعها، ولما انكشف أمر عمار وأبيه وأمه وغيرهم من الموالي والمستضعفين، اتفقت قريش على تعذيبهم والتنكيل بهم ليكونوا نكالاً لغيرهم، وجاء أبو جهل ومعه جماعة من المشركين إلى دار ياسر وأضرموا فيها النار، ووضعوا عماراً وأبويه في الأغلال ثم ساقوا بأسنة الرماح ورؤوس الحراب والسياط حتى انتهوا بهم إلى بطحاء مكة فانهالوا عليهم بالضرب إلى أن سالت دماؤهم، ثم سلطوا النار على صدورهم وأيديهم وأرجلهم، ووضعوا الأحجار الثقال على صدورهم ونحو ذلك من التعذيب والتنكيل وهم على ذلك صابرون محتسبون، ومر تعب الجلادون وضعوا على صدر كل واحد صخرة وتركوهم على ظهورهم يستقبلون بوجوهم شمس الصحراء المحرقة، فدعا لهم النبي (ص) بالفرج وبشرهم بالجنة، ثم ألتفت إلى عمار وقال له تقتلك الفئة الباغية، وقالها له بعد ذلك في مناسبة ثانية كما سيأتي خلال الفصول الآتية.

وارتفع صوت سمية وهي تقول للرسول: أشهد أنك رسول الله وأنك وعدك حق، وعاد إليهم الجلادون بالضرب والكي بالحديد المحمي بالنار إلى أن غشي عليهم فلما أفاقوا من غشيتهم أعادوا عليهم الكرة ولم يمنعهم عن ذلك ذكر الله سبحانه وتعالى.

و أشتد عليهم غضب أبي جهل وصاح بسمية لتذكرن وآلهته بخير ومحمداً بسوء أو لتموتن، فقالت له بؤساً لك ولآلهتك، فلم يمهلها أن ضرب بطنها برجله، وعادت تشتمه وآلهته فطعنها عن ذلك بحربة كانت في يده في ملمس العفة من بدنها ومضى يطعنها في ذلك المكان من جسدها بوحشية لا نظير لها حتى قضى على حياتها، فكانت أو شهيدة في سبيل محمد ورسالته، واتجه بعد ما انتهى منها إلى زوجها ياسر وهو مكبل بالحديد عارياً تلفحه حرارة الشمس، وجعل يضربه برجله في بطنه إلى أن مات شهيداً، واتجهوا بعد ذلك إلى تعذيب عمار، بوحشة لا نظير لها حتى اضطروه أن يذكر آلهتم بخير ويذكر محمداَ بما يريدون، فأطلقوا سراحه عند ذلك وجاء إلى النبي باكياً، والنبي (ص) يسليه ويعزيه بفقد أمه وأبيه، وهو يبكي ويقول لم اترك يا رسول الله وقد أكرهوني حتى نلت منك وذكرت آلهتم بخير، فقال له النبي (ص) كيف تجد قلبك يا عمار قال إنه مطمئن بالإيمان يا رسول الله، فقال فما عليك فإن عادوا إليك فعد لما يريدون فقد أنزل الله فيك ((ألا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان)).

وسلم عمار من الموت الذي نزل بأبويه على يد أبي جهل وأبي سفيان وأبي لهب، وغيرهم من جبابرة قريش وطغاتها الذين نكلوا بالضعفاء والعبيد والفقراء كما نكلوا بعمار وأبويه وأطعموهم للسياط والنيران فمات منهم من مات، والتضحيات وعلماً من أعلام المسلمين الذين جاهدوا وناضلوا في سبيل المبدأ والعقيدة، وختموا حياتهم كما بدأوها بالجهاد في سبيل الله وبالشهادة على يد الفئة الباغية.

لقد كان عمار بن ياسر صديقاً حميماً لمحمد (ص) قبل الدعوة يكبر فيه كل صفاته، ويرى فيه جديداً كلما مرت الأيام والشهور، ولما دعاه إلى الإيمان بالله أسرع إلى الإيمان به هو وأبوه وأمه، وظل وفياً للإسلام سخياً في البذل والعطاء طيلة حياته مع الرسول وبعد وفاته، إذا رأى باطلاً ثار عليه لا يلين ولا يستكين، وإذا رأى انحرافاً عن الحق وقف إلى جانب الحق ولو كانت الدنيا باسرها مع الباطل وأهله وصدقت فيه نبوءة الرسول (ص): عمار مع الحق والحق مع عمار يدور معه كيفما دار، وقد لاقى في سبيل تصلبه في الحق من المسلمين ما لاقاه من مشركي مكة حينما انتقد تصرفاتهم واستئثارهم بأموال العباد وتبذيرها لصالح الفئة التي كانت تحيط بالخليفة من ذويه وأرحامه.

فقد جاء في شرح النهج أنه لما كثرت الأحداث في عهد عثمان كان عمار بن ياسر من الناقمين على تلك الأوضاع التي انحرفوا فيها عن سنة الرسول وسيرة من تقدمهم من الخلفاء، وكان في بيت مال المدينة حلي وجواهر، فأخذ منه عثمان ما حلى به أهله ونساءه، فأظهر الناس الطعن عليه وكلموه في ذلك بكلام شديد حتى أغضبوه، فخطب الناس، وكان فيما قال: لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء و أن رغمت فيه أنوف أقوام وأقوام، فقال له علي (ع) أذن تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه، وقال له عمار: أشهد الله أن أنفي أول راغم من ذلك.

فقال عثمان: أعلي يا بن ياسر تجترئ، وقال لغلمانه خذوه، فأخذوه وأدخلوه على عثمان وضربوه حتى غشي عليه، وفي رواية ثانية أن الغلمان مدوا يديه ورجليه وجعل عثمان يضربه برجله وهي في الخفين على مذاكره حتى أصابه فتق من كثرة الضرب، وكان شيخاً كبيراً فغشي عليه فحمل وادخل إلى منزل أم سلمه رضوان الله عليها، وبقي في غيبوبته طوال يومه، فلما أفاق بعد فوات وقت الظهرين والمغرب توضأ وصلى ما فاته قضاء ثم قال: لبس هذا بأول يوم أوذينا في الله.

ولما بلغ خبره عائشة أخرجت شعرة من شعر رسول الله، ونعلاً من نعاله وثوباً من ثيابه وقالت ما أسرع ما تركتم سنة نبيكم، وهذا شعره وثوبه ونعله لم يبل بعد.

ومضى عمار في طريقه على هدي القرآن وسنة الرسول وسيرنه حتى كانت نهايته بصفين على يد الفئة الباغية التي كان يترعمها معاوية بن أبي سفيان، وصدق فيه قول رسول الله (ص) عندما قال له عثمان بن عقان يوم كان النبي (ص) يبني مسجده في المدينة وعمار يرتجز ويقول:

لا يستوي من يعمر المساجد

يدأب فيها قائماً وقاعدا

ومن يرى عن الغبار حائداً

فظن عثمان أن عماراً يعرض به فقال له لقد سمعت ما تقول يا بن سميه: والله أني سأعرض هذا العصا لأنفك، فلما سمعها رسول الله (ص) قال ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، أن عماراً جلده ما بين عيني وأنفي.

وصدق قوله فيه وهو يمسح التراب عن رأسه: طوبى لعمار تقتله الفئة الباغية وقوله: من أبغض عماراً فقد أبغض الله، إن عماراً قد ملئ إيماناً إلى أخمص قدميه.

ومن المعذبين في الله بلال بن رباح الجمحي مؤذن رسول الله، وكان عبداً لأمية بن خلف، وقد أسرع إلى الإسلام من السابقين إليه من المستضعفين والعبيد والفقراء وأخلص في إسلامه، ولم يكن يتصل بنسب إلى أحد المكيين ليمنع عنه طغاة قريش، فطالبه سيده أمية أن يلعن نبذة لدعوة محمد فأبى، فأمر به أن يؤخذ كلما حميت الشمس فيطرح عارياً على الرمضاء ويجلد إلى أن يغيب عن الدنيا، ثم يضعون صخرة كبيرة على صدره، ويقول له أمية لا تزال هكذا يا عبد السوء حتى تموت أو تكفر بمحمد، وترجع إلى عبادة اللات والعزى، ثم يغري به صبيان قريش وهو مطروح عارياً والصخرة على صدره فيأخذ كل واحد منهم بطرف من أعضائه ويشده إليه، فيأخذه الألم حتى لكأن أوصاله تتقطع، وهو مع ذلك لا يستغيث بغير الله ثم يعود إليه أمية مع جماعة من المشركين يسلطون النار على جسده، وينهالون عليه بسياطهم إلى أن يرجع عن دين محمد ويذكر اللات والعزى، ولكنه كان لا يذكر غير الله ولا يستغيث بغيره.

فقال له أمية وقد تعجب من تحمله لما هو فوق طاقة الإنسان، قال له: اذكر آلهتنا بخير يا بلال لنرفع عنك العذاب، فأجابه: أن لساني لا يطاوعني على ذلك، وظل بين أيديهم يتعرض للتعذيب والتنكيل إلى أن جاءهم أبو بكر واشتراه منهم كما جاء في بعض المرويات.

ولما رأت قريش ما صنعه أبو جهل وأمية بن خلف بعمار وبلال انقضوا على عبيدهم الذين آمنوا بمحمد يسومنهم سوء العذاب، يطرحونهم عراة على الرمال الساخنة تحت وهج الشمس ثم ينهالون عليهم بسياطهم حتى يفقد الواحد منهم وعيه ويشرف على الموت، وهو مع ذلك يأبي أشد الإباء أن يذكر اللات والعزى بخير، أو ينال محمد ودعوته، بالرغم من أن محمداً (ص) قد رخص لهم أن يقولوا بألسنتهم ما ينقدهم من هذا العذاب ما دامت قلوبهم منطوية على الإيمان بالله ورسوله ووعدهم بالنصر على أولئك الطغاة أن هم صبروا على ما أحيط بهم من البلاء وصدقوا ما عاهدوا عليه الله ورسوله وسيصبحون وأمثالهم من المستضعفين أعز وأكرم عند الله والناس من أولئك الجبابرة والطغاة، ومع أن النبي (ص) قد رخصهم بمجاراة أسيادهم بألسنتهم فقد أصروا على موقفهم المتصلب من محمد ودعوته ومن التنكر للأصنام وآلهة قريش ودعاتها ولم يحسبوا لقريش وطواغيتها ولا الكل ما أحيط بهم من البلاء والتعذيب حساباً.

لقد آمنوا بمحمد (ص) ورسالته وتجسد لديهم ما أعده الله للمؤمنين والصابرين من الدرجات الرفيعة والأجر العظيم فاستهانوا بعذاب موقت محدود لقاء نعيم دائم لا يحول ولا يزول فصبروا ووفاهم الله أجورهم الصابرين وكان الظالمين والجبارة بالمرصاد.

وكان من بين أولئك المعذبين سالم مولى أبي حذيفة وخباب بن الأرت وصهيب بن سنان وعبدالله بن مسعود وعامر بن فهيرة وأبو فكيهة وأم عنيس وزنيرة وغيرهم من الموالي والمستضعفين، ولما اشتد البلاء عليهم استنجد خباب بن الأرت بالنبي (ص) فذهب وهو متوسد ببردة في ظل الكعبة فقال له ألا تستنصر لنا ألا تدعو الله لنا بالفرج فقال النبي (ص) قد كان قبلكم أقوام يؤخذ الرجل منهم فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بمنشار فيوضع على رأسه فيصبح نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ولا يصده كل ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه فصبروا وشكروا ووفاهم الله أجور الصابرين ونصرهم على الكافرين والظالمين.

وجاء في كتب السيرة أنه كان لبني عدي جارية آمنت بالنبي (ص) فكان عمر بن الخطاب يتعاهدها بكل أنواع الإساءة والتعذيب لترجع عن الإسلام، و لا يترك تعذيبها إلا مللاُ من ذلك، فإذا مل وكل قال لها: أعتذر إليك فاني لم أترك تعذيبك إلا عن ملالة، ولم ينقذها من أبو بكر إذا اشتراها وأعتقها في جملة من اشترى واعتق من أولئك المعذبين كما جاء في بعض كتب السيرة.

ومضى التساؤل فيما جاء في كتب السيرة من أن أبا بكر كان يشتري أولئك المعذبين ليخلصهم من ساداهم، هو أن قريشاً كانت تنكل وتعذب العبيد الذين آمنوا ليخلصهم من ساداتهم، هو أن قريشاً كانت تنكل وتعذب العبيد الذين آمنوا بمحمد وغيرهم من المستضعفين حتى لا ينتشر الإسلام وليكونوا عبرة و نكالاً لغيرهم وكانت تود لو أن محمداً (ص) يساومهم على جميع ما يملكون ويتراجع عما جاء به ودعا إليه فكيف تتنازل قريش عن مليكتهم لأبي بكر وتترك تعذيبهم، وما الذي يمنعها من تعذيبهم إذا أعتقهم أبو بكر أو غيره، في حين أنهم كانوا يتعمدون الإساءة لكل من ليس له عشيرة تمنع عنه بغيهم أو حليف يستجير به.

الزوار : 530
الاضافة: 13/09/2008
إسلام عمار بن ياسر
المؤلف :

الشيخ المفيد رحمه الله

البطاقة الشخصية

محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام الحارثي العكبري، المعروف بابن المعلم، والمفيد، كنيته أبو عبد الله، أحد علماء الإمامية ومتكلميها، ولد في قرية عكبرا ـ على بعد عشرة فراسخ من بغداد ـ سنة (336 هـ)، وقيل سنة (338 هـ)، وتوفي في بغداد في 3 رمضان، سنة (413 هـ)، ودفن عند مشهد الإمامين الكاظميين (عليهما السلام) (1).

عاصر من العلماء: أبا القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، وأبا جعفر بن بابويه القمّيين، وعلي بن عيسى الرماني، وعبد الجبار القاضي المعتزلي، وعاصر من الحكام العباسيين: المطيع، والطائع، والقادر.

مما قيل فيه:

قال الإمام المهدي (عج) في رسالته إليه: ((من عبد الله المرابط في سبيله، إلى ملهم الحقّ ودليله: بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليك أيها الناصر للحقّ، الداعي إليه بكلمة الصدق))(2).

قال الشيخ النجاشي: ((فضله أشهر من أن يوصف في الفقه، والكلام، والرواية، والثقة، والعلم))(3).

قال الذهبي: ((كانت له جلالة عظيمة، وتقدم في العلم، مع خشوع، وتعبّد، وتأله))(4).

قال ابن حجر العسقلاني: ((... برع في العلوم حتى كان يقال: له على كل إمام منّة))(5).

من ذاكرة التاريخ

ـ نشأ وترعرع في كنف والده الذي كان معلماً بواسط، ولذلك كان يكنّى بابن المعلم (6).

ـ بعد أن تجاوز سني الطفولة، وأتقن مبادئ القراءة والكتابة، ارتحل به أبوه ـ وهوصبي ـ إلى بغداد، مركز العلم والثقافة آنذاك، فأخذ يتلقى العلم عن شيوخ ذلك العصر (7).

ـ برزت مواهبه وهو لا يزال في دور التلمذة، حتى انبهر به كبار أساتذته، مما دفعهم إلى تلقيبه بالمفيد (8).

ـ بلغ الغاية في العلم، حتى انتهت إليه رئاسة المذهب الشيعي الإمامي في وقته، فكان بارعاً في الكلام، والجدل، والفقه، وكان يناظر أهل كل عقيدة (9).

ـ عاصر بعض حكام بني بويه، فكانت له في هذه الدولة جلالة عظيمة بسبب عضد الدولة البويهي، الذي كان يجل الشيخ كثيراً، حتى إنه كان يزوره في داره، ويعوده إذا مرض (10).

ـ اضطرّت السلطات الحاكمة ـ رغم جلالة الشيخ وعظمته ـ إلى نفيه عن بغداد مرّتين، قمعاً للفتن الطائفية، والاضطرابات المذهبية التي كانت تحدث آنذاك (11).

ـ كان مـن أبرز أعـلام عصره بفنّ المناظرة، حـتّى اشتهر بذلك بين الناس بمختلف آرائهم وطوائفهم (12).

ـ توفي في بغداد سنة (413 هـ)، وصلّى عليه السيد الشريف المرتضى بميدان الأشنان، بحضور أعداد كبيرة من الناس، حتّى ضاق ذلك الميدان بالناس رغم كبره، وكان يوم وفاته يوماً مشهوداً وعظيماً، اجتمع فيه من الشيعه خلق كثير، وبكاه المؤالف والمخالف (13).

يحكى أنه وجد مكتوباً على قبره بخطّ الإمام المهدي (عج):

لا صـوّت الناعـي بفقـدك إنّـه يـوم علـى آل الرسـول عظيـم

إن كنت قد غُيّبت في جدث الثرى فالعـدل والتوحيـد فيـك مـقيـم

والقائـم المـهـدي يفرح كلّـما تليت عليك من الدروس علوم (14)

حياته العلمية

أخذ العلم وروى عن جماعة من الأعلام، منهم، أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي، وأبو جعفر بن بابويه الشهير بالصدوق، وأبو الحسن أحمد بن محمد بن الوليد القمي، وأبوغالب الزراري، وأبو علي بن الجنيد، وأبو عبد الله محمد بن عمران المرزبان، وأبو بكر الجعابي، وأبو عبدالله الحسين بن علي بن إبراهيم (15).

تلمذ له جملة من الأعلام، منهم: الشريف المرتضى، والشريف الرضي، والشيخ الطوسي، وأبو يعلى محمد بن الحسن بن حمزة الجعفري، والشيخ النجاشي، وسلار بن عبد العزيز الديلمي، ومحمد بن علي أبو الفتح الكراجكي (16).

له نحو مئتي مؤلف، منها: المقنعة، والأركان في دعائم الدين، والإيضاح في الإمامة، والإفصاح في الإمامة، والإرشاد، والعيون والمحاسن، والفصول من العيون والمحاسن، والردّ على الجاحظ والعثمانية، ونقض المروانية، وأوائل المقالات في المذاهب والمختارات (17).

قصص وعبر

روي أنّ الشيخ عبد الجبّار المعتزلي بينما كان في مجلسه ذات يوم، والمجلس مليء بالعلماء من الفريقين، إذ دخل الشيخ المفيد إلى ذلك المجلس ـ وكان الشيخ في بداية شهرته ـ وكان الشيخ المعتزلي قد سمع به، ولكنّه لم يره، فجلس في آخر المجلس.

وبعد ساعة قال للقاضي المعتزلي: إنّ لي سؤالاً، فإِن أجزت بحضور هؤلاء الأئمة، فقال القاضي: سل، فقال: ما تقول في الخبر الذي ترويه طائفة من الشيعة: ((من كنت مولاه فعلي مولاه))، أهو مسلّم صحيح عن النبي (ص) يوم الغدير ؟ فقال: نعم، خبر صحيح، فقال الشيخ: ما المراد بلفظ المولى ؟ قال: بمعنى الأولى، فقال الشيخ: فما هذا الخلاف بين الشيعة والسنة ؟ فقال القاضي: أيها الأخ، هذا الخبر رواية، وخلافة أبي بكر دراية، والعاقل لا يعادل الرواية بالدراية.

ثمّ عدل الشيخ إلى مسألة أخرى، فقال: ما تقول في قول النبي (ص) لعليّ: ((حربك حربي، وسلمك سلمي))؟ قال القاضي: الحديث صحيح، فقال الشيخ: ما تقول في أصحاب الجمل، فإنهم كفّار؟ فقال القاضي: أيها الأخ، إنّهم تابوا، فقال الشيخ: أيّها القاضي، الحرب دراية، والتوبة رواية، وأنت قد قرّرت في حديث الغدير أنّ الرواية لا تعارض الدراية.

فصار القاضي متحيراً، فقال:من أنت ؟ فقال له الشيخ: خادمك محمد بن محمد بن النعمان الحارثي، فقام القاضي من مكانه، وأخذ بيدي الشيخ وأجلسه على مسنده، وقال له: أنت المفيد حقّاً.

فتغيّرت وجوه علماء المجلس مما فعله القاضي بالشيخ، فلما رأى القاضي ذلك منهم، قال: أيها الفضلاء والعلماء، إنّ هذا الرجل ألزمني، وأنا عجزت عن جوابه، فإن كان أحد منكم عنده جواب عمّا ذكره، فليذكره ليقوم الرجل ويرجع إلى مكانه الأول (18).

متفرقات

ـ ذكر في الاحتجاج وفي غيره من الكتب توقيعات من الإمام الحجة (عج) إلى الشيخ المفيد، جاء في بعضها: ((للأخ السديد، والوليّ الرشيد، الشيخ المفيد، أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه، من مستودع العهد المأخوذ على العباد: بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليك أيها الوليّ المخلص فينا باليقين، فإنّا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا ونبينا محمد، وآله الطيبين الطاهرين، ونعلمك، أدام الله توفيقك لنصرة الحقّ، وأجزل مثوبتك عن نطقك عنّا بالصدق، أنّه قد أذن لنا في تشريفك بالمكاتبة، وتكليفك ما تؤدّيه عنّا إلى موالينا قِبَلَك، أعزّهم الله بطاعته، وكفاهم المهمّ برعايته لهم وحراسته، أيّدك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه على ما نذكره، واعمل في تأديته إلى ما تسكن إليه بما ترسمه إن شاء الله)) (19).

المصادر

(1) انظر رجال النجاشي 402 - 403، وأعيان الشيعة: 9 /420 ، والأعلام: 7 /21 ، ولؤلؤة البحرين: 358.

(2) الاحتجاج 277، وانظر روضات الجنّات: 6/ 146.

(3) رجال النجاشي 399.

(4) تاريخ دول الإسلام: 1 / 191.

(5) لسان الميزان: 5 / 368.

(6) أعيان الشيعة 9 / 420.

(7) أعيان الشيعة 9 / 420، وانظر فلاسفة الشيعة 513، وروضات الجنّات 6 / 149.

(8) فلاسفة الشيعة 514.

(9) انظر مرآة الجنان 3 / 28، والأعلام 7 / 21.

(10) انظر ميزان الاعتدال 4 / 26، وأعيان الشيعة 9 / 422.

(11) البداية والنهاية 11 / 363، والكامل في التاريخ 9 / 178، 208.

(12) أعيان الشيعة 9 / 422.

(13) روضات الجنّات 6 / 144.

(14) الكنى والألقاب 3 / 199، وروضات الجنّات 6 / 146 ـ 147، ولؤلؤة البحرين 363.

(15) فلاسفة الشيعة 514، وانظر الكنى والألقاب 3 / 199.

(16) انظر فلاسفة الشيعة / 514، وأعيان الشيعة 9 / 421.

(17) انظر الأعلام 7 / 21، ولؤلؤة البحرين 367، والنجاشي 399 ـ 400، وأعيان الشيعة 9 / 423.

(18) انظر لؤلؤة البحرين 362.

(19) الاحتجاج 253، وقصص العلماء 486، وروضات الجنات 6 / 146.

الزوار : 411
الاضافة: 13/09/2008
الشيخ المفيد رحمه الله
المؤلف :

الدكتور أحمد الوائلي

منذ منتصف هذا القرن إحتل الدكتور الشيخ أحمد الوائلي مركز الصدارة في الخطابة الحسينية ، فلم يستطع أن ينافسه فيها منافس ، ولم يتمكن خطباء المنبر الحسيني أن يجاروه في قدراته الخطابية والفكرية والأدبية . فهو صاحب مدرسة مستقلة خاصة في الخطابة وذاك أمر لم يتيسر للكثيرين . ومدرسته رائدة في منهجها وإسلوبها ، لذلك جاءت متفردة في عطاءاتها وأبعادها .

ولأن مدرسته كانت كذلك فقد جاء الخطباء من بعده يسيرون على نهجه ويقتبسون من شعاع مدرسته ، وليس في ذلك منقصة لهم ، بل اني أرى ذلك فخراً لهم . لأن مدرسة الوائلي هي المدرسة الحسينية التي إنطلقت من إصلاحات المصلح الفذ الشيخ محمد رضا المظفر ، فلقد إستقى من معينها الصافي ، وكان نتاجها الطيب ، كما كان الخطباء الذين جاءوا بعد الشيخ الوائلي من نفس النتاج .

حاول البعض أن يقلّد حركاته وهو على المنبر . . أو يقارب صوته من صوته ، وما ذلك إلاّ دليل على عبقرية هذا الخطيب غرس أبي تراب .

والذي مكن الشيخ الوائلي من تبوأ هذه المكانة الرفيعة في عالم الخطابة ، ثلاثة عوامل أساسية :

1 ـ تتلمذه على ثلة من العلماء الكبار أبرزهم الشيخ محمد رضا المظفر .

2 ـ نشوءه في بيئة النجف الأشرف المعروفة بثرائها العلمي والأدبي ، فكان أديباً لامعاً وشاعراً مرهفاً وكاتباً إسلامياً عقائدياً .

3 ـ تحصيله الأكاديمي العالي الذي جعله يجمع بين الدراسة الحوزوية والدراسة الجامعية الحديثة .

وهذه عوامل يصعب أن تتوفر في خطيب واحد . هذا إضافة إلى ملكاته الخطابية وشخصيته المبدعة التي أسست مدرسة خطابية مستقلة ، فلم يأت مقلداً يتتبع خطوات الذين سبقوه ، بل جاء مؤسساً يتتبعه الآخرون .

وفي كل واحدة من هذه الصفات كان الوائلي متميزاً ، فهو العالم الديني البارز في المجالس العلمية ومراكز البحث ، وهو الشاعر المجيد الذي غطت قصائده الكثير من المناسبات والأحداث ، وهو الاستاذ الأكاديمي البارع في تخصصه . ثم تأتي الخطابة لتجمع ذلك كله وتنظم تلك الملكات في وقت واحد عندما يرتقي المنبر الحسيني ليوظف كل ملكاته في خدمة القضية الحسينية .

لقد تأثر الشيخ الوائلي باستاذه الشيخ محمد رضا المظفر ، كما تأثر به كل من عرفه ، فالشيخ المظفر كان علماً من أعلام الأصلاح قلّ نظيره في المجتمعات الإسلامية ، وهو الذي يعود اليه الفضل في تنشئة العديد من الشخصيات التي كان لها الدور الكبير في المواقع العلمية والاجتماعية .

الابداع عند الوائلي

إن الإبداع الذي حققه الشيخ الوائلي في خطابته أنه غيّر طريقة الخطابة الحسينية ، وفق نمط جديد تمثل في إفتتاح مجلسه بآية من القرآن الكريم ، ثم يبدأ بالحديث عنها وتفسيرها والتوسع في مضامينها العقائدية والاجتماعية والاخلاقية وما إلى ذلك من مواضيع تتصل بالآية . وهو منهج لم يكن معروفاً قبل الشيخ الوائلي . حيث كان المجلس يبدأ بأبيات شعرية حول المصيبة الحسينية ينطلق منها الخطيب في خطبته . وبذلك يكون الشيخ الوائلي قد احدث تطوراً مشهوداً في الخطابة سار عليه الخطباء الذين جاؤا بعده . وقد ألف الناس هذا النمط من الخطابة وإعتبروه نمطاً نموذجياً يفوق الطريقة التقليدية التي تبدأ بأبيات من الشعر .

لقد فرض الدكتور الوائلي على كل من سمعه أن يتابع خطبته حتّى النهاية ، ويحرص على متابعة بقية خطبه الحسينية . وكانت مجالس ما قبل الشيخ الوائلي تضم عادة كبار السن ، وبسطاء الناس . أما مجالسه هو فقد تميزت بحضور الطبقة المثقفة من الطلبة الجامعيين والاساتذة ورجال الادب والفكر . وكل من يحضر يخرج بحصيلة مفيدة ينتفع بها . فالشيخ لا أخذ على نفسه إلاّ أن يفيد سامعيه بالرأي الجديد والفكرة الغنية والموعظة المؤثرة .

ومن العوامل المؤثّرة في صياغة شخصية الوائلي ، هو عامل المجتمع الذي عاصره فالوائلي ابن النجف الأشرف ، نشأ في محيطه تربية وتعليماً ، والنجف من أعرق البيئات الثقافية الإسلامية قدماً ، يقول الدكتور علي جواد الطاهر :

(النجف مدينة العلم الديني المنقطع النظير ، ثم الأدب والشعر ، وهي فيهما نادرة من النوادر واعجوبة من الأعاجيب ، يُعنى أهلها بقول الشعر وسماعه والحديث عنه عنايتهم بالمسائل اليومية من أكل وشرب ، انهم أدباء كما يتنفّس المرء الهواء . . ولاتسل بعد ذلك - عن الكتب والمكتبات ، والأسر العريقة في العلم والأدب والشعر ومجالسها الخاصة والعامة ، وما يُتلى من شعر في الافراح والأحزان ، وفي مآتم الحسين بن علي وما يتفاخر به الشعراء ويسمر به الناس . .

إن الشعر في النجف حياة ، وهو لدى ابنائها ولا أسهل منه أو أيسر ، أو أنه فيها كالماء والهواء استسهالاً واستعظاماً ، جداً وهزلاً ، وهو مجد كما هو مرتزق ، وعلامة فارقة لا تكاد تضاهيها فيه بلدة اخرى في العالم العربي . .

ومن خواص النجف التي تذكر بالاكبار انها سايرت التطورات الدينية الأدبية في العالم العربي ، بصدر رحب وأفق واسع فهي مع محافظتها على أصالة الفكر الإسلامي لم تتزمت فترفض المعاصرة ، وإنما أخذت من وسائلها وأسبابها ما رأته الضروري النافع حتّى (أنّ الكتب الحديثة ما تكاد تدخل العراق حتّى تتجه رأساً إلى النجف فتتلقفها الأيدي هي وكتابات أكثر حداثة كشعر شوقي وحافظ وإيليا أبي ماضي ، وفيهما ما يناقض الفكر النجفي المناقضة كلها ، وهو رد فعل يتبناه الذين ضاقوا بالقديم وبلغ بهم الضيق الطرف الأقصى من رد فعل مطبوعات الآستانة ، والهلال ، والمقتطف ، وشبلي شميّل والريحاني . . ومجلات وجرائد مما يعد حراماً وكفراً والحاداً . . .

على كل حال نشأ الوائلي في هذا العصر الذي يعتبر قمة في نضج وسعة المدرسة العلمية النجفية في مختلف أبعاد المعرفة ، وكان من عناية الله تعالى بالحوزة أن تتابع جيل من المراجع المحققين والعلماء الكفوئين لقيادة الحوزة ، وقد ضمت هذه الفترة على تعاقب واجتماع :

الميرزا حسين النائيني ، والسيد أبو الحسن الاصفهاني ، والسيد محسن الحكيم ، والشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء ، والسيد أبو القاسم الخوئي ، والشيخ محمد حسن المظفر ، والسيد عبد الهادي الشيرازي ، والسيد حسين الحمامي ، والسيد محمد تقي آل بحر العلوم ، والشيخ محمد رضا آل ياسين ، واضرابهم من فحول العلماء الاعلام ، وهؤلاء مجرد نموذج لا على نحو الاستيعاب ، وتليهم طبقة أخرى ضمّت مجموعة ، منهم :

الشيخ مرتضى آل ياسين ، والشيخ محمد رضا المظفر ، والسيد موسى آل بحر العلوم ، والسيد محمد باقر الصدر ، والسيد محمد تقي الحكيم ، والشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي ، والسيد ميرزا حسن البجنوردي ، وأمثالهم ، وهذه المجموعة هي الأخرى مجرد نموذج من عدد كبير .

وحفل عصره أيضاً بعدد من الخطباء المبرزين ، منهم الشيخ محمد علي اليعقوبي ، والشيخ محمد علي قسام ، والسيد صالح الحلي ، تليهم طبقة اخرى نسجت على منوال السابقين ممن ذكرناهم من الأدباء والشعراء فيشكلون كمّاً كبيراً لهم طابعهم النجفي الخاص ، وأدبهم الناضج والرائد ، ابتداءاً من شيخ الأدب الشيخ محمد جواد الشبيبي ، والشيخ محمد رضا الشبيبي ، والشيخ علي الشرقي ، والشيخ محمد مهدي الجواهري ، والسيد محمد سعيد الحبوبي ، والشيخ صالح الجعفري ، والدكتور عبد الرزاق محي الدين ، وكثير غيرهم ممن صقلت بهم أبعاد النجف الحضارية ، ومن الجدير بالذكر أن معظم أهل العلم شعراء ولكنهم لا يرغبون بذكر ذلك عنهم لرغبتهم في الاحتفاظ بالنهج العلمي والاشتهار بذلك ، أما المحققون في الابعاد الفكرية الأخرى فيوجد أعداد كبيرة ، ورد ذكرهم في كثير من الموسوعات والمراجع المتخصصة ، ومن أراد الاستزادة الرجوع اليها لأن النجف وبالاختصار كل زقاق من ازقتها معهد علمي ، وكل ناد من انديتها ومجلس من مجالسها هو عبارة عن مؤسسة ثقافية تحفل بعطاء علمي ناضج .

ومثل هذا الجو لابد أن يفعل فعله في شخصية الوائلي ، فقيهاً كان أو شاعراً أو خطيباً ، ويعمل على صقله وتهذيبه ، وبالتالي تكوينه بالشكل اللائق ، ولاشك أن للاستعداد الفطري لديه أثر في توجهه وحرصه على الانتهال من هذا الغدير الذي يحمل سمات المعلم الثاني بالوجود الامام أمير المؤمنين عليه السلام ، ومن قدس روحانية مرقده السامي الرابض كالأسد على الذكوات البيضاء من الغري الأغر ، ومن فيض نفحاته وبركاته أن عايش الوائلي وأقرانه هذه الأجواء الرائعة التي قد لا يجود الدهر بمثلها ، وعاصروها وتفاعلوا معها فكراً وعقلاً وروحاً ، واستطاعوا أن يعطوا ، ويؤثروا في الأوساط العلمية والاجتماعية ، وللنجف في شخصية الوائلي أثر بليغ محفور في ذاكرته ، ورنين يومي أبدي الحضور في شعوره وتصوراته ، يُملي على ذاته تمثلها في حركاته وسكناته ، ولم تزده الغربة إلاّ تعلقاً وتولّهاً وهياماً وشوقاً مضرم اللهب ، جياش العواطف ، لن يهدأ ولا يستكين :

صورأقمن بمقلتىَّ اقامة المعمود ***في ربع الحبيب النائي

يزددن حسناً كلما بعـد المدى***ويلفهنَّ البعد في لألاء

وتراب أوطاني ربيعٌ أخضر***ولو أنها في بلقعِ جرداء

صافحته بالخَدِّ عنـد ولادتي***ورسمت منه بجبهتي طغرائي

* * *

وقد حقق الوائلي تفوقاً في كل صنف من صنفي دراسته الحوزوية والأكاديمية . فقد التحق بالكتاتيب مثل بقية أقرانه ، وكانت علامات النبوغ والتفوق واضحة عليه ، ففي السابعة من عمره أكمل القرآن الكريم ، ولا شك أن ذلك ترك أثره الكبير على شخصيته وثقافته وتوجهاته الإسلامية الأصيلة .

وعندما برز الشيخ الوائلي في عالم الخطابة كانتالفترة التي عاشها تتميز بوجود ثلة من الخطباء الواعين الذي ساهموا في نشر الوعي الإسلامي في مختلف مناطق العراق ، وقد تصدوا بشكل مكثف للموجات الالحادية والمادية والقومية التي كانت مدعومة من قبل السلطات الحاكمة .

لقد كان لهم الدور المشهود في التبليغ الإسلامي ، وكان لهم حضورهم الميداني في مدن وقرى العراق المختلفة ، فكان الوعي ينتشر حيث حلوا وألقوا خطبهم ومارسوا عملهم التبليغي الحركي .

وفي تقديرنا أن وجود خطباء بارزين لهم مكانتهم وقدراتهم العالية في المجال الخطابي ، كان يمثل عامل تحفيز لولادة أجيال من الخطباء الذين يتمتعون بمقدرة وكفاءة في المجال الخطابي . لأن الحاجة إلى التطوير والابداع تصبح ملحة من أجل أن ياخذ الخطيب مكانته في الساحة .

وهذا ما نلاحظه في تجربة الشيخ محمد علي اليعقوبي الخطابية . فقد كان الخطيب الذي يشغل الموقع الأول قبله هو السيد صالح الحلي ، الذي كان يمتلك قدرات عالية في مجال الخطابة والتأثير على المستمعين بشكل كبير . وكان الخطباء الآخرون لا يرقون اليه بأي حال من الأحوال . لكن مشكلة السيد صالح الحلي أنه كان قاسياً على من يخالفه الرأي ، وقد دخل بقوة في المعركة التي شنت ضد السيد الأمين والسيد أبو الحسن الأصفهاني في موضوع الشعائر الحسينية . وأخذ يؤجج المعركة من على المنبر مستغلاً قدراته الخطابية ، مما دفع السيد الأصفهاني إلى تحريم مجالسه إذا إستمر على هذا النحو .

وكانت مشكلة السيد الأصفهاني هي في إيجاد الخطيب البديل الذي يستطيع أن يشغل مكان الحلي ، ويستقطب الأضواء منه . وكان البديل هو الشيخ محمد علي اليعقوبي الذي مثّل في زمانه ظاهرة خطابية جديدة ، نتيجة ما يتمتع به من علم وثقافة وأدب . . إلى جانب قدرة خطابية عالية مؤثرة في نفوس المستمعين . وقد تمكن اليعقوبي خلال فترة وجيزة أن يكون هو الخطيب المبرز في عالم الخطابة ، والبديل الكفؤ للسيد الحلي .

أسدى الشيخ اليعقوبي خدمة كبيرة للمنبر الحسيني وثبت المرتكزات الصحيحة في عالم الخطابة ، وكان في زمانه أمير المنبر بلا منازع طوال الاربعينات والخمسينات .

إن اليعقوبي ما كان بإمكانه أن يكون هو الخطيب المطلوب للمرحلة ، لو لم يتمتع باللياقات المطلوبة من علم وأدب وبيان . مما يعني أن البديل لا بد أن يكون أفضل من سابقه حتّى يفرض نفسه ومنهجه . وهذه مسألة مسلمة بشكل عام ولا تنحصر في عالم الخطابة .

ربما لم يكن من السهل في الذهنية العامة تصور بروز خطيب يخلف الشيخ اليعقوبي ، نظراً للمستوى الرفيع الذي وصل اليه ، والذي كان يشير إلى أن البديل أو الخلف لا يمكن أن يأتي بسهولة ، ولا بد أن يتمتع بمواصفات عالية تمكنه من الجلوس في درجة اليعقوبي .

لكن المفاجأة كانت كبيرة بظهور الشيخ أحمد الوائلي الذي نال الأعجاب منذ بداية إرتقائه المنبر الحسيني ، وكانت طريقته الابداعية ومنهجيته في الطرح وثقافته الموسوعية ، تشير بشكل لا يقبل الشك أنه الخليفة المنتظر للشيخ اليعقوبي . بيد أن الشيخ الوائلي ومع مرور الزمن كان يعطي صورة أخرى أكثر قوة وبريقاً ، فلقد كان ينتزع الاعجاب بشكل أكبر مما كان عليه سلفه الشيخ اليعقوبي .

لقد برز الوائلي في فترة زمنية حساسة شهدت سيطرة الاتجاهات المادية على الساحة ، وكان المد الشيوعي والقومي لهما تأثير كبير على الثقافة العامة . مما يعني أن مهمة الخطيب ستكون صعبة في عملية التوعية الجماهيرية . لكن الدكتور الوائلي إستطاع بفضل كفاءته ومقدرته العلمية من فرض منهجه وسط المجتمع ، وتمكن من إستقطاب الاضواء بدرجة ملفتة للنظر ، وكان منبره مدرسة متحدية تتناول الأفكار المادية بالنقد والتفنيد وفق منهج علمي موضوعي .

لم يمر الشيخ الوائلي بفترة طويلة من أجل أن يصل إلى القمة الخطابية ، فإن الفاصلة بين إنطلاقته وبين تربعه على قمة هرم الخطابة كانت وجيزة جداً ، بحيث يمكن لنا ان نقول أن الوائلي ظهر منذ بدايته كبيراً ، ثم سرعان ما صار لامعاً .

الزوار : 573
الاضافة: 13/09/2008
الدكتور أحمد  الوائلي
المؤلف :

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

البطاقة الشخصية

الشيخ محمد حسين بن الشيخ علي بن الشيخ محمد رضا بن الشيخ موسى بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء، ولد في النجف الأشرف سنة (1294هـ)، وتوفي بمنطقة كرند، في إيران سنة (1373هـ)، ودفن في النجف الأشرف (1).

عاصر من العلماء: السيد أبا الحسن الأصفهاني، والسيد حسناً الصدر، والسيد إسماعيل الصدر، والآخوند الخراساني، والميرزا النائيني.

مما قيل فيه

ـ قال الشيخ آقا بزرك الطهراني: ((من كبار رجال الإسلام المعاصرين، ومن أشهر مشاهير علماء الشيعة)) (2).

ـ قال الشيخ محمد حرز الدين: ((كان عالماً، أصولياً فقيهاً، وكاتباً بارعاً، لا يدانيه أحد في عصرنا بقلمه وخطابته ومجالسه، صرع الكتّاب بقلمه، وأفحم المتكلمين بمنطقه، وأرجف ممثلي الدول والساسة بحديثه وشخصيّته)) (3).

ـ قال العلامة جعفر باقر آل محبوبة: هو عميد الطائفة الجعفرية وزعيمها، وعلم من أعلام الفرقة الناجية وناصرها، منبع العلوم والآداب، وكعبة الفضل التي، اليها تحث الركاب، سر الفصاحة، وبحر البلاغة…)) (4).

ـ قال الزركلي: ((مجتهد إماميّ، أديب، من زعماء الثورات الوطنية في العراق)) (5).

من ذاكرة التاريخ

أبرز جوانب حياته:

ـ ينحدر من أسرة عريقة في المجد علماً وجهاداً، نشأ في البيت الجليل الطافح بالعلم والعلماء نشأة طيبة، ولما بلغ العاشرة من عمره شرع بدراسة علوم العربية والرياضيات وغيرهما، وأتم الدراسات العليا في الفقه والأصول وهو بعدُ شاب (6).

ـ حضر دروس البحث الخارج للشيخ محمد كاظم الخراساني والسيد محمد كاظم اليزدي، والشيخ آقا رضا الهمداني، ولازم حلقات هؤلاء الأعاظم سنين، حتى عُدَّ من المبرزين، وكان له عند أساتذته احترام وتقدير، لغزارة فضله وكثرة تبحرهِ، وكان من خيرة تلامذة السيدّ محمد كاظم اليزدي، ومن خواصه ومناصريه في أيام حركة المشروطة في إيران ـ حركة الدستور ـ حتى جعلهُ أحد أوصيائه (7).

ـ دَرَسَ الفلسفة والكلام على الميرزا محمد باقر الأصطهباناتي، والشيخ أحمد الشيرازي، والشيخ محمد النجف آبادي، وأظهر فيهما قدرة علمية عالية (8).

ـ نال درجة الاجتهاد وصار مرجعاً للتقليد بعد وفاة أخيه الشيخ أحمد، وعمت مرجعيته البلدان الإسلامية (9).

ـ قضى في ربوع سورية ولبنان ومصر ثلاث سنوات، اشترك خلالها في الحركة الوطنية، ونشر في أُمهات الصحف والمجلات مقالات نفيسة وقصائد بديعة (10).

ـ عاد إلى العراق في سنة (1332هـ)، فوافق ذلك نشوب الحرب العالمية الأولى، فسافر إلى الجهاد مرافقاً السيد محمد بن السيد محمد كاظم اليزدي وجمع من العلماء إلى الكوت، وبعد انتهاء الحرب رجع إلى النجف الأشرف، وعاد إلى مزاولة أعماله من التأليف والتدريس (11).

ـ سافر إلى بيت المقدس سنة (1350هـ) لحضور المؤتمر الإسلامي، الذي انعقد هناك بمناسبة المبعث النبوي الشريف، فألقى كلمة بليغة قيمّة بالحشود التي زادت على الخمسين ألفاً، ولمّا نزل عن المنبر اتفق الجميع على الاقتداء به في الصلاة، فصلّى خلفه جميع علماء المذاهب الأربعة وغيرهم، وقرروا أن يكون هو الإمام لهم في جميع الفرائض الخمس مدّة بقائهم بالقدس (12).

ـ تزعم الحركة القبلية في منطقة الفرات التي أطاحت بوزارة علي جودة الأيوبي، والمدفعي (13).

ـ زار إيران في سنة (1352هـ) فمكث نحو ثمانية أشهر، متجولاً في مدنها المهمه، كطهران، وكرمنشاه، وهمدان وشاهرود، وخراسان، وشيراز، والمحمرة، وعبادان، داعياً الإيرانيين الى التمسك بالمبادئ الإسلامية، فلاقى من الشعب حفاوة كبيرة (14).

ـ دُعي لحضور المؤتمر الاسلامي الذي انعقد في مدينة كراجي بالهند سنة (1371هـ)، فلقى حفاوة عظيمة من الأهالي والحكومة، وخطب خطبة طويلة أُذيعت من الاذاعة الهندية (15).

ـ أصيب بمرض، ودخل مستشفى الكـرخ فـي بغداد ومـكث به شهراً، ثم خرج مـنه وسـافر إلـى إيران للاستجمـام والراحة، ووصـل إلى كرند، وبعد وصوله بثلاثة أيام انتقل إلى رحمة اللّه سنة (1373هـ)، ونقل جثمانه إلى بغداد وشُيعّ هناك، ثم نـقل إلـى النجف الأشـرف حيـث دفـن هنـاك (16).

حياته العلمية

ـ أساتذته: ـ الشيخ محمد كاظم الخراساني، والسيد محمد كاظم اليزدي، والميرزا محمد باقر الأصطهباناتي، والشيخ أحمد الشيرازي، والشيخ محمد النجف آبادي، والشيخ آقا رضا الهمداني، والميرزا محمد تقي الشيرازي (17).

ـ حصل على إجازة في الرواية من: الشيخ الميرزا حسين الخليلي النجفي، والشيخ علي الخاقاني، والشيخ عباس بن الشيخ حسن، والشيخ عباس بن الشيخ علي آل كاشف الغطاء، والميرزا حسين النوري (18).

ـ له مؤلفات كثيرة، منها: الآيات البيّنات، الاتحاد والاقتصاد، الأرض والتربة الحسينية، أصل الشيعة وأصولها، تحرير المجلة، التوضيح في بيان ما هو الانجيل ومَنْ هو المسيح؟، جنّة المأوى، حاشية على التبصرة، حاشية على سفينة النجاة، حاشية على العروة الوثقى، الدين والإسلام، زاد المقلدين، سفينة النجاة، السياسة الحسينية، عين الميزان، الفردوس الأعلى، المراجعات الريحانية، مقتل الحسين (ع)، الميثاق العربي الوطني، وديوان شعر، وغيرها (19).

من أشعاره

ـ له من قصيدة يرثي بها الإمام السبط الشهيد سيّد شباب أهل الجنة الحسين بن علي (ع) حيث يقول:

نفس أذابتها أسى حسراتها فجرت بـهـا مـحمـرة عـبراتـها

وتذكرت عهد المحصب من منى فتوقدت بـضلوعها جمـراتها

إلى أن يقول:

واحـر قلبي يا بـن بنت مـحمد لك والعـدى بك أنجحت طلباتـها

منعتك مـن نيـل الفرات فلاهنا للنـاس بعـدك نيـلها وفـراتـها

وعلى الثنايا مـنك يلعب عودها وبرأسك السامـي تشـال قنـاتها

ونساؤكم أسـرى سرت بسراتكم تدعو وعنها اليـوم أين سـراتها؟

هاتيك فـي حر الهجير جسومها صـرعى وتلك علـى القنا هاماتها

بأبي وبي منه محاسن في الثرى للحشر تنشر فخرهم حسناتها…(20)

ـ وله أيضاً:

خذوا الماء من عيني والنار من قلبي ولا تحملوا للبرق مناً ولا السـحبِ

ولا تحسبـوا نيران وجـدي تنطفي بطوفان ذاك المدمع السـافح الغربِ

ولا ان ذاك السيـل يـبرد غلتـي فكم مدمع صب لذي غلـة صـبِ

ولا ان ذاك الـوجد مـني صبـابة لغانيـة عفـراء او شـادن تـربِ

نفى عن فؤادي كل لهو وبـاطـل لواعج قد جرعنني غصص الكربِ

أبيت لها أطوي الضلوع على جوىً كأني على جمر الغضا واضعاً جنبِ

رزايـاكـم يا آل بيـت مـحمـد أغـص لذكراهن بالمنـهل العـذبِ

عـمىً لعيـون لا تفيـض دموعها عليكم وقد فاضت دماكم على التربِ

وتعسـاً لقلـب لا يمـزقه الأسـى لحرب بها قد مزقتكم بنو حربِ (21).

المصادر

(1) الأعلام 6/ 106، وطبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر في القرن الرابع عشر 2/ 612 رقم 1044.

(2) طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر 2/ 612.

(3) معارف الرجال 2/ 272.

(4) ماضي النجف وحاضرها 3/ 183.

(5) الأعلام 6/ 106.

(6) طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر 2/ 612 ـ 613.

(7) المصدر نفسه، ومعارف الرجال 2/ 275، وماضي النجف وحاضرها 3/ 184.

(8) طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر 2/ 613.

(9) معارف الرجال 2/ 272.

(10) طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر 2/ 614.

(11) المصدر نفسه.

(12) ماضي النجف وحاضرها 3/ 186، ومعارف الرجال 2/ 273.

(13) هكذا عرفتهم 1/ 234.

(14) طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر في القرن الربع عشر 2/ 617.

(15) المصدر نفسه، وانظر ماضي النجف وحاضرها 3/ 187.

(16) ماضي النجف وحاضرها 3/ 189، وطبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر 2/ 618.

(17) طبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر 2/ 613، ومعارف الرجال 2/ 275، وماضي النجف وحاضرها 3/ 184.

(18) معارف الرجال 2/ 275.

(19) معجم رجال الفكر والأدب في النحف 3/ 1049، والأعلام 6/ 107، وطبقات أعلام الشيعة، نقباء البشر 2/ 613 - 619، وماضي النجف وحاضرها 3/ 184ـ 185.

(20) مقتل الحسين (ع) للمقرمّ ص 491 وما بعد.

(21) مقتل الحسين (ع) للمقرم ص 503 ـ 504.

الزوار : 1175
الاضافة: 13/09/2008
الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
... نسألكم الدعاء ...

RSS

Twitter

Facebook

Youtube