الجمعة 21 ذو القعدة 1415هـ المصادف 21 نيسان 1995م
(التأكيد على الأمر بالتقوى والابتعاد عن المفرقين)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي لا مضاد له في ملكه, ولا معقب له في حكمه, ولا راد لقضائه, فطر أجناس الخلائق بقدرته، ورتب حركات الفلك بحكمته, وجرت الأمور وفق مشيئته, ولا يمكن الفرار من حكومته, ولا التنصل من بالغ حجته.
أحمده سبحانه على ما أسدى من عظيم نعمه وعطائه, وأشكره تعالى على جزيل نواله وآلائه, وأسأله الصبر على ما قدر في هذه الدنيا من محنه وبلائه, والرضا بما أبرمه من كتابه وقضائه, وأستدفع به شرَّ كل حاقد وغلوائه, وأستكفيه كل متربص لا يخاف يوم لقائه, وأقطع به لسان كل مفترٍ لا يستنكف من إشاعة الكذب وإلقائه, وأسأله اللطف في الحياة الدنيا والرحمة يوم جزائه.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, المطلع على ما تكنه الصدور, الذي لا تحجب دونه الستور, ولا يواري عنه الديجور, وهو الحكم العدل الذي لا يجور.
وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الصابر على نوائب الدهر وأهواله, وحبيبه الراضي بما قُدِر عليه من الأذية في نفسه وآله, ونجيه الصادع بما حمله من الرسالة, ونبيه المكافح في إزالة مراسم الضلالة, القائم بين عباد الله بشؤون الهداية, العامل على إنقاذ الناس من الغواية.
صلى الله عليه وآله الأئمة الأطهار, الحكماء الأبرار, الذين صبروا على ما نالهم من الأشرار, ولم يثنهم عن طريق الرشد ما يلفق حملة الأوزار, صلاةً دائمةً ما عاقب الليل النهار.
عباد الله أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه في جميع الأحوال, والعمل بأحكامه تعالى وإن كلب بكم الدهر الغدار, وأحذركم ونفسي أولاً من السير على سنن الأشرار, واتباع أساليب الفجرة والكفار, واقتراب ما يؤدي بسالكه إلى النار, أقول هذا وأنا أعلم أن بعض الناس لا يرغب أن يؤمر بتقوى الله سبحانه, ولا يحب أن يحذَّر من عذاب الله حتى أنهم يعيبون علي تكرار الأمر بالتقوى في كل أسبوع, ويقول بعضهم إنه لا يهتم بشؤون الناس, وأنه مقتصرٌ على الأمر بالتقوى, فليت شعري ماذا يجب على الخطيب وهو يقف على منبرٍ من منابر الإسلام إلا أن يعظ الناس والمصلين بالأخص بما وعظهم به ربهم, ويحذرهم مما خوَّفهم من الوقوع فيه بارئهم أفلا يقرؤون القرآن فيرون أنه من أوله إلى آخره يأمر بتقوى الله وطاعته, ويحذر من غضب الله ويخوِّف من معصيته, وهل يصيب الناس شيء من المكروه في هذه الحياة أو يقع عليهم شيءٌ من العذاب بعد الممات إلا بسبب معاصي الله سبحانه, وعدم العمل بشريعته, والسير على صراطه, ألا ينظرون ما يحيق بالأمم وخاصةً المسلمين في جميع أصقاع الأرض من الويلات, فهل يجدون لها سبباً غير ترك العمل بما أوحاه الله لرسله, ونبذهم شرائعه وسننه, واتباعهم أهواءهم وآراءهم, وعدم مبالاتهم بما وعدهم به من شديد العذاب في الدنيا والآخرة, أليس هو القائل سبحانه في كتابه المجيد: ]ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ[[1]. ونحن في البحرين وما نعيشه خاصةً في هذه الأيام من فقدان الأمن والطمأنينة, والتساهل في الأرواح والأموال والمس بالمقدسات والحرمات والمنجزات, هل حدث ذلك إلا بسبب نبذ كتاب الله وراء أظهرنا, هل كان يمكن أن يحدث شيء مما يعكر صفو الحياة لو سرنا كما أمرنا الله سبحانه متأدبين بأدبه, ملتزمين بشريعته, لا يبغي بعضنا على بعض, متآخين لا يحقد بعضنا على بعض, ولكننا أسرفنا على أنفسنا, وبدلنا نعم الله علينا, وبغى بعضنا على بعض فدبَّت العداوات بيننا, فآثرنا أن نعالج أدواءنا بآرائنا وأهوائنا, التي لم تكن تلك الأدواء والأمراض إلا نتيجة لها فأركسنا على أرؤسنا في طريق الذين ضلوا وأضلوا وأحلوا قومهم دار البوار.
عباد الله أعود فأحثكم على تقوى الله فاتخذوها لكم درعاً واقيا من نقمته, وسلماً إلى لطفه وكرامته, ألا وإن إيمان المرء لا يتم إلا بالتقوى, ومن لا ورع له يردعه عن ارتكاب المعاصي فلا حقيقة لإيمانه, فإن الإيمان الحقيقي يقيد جوارح المؤمن من القيام بما يعلم أنه يغضب ربه.
عباد الله أناشدكم باسم الله سبحانه قبل اسم العلماء أن تحترموا ما أنزل الله في جميع كتبه, وبعث من أجل صيانته كافة رسله, فلا تتعدوا في ذلك حدوده, ولا تقتحموا حريمه, فإن جوهر الدين يتلخص في المحافظة على الأرواح والدماء والأموال والعقول والمقدسات ومحال التعبد لله؛ فلا تقربوا ما حماه الله سبحانه, ولا تستبيحوا ما أمر بحفظه.
أوصيكم بما أوصاكم الله به وأكدَّه عليكم رسولكم صلى الله عليه وآله أن لا تفرقوا دينكم شيعاً وتعودون كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض, ويستحل بعضكم حرمات بعض, ويؤلب بعضكم على بعض, ألا وإن المفرق بين صفوف المسلمين, المشتت لكلمتهم, المضرم العداوة بينهم ببث النعرات الطائفية والمذهبية عدوٌ لهم جميعاً فاحذروه, انبذوا كل تفرقة وعيشوا مع إخوانكم متحابين, فإنكم جميعاً أمة واحدة بل أسرة واحدة يقول سبحانه وتعالى: ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً[[2]. فليعترف كل منكم بحق أخيه, ويفتح صدره لحواره, وسماع قوله, فأنتم متساوون في الحقوق والواجبات التي فرضها الإسلام للمسلمين وعليهم، لا ينبغي لأفراد الأسرة الواحدة أن يبغي بعضهم على بعض, ولا أن يجحد بعضهم حق بعض بذلك وصاكم ربكم سبحانه في جميع كتبه, وعلى ألسنة رسله.
أشيعوا السلام والاستقرار والطمأنينة بينكم, ولا تجعلوا الذعر والخوف يكون شعاركم, فإن الله أمركم بمسالمة بعضكم بعضاً حتى أنه تعالى ذِكره جعل شعار تحيتكم هو السلام بينكم, ومن أجل إشاعة الطمأنينة في النفوس, وتثبيت الثقة بين أفراد المجتمع نناشد حكومتنا الموقرة إطلاق سراح الشيخ عبد الأمير الجمري وكافة الموقوفين والمعتقلين راجين من جميع أفراد الأمة العمل على استتباب الأمن لكل السكان والالتزام بالنظام, فإن ذلك فضلاً عن كونه المظهر الحضاري اللائق فإنه من واجبات الإسلام, فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “المسلم من سلم الناس من يده ولسانه”[3].
وقبل أن أختم كلامي هذا أود أن أنبه بأنني أرفض أن يقوم أي فرد باقتطاع أي مقطعٍ أو فقرةٍ أو جملةٍ من خطبي أو محاضراتي أو كلماتي فينشرها مستقلةً دون غيرها, وكذلك أرفض أن يقوم أي شخصٍ بتسجيل أي مقطعٍ أو أي فقرةٍ من خطبي ومحاضراتي, ومن رغب في نشر خطبة فلينشرها بكاملها ومن أراد أن يسجلها فليسجلها بتمامها, وإني أتبرأ من كل ما قطع أو يقطع, ولا أرضى بنسبته لي بأية حال من الأحوال.
أسأل الله سبحانه أن يصلح أحوالنا بحسن حاله, وأن يجمع على التقوى صفوفنا, ويوحد على طاعته كلمتنا, ويجنبنا ما يدبر ضدنا إنه سميع مجيب.
إن أفضل المواعظ كلام الله الحافظ, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]وَالْعَصْر & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[4].
وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيم وتوابٌ حليم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله بارئ النسم من العدم, على الوجه الأتم, خالق الأرواح, ومنشئ الرياح, وفالق الصباح والإصباح, لا تحويه الجهات والأقطار, ولا تدركه البصائر ولا الأبصار, اللطيف الذي لا يقاس بمقياس ولا يقدر بمقدار.
نحمده سبحانه على نعمه الغزار, وجوده المدرار, حمداً يرفع لنا لديه الأقدار, وتبسط به الأنوار, وتحط به الأوزار, ويطيب به المزار.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القهار, العالم بخفايا الأسرار, المطلع على خبايا الأفكار, وما تجنه الصدور في الإيراد والإصدار, الشاهد لما يبيته الفجار, من مكر الليل والنهار.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المختار, اللابس خلعة الافتخار, وآدم صلصال كالفخار, ورسوله الذي رفع به لنا المنار, وأنقذنا به من لهيب النار.
صلى الله عليه وعلى ابن عمه علي الهزبر الكرار, صاحب ذي الفقار, ومن فداه ليلة الغار, حتى باهى به الملك الجبار ملائكته الأبرار, وعلى آلهما المعصومين من وصمة الدنس والأقذار, المستحفظين الكتب والأسرار، صلاةً مضمخةً بالورد والبهار.
أيها الإخوان التائهون في بيداء الآمال, المرتدون لحلل الإهمال, النائمون على سرر الأمان, الملتحفون بدثار الاطمئنان, أوصيكم وأبدأ بنفسي التي هي من أشد الملازمين لتلك الحال, السباقة إلى معصية ذي الجلال, التائهة في أودية الغُرور, المصدقة لأقوال الغَرور, أوصيكم بالاستعداد ليوم المعاد, وما فيه من الأهوال الشداد, فالمسارعة المسارعة قبل حلول القارعة, وما أدراك مالقارعة, سوقٌ وسياق, وحسرةٌ وفراق, ونزعٌ وأنين, وبكاءٌ وحنين, وما بعده من القبر وضغطته, واللحد وظلمته, وهول المطلع، وضيق المضجع, وسؤال منكر ونكير الذين من رؤيتهما القلوب تطير, وما يعقب كل ذلك من أهوال المحشر, وما أدراك ما المحشر, أرضٌ تغلي, وشمسٌ تصلي, ولسانٌ ملجم, وعرقٌ مفعم, وترى الناس يومئذ بين مجرور ومسحوب, وآخر على وجهه مكبوب, يستغيث من الذنوب وما جناه على نفسه من الحوب, فأنى للنفوس الجزعة بالصبر على هذه النوائب, وكيف لهذه القلوب الهلعة بتحمل هاتيك المصائب, أعاذنا الله وإياكم من هذه الأخطار, وأنجانا معكم من دخول النار، وحشرنا جميعا في زمرة الأبرار, إنه الكريم الغفار.
ألا وإنكم في يوم أنار بدره، وشرف قدره, وهو يوم العيد والمزيد, فيه لله عتقاء وطلقاء من النار، ممن قام بواجب حقه العلي المنار, ألا وإن من جملة أعماله المأثورة, وأعظم مندوباته المبرورة, الصلاة والسلام على أرباب الكرم والجود, والعلة الغائية للوجود، محمدٍ وآله أقمار السعود, وأولياء الملك المعبود.
اللهم صلِّ على أشرف بني آدم, بل قطب سماء العالم, من لولاه لما خلقت الأفلاك, ولا أسجدت لأبيه آدم الأملاك, صاحب الوقار والسكينة, المدفون بأرض المدينة، يتيمة عقد الأشراف والأعاظم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم.
اللهم صلِّ على وخليفته المخصوص, المستغني بفضائله عن النصوص, شهاب الله الثاقب, وسيفه الضارب, ونوره المشرق لكل طالب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على المطهرة من الأرجاس, المعصومة من الأدناس, ذات الكبد الحرا، الحورية النوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على سبطي الرحمة, وشفيعي الأمة, وسيدي شباب أهل الجنة, ومن حبهما من العذاب جنة، إمامي الإنس والجنة، شريفي الجدين, وكريمي العنصرين، الإمامين بالنص أبي محمدٍ الحسن وأخيه أبي عبد الله الشهيد الحسين.
اللهم صلِّ على مقدام العباد, وسيد أهل الرشاد, وموضح طرق الحق والسداد, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين السجاد.
اللهم صلِّ على بحر العلم الزاخر, المشحون بنفائس الجواهر, كنز الشرف الفاخر, المتربع على عرش المكارم والمآثر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على كاشف أستار الحقائق, ومقتنص الشوارد والدقائق, نور الله في المغارب والمشارق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على العالم بما حوته العوالم, مجدد المآثر النبوية والمراسم, ومشيِّد حصون المجد والمكارم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على قبس النور الذي أشرق وأضاء، وطبق فضله الخافقين والفضاء, شفيع الأمة يوم الفصل والقضاء, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على ناشر راية الهداية والإرشاد, الخيرة من العباد, والذخيرة في يوم المعاد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على سيد الحضر والبوادي, وناشر الحق في كل محفلٍ ونادي, السائرة فضائله في كل وادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على السيد السري, والهمام العبقري, وارث المقام الحيدري، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ على البقية من العترة المصطفوية, المدخر لإزالة البلية عن الأمة المحمدية, صاحب الأخلاق النبوية, والشجاعة الحيدرية, شريك القرآن، وباهر البرهان، الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.
عجل الله تعالى فرجه, وسهل مخرجه, وبسط على وسيع الأرض منهجه, وثبتنا على القول بإمامته, ولقانا بركة دعوته, ووفقنا للقيام بنصرته, إنه حميدٌ مجيد.
إن أشرف ما جرت به الأقلام, وأفضل ما وعظ به الأنام في كل مقام, كلام الملك العلام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[5].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفورٌ رحيم.
[1] سورة الروم: من الآية41
[2] سورة النساء: 1
[3] بحار الأنوار ج72 – ص51 – العلامة المجلسي
[4] سورة العصر
[5] سورة النحل: 90
