الجمعة 16 شوال 1415هـ الموافق 17 آذار 1995م
(الغيبة والنميمة والبهتان)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله مستحق الحمد لذاته, الذي نور قلوب العارفين بمصابيح آياته, وأنار سبل الهداية بشموس بيناته, وأوضح طرق اليقين ببراهين معجزاته, وألهم الموقنين تتبع مرضاته, وأنقذهم من الإلحاد في أسمائه وصفاته, وأقام الحجة على الذين اتبعوا الشيطان وخطواته, واقتنعوا بوسوسته وخطراته, وتمسكوا بأوهامه وتصويراته.
نحمده سبحانه على ما منح من سوابغ النعم, ونشكره تعالى على ما دفع من البليات والنقم, ونسأله الصفح عن زلة القدم, والعفو عندما تنشر الرمم, والستر حينما تجمع الأمم.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك والملكوت, والعزة والجبروت, وهو بالرحمة والإحسان منعوت, يقيل عثرة الخاطئين, ويغفر ذنب التائبين, ويعفو عن المسيئين, ويتقبل من المحسنين, لا يضيع عنده أجر العاملين.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله نبي التوبة, ومبعوث الرحمة, وشفيع الأمة, والهادي من الظلمة, عبده ورسوله الماحي لآثار المشركين, والكاشف لزيف المشبهين, والمبلغ عن رب العالمين.
صلى الله عليه وآله قادة المؤمنين, وأئمة المسلمين, وشارحي حقائق الدين, الذين جعلهم الله خلائف في بلاده, وهداةً لعباده, وأدلاء على جواده, فمن قبل منهم فهو في الآخرة من الفائزين, ومن حاد عنهم فويل له يوم الدين, صلاة تدوم بدوام الدنيا والآخرة, وتؤمن روعنا يوم ننقل للحافرة, وتصبح وجوهنا بها في القيامة زاهرة.
عباد الله أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه, والعمل بما يرضيه, وأحذركم بادئاً بنفسي من مغبة مخالفته تعالى, والإصرار على معاصيه, فإنه لا فوز عنده إلا للمتقين, ولا نجاة من عذابه إلا للمطيعين، الذين ملأت خشية الله قلوبهم, فاستجابت لأوامره نفوسهم, وتقيدت بقيود الورع عن محارمه جوارحهم, فغضوا عما لا يرضى أبصارهم, وكفوا عن ما نهى عنه أيديهم وأرجلهم, وصموا عن سماع اللهو والفاحش من القول آذانهم, ومنعوا من الغيبة والبهت والنميمة ألسنتهم, فسلم الناس من شرهم, وأمنوا الأذى منهم.
عباد الله ألا وإن من أعظم الذنوب عند الله سبحانه, الغيبة والبهت والنميمة, فكل واحدٍ من هذه الموبقات الثلاثة يكفي في إدخال صاحبه نار جهنم والعياذ بالله منها, وإبعاده عن رحمة الله, وقد ورد في الغيبة وحدها وهي أقل الثلاثة وزراً أنها “تأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب”[1], وقد كثرت هذه الموبقات في مجتمعاتكم وانتشرت بين صفوفكم, حتى أفسدت أو كادت ذات بينكم, وفرقت كلمتكم, والغريب في الأمر أنكم تمارسونها في أغلب الحالات ضد علمائكم, الذين ألزمكم الرسول صلى الله عليه وآله وأهل بيته باحترامهم, وتوقيرهم, والالتفاف حولهم, فبدلاً من الاستجابة لذلك أصبحتم تتبعون سقطاتهم, وتستقصون زلاتهم بزعمكم, فتنشرونها مشوهين بذلك عليهم, فإن لم تجدوا لهم زلة اختلقتم لهم بأهوائكم ما لم ينزل الله به من سلطان, تحتذون سبل المجرمين ممن سبقكم في سالف الأزمان, ممن تركوا هدي الله ورسوله, واتبعوا أهواءهم, فأخذوا يشوهون على أئمتكم, ويبعدون الناس عنهم, بادعاء شرائط لم يقلها النبي صلى الله عليه وآله في خلفائه وأوصيائه, وأضرب لكم مثلاً على ذلك بالفرقة الضالة التي أبت السير مع الهداة من آل محمدٍ صلى الله عليه وآله, لأنهم غير مستكملي الشرائط في أنظارهم فأصبحت في نهاية أمرها تقول بإمامة الجبابرة, وتلقي أمورها وشئون دينها للفسقة والظلمة وهي الفرقة المعروفة بالزيدية, التي عابت على الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه الصلاة والسلام بأنه أرخى ستره, وأغلق بابه وهادن الظلمة, وقالت إن الإمام لا يسعه إلا أن يخرج ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر, مشبهين على الجهلة أن ما يريدونه أمرٌ بمعروف ونهيٌ عن منكر, مع أن الإمام حسب معتقد الشيعة يجب أن يكون معصوما, وأنه الأعرف بمواقع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ومع أن النبي صلى الله عليه وآله قال عن الحسن والحسين عليهما السلام: “إبناي هذان إمامان قاما أو قعدا”[2], وما ينطبق على الحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهما ينطبق على سائر الأئمة الكرام, بل إن سيدهم وكبيرهم علي بن أبي طالب عليه السلام بقي جالساً في بيته السنين الطويلة ولم يقم ولم يخرج حتى بايعته الأمة فوجب عليه أن يقوم بشئون منصبه الذي نصبه الله فيه, فاخترعت هذه الفرقة من عند أنفسهم شرطاً لم يذكره رسول الله صلى الله عليه وآله في الإمامة ليبعدوا الناس عن إمام الحق، ولينفروا عنه الجهلة بحقائق الدين الذين تدغدغ عواطفهم الألفاظ الرنانة التي لا يفقهون حقيقتها ولا يعون ما هو المقصود منها, وأنتم اليوم بفعل تأثيرات المندسين بين المتدينين منكم تضاهونهم, وتسيرون على منوالهم فقد زدتم في شروط من تصح القدوة به من العلماء شروطاً لم ترد عن النبي المختار، ولم تشترطها الأئمة الأطهار، ولم يعرفها الفقهاء الكبار في أبحاثهم, وما ذكرها المجتهدون في كتبهم, فأخذتم تعيبون على من لم يتفق معكم فيما تهوون من الرأي وتزرون عليه, وتنفرون الناس عنه, بل لم يبال بعض الفسقة من المندسين في صفوف المتدينين منكم أن يوغر عليه الصدور, ويحقد عليه القلوب، والغريب في الأمر أن يصبح ما ترمون به من يخالفكم لكثرة المتكلمين فيه والمروجين له كأنه حقيقة ثابتة, وقضية جازمة, فاتقوا الله في أنفسكم فإنكم إنما تهدمون بهذا الصنيع أمركم, وتضعفون شأنكم, وتفرقون صفوفكم, وتفتحون الطريق للروبيضا والعدو أن يتولى شئونكم ويفسد عليكم دينكم.
عباد الله اتقوا الله ولا تكونوا للغيبة سماعين, ولا للبهتان مروجين, واعلموا أن لحوم العلماء مسمومة لا يسلم من لاكها من النوائب, ولا ينجو مزدردها من المصائب, وفي الآخرة عذاب عظيم.
أخذ الله بأيدينا وإياكم لما يرضيه, وجنبنا جميعا ما يسخطه, وكفانا ما يهمنا من أمر ديننا ودنيانا, وآمننا من بأسه ونزول نقمته في الحياة الدنيا ومن عذابه يوم يقوم الأشهاد إنه سميع مجيب.
إن خير ما استشهد به أديب, وأفضل ما وعظ به خطيب كلام الله الحسيب الرقيب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا & وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا & وَقَالَ الأنْسَانُ مَا لَهَا & يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا & بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا & يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ & فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ & وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ[[3].
وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيم وتوابٌ حليم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي نفذت دون ديمومته سلسلة الزمان, وقعدت عن وصف قيموميته شقشقة اللسان, الذي فتق ظلمة الليس بإظهار شمس الوجود, وأظهر صنعه من حضيض العدم إلى عالم الأنس والوجود, وأبرز أعيانها إلى عرصة الظهور والعيان, بعد أن كانت كامنةً تحت سرادق الإمكان, صرَّف بقدرته الأشياء, وتصرف في الخلق بالإعادة والإنشاء, واستوى في غيب علمه الإخفاء والإفشاء, فلا يعزب عنه مقدار ذرةٍ في الأرض ولا في السماء.
نحمده سبحانه على ما فتح لنا من أبواب جوده وعناياته, وسقانا من رحيق هداياته, وألبسنا من خلع توفيقاته.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له العالم بلا تبصير, والحكيم لا بروية وتفكير, الحي الذي بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله الدليل إليه في الليل الأليل, والماسك من أسبابه بحبل الشرف الأطول, الصابر في ذاته على ما ناله من نوائب الزمان, المفند ببرهان حجته تنميقات الشيطان.
صلى الله عليه وآله الذين من تمسك بهدي تعليمهم أمن العثار, وزحزح عن النار, وأدخل الجنة مع الأبرار, فنعم المسكن والقرار.
عباد الله أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بالتدرع بدروع التقوى الوثيقة, والالتجاء إلى حصونها المحكمة الأنيقة, واستشعار شعار الخوف والخشية, والاحتماء من الذنوب فليس الدواء كالحمية, فقوموا على ساق العبودية للحضرة الأحدية, وأكثروا الدعاء والابتهال, لحضرة ذي العزة والجلال, وتضرعوا إليه في الأسحار, وجاهدوه في فك رقابكم من الآصار, ونجاة أنفسكم من حريق النار, واستعدوا لملاقاته ما دام بيدكم الاختيار, وخذوا في الـتأهب قبل أن ينقطع منكم حبل الأعمار, فقد ورد في الخبر عن سيد البشر صلى الله عليه وآله الغرر: “إن لله تعالى ملكاً ينزل كل ليلة فينادي: يا أبناء العشرين جدوا واجتهدوا, ويا أبناء الثلاثين لا تغرنكم الحياة الدنيا, ويا أبناء الأربعين ماذا أعددتم للقاء ربكم؟, ويا أبناء الخمسين أتاكم النذير, ويا أبناء الستين زرع قد آن حصاده, ويا أبناء السبعين نودي بكم فأجيبوا, ويا أبناء الثمانين أتتكم الساعة وأنتم غافلون, ثم يقول: لولا عباد ركع, ورجال خشع, وصبيان رضع, وأنعام رتع لصب عليكم العذاب صبا”[4], وفقنا الله وإياكم إلى خير الدارين, وكفانا وإياكم سوء النشأتين إنه بالمؤمنين رؤوف رحيم.
ألا وإن الله سبحانه قد ندبكم لأمر بدأ فيه بنفسه, وثنى فيه بملائكته وجنه وإنسه فقال عز من قائل: ]إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً[[5].
اللهم صلِّ على البدر المنير, والمبشر النذير, شمس فلك النبوة والرسالة, ودرة تاج الفتوة والإيالة, علة الوجود لكل موجود، والشاهد على الأمم في اليوم المشهود, النبي العربي المسدد، والرسول الأمي المؤيد، أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على وزيره وابن عمه, الشارب من مشكاة فهمه وعلمه, شريكه فيما عدى النبوة والرسالة, الماحي بضبى سيفه وسنا علمه الغواية والضلالة, لسان الله الصائب، وسيفه الضارب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على بضعة النبي الأطهر, وحليلة الفاروق الأكبر, المفطوم محبها من حر سقر, الشفيعة لشيعتها في المحشر، ذات الكبد الحرا، والمقلة العبرا، أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على نتيجتي مقدمتي النبوة والإمامة, المشتركين في سمات العدل والاستقامة, المنخسف سناهما بحيلولة البلايا الأموية, والمحتجب ضياهما بمصائب تلك الزمرة الغوية, سيدي شباب أهل الجنة, وإمامي الإنس والجنة، السيدين الشهيدين السعيدين, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن وأخيه أبي عبد الله الحسين.
اللهم صلِّ على قطب دائرة الموحدين, المنور بغرته محاريب المتهجدين, ثمال الأرامل والمساكين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على بدر سماء المفاخر, وتاج المكارم والمآثر, بحر العلوم الزاخر, الحجة على الأوائل والأواخر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على قائد ذوي المجد والجلال, ومنبع العرفة والكمال, الذي للتشرف بخدمته تشد فضلاء الأمة الرحال, والذي بنشر علومه تعطرت المغارب والمشارق, وبفضله أقر المخالف والموافق، الإمام بالنص أبي إسماعيل جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على السر المكتوم, والكنز المختوم, المقتول بحر السموم, على يد الظالم الغشوم, المتردي بخلعة المفاخر والمكارم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على منور الشريعة المصطفوية, ومجدد الملة المحمدية, وممهد القواعد العلوية, سيف الله المنتضى, وحجته المرتضى، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على منبع فيوض اللطف والرشاد, ومجري أنهار الهداية والسداد, وقامع شياطين البغي والفساد, سليل الأئمة الأجواد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على الليث الهمام, خليفة الملك العلام, وبدر سماء الأعلام، السائرة بفضائله الركبان في كل وادي, والمنوه بمحتد كرمه كل حادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على الكنز الرباني, ومبيِّن أسرار الزبور والمثاني, الذي ليس له في الشرف مداني, ولا في الفخر ثاني, السيد السري، والعالم العبقري، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ على نظام الملة المصطفوية, وختام الولاية الحيدرية, الآخذ بثار العترة العلوية, الناهض بالأمة الإسلامية, باهر البرهان, وشريك القرآن، والحجة على الإنس والجان, الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.
عجل الله تعالى أيام ظهوره ودولته, وبسط علينا وعلى المؤمنين رداء عطفه ورعايته, وجعلنا جميعا من الداخلين في حياطة دعوته، إنه سميع مجيب وبالإجابة جدير.
إن أبلغ ما تلاه الأنام, وأمتن ما وعته الأفهام, كلام الملك العلام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[6].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفور رحيم.
[1] بحار الأنوار ج72 – ص257 – العلامة المجلسي
[2] بحار الأنوار ج35 – ص266 – العلامة المجلسي
[3] سورة الزلزلة
[4] مستدرك الوسائل ج12 – ص157 – الميرزا النوري
[5] سورة الأحزاب: 56
[6] سورة النحل: 90
