الغزو والاستعمار الثقافي

الثلاثاء 1 شوال 1416هـ المصادف 20 شباط 1996م

(الغزو والاستعمار الثقافي)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ & هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ & وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ[[1], ]لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ & وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ[[2].

نحمده سبحانه على قديم مَنِّه وعظيم إحسانه, ونشكره تعالى على جميل كرمه وامتنانه, ونستهديه للعمل بأحكامه والالتزام ببيانه, ونسترشده للسير على نجد رضاه وانتهاج قرآنه, ونستكفيه شر كل باغٍ قد ألقى مقوده بكفِّ شيطانه, فزيَّن له أن يتخذ إلهه هواه وعرَّاه من حقيقة إيمانه, ]أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ & وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ[[3], ونلجأ إلى حمايته جلَّ شأنه من كيد العدو ونفث أضغانه, وسهام دعايته ونصال لسانه, ونعلم أنه لا مفر مما قدَّره ربنا وقضاه في أم كتابه وديوانه, ]مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ[[4].

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, عزيزٌ في جبروته, عظيمٌ في ملكوته, أحديُّ الذات مع تعدد أسمائه ونعوته, عجزت البصائر عن إدراك كينونته, وخسئت العقول عن معرفة حقيقته, ]وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ[[5].

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله, عبده المجاهد في سبيله سراً وجهرا, ورسوله الداعي إليه براً وبحرا, ونبيه الناصح لعباده عذراً ونُذْرا, ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[[6].

صلى الله عليه وآله الميامين, الأئمة المعصومين, الهادين المهديين, سيما والدهم وسيدهم أمير المؤمنين, الذي لولاه لما استقام أوَد الدين, ولا ارتفعت أعلام الموحِّدين, ولذلك جُعلت له الولاية على كافة المسلمين بأمر رب العالمين, ونزل فيه في الذكر المُبين, ]إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ[[7].

أيها المؤمنون الأبرار, والأتقياء الأخيار, وفَّقني الله وإياكم لاتباع هدايته, وجعلنا جميعاً ممن التزم بأحكامه وشريعته, وأخلص له في علنه وسريرته, وأسلس قياده لنبيه وأئمته, أوصيكم ونفسي قبلكم بالتدثر بلباس الخوف من الله ومؤاخذته, والتدرع بمدارع الاتقاء من عقوبته ونقمته, والعمل على نيل جواز الدخول إلى دار رضاه وكرامته, والتنعم هناك بما أعدَّه للطائعين في جنته, فجاهدوا أنفسكم على الصبر على طاعته, والمداومة على عبادته, ووطِّنوها على الكف عن معصيته, وكافحوا فيها إغراءات الشيطان ووسوسته, وتلبيسه لها القبائح بالحَسَن بحيلته, ولا تنساقوا مع الأهواء فتضلوا عن طريقته, ]أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ[[8].

عباد الله, اقتلعوا حب الدنيا من قلوبكم, ولا ترنوا لزينتها بأعينكم, وطهِّروا من الرغبة في العلوِّ فيها أنفسكم, ولا تشغلوا بالتفكير في نيل مناصبها عقولكم, تفوزون بالمجد عند ربكم, وتحظون برفيع المقام مع الخالدين, ]تِلْكَ الدَّارُ الأخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[[9].

عباد الله, ألا وإن الله سبحانه قد أقام الحجة عليكم, فبعث لكم الأنبياء والمرسلين, وجعل لكم الأئمة والمرشدين, وأنزل عليكم الكتاب نوراً للمستبصرين, ودليلاً للحائرين, ومرشداً للمدلجين, وختم النبوة بمحمدٍ صلى الله عليه وآله سيد المرسلين, الذي لم يألُ جهداً في النصيحة لكم, ولم يُقصِّر في إرشادكم وبيان أحكام الله لكم, فما بقي بعد تبليغه صلى الله عليه وآله عذرٌ لمعتذر, ولا حجةٌ لمحتجٍ أنه لم تبلغه أحكام الله سبحانه, فلا تتَّبعوا غير سبيله فتفترق بكم السُبُل عن منهجه, وتأخذكم الطرق إلى غير غايته, فقد أسفر الصبح لذي عينين, وما بعد الهدى إلا الضلال, ]اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ & أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ[[10].

عباد الله, ألا وإن كل علمٍ ليس من كتاب الله فهو زُخْرف, وكل حقٍ ليس في كتاب الله فهو باطل, وكل حكمٍ ليس من كتاب الله فهو جور, وكل رأيٍ خالف كتاب الله فهو هوى, وكل دعوةٍ ليست للتمسك بهدْي الله فهي ضلال. ]قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[[11].

عباد الله, تمسَّكوا بآثار الصالحين, اقتدوا بهدْي المعصومين, التزموا بشريعة سيد المرسلين, تذكروا أنكم للدنيا من المفارقين, ولنعيمها من التاركين, فاجتهدوا أن لا تكونوا في الآخرة من المغبونين, ]يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ[[12].

جعلنا الله وإياكم ممن بُصِّر فتبصَّر, وذُكِّر فتذكر, ونظر في أحوال الدنيا وأهلها فاعتبر بما فيها من العبر, ووفقنا جميعاً لاقتفاء آثار المرسلين, والالتزام بأحكام الكتاب المبين, والعمل بسنة سيد المرسلين, ]إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ & نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الأخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ & نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ & وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[[13].

إن أبلغ ما تُلي على الأعواد, خاصةً في الجمعات والأعياد, كلام رب العباد, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[14].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو غفورٌ رحيمٌ وتوابٌ حليم.

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي جلَّ حريم مجده أن تصل إليه دقائق الخواطر وثواقب الأفكار, وعزَّ كبرياؤه أن تُدركه لوامع البصائر ونوافذ الأبصار, ]لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[[15], وكفى به لطيفاً خبيرا, ليس بذي تركُّبٍ فيُتوصل إليه بحدٍ أو قياس, ولا بذي كيفيةٍ فتكتنهه العقول وتحسه الحواس, ولا بذي أَيْنٍ فـَتـَحْوِيه الأمكنة بالظرفية واللباس, ولا بذي كمٍ فيُقدَّر بمقدارٍ أو يُقاس بمقياس, سبحانه وتعالى عما يقول المشبِّهون المبطلون علواً كبيرا.

نحمده على ما أسدى إلينا من سوانح رحمته وعنايته, وأفاض علينا من رواشح ألطافه وهدايته, وكفَّ عنا أكف السوء بكفايته وحمايته, وأنجانا من شر إبليس ووسوسته, ووفقنا إلى ما ندبنا إليه من وظائف عبادته وطاعته, ]وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً[[16].

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, شهادةً تُرغم معاطس ذوي الكفر والإلحاد, وتنقض ما لفـَّقه ذوو الجحود والعناد, من الشُبَه المتنكبة عن جادة السداد, والتخيلات الخارجة عن منهج الرشاد, ]الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً[[17].

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المنتجب, ورسوله المنتخب, أشرف من زكى نجاراً وحسب, وأفضل من انتمى افتخاراً ونسب, بعثه بالنذارة لكافة العجم والعرب, وجعل دينه الحنيفية السمحاء أوضح دينٍ ومذهب, فـ]تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً[[18].

صلى الله عليه وعلى آله القائمين بأعباء تلك الدعوة المطهَّرة, الناهضين بأثقال تلك الملة المنورة, الحافظين لشرع الله من تحريف الفسقة الفجرة, وتأويل المردة الكفرة, الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

عباد الله, هذا يومٌ على الله كريم, قد حفَّه بالتشريف والتعظيم, وحباه بالتبجيل والتكريم, يومٌ جعله الله لمحمدٍ صلى الله عليه وآله ذخراً وشرفاً وكرامةً ومزيدا, يومٌ جعله الله لأمة الإسلام عيدا, يومٌ يوزِّع فيه الله جوائزه على الصائمين, يومٌ يتقبَّل الله فيه من المحسنين, يومٌ ينبغي أن تعم فيه الفرحة كل قطرٍ من أقطار المسلمين, يومٌ ينبغي أن تغمر فيه البهجة كل قلبٍ من قلوب المؤمنين, ولكن وأسفاه, لقد تبدَّلت أفراح المسلمين بالأتراح, الوجوه أينما تسير مكفهرَّة, القلوب أينما تتوجه حزينة, الأفكار مشغولة, الصفوف مشتتة, سِرْ حَيْثُ شِئـْتَ في بلاد المسلمين شرقها وغربها, هل تجد فيها غير التباغض والتحارب؟ هل تجد فيها غير القهر والكمد؟ بعضها محتلٌ فعلاً من الأعداء, وبعضها يعيث الأعداء بمقدراته, فيُثيرون الأخ ضدَّ أخيه, والابن ضدَّ أبيه, يشغلون الحاكم بالمحكوم, ويُثيرون الحرب بين هذا القطر وهذا القطر.

يقال أن الاستعمار قد خرج من بلاد المسلمين, ولكنك لو تأمَّلت لوجدته في الحقيقة لم يخرج, إنه لا يزال رابضاً في ربوعها, قابضاً على مقاليدها, متصرِّفاً كيف شاء في مصائرها, يدفع هذا البلد لحرب ذلك البلد, ويُثير الفتن في كل قطرٍ بل في كل بيت, كيف نقول إن الاستعمار خرج من بلاد المسلمين وهذه نظمه يُعمل بها, وقوانينه يُتعامل على وفقها, كيف نقول إن الاستعمار قد رحل عن بلاد المسلمين, ونحن لا نفكر إلا من خلال فلسفاته ومصطلحاته وأطروحاته, كيف نقول إن الاستعمار انقضى زمنه ونحن لا نتصور عدالةً إلا عن طريق تطبيق نظرياته, أجهزة الحكم في كل بلاد المسلمين كلها وضعيةٌ علمانية, والذين يعارضونها أيضاً يعارضونها بنظرياتٍ وضعيةٍ علمانية, فهل بعد هذا نقول إن الاستعمار قد رحل عن بلاد المسلمين؟

كيف نقول إن الاستعمار خرج من بلاد المسلمين وهو لا يزال يُعشعش في أذهانهم, ويُسيطر على عقولهم, ويصبغ بمعطياته ثقافتهم, بل يوجِّه أفكارهم وتعقلاتهم, أكثر من ذلك يحاول كثيرٌ من المنتسبين للإسلام, المحسوبين عليه, المنادين باسمه, أن يُحمِّلوا القرآن تأييد ما يهوون من أنظمته ونظرياته, فهذا يقول بأن أصول الاشتراكية الشعبية مأخوذةٌ من القرآن, وذلك يجعل الرأسمالية هي حقيقة الإسلام, وثالثٌ ينادي بالديموقراطية الغربية مدعياً أنها النظام الذي كان يمثله القرآن, ومع ذلك نقول إن الاستعمار خرج من بلاد المسلمين.

إن الشيوعية والاشتراكية الشعبية والدمقراطية الرأسمالية أيها المسلمون كلها تنبع من معينٍ واحدة, وتعتمد مفهوماً واحدا, ذلك هو المادية والعلمانية, جوهر هذه النظريات واحد, هو الحياة المادية, وإبعاد الدين عن أن يكون مرجع الحكم بين البشر, محتوى كل هذه النظريات كما يُصرِّح أصحابها ومن دون مواربةٍ هو تحرير الإنسان من سلطة الغيب, بينما حقيقة إسلامنا, حقيقة ديننا تقوم على الإيمان بسلطة الغيب, على أن هذا القرآن أنزله الله ليحكم بين الناس فيما هم فيه يختلفون, سواءً وافق رأي الغالبية أو خالفة, اتفق مع ما يصبوا إليه الحاكم أم باينه, أيَّد مطلب الناخبين أم عارضه, كيف ندَّعي أن الاستعمار قد خرج من بلداننا ونحن لا نزال نخجل أن نقول للناس إن ديننا يأبى كل هذه النظم؟ كيف نقول إننا تحررنا من ربقة الاستعمار ونحن لا نتحرك ولا نُفكر إلا من خلال نظرياته وأطروحاته؟

أيها المسلمون أينما كنتم في أرض الله, طهِّروا أفكاركم من فلسفات المستعمر, اقلعوا جذور ثقافته من قلوبكم, انبذوا نظرياته من علمكم, إنها وُجدت في بيئةٍ لا تتفق وحضارتكم, إنها نتجت عن تفاعلٍ يختلف وطبائعكم, إنها عُملت لتحقيق طموحاتٍ ليست هي آمالكم ولا تطلعاتكم,  ارجعوا إلى دينكم, وحِّدوا صفوفكم على هدْي ربكم, حلوا خلافاتكم على العرض على قرآنكم, التزموا بتطبيق شريعتكم, وبدون ذلك لن تتمكنوا من الخلاص من هيمنة عدوكم, لن تنعموا بالراحة في حياتكم, لن تسود العدالة بين ربوعكم, لن يحل الأمن والسلام في دياركم, ]أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ[[19].

ألا وإن من أهم ما يُتوصل به إلى تحقيق المقاصد, وتُستدفع به الشرور والمفاسد, هو الصلاة والسلام على محمدٍ وآله الأماجد.

اللهم صلِّ على الجوهر القدسي المتجرِّد عن دار الغرور, والنور المحمدي المشرق في طخياء الديجور, من لا يعلم حقيقة ذاته وجوهر صفاته إلاك, ولا يُحيط بقدر إيالته ورفعة منزلته سواك, المخاطب من جلالك بلولاك لما خلقت الأفلاك[20], النبي العربي المؤيَّد, والرسول الهاشمي المسدَّد, أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على نفسه القدسية بنص الآية القرآنية, الذي قصرت العقول عن إدراك مناقبه الإلهية, وحارت الأفكار في حقيقة ذاته الإنسية, حتى ادعت له مقام الربوبية, حجة الله في المشارق والمغارب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على جوهر عقد قلادة الإمامة والنبوة, ومركز دائرة الشرف والفتوة, المجهولة قدراً وهي سيدة نساء العالمين, والمغصوبة جهراً وهي بنت سيد المرسلين, الدرة النوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على البدرين الأنورين, والقمرين الأزهرين, الكهفين المعتمدين, ثمرتي شجرتي الرسالة والكرامة, ونتيجتي مقدمتي النبوة والإمامة, القائم بالفرائض والسنن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن, وأخيه مقطوع الرأس والوتين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ على ثمال اليتامى والمساكين, ومُعلِّم العُبَّاد والناسكين, ومصباح محاريب المتهجِّدين, ومقدام كتائب العارفين, المتنسل من الخيرتين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّ على رافع رايات شريعة الإسلام, ومُحيي ما اندرس من معالم الحلال والحرام, المغضي طرفاً عن جهالات اللئام, المتوَّج بعمامة المجد والمفاخر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على قنَّاص شوارد الدقائق, وحلال عويصات الحقائق, وساقي شيعته بكأس الرحيق الرائق, النور البارق في ليل الجهل الغاسق, الإمام بالنص أبي إسماعيل جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على النور الأنور, بل القمر الأزهر, شفيع المذنبين في المحشر, والساقي لمحبيه من الكوثر, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر.

اللهم صلِّ على ناشر العلوم المحمدية, وباني المعاهد العلوية, ومُمهِّد قواعد الأحكام الشرعية, الرضيِّ الرتضى, والشفيع يوم الفصل والقضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على قائد جحافل الإرشاد, ورافع راية الهداية والسداد, ومُعبِّد طرق الحق والرشاد, مقصد الوُفَّاد لكل غايةٍ ومراد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على المتعطرة بنشر فضائله المحافل والنوادي, والمنتشرة مكارمه في الحواضر والبوادي, والراتع في خيراته كل رائحٍ وغادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.

اللهم صلِّ على مُفسِّر الآيات, وصاحب المعاجز والكرامات, والحجة على من مضى ومن هو آت, السيد السري, والليث الجري, أبي المهدي الحسن بن عليٍ العسكري.

اللهم صلِّ على ناشر ألوية العدل والإحسان, وقامع أهل البغي والطغيان, ومُنكِّس رايات ذي الجور والعدوان, شريك القرآن, وإمام الإنس والجان, باهر البرهان, الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.

عجَّل الله تعالى فرجه, وسهَّل مخرجه, وبسط على وسيع الأرض منهجه, اللهم أعزه واعزز به, وانصره وانتصر به, وانصره نصراً عزيزا, وافتح له فتحاً يسيرا, واجعل له من لدنك سلطاناً نصيرا, اللهم ووحِّد كلمتنا على القول بإمامته, واجمع صفوفنا على الإخلاص لك في ولايته, واجعلنا ممن تشمله بركات دعوته, ووفِّقنا للاستعداد لنصرته, إنك على كل شيءٍ قدير.

إن أفضل ما وُعظ به المتقون, والتزم بنهجه المهتدون, كلام من يقول للشيء كن فيكون, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[21].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفورٌ الرحيمٌ ووهَّابٌ كريم.


[1]  سورة الأنعام: 1 – 3

[2]  سورة يونس: 26 – 27

[3]  الزمر: 36 – 37

[4]  فاطر: 2

[5]  الزمر: 38

[6]  سورة التوبة: 33

[7]  سورة المائدة: 55

[8]  سورة الجاثـية: 23

[9]  سورة القصص: 83

[10]  سورة الزمر: 23 – 24

[11]  سورة يوسف: 108

[12]  سورة الأعراف: من الآية79

[13]  سورة فصلت: 30 – 33

[14]  سورة العصر

[15]  سورة الأنعام: 103

[16]  سورة الفرقان: 47

[17]  سورة الفرقان: 2

[18]  سورة الفرقان: 1

[19]  سورة المائدة: 50

[20]  في الحديث القدسي: “لولاك لما خلقت الأفلاك”شرح أصول الكافي – ج9 ص61 – مولي محمد صالح المازندراني

[21]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *