الجمعة 28 ربيع الثاني 1414هـ المصادف 15 تشرين الأول 1993م
(التقوى والعمل لليوم الآخر)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله يقيل عثرة النادمين, ويقبل التوبة من المنيبين, ويضاعف الحسنات للطائعين, ويمحو سيئات المستقيلين, ويحفظ أجر العاملين, ويتقبل من المحسنين, أعلامه لائحةٌ للقاصدين, وأبوابه مفتوحةٌ للداخلين، وموائده معدةٌ للطاعمين, ومشاربه مترعةٌ للواردين.
نحمده سبحانه على أن جعلنا من أمة سيد المرسلين, وشيعة عليٍ أمير المؤمنين, الموالين للأئمة المعصومين, المؤدين لحق الرسالة في مودة أهله مالم يكونوا عليه مخالفين, وله معاندين, ونسترشده سبحانه لاتباع آثار الهداة الصادقين, الذين وصفهم في خطابه المبين بقوله: ]وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ[[1]؛ فإنه مرشد المدلجين. ونستهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه, فإنه يهدي من يشاء الى الصراط القويم, والنهج السليم.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أحسن الخالقين, وأحكم الحاكمين, وأرحم الراحمين, وضع بحكمته شرائع الدين, وأنزل برحمته الكتاب المبين.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المبعوث لكافة الخلق بخير الدارين, أرسله بين يدي الساعه بشيراً ونذيرا, وجعله للبرايا شمساً مضيئةً وقمراً منيرا, وحمّله الدين القيم ليُظهره على الدين كله ولو أبى من كان آثما وكفورا, وجعل له على رسالته شاهداً من أهله فكان له في حياته مشيرا, وفي حكومته وزيرا, وشد به أزره فكان عنه في الملمات مدافعاً وله على الشدائد نصيرا, وخليفة له بعد وفاته وللمؤمنين أميرا.
فصلِّ اللهم عليهما وآلهما مصابيح الدجى, وكهف الورى, والعروة الوثقى, بأفضل صلواتك, وبارك عليهم بأطيب بركاتك, وحيهم بأزكى تحياتك, وعلى من شايعهم بإيمان, وتابعهم بإحسان, إنك حميد مجيد.
عباد الله أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه وتعالى, فإنها المانعة عن اقتحام الهلكات, بارتكاب الموبقات, والوسيلة لنيل الجنات بحضها على فعل الطاعات, وبادروا للاستفادة من هذه الدار, قبل تصرم الأعمار, وانتهاء وقت الاختيار فإن السفر طويل كثير الأهوال والأخطار, فاتقوا الله في هذه الأجسام النحيفة, والنفوس الضعيفة, والعقول الهلعة, والقلوب الجزعة, التي لا صبر لها على تحمل مصائب الدنيا وأوجاعها, مع اضمحلالها بجنب مقاساة عذاب الآخرة وما فيها من الأهوال, التي تشيب لها رؤوس الأطفال, وتذوب منها صم الجبال, من تسعر النار وزفيرها, ومقابلة الزبانية الذين تطيش من طلعتهم العقول والأفكار, وتتفطر من شدة بطشهم الأفئدة في الصدور, فإنهم خلقوا من غضب الجبار, فلا تظلوا نائمين على سرر الأمان, ملتحفين بالاطمئنان مغترين بدار الهوان, مع ما فيها من الظلم والعدوان, والذل والامتهان, فإن ذلك من تلبيس الشيطان, وتزيين العدوان, ونسيان ذكر الرحمن, وبادروا الى الإفاقة من هذا السكر, وانجوا بأنفسكم من الانزلاق في هاوية الخطر, واتبعوا ما يتلى عليكم من المواعظ والآيات, قبل أن تقام عليكم الحجج والبينات, وأنتم غافلون, وبما يراد بكم جاهلون, وعما يخلّصكم ساهون, فبادروا بالعمل قبل حلول الأجل, ولا تغرنكم أسباب الأمل, وكونوا من الله عز وجل على وجل.
واعلموا عباد الله أنه لا يمكن الاستعداد ليوم التناد, والنجاة في يوم المعاد, إلا بالنظر إلى ما أعده الله سبحانه للطائعين المتقين, من دائم النعيم, في دار المعزة والتكريم، والقرب من الله الكريم, والفوز بمصاحبة النبيين, والصلحاء والصديقين, ومعانقة الحور العين, حتى يحصل للنفس النافرة عن الطاعه شوقٌ لهذه المراتب العالية, والمنازل الراقية, فتوطن ذاتها على طاعة سيدها, وتقلع عن معصيتها, رجاءً لثواب خالقها.
جعلنا الله وإياكم ممن أخذ بزمام الخوف والتقوى, واستمسك بالسبب الأقوى من العروة الوثقى, وتقبل منا ومنكم الأعمال, وختم لنا ولكم بالخير الآجال, وأصلح لنا ولكم المآل. إنه الكريم المفضال.
إن أبلغ ما نطق به الخطيب المصقع الواعظ, كلام الملك الحافظ, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ & اللَّهُ الصَّمَدُ & لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ & وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد[[2].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم, إنه غفورٌ رحيم وتواب كريم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي دلّ على غناه بفقر الممكنات, وعلى قدمه بإيجاد الحادثات, وعلى قدرته بعجز المخلوقات, تسربل بالوحدانية فهو الواحد الأحد, الفرد الصمد, تردى بالجبروت والكبرياء, وقهر من دونه بالموت والفناء, واتصف بالرحمة والإحسان, والتجاوز والامتنان فمن لطفه ورحمته وضع الشرائع والأديان, وإنزال الكتب وبعث الرسل لتكميل بني الإنسان.
أحمده على عظيم النعماء, وأشكره على جزيل الآلاء, وألجأ إليه في السراء والضراء, وأستدفع به كيد الحساد والأعداء, وأستكفيه مهمات الآخرة والأولى.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, فتق العقول على معرفته وتوحيده, وفطر النفوس على إدراك وجوب وجوده, خفيت على العقول ذاته, وظهرت لذوي الألباب براهينه وآياته, وملأت أرجاء الوجود كلماته.
وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي إلى كافة الإنس والجن أرسله, وعلى من سواه من النبيين والمرسلين شرفه وفضله, وأنزل عليه الكتاب وجعله آيات مفصلة.
اللهم صلِّ عليه وآله الذين هم ولاة عهده, والأئمة من بعده, خلفاؤه على دينه, وشركاؤه في يقينه, أولئك هم صفوة الملك العلام, وزعماء الإسلام, ومفاتيح دار السلام, ]أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[[3].
اعلموا عباد الله أن الله سبحانه اختار هذا اليوم من بين سائر الأيام والشهور، وجعله عيداً لكم على مر السنين والدهور, وشرفه بهذه الفريضة الجليلة, التي أوجب لها السعي والحضور, وخصها بسورةٍ كاملةٍ في الكتاب المسطور, وشبه من لا يحضرها من أمة محمدٍ صلى الله عليه وآله مع استكمال شرائط وجوبها باليهود الذين فسقوا بترك العمل بالتوراة والزبور, وحرم في وقتها البيع وسائر الأعمال, وحث عليها النبي صلى الله عليه وآله وخلفاؤه الأطهار, فيما تواتر عنهم من الأخبار, التي تجاوزت حد الاستفاضة والاعتبار, وحتى ورد على ألسنة بعضها أن من تركها ثلاث جمع متواليات بدون عذر من الأعذار ختم على قلبه بطابع النفاق. فاستنوا في هذا اليوم الأغر بسنن نبيكم صلوات الله عليه وآله من تنظيف الجسد والإتيان بالغسل المستحب, والمبادرة إلى الحضور إلى مكان الصلاة, والإتيان هناك بما يقدر عليه المكلف من المندوبات, ومنها صلاة عشر ركعاتٍ قبل الزوال, وتلاوة القرآن والدعاء لنفسه وإخوانه, حتى يحضر الإمام, وليتجنب الجدال والكلام الفارغ, ورفع الصوت على نحوٍ يشغل غيره ممن يريد التعبد والتهجد, ففي الخبر عن سادة البشر عليهم الصلاة والسلام :”إن الناس في إتيان الجمعه ثلاثة رجال: فرجل حضر الجمعه للّغو والمراء, فذلك حظه منها, ورجل جاء والإمام يخطب فصلى فإن شاء الله أعطاه وإن شاء حرمه , ورجل حضر قبل خروج الإمام , فصلى ما قضي له ثم جلس في إنصات وسكون حتى خرج الإمام الى ان قضيت فهي كفارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام, لأن الله يقول: ]مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهاَ[[4]“[5].
فحاذروا أن تشغلكم الدنيا الدنية عن اكتساب الثواب, والتحلي بصحيح الآداب, فلا ينبغي التشاغل بالعمل أو باللّغو والكلام الفارغ, حتى يصير وقت الصلاة, وتتضيق الأماكن ثم يأتي الرجل يتخطى رقاب الناس, فعن سيد الوصيين عليه صلوات رب العالمين أنه قال : “لَأَن أجلس عن الجمعة أحب إلي من أن أقعد حتى إذا جلس الامام جئت أتخطى رقاب الناس”[6]. واعلموا أن الهدف من كل ذلك هو الاجتماع لسماع الخطبتين, وما تشتمل عليه من المواعظ الزواجر عن المعاصي, والحث على الطاعات والتحلي بفاضل الأخلاق, والتخلي عن ردئ الملكات, وما يتخلل الخطبة من ذكر لأحكام الدين في سائر الموضوعات. فإذا حضرتم, فأنصتوا في الخطبتين, ولا تلغو في الكلام, بل لا ينبغي الاشتغال حتى بالذكر والدعاء وقراءة القرآن مع مافي ذلك من فضلٍ في غير هذا الوقت من الأزمان. فعن سيد الوصيين وقائد الغر المحجلين أنه قال: “إذا كان يوم الجمعة خرج أحلاف الشياطين يزينون أسواقهم ومعهم الروايات, وتقعد الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون الناس على منازلهم حتى يخرج الإمام, فمن دنا إلى الإمام وأنصت واستمع ولم يلغ, كان له كفلان من الأجر, ومن تباعد عنه فاستمع وأنصت ولم يلغ, كان له كفل من الأجر, ومن دنا من الإمام فلغى ولم يستمع, كان عليه كفلان من الوزر, ومن قال لصاحبه: صه فقد تكلم, ومن تكلم فلا جمعة له” ثم قال عليه السلام: “هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله”[7].
فحافظوا رحمكم الله على هذه الفريضة, وألزموا أنفسكم ما جعل الله لها من الآداب والسنن, واعلموا أن من أقوى أسباب قبول العبادات, وحصول البركات الإكثار من الصلوات على محمد وآله الهداة.
اللهم صلِّ وسلم على النور المتجسِّد في الهياكل البشرية, الذي شرف بنعله بساط الربوبية, وأفيضت عليه الأنوار الإلهية في الحضرة القدسية, النبي المؤيد والحصن الرباني المشيد, أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على باب قلعة العلوم الربانية, المشافه بالمعارف الإلهية, أخي النبي المصطفى بل نفسه الزكية بنص الآية القرآنية, فخر دوحة لوي بن غالب, أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على من فطمت محبيها من سقر, وجعلت لها الشفاعة في شيعة بعلها وولدها يوم المحشر, الدرة النوراء, والمعصومة الحوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على السيد السري, والكوكب الدري, شمس سماء الإيمان, وريحانة رسول الرحمن, السبط الممتحن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلِّ على القمر المنخسف بسيوف بني أمية, والسبط الذي فرطت في حفظه الأمة الشقية, ثمرة فؤاد فاطمة الزكية, ريحانة الرسول الأمين, الإمام بالنص أبي عبدالله الحسين.
اللهم صلِّ على خير العُبَّاد, وأفضل من تكرم وجاد, سيد الساجدين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على مظهر العلوم الربانية, وناشر المعارف السبحانية, ذي الذكر الطائر بين كل بادٍ وحاضر, والصيت السائر في جميع الحواضر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على ممهد قواعد الدراية, ومحرر ضوابط الهداية, قناص شوارد الدقائق, ومفتض أبكار الحقائق, ضياء المغارب والمشارق, الإمام بالنص أبي عبدالله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على الشمس المحتجبة بغيوم التقية, والزكي المبتلى بكل رزية, بدر سماء المكارم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على بضعة النبي المصطفى, وسليل المرتضى, المرتجى للشفاعة في يوم الجزا, الإمام بالنص أبي الحسن علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على خلف الأمجاد, وسليل الأجواد, معتمد المؤمنين في الإصدار والإيراد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على ضياء النادي, وملجأ المستغيث يوم ينادي المنادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على صاحب الفضل والكمال, والمتردي برداء المجد والجلال, السيد السري,والإمام العبقري, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ على المرتجى لنصر الملة المحمدية, المؤمل لكشف البلية, الآخذ بثأر العترة النبوية, مقيم البرهان, والحجة على جميع أهل الأديان, شريك القرآن, الإمام بالنص أبي القاسم المنتظر صاحب العصر والزمان.
عجل الله أيام دولته, ومتعنا بالنظر إلى طلعته, وكرمنا بنصرته, وشرفنا بخدمته, إنه سميع مجيب.
إن أحسن خطابٍ وأبلغ كلام, كلام الله ذي الجلال والإكرام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[8].
وأستغفر الله لي ولكم, إنه غفورٌ رحيم, وتوابٌ حليم.
[1] سورة الأنبياء: من الآية73
[2] سورة الإخلاص
[3] سورة البقرة: 157
[4] سورة الأنعام: 160
[5] بحار الأنوار – ج86 – ص256
[6] بحار الأنوار – ج86 – ص256 – العلامة المجلسي
[7] الحدائق – ج10 – ص195 – المحقق البحراني
[8] سورة النحل: 90
