الجمعة 7 تشرين الثاني1415هـ المصادف  7 نيسان 1995م

(لجنة الحوار)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله موجد الكائنات، بديع الأرضين والسموات، الذي خلق الإنسان من سلالة من طين، فجعله نطفةً في ذلك القرار المكين, ثم أنشأه خلقاً آخر في أحسن تقويم وتمكين، وجعل له عينين ولساناً وشفتين، وهداه النجدين، وأكرمه على سائر خلقه بالقدرة على النطق والتبيين، وملكات العقل الرصين، ومكنه من تحصيل خير الدارين, واكتساب المَحْمدة في الوجودين.

نحمده سبحانه على جميع نعمه، ونشكره تعالى على هاطل جوده وكرمه، ونستعينه جلَّ ذكره على تحمل جارح القول وألمه، ونستكفيه شر كل حاقدٍ لا يتورع من اقتحام مأثمه، ونتضرع إليه أن يطهر قلوبنا من كل دنس ورين، ويوفقنا للعمل على ضوء الثقلين، والسعي لما فيه خير الدارين.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، قاسر الألباب على إدراك وجوب وجوده، ومنطق الألسن بحمده وتمجيده، شهادة تنجينا من الوقوع في دائرة تهديده ووعيده.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله الذي أنزل عليه الكتاب، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب، وحلاه بالخلق المستطاب، فجعله لين العريكة رقيقا، وأوصاه أن يكون في معالجة الأمور رفيقا.

صلى الله عليه وآله ذوي المقامات العالية، والنفوس المطهرة الصافية، والأساليب المهذبة الراقية، الذين يدرؤون بالحسنة السيئة، ويدعون بالتي هي أحسن وإن كانت ألفاظُ المقابل لهم جاسية نابية، صلاة دائمة كباركة نامية، تميط عن القلب الأذى وتلبس العافية.

عباد الله, أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه وتجنب معاصيه، والعمل بطاعته والسعي إلى ما يرضيه، فالتقوى هي الجُنّة الواقية من الوقوع في فِخاخ أعاديه، والمتقي لله حقاً هو من يُخلص نيته في كل قول وفعل إلى ربه سبحانه، لا يريد بما يفعل وما يقول إلا وجهه، المتقي حقاً هو من يريد تحقيق الخير لعباد الله سبحانه, ويسعى من أجل هذه الغاية وإن كانت مما يستدعيه إلى تحمل المشقة، ومن أجل ذلك تراه يفرح بكل ما يحقق الخير للناس, ولا يأبى أن يتحقق الخير على يديه أو على يد غيره، فالمهم عنده هو النفع العام الذي لا يشك أنه يعود بالخير عليه، وبخلاف المتقي لله من تجده لا يرى الخير خيراً إلا أن يكون من فعله، ولا ينظر إلى الصالح صالحاً إلا أن يحصل من قِبَلِه، لا يرى في الوجود غير ذاته، وإذا رأى أن أحداً من الناس وفق لعمل خير نفَسَ عليه ذلك, وأخذ يشكك في إخلاصه, ويبذل كل جهده لعرقلة مسيرته.

أيها الإخوة, لقد تداعى في الأسبوعين الماضيين نفر من إخوتكم, من رجالات هذا البلد من شرائح مختلفة من المجتمع, فيهم التاجر والعالِم والمثقف والمدرس والمحامي وغير ذلك من أصناف الناس, فعقدوا الاجتماع تلو الاجتماع, يتداولون الرأي لمعالجة هذه الأزمة القائمة في البلد, والخروج بها عن دائرة هذا الطوق المُحكم من الجمود, وتداولوا وجهات النظر ثم عقدوا العزم على مقابلة المسؤولين في الدولة لتحقيق الأماني والتطلعات التي يصبوا إليها المواطنون بكل اتجاهاتهم وتوجهاتهم، فألفوا منهم وفداً لهذه الغاية ضمَّ قرابة العشرين من الرجال، وتقدموا بطلب المقابلة للمسؤولين, وقد تمَّ هذا اللقاء مع أعلى قمة في هرم المسؤولية في هذا البلد يوم الأحد الماضي، وبعد التداول مع المسئولين والتحاور, أمكن أن ترقق كثير من الحواجز النفسية, وأن يُذاب كثير من الجليد الذي كان يحولُ دون التحاور والتفاوض لحل هذه الأزمة, وقد ابتدأ باب التفاوض في كل ما يهم المواطنين من الأمور في الانفتاح، لا أقول قد انفتح الباب على مصراعيه, ولكني أقول إن كثيراً من الحواجز وإن كثيراً من العقبات أمكن تذليلها وقد آذن هذا الباب للانفتاح.

إنكم جميعاً تعلمون وإنني ومنذ بداية الأحداث كنت أنادي بضرورة حلِّ المشكلات العالقة عن طريق التفاوض والتحاور, لا عن طريق العنف والعنف المضاد، وكنت أعتقد ولا أزال إن الشدة لا تولد إلا الشدة, وإن احتواء الأزمات يكون بالطرق السياسية لا بالشدة والعنف, فالتفاهم وأخذ الأمور بالرفق هو السبيل الوحيد الذي جعله الله سبحانه لحلِّ كل خلاف يحدث بين البشر، والمسلمون أولى من اتبع إرشاد الباري جل اسمه، واهتدى بكتابه، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وأمرهم شورى بينهم, والآن وقد ابتدأ باب التفاوض ينفتح، وإمكانية التحاور أخذت في الوجود, فالرجاء من الإخوة المواطنين على اختلاف أفكارهم وتباين توجهاتهم أن يعطوا الفرصة لهذه العملية، وأن يدعموا هذه الإمكانية. المفروض علينا أيها الإخوة أن ندعم خطوة التحاور والتفاوض لا أن نهدمها، أن نشجعها لا أن نُوهِن منها، أن نوازر القائمين بها لا أن نشكك فيهم.

إن القائمين بهذه الخطوة إنما يقومون بها لما يشعرون به من الواجب الوطني والديني الذي فرضه الله سبحانه عليهم, ولذلك فهم لا ينتظرون من الناس مدحاً ولا ثناء، لا يريدون من المخلوقين جزاء، إنما يأملون من إخوانهم وهم شركاؤهم في كل ما يحصل لهذا البلد من الخير أو الشر أن يعطوهم الفرصة ليعملوا على تحقيق أماني الجميع ومتطلباتهم, نحن نعرف أن هناك إعلاماً مضاداً لهذا التحرك لا ندري أسبابه، ولا نعرف مصدره, ولا نُدرك هدفه، وقد اتخذ هذا الإعلام المضاد أشكالاً مختلفة, فتارةً بالتشكيك في شخصيات القائمين أو المشاركين في هذا التجمع، وتارة بنفي حق التكلم في الأمر عليهم.

إن القائمين بهذا التحرك لم يدعوا أنهم يمثلون أحداً حتى يحتاج بعض الناس ليقول أنهم لا يمثلون الشعب, فالشعب لم يستفت بعد فيمن يريده أن يمثله، وكل من يدعي أنه يمثل الشعب قبل أن يُطرح إسمه في استفتاء عام فهو مبطل في دعواه، وكلّ من يُدَّعى له بأنه يمثل الشعب قبل أن ينتخبه الشعب فإنما يُدَّعى له شيءٌ لا حقيقة له، حسب الإنسان إذا كان مخلصا أن يقول إنني باعتباري مواطنا أخدم الشعب وأسعى لتحقيق خير الشعب. لا أعتقد أن أي مواطن له الحق أن يمنع مواطناً آخر أن يعمل ما يستطيع لخير الشعب. ولا أعتقد أن أحداً يستطيع أن يُنكر على أفراد هذا التجمع صفة المواطنة، وكما لغيرهم حق العمل بالأسلوب الذي يراه مناسبا، وبالطرح الذي يعتقده صالحا، وأن يسعى لتحقيق ما يصبوا إليه الناس في هذا البلد، فلهذه الجماعة أيضا سواء كانوا متفرقين أو مجتمعين مثل هذا الحق. إن التشكيك في إخلاص الناس لمجرد الاختلاف معهم في الرأي أو في الأسلوب ليس طريقا صحيحا، ولا سبيلا ًحكيما، وإذا كانت الأماني والتطلعات التي يُراد تحقيقها هي عينها التي ينادي بها فما وجه الاعتراض أن ينادي بها غيره وأن يسعى لتحقيقها سواه, إن التعاون أيها الإخوة في تأييد أسلوب التحاور والتفاوض هو السبيل الوحيد لإنجاح المتطلبات التي يصبوا المواطنون لتحقيقها، فلا تُمكِّنوا من لا يريد هذا الطريق من سده في وجوهكم، بترويج إشعاعاته، ونشر تشكيكاته.

جمعنا الله وإياكم على الهدى، وألهمنا وإياكم كلمة التقوى، ووفقنا جميعا لما فيه خير الآخرة والدنيا إنه حميد مجيد.

إن خير ما وشِّح به الكلام، وأفضل ما عمِل بهديه الأنام، كلام الله الملك العلام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ  & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[1].

وأستغفر الله لي ولكم إنه غفور رحيم وتواب حليم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رفيع الدرجات, خالق الأرضين والسماوات، محيي المَوات، ومخرج النبات، وناشر الأموات، ومجزل الهبات، الذي لا تبرمه كثرة الطلِبات، ولا يضجره إلحاح ذوي الحاجات.

نحمده سبحانه على ما وهب وأعطى، ونشكره تعالى على ما خوَّل وأسدى، ونعوذ به من العصبية الرعناء، والانصياع لدواعي الهوى، ونسأله العافية في الآخرة والأولى، والتوفيق للاستضاءة بأنوار الحق والنهى, والتقرب له بما ينفع يوم الجزا.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الجبار، العالِم بخفايا الأسرار، المطلع على ما يخطر في القلوب والأفكار، الشاهد لما يُبيِّت الأخيار والأشرار، الخبير بما يهدف إليه ذووا العصبية والإصرار.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المصطفى، الذي أخمد به لاهِب الغي وطفا، ورسوله المرتضى، ومن أشرق بنور بعثته الكون وأضاء، صدع بالإنذار، وبالغ في الإعذار، فقطع بحجته الأعذار، وأوضح لطالب الحق المنار، لم يثنِهِ عن ذلك تخاذل الأنصار، ولا إشاعات الأشرار، ولا تألُّب الفجار، حتى ذهب ليلُ الباطل وأقبل النهار.

صلى الله عليه وعلى ابن عمه الذي بنفسه فداه، وأفشل ما بيَّته أعداه، وعلى آلهما كنوز الرحمن، وأساس الإيمان، ومفاتيح الجنان، صلاة تكون لنا يوم الفزع الأكبر مفتاح أمان، وترزقنا في دارهم الاستيطان، وتنزلنا من حولهم في أرفع مكان.

أيها الإخوان السائرون على مطايا الآجال، تَحدوا بها حوادي الأيام والليال, وتزجرها وزاجر الأسقام والنَّكال، ما لكم قد نسيتم المآل، وأفسدتم الأعمال، واعتمدتم الإهمال، لا ترعون إلى مقال، ولا تستنيرون بمثال. أفيقوا فقد أسفر وجه الصباح، وأشرق ضوء الحق ولاح، وأفصح المنادي أي إفصاح, يدعوا إلى دار الفلاح، ويوعد بالفوز والنجاح، ويحث على التزود للرحيل، والاستعداد لهذا الحِمل الثقيل، ويحذر من بُعد الطريق، ومن صعوبة مسلك المضيق، وما فيه من التعويق؛ فأجيدوا له الاستعداد، وأكثروا من حمل المياه والزاد، فقد أفلح من ملأ المزاد، ونوَّع المواد، فإنه حري أن يبلغ المراد.

ألا وانه قد تقدَّم إليكم المقال بالتفصيل لا بالإجمال, بأنّ من أفضل الأعمال, عند رب العزة والجلال, هو الصلاة على محمد والآل ذوي المجد والكمال، فقد ورد في الخبر أنه ينبغي للمؤمن المتمسك بحبلهم, المتديِّن بحبهم أن يجعل ذلك على نفسه ورداً حتى يفوز بقربهم، بأن يصلي عليهم في كل يوم من أيام الأسبوع مئة مرة، وفي يوم الجمعة ألفا مرة, ألفاً لما في ذلك من المبرة, فلا يصدنَّكم الشيطان عن هذا العمل الجليل الذي هو سهل يسير على اللسان، وثقيل في الميزان فبادروا رحمكم الله بالإعلان بالصلاة على أمناء الملك الديان.

اللهم صلِّ على النبي الأمي المنتجب، والرسول العربي المنتخب، عالي المنازل والرتب, المظلل بالغمام حيث ما ذهب، فاتح السُدد، ومانح الرشد، أمين الله أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على وصيِّه وخليفته، وأبي بنِيه وزوج ابنته، وشريكه فيما عدى النبوة من عليِّ رتبته، المخصوص منه بالإخاء، والمواسي له في الشدة والرخاء، أمينه على الحقائق والمطالب، وليثه الذي به يُغالب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على خليلته الفاخرة، وحليلته الطاهرة، وقرينته في الدنيا والآخرة، والدة أبنائه وحاملة أعبائه، المظلومة جهرا والمغصوبة قهرا, أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على البدرَيْن المضامين, والسيدين المستضامين، الشاربين بكأس الغصص الأموية, والمقتولَين بسيوف الأحقاد البدرية، السبطين المستشهدين, الإمام بالنص أبي محمد الحسن وأخيه الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.

اللهم صلِّ على البدر المشرق بأنوار السَّداد، والقمر الطالع في آفاق الرشاد، والعلَم الذي يهتدي به الزهاد والعباد، الإمام بالنص أبي محمد علي بن الحسين السجاد.

اللهم صلِّ على صدر الشريعة، وبدر الشيعة، ماحِي البِدع الشنيعة، والأحداث المريعة، ذي العلم الوافر، والحلم الغافر، الإمام بالنص أبي جعفر محمد بن علي الباقر.

اللهم صلِّ على عَلَمِ الأمان، وعلامة الإيمان، وعلاّمة الزمان، الذي إلى مجالس بحثه تحث الرُكبان، كتاب الله الناطق، ولسانه الصادق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق.

اللهم صلِّ على من اعتورته الهموم، وأحاطت به الغموم، وتألب عليه كل ظالمٍ غشوم، ذي المكارم التي خضعت لها رقاب الأعاظم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم.

اللهم صلِّ على وارث العلوم بالقوة الربانية، ومخرس الخصوم بالحجج القرآنية، دافع شبهات المعاندين، ودامغ سفاسط المشككين، وكاشف زيف تمحلات الملحدين، الحجة على من تأخر ومضى, والمشفَّع يوم الحشر والقضا، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على الإمام الناطق بالسَّداد، الصادق في الميعاد، الداعي إلى الرشاد، والناهي عن البغي والفساد، الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد.

اللهم صلِّ على رُكنَي البلاد، وإن أنكرهما أولوا الإلحاد، وسيدَي العباد، وإن جحد حقهما ذووا العناد، القطبين العليين، والسيدين السريين, الإمامين بالنص أبي الحسن علي بن محمد وابنه أبي محمد الحسن العسكريين.

اللهم صلِّ على الخلف من الأوصياء والبقية، البدر المستور بغيوم الظلم والتقية، الحجة الإلهية على كافة البرية، باهر البرهان, وشريك القرآن, الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.

عجل الله تعالى أيام دولته، ورفع على رؤوس الأنام أعلام رِفعته، وجعلنا من المعدودين لنصرته، والممدودين بمساندته، إنه على ما يشاء قدير.

إنّ أبلغ الكلام، وأتمّ النظام, كلام الملك العلام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[2].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات, إنه غفور رحيم.


[1]  سورة العصر

[2]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *