الجمعة 25 ذو الحجة 1414هـ المصادف 3 حزيران 1994م
(فضل صلاة الجمعة وآثارها)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله مقيل العثرات, قابل التوبات, مضاعف الحسنات, ماحي السيئات, يرفع درجات العاملين, ويتقبَّل من المحسنين, أعلامه لائحةٌ للقاصدين, وأبوابه مفتَّحةٌ للداخلين, وموائده معدَّةٌ للطاعمين.
نحمده على أن جعلنا من أمة سيد المرسلين, ووفقنا لمشايعة عليٍ أمير المؤمنين, وموالاة الأئمة المعصومين, وتأدية حق الرسالة في مودة أهله كما نصَّ في كتابه المبين, ونستهديه لاتباع آثار الهداة الصالحين, الذين وصفهم في خطابه المبين, بقوله: ]وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ[[1], فإنه هادي المؤمنين, ونسترشده سبحانه لمعرفة ما اختُلف فيه من الحق بإذنه فإنه يهدي من يشاء إلى الصراط القويم.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أحسن الخالقين, وأحكم الحاكمين, وأرحم الراحمين.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المبعوث لكافة الخلق أجمعين, ونبيه المُرسل بخير الدارين, أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيرا, وجعله للبرايا شمساً مضيئةً وقمراً منيرا, وأوحى له الدين القيِّم ليُظهره على الدين كله ولو أبى من كان آثماً أو كفورا, وجعل له على رسالته شاهداً من أهله فكان له في حياته مشيرا, وفي حكومته وزيرا, وشدَّ به أزره فكان عنه بالملمات مدافعاً وله على الشدائد نصيرا, وخليفةً في أمته وللمؤمنين أميرا.
فصل اللهم عليهما وآلهما مصابيح الدجى, وكهف الورى, والعروة الوثقى, بأفضل صلواتك, وبارك عليهم بأطيب بركاتك, وحيِّهم بأزكى تحياتك, وعلى من شايعهم بإيمانٍ وتابعهم بإحسان, إنك حميدٌ مجيد.
عباد الله, أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله, فإنها المانعة عن اقتحام الهلكات, الرادعة عن ارتكاب الموبقات, والوسيلة لنيل الجنات, بحضِّها على فعل الطاعات, فبادروا للاستفادة من هذه الدار, قبل تصرُّم الأعمار, وانتهاء وقت الاختيار, فإن السفر طويلٌ كثير الأهوال والأخطار, واتقوا الله في هذه الأجسام النحيفة, وراقبوه في هذه النفوس الضعيفة, والعقول الهلعة, والقلوب الجزعة, التي لا صبر لها على تحمُّل مصائب الدنيا وأوجاعها, فكيف بمقاساة عذاب الآخرة وأهوالها, وهي التي تشيب منها رؤوس الأطفال, وتذوب من حر نيرانها صم الجبال, ومقاساة مقابلة الزبانية الذين تطيش من طلعتهم العقول والأفكار, وتتفطر من شدة بطشهم الأفئدة في الصدور, فإنهم خُلقوا من غضب الجبار, فلا تظلوا نائمين على سُرر الأمان, مفترشين الاطمئنان, مُغترين بدار الهوان, مع ما تشاهدون فيها من العدوان, والذل والامتهان, فإن ذلك من تلبيس الشيطان, وتزيين العدوَّان, وبادروا إلى الإفاقة من هذا السكر, وانجوا بأنفسكم من الانزلاق في هاوية الخطر, واتبعوا ما يُتلى عليكم من المواعظ والآيات قبل أن تُقام عليكم الحجج والبينات, وأنتم غافلون, وعما يُراد بكم جاهلون, وعما يُخلصكم ساهون, فبادروا بالعمل قبل حلول الأجل, ولا تغتروا بأسباب الأمل, وكونوا من الله عز وجلَّ على وجل.
واعلموا عباد الله أنه لا يمكن الاستعداد ليوم التناد, والنجاة يوم المعاد, إلا بالنظر إلى ما أعده الله سبحانه للطائعين المتقين من النعيم الدائم في دار المعزة والتكريم, والقرب من الله الكريم, والفوز بمصاحبة النبيين, والصلحاء والصديقين, ومعانقة الحور العين, حتى يحصل لهذه النفوس النافرة عن الطاعة شوقٌ لهذه المراتب العالية, والمنازل الراقية, فتتوطن على طاعة سيدها, وتُقلع عن معصيتها, رجاءً لثواب خالقها.
جعلنا الله وإياكم ممن أخذ بزمام الخوف والتقوى, واستمسك بالسبب الأقوى من العروة الوثقى, وتقبَّل منا ومنكم الأعمال, وختم لنا ولكم بخير الآجال, وأصلح لنا ولكم المآل, إنه الكريم المفضال.
إن أبلغ ما نطق به الخطيب الواعظ, كلام الملك الحافظ, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ & اللَّهُ الصَّمَدُ & لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ & وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد[[2].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم, إنه غفورٌ رحيم, وتوَّابٌ حليم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي دل على غناه بفقر الممكنات, وعلى قدمه بإيجاد الحادثات, وعلى قدرته بعجز المخلوقات, تسربل بالوحدانية فهو الواحد الأحد, الفرد الصمد, تردَّى بالجبروت والكبرياء, وقهر من دونه بالموت والفناء, واتصف بالرحمة والإحسان, والتجاوز والامتنان, فمن لطفه ورحمته تشريع الأديان, وإنزال الكتب وبعث الرسل لتكميل بني الإنسان.
أحمده على على عظيم النعماء, وأشكره على جزيل الآلاء, وألجأ إليه في السرَّاء والضرَّاء, وأستدفع به كيد الأعداء, وأستكفيه مهمات الآخرة والأولى.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, فتق العقول على معرفته وتوحيده, وفطر النفوس على إدراك وجوب وجوده, خفيت على العقول ذاته, وظهرت لذوي الألباب براهينه وآياته, وملأت أرجاء الوجود كلماته.
وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي إلى كافة الإنس والجن أرسله, وعلى من سواه من النبيين فضَّله, وأنزل عليه الكتاب آياتٍ مفصَّلة.
اللهم صل عليه وآله الذين هم ولاة عهده, والأئمة من بعده, خلفاؤه على دينه, وشركاؤه في يقينه, أولئك هم صفوة الملك العلاَّم, ومفاتيح دار السلام, ]أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[[3].
اعلموا عباد الله, أن الله سبحانه وتعالى اختار هذا اليوم من بين سائر الأيام والشهور, وجعله عيداً لكم على ممر السنين والدهور, وجعل فيه هذه الفريضة الجليلة, التي أوجب لها السعي والحضور, وخصًّها بسورةٍ كاملةٍ في كتابه المسطور, وشبَّه من لا يحضرها من أمة محمدٍ صلى الله عليه وآله مع اجتماع شرائطها في حقِّه باليهود الذين فسقوا بترك العمل بالتوراة والزبور, وحرَّم في وقتها البيع وسائر الأعمال, وحثَّ عليها النبي صلى الله عليه وآله وخلفاؤه الأطهار, فيما تواتر عنهم من الأخبار, التي تجاوزت حد الاستفاضة في الكثرة والاعتبار, وحتى ورد على ألسنة بعضها أن من تركها ثلاث جمعٍ بدون عذرٍ من الأعذار, ختم على قلبه بطابع النفاق, فاستنُّوا في هذا اليوم الأغر بسنن نبيكم صلوات الله عليه وآله, من تنظيف الجسد, والإتيان بالغسل المستحب, والمبادرة إلى الحضور في مكان الصلاة, والإتيان هناك بما يقدر عليه من المندوبات، وتلاوة القرآن، والدعاء لنفسه وإخوانه، حتى يحضر الإمام، وليتجنب الجدال والكلام الفارغ, ورفع الصوت على نحوٍ يشغل غيره ممن يريد التعبد والتهجد، ففي الخبر عن سادة البشر، عليهم صلوات الله “إن الناس في إتيان جمعة ثلاثة رجال, فرجلٌ حضر الجمعة للغو والمراء, فذلك حَظه, ورجل جاء والإمام يخطب فصلى فإن شاء الله أعطاه وإن شاء حرمه, ورجل حضر قبل خروج الإمام فصلى ما قضي له ثم جلس في إنصات وسكون حتى خرج الإمام إلى أن قضيت فهي كفّارة لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك لأن الله يقول: ]مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا[[4]“[5].
فحاذروا أن تشغلكم الدنيا الدنية عن اكتساب الثواب, والتحلي بصحيح الآداب, فلا ينبغي التشاغل بالعمل أو باللغو والكلام الفارغ حتى يصير وقتُ الصلاة وتتضيق الأماكن ثم يأتي الرجل يتخطى رقاب الناس, فعن سيد الوصيين عليه صلوات رب العالمين أنه قال: “لئن أحبس من الجمعة إلى الجمعة, أحب إلي من أن أقعد حتى إذا جلس الإمام جئت أتخطى رقاب الناس”؛ واعلموا أن الهدف من كل ذلك هو الاجتماع لسماع الخطبتين, وما تشتمل عليه من المواعظ, والزواجر عن المعاصي, والحث على الطاعات, والتحلي بفاضل الأخلاق, والتخلي عن رديء الملكات, وما يتخلل الخطبة من ذكر لأحكام الدين في سائر الموضوعات, فعن سيد الوصيين, وقائد الغر المحجلين, عليه صلوات رب العالمين أنه قال: “إذا كان يوم الجمعة خرج أحلاف الشياطين يزينون أسواقهم ومعهم الرايات, وتقعد الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون الناس على منازلهم حتى يخرج الإمام, فمن دنا إلى الإمام وأنصت واستمع ولم يلغ, كان له كفلان من الأجر, ومن تباعد عنه فاستمع وأنصت ولم يلغ, كان له كفل من الأجر, ومن دنى من الإمام فلغى ولم يستمع, كان عليه كفلان من الوزر, ومن قال لصاحبه: صه فقد تكلم, ومن تكلم فلا جمعة له ” ثم قال عليه السلام: “هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله”[6].
فحافظوا رحمكم الله على هذه الفريضة, وألزموا أنفسكم ما جعل من الآداب والسنن, واعلموا أن من أقوى أسباب قبول العبادات, وحصول البركات, هو الإكثار من الصلوات على محمد وآله الهداة.
اللهم صلِّ على النور المتجسد في الهياكل البشرية, الذي شرف بنعله بساط الربوبية, وأفيضت عليه الأنوار الإلهية في الحضرة القدسية, النبي المؤيد, والحصن الرباني المشيد, أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على باب قلعة العلوم الربانية, المشافه بالمعارف الإلهية, أخي النبي المصطفى بل نفسه الزكية, فخر دوحة لؤي بن غالب, أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على من فطمت محبيها من سقر, وجعلت لها الشفاعة في يوم المحشر, الدرة النوراء, والمعصومة الحوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على السيد السري, والكوكب الدري, شمس سماء الإيمان, وريحانة رسول الرحمن, العالم بالفرائض والسنن, الإمام بالنص أبي محمد الحسن.
اللهم صلِّ على السبط الذي فرَّطت فيه الأمة الشقية, فغدا مقتولاً بأيدي بني أمية, ثمرة فؤاد فاطمة الزكية, وريحانة الرسول الأمين, الإمام بالنص أبي عبدالله الحسين.
اللهم صلِّ على خير العُبَّاد, وأفضل من تكرم وجاد, سيد الساجدين, الإمام بالنص علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على مظهر العلوم الربانية, وناشر المعارف السبحانية, ذي الذكر الطاهر بين كل بادٍ وحاضر, الإمام بالنص أبي جعفر محمد بن علي الباقر.
اللهم صلِّ على ممهد قواعد الدراية, ومحرر ضوابط الهداية, قناص شوارد الدقائق, وغواص بحار الحقائق, الإمام بالنص أبي عبدالله جعفر بن محمد الصادق.
اللهم صلِّ على الشمس المحتجبة بغيوم التقية, والزكي المبتلى بكل رزية, بدر سماء المكارم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم.
اللهم صلِّ على بضعة النبي المصطفى, وسليل علي المرتضى, المرتجى للشفاعة في يوم الجزا, الإمام بالنص أبي الحسن علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على سليل الأجواد, وخليفة الأمجاد, معتمد المؤمنين في الإصدار والإيراد, الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد.
اللهم صل على ضياء النادي, وملجئ المستغيث يوم ينادي المنادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي.
اللهم صل على صاحب الفضل والكمال, المتردي برداء المجد والجلال, السيد السري, والإمام العبقري, أبي محمد الحسن بن علي العسكري.
اللهم صل على المرتجى بنص الملة المحمدية, المؤمل لكشف البلية, الآخذ بثار العترة النبوية, مقيم البرهان, وشريك القرآن, الإمام بالنص أبي القاسم المنتظر صاحب العصر والزمان.
عجل الله أيام دولته, ومتعنا بالنظر إلى طلعته, وكرمنا بنصرته, وشرفنا بخدمته, إنه سميع مجيب.
إن أحسن خطاب وأبلغ كلام, كلام الله ذي الجلال والإكرام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[7]. وأستغفر الله لي ولكم, إنه غفور رحيم, وتواب كريم.
[1] سورة الأنبياء: من الآية73
[2] سورة الإخلاص
[3] سورة البقرة: 157
[4] سورة الأنعام: من الآية160
[5] بحار الأنوار _ج 86 – ص 256 – العلانة المجلسي
[6] الحدائق – ج10 – ص195 – المحقق البحراني
[7] سورة النحل: 90
