الجمعة 5 ذو القعدة 1417هـ المصادف 14 آذار 1997م
(الصبر على البلاء والفتنة في سبيل الله)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي غمر بنور عظمته وجلاله نفوس أصفيائه فهم بسنا طلعته مبتهجون، وبمشكاة علمه مهتدون، وأفاض رواشح قدسه على قلوب أوليائه فهم بنعمته فرحون، وفي ثياب معزته يرفلون، وشرح بمعرفته عقول أودائه فهم من خشيته مشفقون، وإلى دار أنسه مشتاقون، ونصب معارج القرب منه لأحبائه فهم فيما يُزلفهم إلى جنابه جادُّون، وعلى ضوء هديه سائرون، وفي طاعته دائبون، وفتح أبواب الإنابة لمن رغب أن يكون من عتقائه وأولئك من عذابه ناجون، وبعفوه فائزون، فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
نحمده سبحانه على أن فطر نفوسنا على معرفته، وشرح قلوبنا للإيمان بربوبيته، وهدى عقولنا للإذعان بوحدانيته، وجعلنا ممن استجاب لدعوته، ونشكره سبحانه على أن وفقنا لتصديق رسله وفتح لنا من أبواب الطاعات ما يوصلنا إلى الاستفادة من لطفه وامتنانه، ويؤهلنا لنيل فضله وإحسانه.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له المتقدس بوجوب وجوده عن وصمة الحدوث والإمكان، المتعالي بجلال كبريائه عن الحلول في الزمان والمكان، المتنزه حرم كماله عن الجوهرية والعرضية وسائر توابع الأكوان، المستغني بفردانيته عن اتخاذ الصاحبة والأبناء والوزراء والأعوان، ]وَمَا أُمِرُوا إِلاَ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ[[1].
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي اجتباه وكمَّله، وإلى كافة الإنس والجن أرسله، وعلى من سواه من النبيين والمرسلين شرفه وفضله، وأنزل عليه الكتاب بالحق وجعله آياتٍ مفصلة.
اللهم صلِّ عليه وآله الذين هم ولاة عهده، والأئمة من بعده، خلفائه على دينه، وشركاؤه في يقينه، أولئك هم صفوة الملك العلام، وزعماء الإسلام، ومفاتيح دار السلام، ]أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[[2].
عباد الله, أوصيكم ونفسي قبلكم بالتدثر بلباس الخوف والتقوى، فإنها أفضل ما أودعه الإنسان في وعاء، وخير ما اتخذه عند الله زلفى، فيا سعد من عبَّ من رحيقها المصفَّى، ويا فوز من شرب من مائها الأصفى، ويا بشرى لمن جعلها رداءه الأضفى، وأحذركم ونفسي قبلكم من الركون إلى هذه الدنيا الفتانة، والاغترار بلذاتها، ونسيان الآخرة وصعوباتها، فإن الدنيا إلى زوال، ودوامها من المحال، فلا تأسفوا على ما فاتكم فيها من الملذات، ولا تجزعوا لما يصيبكم فيها من المصائب والنكبات، فإنها إنما خلفت للابتلاء والاختبار، ألا ترون أن الله سبحانه قد جمع فيها الأخيار من عباده مع الأشرار، والأطهار من أوليائه والفجار، وداول بينهم الظهور في هذه الدنيا والسيطرة عليها, فتارةً يجعلها في أيدي المؤمنين من أوليائه، والمصلحين من أحبائه, فيعمرونها بالخير، وتنتشر فيها البركة, وتعم الناس الرحمة، ويأخذ فيها المؤمنون راحتهم بانكماش الفسقة والكفار، ثم يجعل الكرة لمن سبقت عليهم كلمته أنهم من أصحاب النار، فتكون لهم الدولة في الأرض، حيث ينتشر الفساد، ويعم الإفساد، وتنتشر عقائد الإلحاد، ولا يبقى صقعٌ من أصقاع الأرض إلا ويصيبه كفلٌ من شر أعمالهم، بل قد يصلون في محاربتهم للخالق جلَّ إسمه، وتكبرهم على شرائعه ونظمه، أن يُبتِّكوا آذان الأنعام، ويغيروا خلق الله، وحتى لا يبقى من يؤمن بالله حق الإيمان ولا يتخذ دونه وليجة، ولا يرضى بشريعته بدلا إلا شرذمةٌ يسيرةٌ لا يحس بهم، ولا يُخشى منهم، بل يعيشون في رعبٍ دائمٍ وخوفٍ مستمر، لا ممن يظهر لهم المخالفة في الاعتقاد وحسب، بل ممن يدعي أنه وإياهم على خط واحد، هكذا كان حال هارون ومن معه من المؤمنين في بني إسرائيل، وهكذا كان عيسى ومن اتبعه من الحواريين في يهودا، وهذا هو ما حدث لعلي بن أبي طالبٍ ومن بقي على عهده معه ومشايعته له في العرب، وهم جميعاً يدَّعون أنهم شركاؤه في العقيدة، وموافقوه في الديانة، ومع ذلك عاش بينهم ومن بقي معه على قوله ذليلاً مهتضما، مفتراً عليه، يعير من شايعه، ويقاطع من اتبعه، وعاش أبناؤه من بعده ومن شايعهم في رعبٍ دائمٍ وخوفٍ مستمر، وحتى أن بعض المسلمين يعتقد أن مصافاة النصارى واليهود أقل إثماً من موادة أهل البيت ومن التزم بهم، وحتى أنهم كانوا يتخفون بعقائدهم من أبنائهم وزوجاتهم.
ما تعيشونه هذه الأيام أيها الإخوة مع أهل ملتكم وشركائكم في عقيدتكم، وتفضيل الكثير منهم للملحدين عليكم ليس أمراً مستغربا، ولا حدثاً في تأريخ الأديان عجبا، بل هذه سنة الله في خلقه يبتلي عباده في هذه الحياة بشتى المحن والاختبارات ليعلم من يكون صادقاً في إيمانه، مصدقاً بوعده، عاملاً للقائه، ومن تميل به الرياح يمنةً ويسرة، إن أحسن الناس أحسن معهم، وإن أساءوا أساء العمل معهم، يقول سبحانه وتعالى: ]الم & أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ & وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ[[3]، ويقول جلَّّ من قائل: ]وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ[[4]، واعلموا أن الأجيال التي ستأتي بعدكم من المؤمنين ستقاسي أكثر مما تقاسون، فأنتم اليوم تُظهرون عقيدتكم, وتتجاهرون بما ترونه من طرق العبادة مرضياً لبارئكم، ولكن بعض الأجيال الآتية سيكون المؤمن فيها لا يستطيع أن يُخبر زوجته وأولاده بحقيقة عقيدته خوفاً على نفسه، ولذلك يصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله أنهم كالكبريت الأحمر[5] أعيانهم موجودة وأشخاصهم مفقودة؛ فكما أن الكبريت الأحمر يسمع به الناس ولا يرونه كذلك الملتزم لنهج الحق سيكون في يومٍ من الأيام يسمع به الناس ولا يرونه، فهو غريبٌ في وطنه، غريبٌ في قومه، غريبٌ في عشيرته، غريبٌ في بيته وبين أفراد عائلته.
فاصبروا يا عباد الله على ما يصيبكم من أجل الله في هذه الدنيا حتى تكونوا عنده من الصادقين الذين صدقوا ما عهدوا الله عليه من الالتزام بنهجه، والعمل بأحكامه، والدعوة إلى سبيله، والسير على صراطه، فتفوزوا عنده بأرفع الدرجات، واعلموا أنه لن يفوتكم شيءٌ من الرزق في هذه الدنيا بسبب فراق الناس لكم, وقد يمتحن بعضكم في رزقه فيقدر عليه حيناً ويبسط له الرزق حيناً آخر, فليتق الله سبحانه ولا يسيء الظن بربه, فإنه مالك رقه, يتصرف فيه كيف شاء, فليسلم له مقاليد الأمور, وليتوكل عليه فإنه كافٍ لمن استكفاه.
جعلنا الله وإياكم ممن تقمَّص بمدارع التقوى، وتمسك بالعروة الوثقى، وتجنب موارد الردى، وأطاع الملك الأعلى، إنه هو أرحم الراحمين.
إن خير ما ختم به المقال، ونظمت على وفقه الفعال، كلام الله المتعال، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]الْقَارِعَةُ & مَا الْقَارِعَةُ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ & يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ & وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ & فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ & فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ & وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ & فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ & نَارٌ حَامِيَةٌ[[6].
وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم, والتواب الحليم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ذي العزة والجبروت، والعظمة واللاهوت، والمُلك والملكوت، متوحدٍ بوجوب وجود ذاته، متفردٍ بكمال صفاته، دلَّ على قدرته بغرائب مخترعاته، وعلى قِدَمه بتجدد مصنوعاته، لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تُلاحظه النواظر، ولا تحجبه السواتر، واحدٌ لا بعدد، قائمٌ لا بعمد، دائمٌ لا بأمد، بل هو الفرد الصمد، الذي لم يلد فيكون في العز مشاركا، ولم يُولَد فيكون موروثاً هالكا.
نحمده سبحانه على ما تفضل به من جلائل النعم، ونشكره على ما دفعه من عظائم النقم، ونستكفيه شر كل خطبٍ مدلهم، ونستهديه لسلوك صراطه الأقوم.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا تأخذه السنة، ولا تُغلطه الألسنة، رافع الأعمال الحسنة، والهادي إلى الطريقة المستحسنة، والقادر على تبديل السيئة بالحسنة.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه آله خير من تشرفت به النبوة والإيالة، وأفضل من اختير من قبل الله للرسالة، بعثه والناس في صحارى الجهل تائهون، للحق نابذون، وللخالق منكرون، وعلى عبادة الأوثان عاكفون، ولنيران الحروب مشعلون، وفي الفتن خائضون، فأزاح ببعثته العمى عن عيون البشرية، وأضاء بهديه ديجور الجهل المخيم على عقول البرية.
فصلِّ اللهم عليه كما بلَّغ رسالتك، ونصح بريتك، ونشر كلمتك، وجاهد عدوك، وعلى آله الذين ارتضيتهم خلفاء في أرضك، وخزاناً لوحيك، وقواماً على شريعتك، الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا.
عباد الله, أوصيكم ونفسي الجموح عن الطاعة الجنوح إلى المعصية قبلكم بتقوى الله سبحانه, فإنها المأمور بها في كلام الله, قال سبحانه: ]وَاتَّقُوا اللَّهَ[[7]، ]وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ[[8]، وقال جلَّ وعلى: ]وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ[[9]، فلا نجاة لأحدٍ إلا بالتقوى, فإنها الوسيلة لدخول الجنان، واكتساب الرضوان من الملك الديان، بها ينال الآمل من الله ما أمَّله، ويصلح العامل عمله.
واعلموا يا عباد الله أن التقوى لا تُنال إلا بلزوم طاعة الله سبحانه والانصياع لأوامره، والابتعاد عن معاصيه، وهو يستدعي الجد في العمل، والتقصير من الأمل, والسير نحو الآخرة على عجل، وعدم الاغترار بهذه الدنيا الفانية، أو التشوف إلى لذاتها وخيالاتها، والفرار من حبائلها وخزعبلاتها.
واعلموا يا اخوتي أن جميع مصائدها وشباكها تنتهي إلى قضيتين جمعهما إمام المتقين وسيد الوصيين عليه أفضل الصلاة والسلام بقوله: وإنما “أهلك الناس اثنان: خوف الفقر وطلب الفخر”[10]؛ فبسبب خوف الفقر يرتكب الإنسان المحرمات، ويقدم على السرقات، ويغش في المعاملات، ويدلس في التجارات، ويبيع نفسه للشيطان بأبخس الأثمان، فيؤجر نفسه في حمل الخمر لشاربه، أو تخزينه لبائعه، أو تسجيله لمستورده وجالبه، بل ربما بلغ في إجارة نفسه للشيطان أشد من ذلك فأجر نفسه للمساعدة في ظلم المساكين، والإضرار بالمؤمنين، ثم يعود من جولته الشيطانية صفر اليدين، فينطبق عليه المثل إنه (عاد بخفي حنين)، وربما دفع خوف الفقر من ابتلي به إلى بيع عرضه وسمعته فامتهن المهن الساقطة, فصار مضحكاً لذوي الثراء، أو شادياً يُهزأ به في قصور الملوك والأمراء، فيتحول من كونه إنساناً مكرماً من الله سبحانه إلى قردٍ يُضحك من حركاته، ويُهزأ بضحكاته، وقد دفع خوف الفقر أناساً لأعظم من هذا فأصبحوا والعياذ بالله قوادين لأغنيائهم, باذلين لزوجاتهم وبناتهم ونساء قرابتهم فضلاً عن غيرهم من النساء الأباعد، مع أن الرزق في حقيقة الأمر ليس بجد العامل وكدحه، ولا يؤثر الركض والتعب في زيادته ولا ينقصه الإجمال في الطلب عما قدر له، فالرزق من الله مقسوم، وعليه مكفول، وما يأخذه الإنسان من غير حله لا يسمى في الحقيقة رزقا، وإن حُسب عليه من رزقه وحوسب عليه، لأن الله تكفل بالرزق وهو لا يعطي العبد إلا حلالاً طيبا, فإذا تعجل العبد وأخذ الحرام حسبه عليه مما قدره له من الرزق وحاسبه عليه.
فاتقوا يا عباد الله ما حرم الله، واعتمدوا على الله، وأجملوا الطلب, واجعلوا كل همكم في الأعمال الأخروية، والنشاطات الإلهية، يقول سبحانه وتعالى: ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَ لِيَعْبُدُونِ & مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ & إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ[[11]، وربما دفع خوف الفقر بعض الناس إلى تصور أن تطبيق أنظمة الكفر وقوانينه أنفع له من شريعة الإسلام، فانحرف عن منهج الله وصراطه إلى دعوة الشيطان وأحزابه, فأخذ يردد إنني أقبل بالنهج الشيوعي أو الإشتراكي أو الرأسمالي في الاقتصاد ولا أقبل بذلك في الاعتقاد، وهو لا يعلم أنه بقبوله مبادئ الكفر قد انحرف عن خط الإسلام، فما لكم أيها المؤمنون تهتمون بالمضمون, وتتكاسلون عما هو منكم مطلوب وعليكم محسوب.
وأما حب الفخر والعلو بين الأقران، والارتفاع على أهل الزمان، فإنه الطامة العظمى, والبلية الكبرى, الذي دفع بالناس إلى العصيان، وحملهم على استسهال دخول النيران بسبب ضعف الإيمان, ولا تظن أن هذا الداء من أدواء فئةٍ معينةٍ أو أمراض شريحةٍ من الناس مخصوصة، فقد بلونا الكبير والصغير، والشريف والحقير، والغني والفقير، فوجدناهم على الرفعة في هذه الدنيا يتكالبون، ومن أجل زعامتها وسيادتها يتهارشون، وعلى حطامها وبهارجها يتحاسدون، حتى قطعوا لذلك أرحامهم، وأزهقوا أنفسهم، ولا تكاد تجد إنساناً ينظر إلى من دونه في الثروة والغنى أو الجاه والسمعة، فيحمد ربه ويثني على خالقه، وإنما كل همه أن يكون أرفع أقرانه، وأعلى جيرانه، وهو في سبيل ذلك لا يبالي بارتكاب المهالك والسير في أحط المسالك، فإذا رأى على أحدٍ من أقرانه نعمةً لم يعطه الله مثلها جن جنونه، وعض أنامله وحقد على صاحب النعمة وإن كان جاره، بل وإن كان أخاه، فأخذ يشنع عليه أو لجأ إلى سبل الحرام، وإن كان فيها ذلته في نهاية الأمر لسلبها منه.
فاتقوا الله يا عباد الله في أنفسكم, واعلموا أن نعيم هذه الدنيا إلى زوال، ورقعتها إلى ضعة، وعزتها إلى مهانة، فاطلبوا الجاه عند الله فإنه سبحانه هو المعز وهو المذل، وحتى تصيروا في الآخرة أعزاء, لكم الجاه الأعظم, شافعين مشفعين، فإن المؤمن يوم القيامة ليشفع في مثل ربيعة ومضر، واطلبوا العز عند الله حتى تكونوا في الجنة من المكرمين، وفي حضيرته من المقربين، وبادروا بالإسراع بالتوبات، والاستغفار من الحوبات, وتوسلوا إليه بإكثار الصلوات على محمدٍ وآله الهداة.
اللهم صلِّ على قطب دائرة الفخار، ومصب فيوض السعد والوقار، الذي أخدمته الأملاك، وخصصته بلولاك لما خلقت الأفلاك، فهو علة كل موجودٍ إلاك، الدائس بنعل شرفه هام السهى والفرقد، النبي العربي المسدَّد، والرسول الأمي المؤيَّد، أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على قدوة الأبرار، قسيم الجنة والنار، النور الثاقب في ظلمات الغياهب، والفجر الطالع في المشارق والمغارب، سيد الموحدين, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على السيدة الجليلة، والحوراء النبيلة، والنوراء العقيلة، بضعة رسولك الأمين، وأنيسة أمير المؤمنين، أم الأئمة النجباء، ثالثة أصحاب العباء، فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على السيد السند، والركن المعتمد، قرة عين المصطفى، وثمرة فؤاد المرتضى، ومزاج ماء الزهراء، الصابر على العظائم والمحن، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلِّ على الشهيد ابن الشهيد، والسعيد ابن السعيد، المقتول وهو عن الأوطان ناءٍ بعيد، المذبوح من الوريد إلى الوريد، كريم الحسبين، وزكي العنصرين, الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.
اللهم صلِّ على الإمام الراكع الساجد، والعالم الزاهد العابد، المسموم بأمر الكافر الجاحد، مصباح المتهجدين، الإمام بالنص علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على بحر العلوم والمعارف، وناشر الأحكام والعوارف، ومُظهر الدقائق واللطائف، ذي الحسب الفاخر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على مؤسس الحوزة العلمية، وحلال المشاكل اليقينية، وباني أصول العقائد الدينية، حجة الخالق على كل الخلائق، النور المشرق في سماء الدقائق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على الصابر الكظيم، والأوَّاه الحليم، ذي المجد العظيم، مفترض الطاعة على كل العوالم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على الراضي بالقدر والقضا، الشفيع في يوم الحكم والقضا، المرتضى ابن المرتضى، الإمام بالنص علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على بدر سماء الحق والرشاد، وشمس فلك الصدق والسداد، ملجأ الشيعة يوم التناد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على من اشتهرت فضائله في الحواضر والبوادي، وسارت مكارمه بين كل رائحٍ وغادي، وأقر بفضله المخالف والمعادي، الإمام بالنص علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على الرضي المرضي، والسيد الزكي، الحجة على العدو والولي، الطالع شرفاً على الزهرة والمشتري، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ على البدر المحتجب بغيوم النوائب، والشمس المستترة بسحائب المصائب، الهمام المظفر، والليث الغضنفر، الإمام بالنص مولانا الحجة بن الحسن المنتظر.
عجَّل الله تعالى أيام دولته، وجعلنا من المسارعين لإجابة دعوته، الداخلين تحت حياطته، المشمولين بشفقته، ومتعنا بالنظر إلى كريم غرته، إنه سميع مجيب.
إن أحلى ما نطق به اللوذعي الأديب، وأولى ما وعظ به الخطيب اللبيب، كلام الله الرقيب الحسيب، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[12]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفورٌ رحيمٌ وتوابٌ كريم.
[1] سورة التوبة: من الآية31
[2] سورة البقرة:157
[3] سورة العنكبوت1/2/3
[4] سورة البقرة:155
[5] “إن الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعز من الكبريت الأحمر”كمال الدين وتمام النعمة – ص288 – الشيخ الصدوق
[6] سورة القارعة
[7] سورة آل عمران: من الآية130
[8] سورة آل عمران: من الآية30
[9] سورة البقرة: من الآية197
[10] بحار الأنوار-ج75-ص54-العلامة المجلسي
[11] الذريات:56- 58
[12] سورة النحل:90
