الجمعة 4 شعبان 1415هـ المصادف 6 كانون الثاني 1995م
(لا تكونوا إمّعات)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رافع السبع الشداد، جاعل الجبال للأرض كالأوتاد، الموفق للهداية والرشاد، الناهي عن البغي والفساد، المطّلع على القصد وإن كان مكنوناً في الفؤاد، المثيب على السعي في الخير والمجازي على السعي في الإفساد، الذي أنزل الكتاب نورا يستضيء به المدلجون، ونبراسا يستلهمه المتقون، وحكمة يتمثلها العالمون، وأمثالا يتأملها العاقلون، وقسطاسا يحكم بين الناس فيما فيه يختلفون.
أحمده سبحانه حمدا يديم هطول مننه ونعمائه، وأشكره تعالى على إسباغ عافيته وحُسن بلائه، وأسأله التوفيق للقيام بحقوق أياديه وآلائه، والتمسّك بهدي رسله وأنبيائه، والنجاة من مكائد مخالفيه وأعدائه.
وأشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة أستجنُّ بها من شر قدره وقضائه، وأتحصن بها مما حوت كنانةُ المضغن وغلوائه، وأستعين بها على بوائق الدهر وضرائه، وأتفيأ ظلالها يوم أُنشر للقائه.
وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، المبعوث رحمة للأنام، ودعوة للسلام، وإنارة للظَّلام، المتحلي بطيب الكلام، الداعي للوئام، وترك التنابذ والخصام, صلى الله عليه وآله البررة الكرام، محطِّ التبجيل والاحترام، الذين هم عروة الاعتصام، وعليهم المعول في النقض والإبرام، ولهم الرجوع في جميع الأحكام، صلاة تدوم بدوام الليالي والأيام، وتدفع عنّا الشدائد العظام، في هذه الحياة ويوم يقوم الناس لرب الأنام.
عباد الله, أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله وتتبع ما يرضيه، وتدبُّر آيات كتابه الذي جعله فرقانا بين الحق والباطل، وأحذركم ونفسي من ارتكاب معاصيه، والهجوم على محرماته، وتجاوز محظوراته، فإنه سبحانه وتعالى عالمٌ بالسر والنجوى، مطّلع على ما توسوس به النفوس، ويخطر في الأذهان، عارف بما تعزم عليه القلوب، منَحكم العقول لتتدبروا ما ينفعكم وما يضركم، وأعطاكم الألباب لتميزوا بها بين عدِّوكم وناصحكم، وجعل لكم السمع والأبصار إعانة لأذهانكم، وإتماما لفطرتكم، وإكمالاً لآلة تفكيركم، وتعقلكم، وجعل لكم البصيرة على أنفسكم فقال عز من قائل : ]بَلِ الأنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ & وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ[[1]، فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فعليها تكون إساءتكم، فلا تكفروا بنعمة الله التي أنعم بها عليكم، فتتركوا استخدام عقولكم، والتمعن في ما ينفعكم ويضركم، يقول أحدكم إنما أنا واحد من الناس، إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت، وقد نهاكم رسولكم صلى الله عليه وآله أن تكونوا بهذا الخُلُق، فعن حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله : “لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساءوا أن لا تظلموا “[2]، وعن أبي عبد الله الصادق عليه الصلاة والسلام أنه قال لرجل من أصحابه : “لا تكن إمعة تقول أنا مع الناس وكواحد من الناس”[3]، فالناس يا أخي لن يغنوا عنك يوم القيامة شيئا، ولن يتحملوا عنك وِزرا، والمؤمن لا يتحرك حركة ولا يتكلم كلمة حتى يعرف حكمها الشرعي من الوجوب والندب والإباحة أو الحرمة والكراهة، إن كان فقيهاً فباجتهاده ونظَره، ومن خلال ما يتوفر لديه من الأدلة التي قامت عليها الحجيَّة عنده، وإن كان مقلِّدا فبالرجوع إلى فتوى من يقلد، ولا يغرنك أحدٌ عن نفسك فتصبح على ما تفعل نادما حيث لا يجديك ندمك، ولا يفيدك أسفك، فإذا صادفك أمر من الأمور أو دُعيت لفعل من الأفعال فإياك والاندفاع في التيار إمعةً لا تحس بنفسك, بل عليك أن تتأنى حتى تعرف حقيقة ما أنت مقدم عليه، وما يُحتمل أن ينتج عنه، ومن الذي أمر به، وما حكمه الشرعي في حقك، فإذا تمَّ لك معرفة هذه العناصر فعندئذ تكون معذورا عند ربك فيما فعلت، مثابا على ما عملت أو تركت.
عباد الله, استعملوا عقولكم وراجعوا أذهانكم، بل ارجعوا إلى ألبابكم، ولا تكونوا إمّعات تصيخون لكل ناعق وتنعِقون مع كل ناهق، وتستجيبون لكل داع، وتشيعون في صفوفكم كل خبر، فلقد مزقت الإشاعة صفوفكم، حتى عدتم كالثوب المتهتك عزَّ على رافيه رقعه، وصعب على مصلحه رتقه، أو كالسعفة في مهب الريح تميل بها يمينا وشمالا، أو كالسفينة في وسط البحر تتقاذفها الأمواج وتعصف بها الصرصر، فلا تزال بها حتى تغرق، ما لكم يستفزكم كلُّ مستصرخ، ويستنفركم كلُ هاتف، وتستجيبون لكل داع، أليس لكم مأوى تفيئون إلى ظله، أليس لكم منار تهتدون بضوئه، أليس فيكم حكيمٌ ترجعون إلى رأيه، أين العقول النيرة، أين الألباب المفكرة، أين القلوب المعتبِرة، عقد ونصف من السنين ألا تكفي في التعلم من أحداثها، والتبصر بما جرى خلالها، فاتقوا الله عباد الله في أنفسكم, وأقلعوا عن ترويج الإشاعات بينكم، والإندفاع وأنتم لا تعرفون من يسوقكم، فلقد هزل أمركم حتى تكلم الروبيضا في شئونكم، اللهم اشهد أنني قد نصحت لقومي وإنني لأعلم أني سأشتم بسبب تأديتي لما أوجبت علي من نصحهم، ويُفترى علي بسبب قيامي بما ألزمتنيه من تبصيرهم، وأسألك ياربي بحق جميع أوليائك أن تأخذ بأيدينا إلى ما يرضيك، وتجنبنا مما يسخطك علينا، وتكف أيدي السوء عنا، إنك على كل شيء قدير, وبالإجابة جدير.
إن خير ما تلي من الكلام، وأحسن ما تدبره الأنام كلام الملك العلام أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]وَالْعَصْر & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[4].
وأستغفر الله لي ولكم إنه غفور رحيم وتواب كريم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله التامة كلمتُه، البالغة حكمتُه، النافذة مشيئته، القاهرة قدرته، الشديدة نقمته، البينة حجته، الباهرة آياته، الظاهرة صفاته، المتعزز جبروته، المحيط ملكوته، الذي جعل في القيامة حسابه، وفي النار عذابه، وفي الجنة ثوابه، بعث الرسل بالحق منذرين، وبالصدق مبشرين، وإليه داعين، وعليه مرشدين، ولحبائل الشيطان كاشفين، ولغشاوة الأوهام مزيلين، فبلَّغوا عنه ما أمرهم بتبليغه، ولم يعبئوا بتكذيب المفسدين، ونصحوا أممهم غير ملتفتين لجلْبة الجاهلين.
نحمده على ما هدانا إليه من الدين، وعرفنا به من الحق اليقين، ونشكره تعالى على أن جعلنا من أمة سيد المرسلين، وشيعة أمير المؤمنين، الملتزمين بالنّص الإلهي لا بظنون المتخرصين، العاملين بالعلم الرباني لا بأوهام الموسوسين، السائرين على المنهج السبحاني لا على جزم الجاهلين.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، فإليه تَرجِع كما بدأت الأمور، وهو الثقة في المأمول والمحذور، وعليه المعول في الورود والصدور، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
ونشهد أنّ محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، الهادي إليه بعد ما وقب غاسقُ الجهالة، والقائد لديه بعدما احتجب وجه الهدى بسُجف الضلالة، والمفوض من لدنه تفويض ولاية وإيالة، مجَْمع الكمالات الإنسية، ومحط الواردات القدسية، ونشهد أن الخلفاء من بعده، والولاة على الأمة من قبله هم الأئمة المعصومون من آله وذريته، أوّلهم أمير المؤمنين وسيد الموحدين الأسد الغضنفر، الصابر على ما لا يصبر عليه ذو قوة من البشر، ثم أولاده الأحدى عشر خاتمهم المهدي المنتظر. صلى الله عليه وعليهم صلاة دائمة مستمرة إلى يوم المحشر، مضمخة بالندِّ والعنبر، معطرة بالمسك الأذفر، مكفِّرة للذنب الأكبر.
عباد الله, اعلموا أنه ليس الغرض من تشريع هذا الاجتماع، إلا الإنصات للعظات والاستماع، ثم العمل بما يلقى من النصائح والانتفاع، أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه عالم السر والنجوى، ودافع الضُّر والبلوى، فبتقواه سبحانه يحصل الخلاص من أهوال يوم لات مناص، ويُرجى العفو من القصاص يوم يؤخذ بالنواص، وهذا شهر شعبان المكرم الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله يُكثر من إجلاله وإعظامه، ويدأب في صيامه، ويُجهد نفسه الشريفة في قيامه، قد جعله الله سبحانه لكم موسماً للعبادة والسياحة، وسوقا لمن أراد المتاجرة معه، فاستغِلوا فيه الأيام والساعات، واملأوها بالعبادات والطاعات، وداوموا فيها على القربات، وأكثروا فيها من الصدقات، ولا تكونوا عن فضائله غافلين، ولا عن الاستفادة من أيامه لاهين، وتنبهوا من يوم الغفلة فما في الأمر مُهلة، وبادر يا أخي عمرك قبل الموت، وخذ حِذَرك قبل الفوت، واغتنم بياض النهار قبل العشية، فالليالي حُبالى ولا تدري بما تخلَّق في مشيمة المشية، ولا تغتر بقوتك فلعل سمنتك ورم، ولا تبطرك نضرة شبابك، فنهايته ضعف وهرم، شمِّر قبل أن يصبح بازُك عصفورا, وينقلب مسكك كافورا، واعمل قبل أن يصبح العمل لك أمنية، واستقم في الطاعة قبل أن يتحول ظهرك حنية، ولا تكن ممن إذا ذكِّر بالآخرة قبع قبوع الوسنان في دثار الكسل، وإن ظفر بالشهوة وقع عليها وقوع الذباب في ظرف العسل، وإن أُمِر بالطاعة سوف الأمر وأجل.
جعلنا الله وإياكم ممن أخذت الموعظة بيده, وأبصر في يومه عاقبة غده، ألا وأنكم في يوم شريف كريم قد خصه الله بالتبجيل والتعظيم، وجعل من أشرف وظائفه العلية، وأكرم خصائصه الجلية, الصلاة على حُجَّاب جبروته، وأبواب لاهوته, محمد وآله المخلوقين من أنوار عزته وناسوته، القائمين بأعباء ملكه وملكوته.
اللهم صلِّ على النور الإلهي المشرق في طخياء الديجور، والجوهر القدسي المتجرد عن دار الغرور، الذي لا يحيط بقَدَر منزلته إلاك، ولا يعلم حقيقة ذاته أحد سواك، الرسول العربي المسدد, والنبي الأمي المؤيد أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على نفسه القدسية، وروحه العُلْوِية، من قصرت العقول عن إدراك ذات حقيقته، وحارت الأفهام في تفسير معجزات صفته، حتى تاهت فيه الأفكار فادَّعت له الربوبية، وغلت فيه الأذهان فرفعته عن حضيض المربوبية، الشهاب الثاقب, في سماء المناقب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على المطهرة المعصومة، المقهورة المظلومة، ذات الأحزان الطويلة، والمدة القليلة، البتول النوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على نتيجتَي مقدمتي النبوة والإمامة، الآخذين بزمام الإيالة والشهامة، الشارِبين بكؤوس المصائب والأشجان، والمتجرِّعين لعلقم الأحزان في البنين والأبدان، السبطين المضطهدين، والسيِّدين المستشهدين الإمام بالنص أبي محمد الحسن وأخيه الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.
اللهم صلِّ على حجتك على العباد، ونورك المنبسط في كل واد، صاحب المناجات والأوراد, الإمام بالنص أبي محمد علي بن الحسين السجاد.
اللهم صلِّ على شمس فلك المجد والجلال، ومنبع فيوض العلم والكمال، ذي الصيت الطائر, في البوادي والحواضر، والذِكر السائر في المحافل والمحاضر، الإمام بالنص أبي جعفر محمد بن علي الباقر.
اللهم صلِّ على الوميض الشعشانيِّ البارق، وقمر العلم الطالع في المغارب والمشارق، لسان الحق الناطق، وفجر الحقائق الصادق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق.
اللهم صلِّ على العالِم بما حوته العوالِم، المحيي لما اندرس من معالم الدين والمراسم، بيت قصيد الأماجد والأكارم, الإمام بالنص أبي الحسن الأول موسى بن جعفر الكاظم.
اللهم صلِّ على قطب فلك التسليم والتوكل والرضا، وبدر سماء التفويض لما جرى به قلم القضا، المهذِّب لطرائق الحكم والقضا، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على رُبَّان سفينة الهداية والرشاد، وبدر سماء الجود والإرشاد، ومحطِّ رحال الطلاب والوفاد، الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد.
اللهم صلِّ على سيد الحضَر والبوادي، المنتشرة أخبار فضائله في كل مجلس ونادي، حجة المعبود على كل حاضرٍ وبادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي.
اللهم صلِّ على النور القمريِّ في الجسم العنصري، والكوكب الدري في الهيكل البشري، الليث الجري والعالِم العبقري، الإمام بالنص أبي محمد الحسن بن علي العسكري.
اللهم صلِّ على المؤمَّل لكشف الديجور، ومحوِ الجور والفجور، النور المنقبض عن الظهور، حتى تعاظم في الدين الفتور، باهر البرهان، وشريك القرآن، والحجة على الإنس والجانّ, الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.
زين الله تعالى وجه البسيطة بأعلام دولته، وأثلج صدور المؤمنين بقرب أيام سلطنته، وجعلنا من المكرَّمين بالاستشهاد تحت رايته, المشمولين بعين رضاه ورعايته، إنه حميد مجيد.
إن أفضل ما عُرف من القول السديد، وأوضح ما بُيِّن به الأمر الرشيد، كلام الله الحميد المجيد, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[5].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفور رحيم.
[1] سورة القيامة: 14 – 15
[2] ميزان الحكمة ج3 – ص2620 – محمد الريشهري
[3] بحار الأنوار – ج2 ص82 – العلامة المجلسي
[4] سورة العصر
[5] سورة النحل: 90
