بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين .
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته .
آبائي وإخواني نقدم شكرنا لكم جميعاً على مشاركتكم ، ولكن قبل إنهائه لي كلمة قصيرة في حق الوالد العزيز رحمه الله ، الذي رحل عنا بعد أن أدى واجبه تجاه ربه وتجاهنا ، فقد أدى ما عليه تجاهنا وبقي ما علينا تجاهه ، فقد كان لنا نعم الوالد ونعم المعلم ونعم المربي ، قد أفنى عمره في طاعة الله والدعوة إلى دينه ، وترسيخ العقائد والأخلاق الكريمة ، ونشر الفكر الإسلامي الأصيل بما يمليه عليه ضميره من وجوب الدعوة إلى الدين وإحقاق الحق والتعاون وتوحيد الكلمة لإعلاء كلمة الله ، وجاهد في النصح للناس بكل ما أوتي من قوة ، لم يداهن أحداً على سبيل الدين ، ولم يداهن أحداً على حساب الحق ، كان صلباً في ذات الله ، صلباً في إعلاء كلمة الله ، صلباً في قول كلمة الحق الصريحة ، فكان مع الله وإن حورب ، وكان مع الله وإن قوطع ، وكان مع الله وإن كُذبَ أو افتريَ عليه من قبل المبطلين وأصحاب الأهواء والأنفس المريضة ، كان مع الله وإن حاربته الأحزاب الفاسدة والأحزاب الكافرة والأحزاب المنحرفة مجتمعةً ، فالكلمة الصادقة والكلمة المثمرة والكلمة التي يرضاها الله ورسوله وما يدعو إليه كتاب الله وسنة نبيه والأئمة الطاهرون هي كلمته، لم يؤثر هوىً أو دنياً أو خوفاً أو طمعاً على دينه وعقيدته ووطنه وأهله ، كلمةً أقولها صدقاً في حقه مختصرة ، أقولها بعد أن عشت معه ملازماً له نصف عمره ، أعرف الصغيرة والكبيرة عنه ، ولقد علمني وأدبني ودعاني لأكون كما كان عليه وما انطوى عليه قلبه من التمسك بالدين وحب الخير والصلاح وخدمة الدين والمؤمنين ، وأن أرى الله معي في كل حركة وسكون بل في كل نفس ، وهذا ما رأيته يدعو له إخوانه وأبنائه المؤمنين ، كلمته الباطنة هي كلمته الظاهرة ، لقد جهله أكثر الناس ، وجُهل عليه من أكثر الناس وظلموه ، حتى من انداده وزملائه و الذين شاركهم في الدعوة إلى الدين ما عدا النفر اليسير منهم ، وخاصة من اصطنع المعروف فيهم ، فهنيئاً له ، هنيئاً له ، لقد صبر ونال ثواب المؤمنين الصابرين وثواب المظلومين في حياتهم ومماتهم ، كما سبق ذلك لأئمته عليهم السلام ، ألم يكن أمير المؤمنين عليه السلام يسب على المنابر عشرات السنين، وهو أمير المؤمنين وخليفة المسلمين ، فسيبقى ينهل من حسناتهم جميعاً ، سواءً من شارك في جعلها في أنفس الناس حسنة وسنة ، أو ممن رضي أو سكت عن ذلك وهو قادر على إبانة الحق، هم الذين جعلوا سبه وغيبته وبهتانه وقذفه سنة حسنة في حقه على المنابر وفاكهة المجالس لسنوات عدة حتى أخرج من الدين بمناشير وزعت ولم يستنكرها أحد ، والآن وإن خفت هذه الحرب وكادت تزول وستزول بإذن الله ، إلا أن النفوس لا زالت مشبعة من الحقد والكراهية والظلم له ، فهل أن ذلك ما يستحقه من العلماء ومن الناس ومن المجتمع جزاء لتكريس جهده وعلمه ومعروفه لهم ، وما تحمله من عناء في سبيل خدمة الدين وخدمتهم ؟
كل ذلك يتحمله علماء الدين في البحرين أولاً ، ممن تكلم عليه أو لم يتكلم ، ممن سكت مشاركاً أو راضياً أو خائفاً ولا أظن أن هناك خائفاً في الوقت الراهن من إظهار الحقائق ، فقد زال زمن الخوف فأين كلمتهم ، وأين دعوتهم للمعروف في حق رجل خدم الجميع بإخلاص ، ولا يمكن لأحد أن ينسى أو يتناسى معروفه على أهل البحرين جميعاً والذي طالما رأيناه تناسى حقه وكرامته من أجلهم .
كلمات حق لك يا والدي تغص في حلقي وأختنق بها ، ولابد لي من إطلاق بعضها ، وأعاهد الله وأعاهدك يا أبي على أن نسير على دربك ونهجك من الدعوة إلى الدين والتمسك به وإعلاء كلمته ومحاربة أعدائه مهما كانت الظروف ومها كانت الصعاب ومهما لاقينا من محن في سبيل ذلك ، ولنا في الأنبياء والأئمة والدعاة إلى الدين أسوة، فهو طريق ذات الشوكة ، فرحمك الله ، وغفر لك ، وحشرك مع النبي وأهل بيته، وألحقنا بكم ، أنتم السابقون ونحن اللاحقون .
آبائي وإخواني الحضور ، باسمي وباسم العائلة وباسم كل من يشاركنا في مصيبتنا بفقد الوالد العزيز ، أشكر كل من شاركنا في حضور هذا الحفل التأبيني والإعداد له ، أشكر العلماء الإجلاء الذين شرفونا بمشاركتهم وحضورهم لا سيما الذين تكبدوا عناء السفر من خارج البحرين ، فضيلة العالم الجليل الشيخ عيسى الخاقاني والعالم الجليل الشيخ عبد الأمير نجل الشيخ عبد الكريم شمس الدين ، كما أشكر السادة الوزراء والوكلاء والمحافظين و السادة أعضاء مجلسي الشورى والنواب ، وأشكر جميع الوجهاء ورؤساء ومدراء المؤسسات في البحرين ، وأشكر جميع الأخوة المؤمنين الذين حضروا من البحرين وخارجها ، ونسأل الله أن يحفظ الجميع وأهلهم وذويهم وكل من يعز عليهم وأن يطيل أعمارهم ولا يريهم فيهم مكروه ، ونسأل الله أن يرحم فقيدنا الوالد العزيز و يغفر له ويدخله فسيح جناته وأن يحشره مع النبي وآله الميامين.
وأوجه شكراً خاصاً لأهل هذه المنطقة أهل جدحفص الذين وقفوا معنا وقفة نعجز عن شكرها ، سواء مع الوالد في حياته ومعنا في محنتنا بفقده بعد وفاته .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
سماحة الشيخ محمد طاهر المدني
