الجمعة 19 ذو الحجة 1423هـ المصادف 21 شباط 2003م

(عيد الغدير – تنصيب أمير المؤمنين عليه السلام)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي أكمل لنا شرعة الحق نظاماً متكاملاً رصينا, ورضي لنا الإسلام قانوناً ودينا, وأتم بتشريع نظام الإمامة والخلافة نعمته علينا, فأغنانا عن التسول على أبواب الكفرة الذين اتخذوا الشيطان ولياً ومعينا, وكفانا شر الوقوع في الفتن الهوجاء فصرنا من عوارض الفرقة آمنين, وأصبحنا بفضل مولاة خلفائه حول من آمر نبيه بنصبه ملتفين, ولقوله سامعين, وبفضله وحقه معترفين, وعلى هدى توجيهاتهم إن شاء الله سائرين.

فله الحمد على لطفه الشامل العميم, وله الحمد على منِّه الدائم الكريم, وله الشكر على جوده الواسع المستديم, ونسأله الثبات على الهداية والتمسك بدينه القويم, ونعوذ به من وسوسة إبليس الرجيم, ونلتمس من جنابه الحشر مع رسوله الكريم, وآله ذوي المقام الباهر العظيم.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, شهادةً تقصم ظهور الملحدين, وتفصم عرى المشركين, وتفضح شبهات المعاندين, وتنقض مباني الجاحدين, شهادةً مفعمةً بإخلاص الموحِّدين, ساترةً عن المؤاخذة والمعاتبة يوم الدين.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله, خير من تشرَّفت به النبوة والإيالة, وأفضل من اختير من قبل الله للرسالة, بعثه والناس في صحارى الجهل تائهون, وللحق نابذون, وللخالق منكرون, وعلى عبادة الأوثان عاكفون, ولنيران الحروب مشعلون, وفي لجج الفتن خائضون, فأزاح ببعثته العمى عن عيون البشرية, وأضاء به ديجور الجهل المخيِّم على عقول البرية.

اللهم صلِّ عليه وعلى وصيه الذي أمرته بنصبه أميراً للمؤمنين, وخليفةً للمسلمين, وقائداً للموحِّدين, وعلى آلهما الأئمة النجباء, والقادة الأزكياء, والعلماء الحكماء, خُزَّان وحيك, وحملة دينك, ومصدر أحكامك, الذين أذهبت عنهم الرجس وطهَّرتهم تطهيرا, وسلم عليهم يا رب تسليماً كثيرا.

عباد الله المؤمنين, اعلموا أن اليوم الذي سبق يومكم هذا يصادف يوم الثامن عشر من ذي الحجة الحرام, وهو من أعظم الأيام في هذه الأمة, وأجلها قدرا, وأرفعها شأنا, ففي مثل هذا اليوم من السنة العاشرة للهجرة النبوية المصطفوية, على مهاجرها وآله ألف صلاةٍ وتحية, وقف رسول الله صلى الله عليه وآله وهو راجعٌ من الحجة الذي أطلق عليها عند المسلمين بحجة الوداع, في منتصف الطريق تقريباً بين مكة والمدينة, وفي مكانٍ يقال له غدير خم, وأرسل يسترجع المتقدمين, وينتظر المتأخرين, حتى تكامل له كما في الروايات أكثر من مائة ألفٍ من الحجاج, فعندها أمر أن يُقمَّم الشجر ليكون موضعاً صالحاً للتجمع فيه, كما أمر أن يُعمل له منبراً من أعواد تلك الأشجار, وكان يوماً قائظا, حتى أن الرجل منهم كان يستر قدمه عن حرارة الأرض بردائه, فلما تم ذلك صعد النبي صلى الله عليه وآله على تلك الأعواد وخطب فيهم خطبةً بليغةً استهلها بالحمد والثناء على الله جلَّ ذكره, ثم قال: أيها القوم يوشك أن أدعى فأجيب, فأي نبيٍ كنت لكم؟ فقالوا: كنت خير نبي فجزاك الله عنا خيرا, فقال: ألم أبلغكم رسالة ربي؟ قالوا: بلى يا رسول الله, قال: ألم أجاهد بين أيديكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله, قال: ألم تُكسر رباعيتي؟ قالوا: بلي يا رسول الله, ولم يزل يقول لهم: ألم أكن ألم أكن؟ وهم يقررون قوله ويصدقونه, حتى قال لهم: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا بلى يا رسول الله – وكان صلى الله عليه وآله يشير بهذا السؤال إلى ما قرره القرآن الكريم بشأنه في قوله تعالى: ]النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ[[1] – فقالوا: بلى يا رسول الله, فعندها أخذ بضبع علي بن أبي طالبٍ عليهما السلام, فرفعه إليه حتى بان بياض إبطيهما كما في الروايات, وقال: من كنت مولاه فهذا مولاه, ثم دعا له وقال: اللهم وال من ولاه, وعاد من عاداه, وانصر من نصره, واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث ما دار. وأمر بنصب خيمةٍ لعليٍ وأمر الناس بالدخول عليه والتسليم عليه بإمرة المسلمين.

هذا تلخيصٌ موجزٌ لما تضمنته الروايات الواردة والمتسالم عليها بين المسلمين في قضية يوم الغدير[2], وهذه القضية تثير أمامنا قضية الإمامة بكل أبعادها, فهل الإمامة ضروريةٌ في الدين إلى هذا الحد حتى يقف الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله هذا الموقف الصعب في ذلك المكان الذي لا يصلح للنزول والوقت الحار الذي يؤذي من ينزل فيه بغير وطاءٍ ولا غطاء؟

وهل أن بلاغ الرسول ليس واضحاً بحيث صار قابلاً للتأويل والحمل على المحامل الأخرى بعد التسليم بصحة الحادثة ووقوعها لتواتر روايتها وتكثر طرقها على الرغم من أن الخلفاء والملوك والحكام في الدور الإسلامي الأول كانوا يحاربون روايتها ويعاقبون من يذكرها, بل إلى اليوم تحاول كل السلطات في البلاد الإسلامية طمسها والتعتيم عليها ولذلك تجد كل وسائل إعلامهم لا تتطرق إلى هذه الحادثة الخطيرة الغريبة الفريدة في بابها من قريبٍ ولا بعيد, بل لا يرغبون ذكرها, ولقد ألَّف أحد العلماء كتاباً باسم الغدير جمع فيه كل ما قيل حول الواقعة من أقوال العلماء والأدباء والمحدثين والمتكلمين, ولكن هذا الكتاب لا يزال محظوراً دخوله في كثيرٍ من دول المسلمين, مع أن كل هذا المنع كما ذكرنا لم يوقف انتشار هذه الرواية وهذه الواقعة, فطرق الرواية متضافرةٌ متواترة, ولكن لو سلم لك بصدورها لوجدت من يسلم لك بذلك يجد نفسه على تأويل معناها وصرف عن ظاهر اللفظ, فحتى الذين يعيبون على الشيعة بالتأويل يوغلون فيه في هذه القضية أشد من الباطنية حين يتكلمون في شؤون التفسير.

والحقيقة إن كلام الرسول صلى الله عليه وآله في هذا المقام واضحٌ جدا, خاصةً وقد حفَّه بالقرائن المقامية والمقالية الكثيرة, فهذا التوقف المفاجئ في هذا المكان غير الصالح للنزول, واستدعاء من تقدم من الحجاج بالرجوع وانتظار المتأخرين حتى يصلوا يكشف بذاته عن خطورة الأمر الذي يريد الرسول صلى الله عليه وآله إبلاغه لأمته قبل أن تتفرق بهم الطرق إلى مختلف جهات الجزيرة العربية وصحاراها. لقد أراد أن يشهد أكبر عدد من الناس شيئاً ما, حتى يذيعوه في بلدانهم عندما يصلون, قبل أن يتمكن من يعارض مصلحتهم التعتيم عليه وإخفائه, فلابد أن يكون هذا الشيء مما يمس جوهر الدين وطبيعة الرسالة, وأن الأمر السماوي بتبليغه كان مستعجلا, فماذا يكون هذا الشيء غير تعيين من سيخلفه في السلطات الدينية والدنيوية التي كان يقوم بها بأمر الله؟ ثم ما معنى سؤاله صلى الله عليه وآله لهم (ألست أولى بكم من أنفسكم؟) تذكيراً لهم بالآية المباركة ثم يعقب هذا السؤال بقوله: من كنت مولاه فهذا علي مولاه, أي بهذا النوع من الولاية التي يكون صاحبها أولى من الإنسان بنفسه, فلا يحق له أن يتقدم عليه في أمرٍ من الأمور ولا أن يعارضه في أمرٍ من الأمور.

هذا هو المحصل المعقول من كلام الرسول صلى الله عليه وآله, وهذا بدوره يُظهر خطورة منصب الإمامة والخلافة في هذا الدين, لأن ترك الأمر للناس يختارون من يشاؤون لمقام الخلافة والإمامة سوف يفضي بالإسلام إلى التفكك والخلاف في النظرة السياسة والانقسام في القيادة, الذي يؤدي على المدى البعيد إلى ضعف الإسلام وتحريف أحكامه, وتشويه مفهوماته, وملئها بمعانٍ لم تكن مرادةً من المشرع جلَّ ذكره, لأن اختيار الأصلح أو الصالح قد فشل فيه حتى الأنبياء وهم المعصومون لعدم تمكين الله لهم الإطلاع على ما هو في صدور الناس ونفوسهم, وماذا سيتقلبون فيه في مستقبل الأزمان, بل الإنسان ذاته ليس له طريقٌ لمعرفة مستقبله الفكري والنفسي, ولقد ضرب الله مثلاً في القرآن بقضية موسى عليه السلام حين اختار لميقات ربه أربعين رجلاً, فلا شك أنه اختارهم لأنهم بحسب الظاهر كانوا أفضل بني إسرائيل من حيث الإيمان والتقوى على الأقل, إن لم نقل أنهم بحسب الظاهر كانوا خير بني إسرائيل, ولكن ما الذي تكشف عن هؤلاء الناس, لقد كفروا بالله سبحانه وتعالى حينما وصلوا موضع المناجاة, فقالوا لموسى عليه السلام: ]أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً[[3], فطلب موسى لقومه ما سألوه, فاهتز الجبل وأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعا, وخشي موسى أن يرجع لقومه بدونهم فيتهمونه بقتلهم, ]رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ[[4], فأحياهم الله لأجله, ورجعوا إلى قومهم بعار الارتداد.

هذا اختيارٌ لنبيٍ من أولي العزم المعصومين, فكيف باختيار سائر الناس, فإذاً نظراً لخطورة مقام الإمامة والخلافة في الدين لابد أن يُعيَّن الإمام أو الخليفة من قبل الله سبحانه, فهو وحده الذي يعلم نهاية كل مخلوقٍ وتقلباته في سائر مراحل الحياة, فكما لا يصلح أن يختار الناس النبي أو الرسول كذلك لا يصلح أن يختاروا الخليفة غير المنبأ, أي الإمام, لأن العصمة معنى خفي لا يعلم به إلا الله سبحانه, ]أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا[[5], اعترضوا على أن يكون الرسول بشراً يختاره الله من بينهم, فماذا قال الله لهم؟ ]اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ[[6].

ونحن نشاهد الذين يخالفون الشيعة في هذه المسألة يتناقضون في مواقفهم, فهم من جهةٍ ينكرون عصمة الأنبياء والرسل ويصدقون عليهم ما ورد من قصصٍ لفَّقَها الإسرائيليون عليهم, إذا رأوا أن الذين يعتبرونهم خلفاء قد ارتكبوا كثيراً من المخالفات الشرعية, وتناقضوا في المواقف والأحكام والفتاوى, وقالوا عليهم بالاجتهاد في الدين إعذاراً لهم.

ومن جهةٍ أخرى يُفسِّقون إن لم يُكفِّروا من نسب إلى بعض الخلفاء أو الصحابة ما رواه التاريخ عليه من مواقف مخالفةٍ للنص الشرعي, أو من جهلٍ بالحكم الشرعي بسبب ما يحسونه في أنفسهم من خطر الخلافة وعظمة مقام الإمامة.

فالإمامة والخلافة هي الدرع الواقي للدين من التحريف وللمسلمين من التفرق والضياع, بل إن الأنبياء ليسوا في حقيقة منصبهم الإلهي إلا خلفاء وأئمة, ]يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ[[7], ]وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ[[8], بل إن أصل خلق الإنسان هو من أجل الخلافة والإمامة, ]وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ[[9]؛ فالملائكة الكرام علموا أن الله سبحانه سيخلق خلقاً غير معصومين يسكنهم الأرض, ولذلك احتاجوا إلى خليفة, فقالوا عنهم إنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء, ولو كانوا معصومين ما احتاجوا إلى خليفة يدبر شؤونهم.

الخلاصة أن النبوة والرسالة والإمامة والخلافة كلها من عند الله سبحانه, ولذلك اهتم الرسول بتعيين الخليفة الأول من بعده في محفلٍ حاشدٍ من جميع بلدان المسلمين ليكون ذلك شائعاً متواترا.

جعلنا الله وإياكم ممن هُدي إلى طريق الصواب, ووُفِّق لاتباع منهج الصدق والرشاد, وجعلنا جميعاً من العاملين على الإصلاح, النابذين للإفساد, إنه هو الهادي لمن آمن وأناب.

إن خير خطابٍ كلام رب الأرباب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[10].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والتواب الحليم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الواحد الأحد, الفرد الصمد, الذي لا من شيءٍ كان, ولا من شيءٍ كوَّن الأكوان, ليس بذي مقدارٍ يُكال, ولا بذي حدٍ تُضرب فيه الأمثال, قصرت عن نعوته تصاريف الصفات, وكلت دون صفاته تعابير اللغات.

نحمده سبحانه على تضاعف نعمائه, ونشكره تعالى على ترادف عطائه, ونعوذ به جلَّ اسمه من الوقوف في صفوف أعدائه, ونسأله العفو والمغفرة عن الذنوب يوم لقائه.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له في الأرض ولا في السماوات, الذي جلَّ عن الحلول في الأجسام والأبدان, وتقدَّس بعظمته عن الحاجة إلى الأمكنة والأزمان.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله, عبده المصطفى من العالمين, ورسوله المفضل على جميع الأنبياء والمرسلين, بعثه لهداية الجِنة والناس أجمعين, وأنزل عليه الكتاب المبين.

ونشهد أن وصيه وخليفته عليٌ أمير المؤمنين, الذي هاجر الهجرتين, وصلى إلى القبلتين, وبايع البيعتين, ووُلد على الفطرة ولم يُشرك بالله طرفة عين.

صلى الله عليهما وعلى من يليهما من الأئمة المعصومين, والخلفاء المهديين, المنتجبين لقيادة الأمة من رب العالمين, والمنصوبين في مقام الخلافة بنص سيد المرسلين, صلاةً دائمةً على مر الأيام والسنين, حتى يقوم الناس لرب العالمين.

اعلموا أيها الإخوان الأصفياء, والمؤمنون النجباء, أنه لا مفر من الله إلا إليه, ولا نجاة إلا بإطاعة أوامره وتجنب معاصيه, وأنه سبحانه قد أقام الحجة, وأظهر المحجة, فبعث للناس الرسل والأنبياء, وأعقبهم بالأئمة والأوصياء, فبينوا لهم ما هو مطلوبٌ منهم, وشرحوا لهم ما أنزل لهم بارئهم, وكان آخر من بعثه الله سبحانه إلى الناس أبيضهم وأحمرهم, وعربيهم وأعجميهم, هو نبينا محمدٌ صلى الله عليه وآله حيث بعثه لكافة الخلق من الإنس والجان, وجعله رحمةً لكل بني الإنسان, وأنزل عليه القرآن, منه آياتٌ محكمات, وأخر متشابهات, وجعله حاوياً لكل ما يحتاجه الناس على مرور الأزمان, وافياً بما يقوم بهدايتهم وإنقاذهم من حبائل الشيطان, وأوحى إلى رسوله سبحانه بقية الأحكام, تفصيلاً وشرحاً لما في كتابه المجيد, وتأسيساً للأحكام المرشدة للعبيد, وتعبَّد من دخل في الإسلام بالعمل بكتابه, والانتهاء إلى بيان رسوله صلى الله عليه وآله, ولم يأذن بأخذ الدين من غير هذين المصدرين, فقال سبحانه وتعالى في مقام بيان حجية سنة نبيه صلى الله عليه وآله: ]وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[[11], ولقد علمنا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال للمسلمين في حياته: “إني مخلفٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنكم لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما أبدا, وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض, فلا تتقدموهما فتزهقوا, ولا تتأخروا عنهما فتمرقوا, ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم”.

فحافظوا رحمكم الله على التمسك بهذين الأصلين, ولا ترجعوا في شؤون دينكم لمن تنكب طريقهم, أو حاد عنهم إلى غيرهم, أو استغني بعقله وهواه عنهم ولو في مسألةٍ واحدة, واتقوا الله حق تقاته, فإنكم غداً من المسؤولين, وأمام بارئكم من الموقوفين, فاستعدوا له بالجواب المنجي من المؤاخذة والعذاب, حتى تُحشروا مع الأطياب, ويفتح لكم الله لرضوانه الأبواب.

ألا وإنكم في يومٍ ليس كسائر الأيام, وموسمٍ حريٍ بالتبجيل والاحترام, فتوسلوا فيه لرب الجنة والأنام, أن يعفيكم من عواقب ما فعلتم من الآثام, ويحط عنكم تلك الذنوب العظام, ولتكن وسيلتكم إليه هي الإكثار من الصلاة والسلام على محمدٍ وآله الأعلام.

اللهم صلِّ على من أنار بطلعته الوجود, وأخرس ببلاغته شقاشق ذوي الجحود, المؤيَّد بالمعجز القرآني, والمكرَّم بتنزيل الفرقان والسبع المثاني, الدائم برهانه إلى الأبد, أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على الوصي الرباني, والنور الشعشاني, والولي السبحاني, عصمة المستجير, المؤثر بقرص الشعير, كنز المفاخر والمناقب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على السيدة البتول, المعصومة فيما تفعل وتقول, شريفة الجدين, المخصوصة بكرامة الحسنيين, فاطمة الزهراء أم الحسنين.

اللهم صلِّ على السيدين السندين, ومَن هما للرسول قرة عين, وللوصي والزهراء ثمرة المهجتين, الإمامين بغير مَيْن, أبي محمدٍ الحسن وأخيه الذي قال فيه الرسول: “حسين مني وأنا من حسين”[12].

اللهم صلِّ على قيِّم الكتاب, وصاحب المحراب, سيد الساجدين, ونبراس المتألهين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّ على الطود الأشم, والبحر الخضم, حلال عويصات المشاكل, ومن ليس له في عصره مشاكل, ذي الأخلاق العالية والمفاخر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على مروج المذهب بعدما اضمحل وذهب, ومنقذ الشيعة من غياهب العطب, فاتح المغالق, وموضح الحقائق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على الركن المعتمد, والشفيع يوم يفر الوالد من الولد, الإمام المضطهد, والحجة على كل العوالم, المستشهد على يد شر ظالم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على ينبوع العلم الدفاق, وطود الحلم بالاتفاق, الكاشف دغل ذوي النفاق, العالم بأسرار القضاء, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على من طبَّقت فضائله السبع الشداد, وسارت بمكارمه الركبان في كل واد, وأرغمت على الإذعان بفضله معاطس ذوي العناد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على ملاذي الوارد إذا عزت الموارد, ومعتمدي القاصد إذا أعوزت المقاصد, عمادي الورى إذا ادلهم الخطب وعرى, السيدين المطهرين من الرجس والرَيْن, الإمامين بالنص أبي الحسن علي الهادي وابنه أبي محمدٍ الحسن العسكريين.

اللهم صلِّ على القائم بالسيف والسنان, والماحق للجور والطغيان, قاطع الأقران, وساطع البرهان, الإمام بالنص الواضح البيان, مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والأوان.

نوَّر الله الأرض بأشعة نوره, وأظهر في عالم العيان أنوار بدوره, وكشف بطلعته الباطل وديجوره, إنه خير مسؤولٍ وأجود مأمول.

إن أبلغ ما خُتم به الخطاب, واستحوذ إعجازه على العقول والألباب, كلام الله المستطاب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[13]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه هو الغفور الرحيم.


[1]  سورة الأحزاب: من الآية6

[2]  الكافي – ج1 – ص420 – الشيخ الكليني

[3]  سورة النساء: من الآية153

[4]  سورة الأعراف: من الآية155

[5]  التغابن: من الآية6

[6]  سورة الأنعام: من الآية124

[7]  صّ: من الآية26

[8]  سورة البقرة: 124

[9]  سورة البقرة: 30

[10]  سورة العصر

[11]  سورة الحشر: من الآية7

[12]  بحار الأنوار – ج43 – ص271 – العلامة المجلسي

[13]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *