الجمعة 17 رمضان 1423هـ المصادف 22 تشرين الثاني 2002م
(دروس من واقعة بدر)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي سربلنا بلباس جوده وإحسانه, وأجلسنا على بساط كرمه وامتنانه, ووشَّحنا بمزايا فيوض كرمه ونواله, وأهَّلنا لارتقاء أعلى درجات أفضاله, وأسبغ علينا نعمه الباطنة والظاهرة, وشملنا بصفايا ألطافه الغامرة, وفضَّلنا على سائر الأنام بالتوفيق لاعتناق دين الإسلام, ومولاة محمدٍ وآله الكرام, عليهم منه أزكى الصلاة والسلام, وكرَّه لنا الإسفاف في الخصام, ومصافاة الملحدين واللئام.
نحمده سبحانه حمداً لا تُعرَف له غاية, ولا تُدرَك له نهاية, ونسأله العصمة من الزلل والغواية, في المبدأ والنهاية, ونتضرع إليه في إسبال ذيول العناية, وإرشادنا لسلوك نجد الهداية, ونلتمس منه سبحانه أن يُصيبنا بسوانح جوده وإكرامه, ويُشركنا في ثواب من أخلص له في صيامه وقيامه.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الجبار, القوي القهَّار, الذي لا تتمثله الأفكار, ولا تشاهده الأبصار, ولا تحويه الأقطار, ولا يُقدَّر بمقدار, ولا يعزب عن علمه شيءٌ مما يحدث في الليل أو النهار.
ونشهد أن محمداًً صلى الله عليه وآله, عبده الذي بعثه بشيراً ونذيرا, ورسوله الذي جعله لخلقه سراجاً منيرا, أنار طريق السالكين بأنوار هدايته, وأذهب روع الخائفين بأمن بشارته, وفتح قلوب العارفين بمفاتيح حكمته, وعبَّد دروب الأمن والأمان بأحكام شريعته.
صلى الله عليه وعلى ابن عمه علي الذي ارتضاه للقيام بوصيته, ونصبه بأمر ربه خليفةً لأمته, وعلى آلهما البررة الميامين, والهداة المعصومين, الذين بيَّنوا ما انبهم من أمور الدين, وأرشدوا من اتبعهم لما فيه خير الدارين, وآووا من لجأ إليهم من المؤمنين, صلاةً دائمةً إلى قيام يوم الدين.
عباد الله, أوصيكم وأبدأ بنفسي الجموح إلى الكسل والإضاعة, الحرون عن السير في طرق الطاعة, بتقوى الله سبحانه وخشيته, والالتزام بأوامره ونواهيه ومراقبته, فإنه سبحانه وتعالى عالمٌ بكل ما تجترحونه من الأقوال والأفعال, مطَّلعٌ عل كل ما تقومون به من أعمال, لا تخفى عليه خافية, ولا تفوته شاردةٌ ولا واردة, فزموا هذه النفوس عما يوقعها في المهالك, واردعوها عن ارتكاب هاتيك المسالك, فإنه سبحانه وتعالى يقول في ما أنزل من كتابه, وعظيم خطابه: ]فَأَمَّا مَنْ طَغَى & وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا & فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى & وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى & فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[[1], فهل بعد هذا الإنذار عذرٌ لمعتذر؟ أم هل بعد هذا البلاغ حجةٌ لمقصِّر؟ فكفوا عن ارتكاب السيئات جوارحكم, وصُفُّوا في بيوت الله أقدامكم, وازرعوا حب الطاعة في قلوبكم, تكونون غداً من الناجين, بل تصبحون من المقرَّبين الآمنين, الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
عباد الله, يصادف هذا اليوم يوم غزوة بدرٍ الكبرى, وهي أول غزوات الرسول صلى الله عليه وآله, بل هي الغزوة التي كان لها أعظم الأثر في ما تلاها من غزوات, الغزوة التي نكَّست أعلام الشرك ورفعت أعلام التوحيد, الغزوة التي فضحت النفاق وأظهرت حقيقة المنافقين, وفيها من العبر والدروس لمن رغب في الاستفادة منها ما لا يمكن بسطه في مقامٍ واحد, ولكننا نتكلم عن بعض هذه الدروس والعبر بقدر المستطاع في هذه الخطبة الموجزة.
فأولا: تُظهر لنا غزوة بدرٍ أن النصر ليس دائماً بسبب العدَّة والعدد, وإنما بسبب الإيمان بالقضية التي يُجاهَد من أجلها, والتصميم على البذل والفداء والصبر, فقد كان عدد المسلمين الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله لا يصلون إلى أربع مئةٍ بالتأكيد, بل لا يزيدون عن ثلاث مئةٍ وستين رجلاً –كما في معظم الروايات- بما فيهم الذين وقفوا يتفرجون, الذين لم يضربوا بسيفٍ ولم يطعنوا برمحٍ ولم يرموا بحجر, ولم يحملوا حتى عصا, في مقابل جيشٍ يزيد على ألفٍ من صناديد قريشٍ وسادتها أهل البأس والطغيان, ومع ذلك انتصرت هذه العصابة الصغيرة على ذلك الجيش الجرار.
ثانيا: من حيث التسليح, لم يكن مع المسلمين إلا فرسٌ واحدٌ كان يركبه المقداد بن الأسود الكندي رضي الله عنه, بينما كان أكثر من نصف جيش قريشٍ فرسانا, وكان جيش قريشٍ مدجَّجاً بالسلاح من السيوف والرماح والنبل, بينما لم يكن مع المسلمين إلا ثلاثة سيوفٍ أو أربعة, وكان الباقون يحارب بالعصيِّ والأخشاب والحجارة, ومع ذلك فقد انتصر هؤلاء الضعفاء الذين تحتقرهم قريش ولا تنظر إليهم إلا بالازدراء على جيشها المسلح بالمال والخمر والقوة والسلطان, وجعلوهم يفرون من المعركة هرباً وفرقا, بعد أن سقط صناديدهم وقادتهم صرعى, ويغنم المسلمون ما كان معهم من مالٍ وسلاحٍ ويأسرون منهم جمعاً لا بأس به.
كل هذه الأمور تدل على أن الأمة اليوم ليست معذورةً بما تدعيه من الضعف أمام الصائلين عليها, النازين ضدها, الذين يهددون أراضيها, ويسرقون خيراتها, ويتهمونها بالإرهاب, وهم الذين يرهبونها ويقضُّون مضاجعها, ليست معذورةً فيما تدَّعيه من الضعف, فالدول الإسلامية اليوم تملك من القدرات والأموال والأفكار والعلم ما يجعلها قادرةً على مقاومة أعدائها, بل إن مواقع كثيرةً من قوة خصومها قائمة على أموالها, قائمة على أفكار أبنائها, قائمة على اختراع مفكِّريها, فقدرتها تجعلها متمكنةً من مقاومة أعدائها, وعدم الاستكانة لهم بحجة عدم القدرة على الوقوف في وجه هذه القوى العظمى.
إن الإهمال الذي يمارسه الحكَّام المسلمون في إعداد القوة بمختلف وجوهها هو سبب هذا الضعف, انظروا, أموال المسلمين ليست في بلاد المسلمين, لا تزال أموال المسلمين ليست في أيدي أربابها, أثمان ما يبيعه المسلمون من النفط وسائر المعادن يبقى عند أعداء المسلمين, يصرفونه في توسيع قدراتهم, وبناء ترساناتهم, وإعمار بلدانهم, بينما يبقى المسلمون يتسولون تلك الدول لتبيعهم طائرةً من النوع القديم, التي مضى زمن الاستفادة منها, أو دبابةً أو غير ذلك, لماذا لا تكون عوائد نفطكم في مصارفكم؟ لماذا لا تعمرون بها مصانعكم في بلدانكم؟ أليس فيما حصل لإيران يوم أرادت أن تسحب ثروتها وأموالها التي وضعها الشاه الخائن في أمريكا درسٌ لكم؟ أمريكا التي تصر على أن تجعل العصابات الصهيونية أقوى منكم مجتمعين, وتضمن لها ذلك رغم آنافكم, لماذا تتركون ثرواتكم في مصارفها وبين يديها؟ هل صحيحٌ ما يقوله بعض شعوبكم أنكم تفعلون ذلك لأنكم لا تعترفون للأمة بملكية هذه الأموال وأنكم تريدون سرقتها وإخفائها ولو عند الأعداء استئثاراً بتلك الأموال دون شعوبكم؟
وثانيا: تُبيِّن أحداث واقعة بدرٍ بأن لا نأسى أبداً على من يفارقنا ممن كان ينافقنا ويُظهر أنه منا وأنه يشد أزرنا, بل نفرح إذا كشف المنافق عن نفسه وتركنا حتى لو كان ذلك في ساعة العسرة ووقت الضيق, لأننا حينئذٍ نأمن من الطعن من الخلف, بعكس ما لو بقي المنافق مندساً بين صفوفنا فنعتمد عليه في سد بعض الثغرات وحينئذٍ يبيعنا للأعداء أو ينقلب علينا لما تملي عليه أضغانه, فقد رجع عبد الله بن أبي سلولٍ -رأس المنافقين- بنصف الجيش الذي خرج مع الرسول صلى الله عليه وآله واعتقد أن محمداً صلى الله عليه وآله سيُهزم من قبل قريش, وأنه سيعود إلى المدينة ضعيفاً متهالكاً خائراً خائفا, وعندئذٍ تسنح الفرص فيه, وسيقوم هو وأتباعه وهم حينئذٍ سيكونون الأقوياء بإخراجهم من المدينه وطردهم منها, يقول الله سبحانه وتعالى عنهم, وعن نيتهم, وما بيَّتوه: ]يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ[[2]؛ ولكن الله سبحانه وتعالى قال أنهم يقولون ذلك لأنهم لا يعلمون, لا يعلمون بأن العزة ليست بكثرة الأتباع والجيوش, العزة ليست بكثرة السلاح والأموال, العزة لله والله هو العزيز, والله هو المُعزّ: ]وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ[[3].
ينبغي إذاً أن لا نأسى على من يفارقنا في ساعة العسرة ويميل مع الذين يعملون ضدنا, لأنه قد أراحنا من عدوٍ داخليٍ لا ندري متى يهتبل الفرصة في إبادتنا والانقضاض علينا, فالعزة والنصر لا يأتيان من وجود المنافق في ضمن الجماعة, وإنما لهما أسبابٌ أخرى لعل من أهمها التماسك بين الجماعة والإخلاص للقضية.
اتعظوا أيها المسلمون بهذه الغزوة, فلا تهِنوا ولا تضعفوا فأنتم الأعلون إنْ كنتم مؤمنين, إنْ كنتم للدين مخلصين, ومن أجل نصر الله جادين, فلقد قال الله سبحانه وتعالى: ]وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ[[4], ولكن إنْ كنتم للدنيا طالبين, ولأغراضكم الشخصية عاملين, فأنتم كشهيد الحمار الذي قاتل يوم بدرٍ مع الرسول صلى الله عليه وآله, لا نصراً لله ولا دفاعاً عن دين الله, وإنما قاتل ثأراً لحمارٍ اغتصبه منه بعض قريش, فقاتلهم من أجل ذلك فقُتل, ظاهره مع المسلمين وباطنه مع حماره المغصوب.
اللهم انصرنا على نفوسنا أولاً فإنها العدوَّ الأعظم لنا, وانصرنا على من ناوأنا وحاربنا واستباح كرامتنا, وعمل على تعطيل شريعتك, ودعى إلى تطبيق ملة أعدائك, وإبعاد الناس عن دينك, فإنك أنت القوي العزيز.
إن أفضل ما وعته قلوب المتقين, واستضاءت بنوره عقول المؤمنين, كلام الله رب العالمين, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ & اللَّهُ الصَّمَدُ & لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ & وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[[5].
وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي تحيَّرت دون إدراك عظمة جلاله العقول والبصائر, ودهشت في مبادئ إشراق أنوار جماله القلوب والخواطر, العالم بمكنونات السرائر, المطلع على خفيات الضمائر, ]وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ[[6], توحَّد بنعوت التقديس والكمال, وتفرَّد بصفات العزة والجلال, وتعالى عن اتخاذ الولد والوزراء والشركاء والأمثال, ذلكم الله ربكم فاعبدوه مخلصين له الدين.
أحمده في حالتي اليسر والإعسار, وأشكره على آلائه الكبار, وكل آلائه كبار, حمداً وشكراً يدومان مدى الأعصار, ويتواليان بتوالي الأكوار, واختلاف الأدوار, ويتجددان بتجدد الليل والنهار, وأستحطه مثقِلات الآصار, وأستقيله موبِقات الأوزار.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الجبار, العزيز القهار, ناصر المؤمنين ومخزي الكفار, مكوِّر الليل والنهار, الدافع لصدمات الأدوار, والمتفضل بالإنقاذ من النار.
وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, مركز دائرة الكمال, أبلغ من نطق بلغة الضاد وقال, وأعظم من تجلبب رداء الهيبة والجلال, وأفضل من وزن بالحق وكال.
صلى الله عليه وآله دعائم الإسلام, وعروة الاعتصام, الذين بهم يعود الحق إلى نصابه, ويحلُّ بالباطل شديد أوصابه.
عباد الله, أوصيكم ونفسي الجانية الآثمة قبلكم بتقوى الله سبحانه, فإنها خير ما ادخرتموه عند بارئكم, وأفضل ما أعددتموه ليوم سفركم, فبها نجاح أمركم, وتحقيق طلبتكم, بل هي الوسيلة الكفيلة بفكاك رقابكم من سلاسل الجحيم, وهي الصراط الذي يقودكم لدار النعيم, فلا تجزعوا على ما يفوتكم من لذة هذه الدار الفانية, ولا تتشاغلوا بالعمل من أجل إعمارها على حساب الآخرة فما هي لكم بباقية, ألا يُزهِّدكم فيها ما تشاهدون ما يجري على أهلها من الكوارث والمحن؟ وما يشب بين عشاقها من الحروب والإحن؟ حتى لا يكاد المرأ يشاهد في أجهزة التلفاز, أو يقرأ في صحائف الأخبار, إلا المصائب المحدقة ببني آدم في كل الأقطار, فكأن الناس لم يُخلقوا في هذه الدنيا إلا ليتقاتلوا بالسيف البتار, أو يموتوا بما يلقى عليهم من وسائل الدمار, وكلما انتشر ما يدعونه بوسائل الحضارة, كلما ازدادت بينهم الأخطار, لأن هذه الحضارة ليست في حقيقتها إلا حضارة الأشرار, وهذه الدار ما هي إلا دار الفجار, الذين نسوا الله فأنساهم ذكر أنفسهم, ليكونوا غداً من أهل النار, وأنى لهم التبصر والاعتبار؟
ألا ترى إلى من حولك من الناس الذين يدَّعون العلم والمدنية, ويفخرون بالنظام والحرية, ويتشدقون بالشورى والديمقراطية, ويتباهون بالثروة والقوة, كيف يتكالبون على هذه الدينا ويتهارشون على حطامها, ويتسابقون على سلب أقوات الفقراء, والاستيلاء على ما بيد الضعفاء, فتثور بينهم الحروب لأجل ذلك, فيقتل الأخ منهم من أجل ذلك أخاه, ويخون الإبن أباه, وكل واحدٍ منهم يشهر في وجه مقاتله سيف الدفاع عن حق المظلومين, وحرية الضعفاء, والانتصار للأبرياء, والمطالبة بتطبيق حقوق الإنسان, ومكافحة الرذيلة, وهو أول مرتكبٍ لها, وإزالة المظالم, وهو أعظم فاعلٍ لها, حتى أصبحت الأرض تضج من أفعالهم لربها, فما سلمت من عبثهم حيتان البحار في لججها, وما نجت من بطشهم طيور السماء في أوكارها, فهل بعد ما يشاهد العاقل من مكرهم يطمئن إلى دعاواهم الزائفة؟ وهل يُصدِّق الحكيم أن بعض المتهارشين على هذه المنتنة سيقوم بإصلاح ما أفسد سائر السباع من شئونها؟ فكم من متراءٍ بالصلاح عندما كان ضعيفاً انقلب حاملاً لراية الفساد, وتبيَّن من أمره أنه أمكر من الثعالب في استعمال حيلها؟
فلا ينبغي للعاقل أن يجزع مما يناله من وقع مصائبها, أو ينتظر أن يصل إليه منها غير نوائبها, فليربأ بنفسه عن الاشتغال في جمعها, بل عليه أن يصرف وقته في تشييد أواصر ضرتها, ويكفيه منها مصة الوشل, التي تُبلغه الغاية التي وُعد بها, وليجعل كل همه العمل على أن لا يكون في أخراه خائفاً كما هو حاله فيها.
فرحم الله عبداً ذُكِّر فتذكر, وبُصِّر بعواقب الأمور فتبصر, ففر بنفسه مما هو موشكٌ أن يقع فيه من الخطر, وعمل على ما يُثبِّت قدمه على الصراط يوم المحشر, ويؤمن روعه من الفزع الأكبر, خاصةً في مثل هذا الشهر المبارك الميمون, الذي هو بالبركات والمثوبات مشحون, فيملأ بالطاعات ساعاته, ويصرف في فعل القربات طاقاته, ويستبضع من تحفه وخيراته, ويفوز بالوافر من حسناته.
ألا إنكم في يومٍ هو سيد الأيام, وعيدٍ للأتقياء الكرام, كما ورد عن أبواب الملك العلام وشفعاء دار السلام, فارفعوا فيه أكفكم بالدعاء والابتهال, وابدؤوا بالصلاة على شفعائكم في المآل, ومن بالصلاة عليهم تُقبل الأعمال, وتُحقَّق الآمال, محمدٍ سيد المرسلين والآل, عليهم صلاة ذي الجلال.
اللهم صلِّ على سيد النبيين, والخيرة من عبادك الصالحين, الذي نبأته وآدم بين الماء والطين, وبعثته رحمةً للعالمين, وختمت به الأنبياء والمرسلين, حصنك المشيَّد, ورسولك المؤيَّد, أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على البدر الطالع من دوحة لوي بن غالب, مُظهر العجائب والغرائب, نورك الذي أشرقت به المشارق والمغارب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على المظلومة المهضومة, والعليلة المعصومة, بضعة رسولك الأمين, وزوجة سيد الوصيين, ذات المقلة العبرى, أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على غصن الدوحة الأحمدية, وبدر الأسرة العلوية, المتحلي بالأخلاق الرضية, مُفترَض الطاعة على كل البرية, السبط الممتحن, والإمام المؤتمَن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلِّ على قتيل الطفوف, المبضَّع بالسيوف, مقطوع الرأس والكفوف, غياث الملهوف, زكي النسبين, وهاشمي الأبوين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.
اللهم صلِّ على المتنسل من الخيرتين, المفسر لكتاب رب العالمين, شمس نهار العارفين, وبدر سماء المتهجِّدين, الإمام بالنص علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على الدر الفاخر, بل الجوهر النادر, الذي ليس له في الفضل مناظر, ولا في العلم مكاثر, أشرف الأوائل والأواخر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على علَم التحقيق, ونبراس التدقيق, ذي الفكر الدقيق, والشرف الحقيق, لسانك الناطق, والفجر الصادق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على بحر العلوم المتلاطم, المطَّلع على أسرار العوالم, المضطهد على يد شر ظالم, قتيل الفاسق الغاشم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على بدر الفضل الساطعة أنواره, وطَوْد الحكم المشرق مناره, ونبع العلم الذي لا يدرك قراره, ومنهج الجود المتدفقة أنهاره, سيفك المنتضى, وخليفتك المرتضى, الإمام بالنص أبي الحسن علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على الشفيع لديك يوم التناد, مُرشد العباد, وسيد العُبَّاد, ومبيِّن منهج الحق والرشاد, سليل السادة الأجواد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على السري الأمجد, والعالم الأوحد, ابن بجدة الفضل والسؤدد, المبتلى بعداوة الكافر الأنكد, أبي الحسن الثالث علي بن محمد.
اللهم صلِّ على صاحب البلايا والمحن, المستشهد على أيدي ذوي الأحقاد والإحن, المجتهد في إماتة البدع وإحياء السنن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلِّ على الحجة الإلهية في الأقاليم الأرضية, والآية السبحانية بين البرية, الملتحف برداء التقية, سيف الله القاطع, وفجر الحق الطالع, شريك القرآن, وواضح البرهان, الإمام بالنص مولانا المهدي صاحب العصر والزمان.
اللهم عجِّل له الفرج, وسهِّل له المخرج, وسُدَّ به الخلل والفرج, وأوضح به المنهج, واجعلنا من المؤملين لدعوته, المسارعين لنصرته, المعتمدين في دولته, إنك خير المسئولين, وأوسع المعطين.
إن أبلغ ما نطق به لسان, وأخطر ما طرق مسامع بني الإنسان, كلام الله الملك الديان, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[7]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنان إنه غفورٌ رحيمٌ وتوَّابٌ حليم.
[1] سورة النازعات: 37 – 41
[2] سورة المنافقون: من الآية8
[3] سورة المنافقون: من الآية8
[4] سورة الحج: من الآية40
[5] سورة الإخلاص
[6] سورة الأنعام: 3
[7] سورة النحل: 90
