الجمعة 21 ذو القعدة 1423هـ المصادف 24 كانون الثاني 2003م
(وقاية الأهل من النار وحماية الأولاد من الفساد)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي شرح بمعرفته عقول أودائه, فهم من خشيته مشفقون, وإلى دار أنسه مشتاقون, وغمر بنور عظمته وجلاله نفوس أصفيائه, فهم بسنا طلعته مبتهجون, وبمشكاة علمه مهتدون, وأفاض رواشح قدسه على قلوب أوليائه, فهم بنعمته فرحون, وفي ثياب معزته يرفلون, ونصب معارج القرب منه لأحبائه, فهم فيما يُزلفهم إلى جنابه جادون, وعلى ضوء هديه سائرون, وفي طاعته دائبون, وفتح أبواب الإنابة لمن رغب أن يكون من عتقائه, وأولئك من عذابه ناجون, وبعفوه فائزون, فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.
نحمده سبحانه على أنْ جعلنا من أمة سيد المرسلين, وشيعة عليٍ أمير المؤمنين, الموالين للأئمة المعصومين, المؤدِّين لحق الرسالة في مودة أهله ما لم يكونوا عليه مخالفين, وله معاندين, ونسترشده لاتباع آثار الهداة الصادقين, الذين وصفهم في خطابه المبين بقوله وهو أصدق القائلين: ]وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ[[1]؛ فإنه مرشد المدلجين, ونستهديه لمعرفة ما اختُلف فيه من الحق بإذنه فإنه يهدي من يشاء إلى الصراط القويم والنهج السليم.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, شهادةً يوافق فيها السر الإعلان, ويطابق فيها الجَنان اللسان, وتمتثل لمقتضياتها الأركان, وتُنجي من دخول النيران, وتؤدي إلى اكتساب الجِنان, والفوز برضا الملك الديان, إنه هو الرحيم المنان.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, الذي بذل في رضاه مهجته, وكافح لأجله أهله وعشيرته, وجاهد في جنبه عبدة الأصنام, وحماة الأوثان, طيلة مدته, حتى أُسيل في سبيله دمه, وكُسرت رباعيته, واضطُهدت من بعده عترته, وخولفت وصيته, واستؤصلت ذريته.
ونصلي ونسلم عليه صلاةً ليس لأمدها غاية, ولا لآخرها نهاية, وآله الذين تحملوا بعد رحيله الجفوة لقرب عهد أمته بالجاهلية, وكابدوا تِرات بدرٍ وأُحدٍ وحنين ممن أظهر النفاق ولم يكن مسلماً بالكلية.
أما بعد أيها الإخوة المتقون, والأولياء الصالحون, فاعلموا أن الله سبحانه وتعالى قد نبَّهكم في محكم كتابه وبليغ خطابه, إلى تفادي غضبه, والفرار من عذابه, فقال عز من قائل: ]قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ[[2], وبالتأمل في هذه الآية الكريمة, نجد أن الأمر الإلهي بالتوقي من دخول النار ينحل في حقيقته إلى أمرين, ويلزم بواجبين:
الأمر الأول: هو أن يقي الإنسان نفسه الوقوع تحت طائلة المؤاخذة من قِبَل الله سبحانه وتعالى, ويتم ذلك بتكميل النفس, عن طريق التحلي بالأخلاق المرضية, والتخلي عن الصفات المذمومة والملكات الردية, وتطهير الباطن وتنقيته, مع الالتزام بأوامر الشريعة, من القيام بالواجبات العبادية, من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك, وكذلك الواجبات الاجتماعية, كمساعدة الفقراء والمحتاجين, والإنفاق في وجوه البر المختلفة, من نشر المعارف الإسلامية, وبناء المساجد والمدارس والمصحات والمستشفيات وغيرها من المرافق التي يحتاج إليها المجتمع المسلم, وكذلك إرشاد الناس إلى الخير والصلاح, ونهيهم عن الشرور, كل ذلك باللين والرفق, لا بالقوة والعنجهية.
وأما وقاية الأهل من الوقوع في النار, والتعرض لغضب الجبار, فإنه يختلف باختلاف العنوانات المندرجة تحت لفظ الأهل, فالأخ من الأهل, والزوجة من الأهل, وابن العم وابن الخال وإنْ بعدا من الأهل, والولد من الأهل.
فأما وقاية الأخ وابن الأخ والعم والخال وأبنائهما وسائر الأقارب فتتم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وحثهم وتشجيعهم على الطاعات, ونهيم وتوبيخهم على ارتكاب المعاصي وعمل السيئات, بحسب ما تتطلبه عملية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من شروطٍ مذكورةٍ في كتب الفقهاء أعلى الله كلمتهم.
وأما وقاية الزوجات عن النار وصيانتهن من التعرض لانتقام الملك الجبار فبأمرهن بالإتيان بالواجبات, والمواظبة على العبادات, وردعهن عن المحرمات, وإلزامهن بشريف العادات, ومنعهن من الخروج متبرجات في المسيرات والحفلات, ومشيهن في الأسواق والمحافل كاسياتٍ عاريات, فـإنهن الموصوفات في الذكر الحكيم بالعدوات.
وأما وقاية الأبناء من الهلكات, فبتربيتهم التربية الصالحة, المانعة من وقوعهم في الموبقات.
واعلموا يا عباد الله, أن الله سبحانه لم يأخذ على الأبناء الميثاق بشكر الوالدين والإحسان لهما إلا بعد أن أوجب عليهما للأبناء كثيراً من الحقوق, وحمَّلهما العديد من الالتزامات, خاصةً الأب, فإنه راعي هذه المجموعة الصغيرة المسماة بالأسرة, فهي بمثابة دولته, وموضع سلطانه وخلافته, وإنْ لم يعجب هذا الكلام دعاة التغرب الساعين إلى تفكيك الأسرة, ورفع سلطان الأب عنها بحجة حقوق المرأة والطفل وغير ذلك من عنواناتٍ منافيةٍ للكتاب العزيز والسنة المطهرة والخلق العربي الكريم, فالرجل هو المسئول عن جميع أفراد أسرته, لدخولهم تحت حياطته, ولقوله صلى الله عليه وآله: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”[3].
وهذه المسئولية لا تقتصر على توفير الطعام واللباس, وإيجاد الوسائل المادية كما يظن كثيرٌ من الناس, بل ربما تكون هذه الأشياء هي أقل الواجبات شأناً وأصغرها مكانا, فإن الله سبحانه لم يلزمه بالإنفاق إلا بمقدار ما رزقه وأعطاه, يقول سبحانه وتعالى في كتابه: ]لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتـَاهُ اللَّه[[4], فالرزق متكفَّلٌ به من قِبَل الله سبحانه, ورب الأسرة ليس إلا ساعٍ لجمعه, قائمٍ على توزيعه.
فمسئولية الأب الكبرى هي في صيانة الأسرة عن الضياع, وتربية الأبناء على الطاعة والانصياع لأوامر الله سبحانه والاستجابة لنواهيه. والدفاع عن هذه اللبنات الصغيرة, والفراخ الضعيفة, من أن تعبث بهم أيدى السباع. فالواجب عليكم أيها المؤمنون أن تتعاونوا في حفظ أبنائكم من أن يقعوا فريسةً في أيدي العابثين, ويتحوَّلوا جنوداً في أيدي المعاندين.
واعلموا أن الشيطان موغلٌ في عداوتكم, مصرٌ على إبعادكم عن ربكم, عن طريق إفساد أجيالكم, وأنه قد وزع جنوده في بلادكم, ونشرهم بين صفوفكم, ورسم لكل فرقةٍ منهم خططها, وبيَّن لها منهجها, فهذه جحافله تجوب مدنكم وقراكم, ناشرةً سمومها, رافعةً أعلامها, فرقةٌ باللهو بإقامة الحفلات الماجنات, أو بالتجمعات العفنات, على الشوارع وسائر الطرقات, بآلات الميسر من الورق والنرد والزهر وغيرها, وجماعةٌ بتشكيل الفرق باسم الرياضة والكشافة, وأخذ الأطفال للرحلات, وتعويدهم فيها على قبيح العادات, وارتكاب الموبقات, وإبعادهم عن الدين وأهله بهذه الوسائل, حتى ينغمسوا في الرذائل. وفرقةٌ بالتصدي لترويج الأفكار الباطلة باسم الدين, وتعويد الأطفال على عدم طاعة الأبوين واحترام علماء الدين, والتغرير بهم بأنهم ليسوا في حاجةٍ إلى مراجعة العلماء, لأنهم أصبحوا يدركون الواقع, ويقدرون على تشخيص المصالح والمفاسد, وغير ذلك مما يضر بهذه الناشئة, بل ولا يتورعون عن ترويج الشخصيات المنحرفة عن الدين بين الناشئة بعنواناتٍ باطلة, وحتى أصبح الماركسي في نظر كثيرٍ من الشباب مع الأسف خيرٌ من علماء الدين, بل ربما اعتبره أفضل من أبيه.
ومن أخطر هذه الفرق هي فرقة ترويج المخدرات, فإنها تؤدي بزبائنها إلى الموت, وهي اليوم منتشرةٌ في كل البلدان, منتشرةٌ في كل مكان, فتعاونوا رحمكم الله على حربها, وقاوموا أفرادها, وهاجموا تجمعاتها, وعاملوهم بكل قسوة, حتى لا يبقى لهم قرار, ولا يتمكنوا من الاستقرار.
وليحفظ كل أبٍ أبناءه في بيته أو يصحبهم معه, ولا يتساهل معهم عندما يخرجون بمفردهم, بل عليه أن يسألهم أين ذهبوا ومع من لداتهم لعبوا, وإذا رأى عندهم نقوداً أو لعباً لم يكن هو الذي منحهم إياها, أو شاهد عليهم ثياباً لم يكن هو قد اشتراها, فليحقق عن مصدرها, ولا يتساهل في شأنها.
فتعاونوا رحمكم الله على البر والتقوى, فإنها للنجاة في الدنيا والآخرة السبب الأقوى, واشكروا الله سبحانه الذي وفقكم لحضور الجمعات, واستماع النصائح والعظات.
وفقنا الله وإياكم لما يرضيه, وواتر علينا هباته وأياديه, وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, إنه أرحم الراحمين.
إن خير ما ختم به خطيب, واقتدى بهديه كيِّسٌ أريب, كلام الله الحسيب الرقيب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[5].
وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والتواب الكريم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي تردى بالجبروت والكبرياء, وقهر مَن دونه بالموت والفناء, دلَّ على غناه بفقر الممكنات, وعلى قِدَمه بإيجاد الحادثات, وعلى قدرته بعجز المخلوقات, تسربل بالوحدانية فهو الواحد الأحد, الفرد الصمد, اتصف بالرحمة والإحسان, والتجاوز والامتنان, فمن لطفه ورحمته وضْع الشرائع والأديان, وإنزال الكتب وبعث الرسل لتكميل بني الإنسان.
فله الحمد كما ينبغي له على عميم النعم المتواترة, التي من أعظهما نصب الآيات الباهرة, العاصمة لذوي الألباب من غلَبة الأوهام الخاطرة, ومن أتمها جعل الدلالات الظاهرة, وله الشكر على أياديه المتكاثرة, وآلائه المتظافرة, شكر مستزيدٍ من فيض دِيَم جوده الهامرة, ونسأله التوفيق لخير الدنيا والآخرة.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, شهادةً نستجلب بها أسباب الرضاء, ونستدفع بها نوازل البلاء, ونتحصن بحماها من هجمات العدا, ونستنير بهديها في الفتن العمياء, تقدَّس سبحانه عن ملامسة النساء, واستغنى عن الشركاء والأبناء.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله الذي هذَّبه وكمَّله, وإلى كافة الإنس والجن أرسله, وعلى من سواه من النبيين والمرسلين شرفه وفضله, وأنزل عليه الكتاب بالحق وجعله آياتٍ مفصَّلة.
اللهم صلِّ عليه وآله الذين هم ولاة عهده, والأئمة من بعده, خلفاؤه على دينه, وشركاؤه في يقينه, أولئك هم صفوة الملك العلام, وزعماء الإسلام, ومفاتيح دار السلام, ]أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[[6].
عباد الله, أوصيكم ونفسي العاصية الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه, وامتثال أوامره واجتناب معاصيه, والابتعاد عن نواهيه.
واعلموا أن مما أحب الله لكم أن تكونوا عليه هو الطهارة والنظافة, قال سبحانه في كتابه المجيد في وصف أهل مسجد قبى: ]فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ[[7], وقال سبحانه: ]مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُم[[8], وفي الخبر عن سيد البشر: “بني الدين على النظافة”[9].
فاعتبروا يا إخوتي بهذه الآيات, وما ورد في الموضوع من الروايات, مثل قول الرسول الكريم عليه وآله صلوات الله العلي العظيم: “لا صلاة إلا بطهور”[10], ومثل قول الإمام الصادق عليه السلام: “الطهور نصف الإيمان”[11], إلى غيرها من الأحاديث, فما هو المقصود بهذه الطهارة التي أرادها الله سبحانه للبشر أو على الأقل لعباده المؤمنين به؟
إن الطهارة تنقسم إلى أقسامٍ كثيرةٍ باعتباراتٍ مختلفة, لكن أهم تقسيمٍ لها مما له دخلٌ في المقام, أنها تنقسم إلى طهارةٍ خارجيةٍ وطهارةٍ داخلية, فالطهارة الخارجية تتعلق بتنظيف القالب الجسماني من الأخباث, وتنزيه الجوارح من الأرجاس. والطهارة الداخلية هي تطهير القلب من الملكات الساقطة الردية, والعادات الشيطانية المرتذلة, والعقائد الفاسدة المبتذلة, وتنقية العقل من الأوهام المسيطرة, وتحرير الذهن من الخيالات المدمرة.
فأما الطهارة القالبية سواءً كانت حدثيةً أو خبثية, فقد تكفلت ببيانها الكتب الفقهية والرسائل العملية, ففيها شرحٌ وافٍ لبيان طرائق تنظيف الثياب والآلات, وغسل البدن والأدوات, كما تضمنت تفصيل الطهارات الحدثية, فبيَّنت أقسام الأغسال والوضوءات, وكيفية كل واحدٍ منهما, وما فيه من فرضٍ وسنة, ولكثرة اعتناء العلماء بهذه الطهارات ظنها بعض المغفلين أنها الطهارة المقصودة لذاتها, فأوغلوا فيها وبالغوا في تحصيلها, حتى وقعوا في أمراض الوسواس, وسيطر عليهم الخناس, فهم بوضوئهم يُحدثون, وفي أغسالهم يُجنبون, لأنهم أسرى في أيدي الشيطان الرجيم, وأتباعٌ لإبليس اللعين.
وما علموا أن الطهارة القالبية الحدثية والخبثية غير مقصودةٍ لذاتها, ولا مرادةٍ لولا غيرها, فهي لا تجب أو تستحب إلا لعبادةٍ أو أكل مما تشترط فيه الطهارة.
وأما القسم الثاني من الطهارة الخارجية فهو تنزيه الجوارح من أن تُستعمل فيما حرم الله من الأعمال, أو في ما استُقبح من الأفعال, فينبغي تنزيه العين عن النظر إلى محارم الله سبحانه من المرئيات, كالنظر إلى النساء الأجنبيات, وصرف الوقت في مشاهدة اللهويات, كمعظم برامج التلفزة الدائرة في هذه الأيام, وتنزيه الأذن من استماع البهت والغيبة, والألحان المطربات, وأصوات المغنيات, والتجسس بها على المؤمنين والمؤمنات.
وتطهير اللسان يكون بكفه عن الكذب والزور والبهتان, والسعي بالنميمة بين الإخوان, ونشر الشر في كل مكان, وإفشاء الفاحشة بين أهل الإيمان, وتزيين أفعال وعقائد أهل الباطل, وترويج رموز فرق وأحزاب الشيطان, والمجادلة والمنافرة في المحافل.
ويتم تنظيف اليدين بكفهما عن السرقة والغصب وخيانة من ائتمنك في بيعٍ أو شراء, ومنعهما من الاعتداء على الناس بالضرب والإيذاء, أو على أموالهم بالتخريب والإتلاف والإفساد.
وطهارة البطن بتنزيهه عن أكل المحرمات, سواءً المآكل المحرمة بذاتها, كالدم ولحم الخنزير والميتة وشرب الخمر وسائر المحرمات, أو المحرمات باعتبار طرق كسبها وسبل استفادتها, مثل الأموال المجموعة من السرقات والخيانات وتطفيف المكيال وبخس الميزان ونتائج القمار وأجور الفواحش, كأجر المغنية وأجر النائحة, وأمثال ذلك من المكاسب المحرمة, بل لا يتم تطهير البطن إلا بالابتعاد عن الشبهات, بجميع أقسامها, “ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم”[12] حسب تعبير الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.
وتنزيه الفرج يتم بالابتعاد عما حرم الله من الزنا واللواط واستعمال اليد وسائر الآلات التي تفنن في صنعها أهل السفالات.
والغريب من بعض من غلبه إبليس فأدخله في حزبه الخسيس, أنه يبالغ في الطهارة المائية حتى يفوته وقت فضيلة الصلاة, بل ربما فاته الوقت بالكلية, وهو مع ذلك لا يتورع عن الغيبة والبهتان, أو عن أكل المحرمات وارتكاب الشبهات, فنعوذ بالله من عمى القلوب, وصمم العقول.
جعلني الله وإياكم من المتطهرين من الرجاسات, المتنزهين عن قبيح العادات, إنه سميعٌ مجيب.
ألا وإنكم في يومٍ عظيم الشأن عند الملك الديان, فيه تُغلق أبواب النيران, وتُفتح أبواب الجنان, وإن من أهم الوسائل لمرافقة رضوان, هو الإكثار من الصلاة والسلام على سيد ولد عدنان محمدٍ وآله خلفاء الرحمن.
اللهم صلِّ على قطب دائرة الفخار, ومصبِّ فيوض السعد والوقار, الذي أخدمته الأملاك, وخصصته من بين النبيين بلولاك لما خلقت الأفلاك[13], فهو علة كل موجودٍ إلاك, الدائس بنعل شرفه هام السهى والفرقد, النبي الأمي المسدَّد, أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على قدوة الأبرار, وقسيم الجنة والنار, النور الثاقب في ظلمات الغياهب, والفجر الطالع في المشارق والمغارب, سيد الموحدين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على السيدة الجليلة, والحوراء النبيلة, والنوراء العقيلة, بضعة رسولك الأمين, وأنيسة أمير المؤمنين, أم الأئمة النجباء, فاطمة بنت محمدٍ الزهراء.
اللهم صلِّ على السيد السند, والركن المعتمد, قرة عين المصطفى, وثمرة فؤاد المرتضى, ومزاج ماء الزهراء, الصابر على العظائم والمحن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلِّ على الشهيد ابن الشهيد, والسعيد ابن السعيد, المقتول وهو عن الأوطان ناءٍ بعيد, المذبوح من الوريد إلى الوريد, كريم الحسبين, الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.
اللهم صلِّ على الإمام الراكع الساجد, والعالم الزاهد العابد, المسموم بأمر الكافر الجاحد, مصباح المتهجدين, الإمام بالنص علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على بحر العلوم والمعارف, وناشر الأحكام والعوارف, ومُظهر الدقائق واللطائف, ذي الحسب الفاخر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على مؤسس الحوزة الدينية, وحلال المشاكل اليقينية, وباني أصول العقائد الدينية, حجة الخالق على كل الخلائق, النور المشرق في سماء الدقائق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على الصابر الكظيم, والمبتلى الحليم, ذي المجد العظيم, السيد المفترض الطاعة على كل العوالم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على الراضي بالقدر والقضاء, الشفيع في يوم الحكم والقضاء, المرتضى ابن المرتضى, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على بدر سماء الحق والرشاد, وشمس فلك الصدق والسداد, ملجأ الشيعة يوم التناد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على من اشتهرت فضائله في الحواضر والبوادي, وسارت مكارمه بين كل رائحٍ وغادي, كهف الخائف يوم ينادي المنادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على الرضي المرضي, والسيد الزكي, والحجة على العدو والولي, الطالع شرفاً على الزهرة والمشتري, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ على البدر المحتجب بغيوم النوائب, والشمس المستترة بسحاب المصائب, الهمام المظفر, والليث الغضنفر, مولانا الإمام بالنص الحجة بن الحسن المنتظر.
عجَّل الله تعالى أيام دولته, ومتعنا بالنظر إلى كريم غرته, وجعلنا من المسارعين لإجابة دعوته, الداخلين تحت حياطته, المشمولين بشفقته, إنه سميعٌ مجيب.
إن أحلى ما نطق به اللذوعي الأديب, وأولى ما وعظ به الخطيب اللبيب, كلام الله الرقيب الحسيب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[14]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات, إنه غفورٌ رحيمٌ وتوابٌ حليم.
[1] سورة الأنبياء: من الآية73
[2] سورة التحريم: من الآية6
[3] بحار الأنوار – ج72 – ص38 – العلامة المجلسي
[4] سورة الطلاق: من الآية7
[5] سورة العصر
[6] سورة البقرة: 157
[7] سورة التوبة: من الآية108
[8] سورة المائدة: من الآية6
[9] الحقائق – ص215 – الفيض الكاشاني – طبعة سنة 1989م
[10] بحار الأنوار – ج77 – ص237 – العلامة المجلسي
[11] الحقائق – ص215 – الفيض الكاشاني
[12] الكافي – ج1 – ص68 – الشيخ الكليني
[13] في الحديث القدسي: “لولاك لما خلقت الأفلاك”شرح أصول الكافي – ج9 ص61 – مولي محمد صالح المازندراني
[14] سورة النحل: 90
