الجمعة 30 شوال 1415هـ المصادف 31 آذار 1995م
(طاعة الله وترك اتباع الهوى)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي لا يبرمه إلحاح سائل، ولا تفني خزائنه المسائل، ولا تغير حكمتَه الوسائل، الذي لا يجري في ملكه شيء إلا بإرادت، ولا يحصل حادث إلا بقضائه ومشيئته، ولا يخرج مخلوق عن شمول قدرته، ولا يفرّ عاص عن مملكته، خضع كل شيء لعزته، وذل كل متغطرس لقوته، وبخع كل جبار لعظمته.
نحمده سبحانه على عميم منِّه وإكرامه، ونشكره تعالى على وافر عطائه وإنعامه، ونعوذ به من شر المضغن وفضول كلامه، ونلوذ به من شراك المتربص ونصول سهامه، ونستعين به على دفع غائلة العدو وإفشال مُرامه، ونسأله التوفيق للعمل بشرائعه وأحكامه، والسير على نهج رسله والتزامه.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، لا شريك له في وجوب وجوده، قهر الألباب على معرفته وتوحيده، وقسر الأذهان على تقديسه وتمجيده، وتحبب لخلقه بقديم كرمه وعميم جوده.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، الصابر في ذات الله على الخطب الجسيم، والممدوح في كتاب الله بالخُلق العظيم، معلم الأميين الكتاب والحكمة، الكاشف بأنوار هدايته سجف الجهالة المدلهمة، المنير بشموس إرشاداته غياهب الضلالة والظلمة.
ونصلي عليه وعلى آله الدعاة إلى خير الدارين، القائمين بإذن الله على هداية الثقلين، الموصى بالانضواء تحت قيادتهم في حديث الثقلين، صلاة نامية زاكية تدوم بدوام الدارين.
أوصيكم عباد الله ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه، فإنها لمن أراد الفوز في أخراه أفضل زاد، وعليها يوم الحشر المعوّل والاعتماد، فإنما يتقبل الله من المتقين، الذين امتلأت قلوبهم بحبه، وارتجفت أجسامهم من خشيته، واطمأنت نفوسهم إلى وعده، وأحذركم ونفسي قبلكم من بطشه ونقمته، وما أعده من شديد العذاب لمن أصرّ على معصيته، ونسي ذِكر ربه، واتبع هوى نفسه، وأقام على معاندته، فإنه سبحانه وتعالى لا يخادَع عن جنَّتِه، ولا تخفى عليه ما توسوس به النفوس، ولا يعزب عن عِلمه ما تضمره القلوب، فاتقوا الله حق تقاته، وقوموا بفروض طاعته، وجانبوا معصيته، والتجئوا إليه جلَّ اسمه منيبين إلى جنابه، وأخلصوا له النيات، وتحببوا إليه بالحسنات، وابتعدوا عن طرق السيئات, قبل أن يحل بكم غضبه، ويشملكم مقته, ألا وإن أعظم ما يضر الإنسان اتباع هواه، ومخالفة نهاه، والسير على العصبيات، والتساهل في أحكامه تعالى بتصغير العظيم من المحرمات، والتساهل في ارتكاب الموبقات، وترجيح مصالح هذه الدنيا الفانية، على ما أعده للمؤمنين في الدار الباقية، فإن هذه الأدواء هي التي جعلت أهل الجاهلية يرفضون رسالات الله, لأنها تنهاهم عن اتباع أهوائهم حيث يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون، حتى أدى بهم ذلك والعياذ بالله إلى عبادة الأصنام المادية والبشرية, فمنهم من تعصب لوثنٍ فأقامه, وعادى عليه وأحب عليه, ومنهم من عبد الرهبان والأحبار بطاعتهم فيما يأمرون به وما ينهون عنه, وهو يعلم أنهم يكْذِبون على الله فيما أحلوا وما حرموا ويتعصبون لذلك حتى غدو أدياناً متفرقة، ومذاهب مختلفة، يعادي كلُ فريق منهم من خالفه, فيستحل قتله, فضلاً عن الكذب عليه وبهتِه وغيبته، كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم قتلوه أو كذبوه، حتى حلَّ مقت الله سبحانه بهم فسلط عليهم أشرار خلقه يسومونهم سوء العذاب
فاتقوا الله عباد الله وتمسكوا بشرعه، أحلوا ما أحل الله، وحرموا ما حرم، ولا تتبعوا سبل من كان قبلكم ممن حق عليهم القول فدمرهم الله ببغيهم
عباد الله إنكم أصبحتم في زمنٍ أصبح فيه المعروف منكرا، والمنكر معروفا، يصدَّق فيه الكاذب على الله، ويكذب فيه الصادق على الله، ويقدَّم فيه الجاهل، ويؤخَّر فيه العالِم، ويوقر فيه من لا يتقي الله سبحانه في نفسه ولا في غيره، ويُهان فيه من كفَّ يده ولسانه عما لا يرضي الله، بل يعتبر مثل هذا الشخص غيرُ مرغوب فيه بينكم لا ترد غيبته, ولا تحفظ حرمته، ويستحل عليه الكذب والبهتان، ويُتوعد بالأذية والامتهان، فارتقبوا إن لم تتراجعوا عن مسلككم هذا عذابٌ مِنَ الله أكيد، وبأسٌ منه شديد، فإنه سبحانه قد جعل المعاصي سبباً لنقمته، والبغي داعياً لمؤاخذته، وهو سبحانه وإن كان يؤخر النَّكال لطفاً منه لإعطاء الفرصة للمذنبين للأوبة إلى حظيرة طاعته، والرجوع إليه بطلب مغفرته، لكنه سبحانه يدمِّر على العصاة إذا تمادوا في معاندته، فلا تتركوا الشيطان يذهب بأحلامكم ويوردكم حتفكم, فإن الشيطان لكم عدو لا يرضى لكم إلا معصية بارئكم، وعندكم كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله، وأقوال المعصومين من أهل بيته, وما ألفه فقهاؤهم من الرسائل والكتب, فلا عذر لكم في إدعاء الجهل غداً بأحكامه، ارجعوا إلى مصادر دينكم واجعلوا مسلككم مطابقا لها؛ تُهدَوا إلى الرشد، وتفوزوا بعظيم الغُنْم، ولا يغرَّنكم عن أنفسكم من اتبع هواه وحليت الدنيا بين عينيه، فطفق يروج لخسيس رأيه، ويغريكم بالجهل فإنه لن ينقذكم غداً مما أنتم عليه مقبلون.
أسأل الله سبحانه أن يأخذ بأيدينا جميعا إلى هدايته، ويوفقنا لملازمة طاعته، ويكفينا شرور أنفسنا وشرور أعدائنا، ويجنبنا عذابه ونقمته، والصَغار عنده يوم محاسبته إنه بالمؤمنين لطيف رحيم.
إن خير ما تلي على الأعواد، وأفضل ما عمل بهديه العباد، كلام من هو للباغين بالمرصاد, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]الْقَارِعَةُ & مَا الْقَارِعَة & ُوَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ & يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ & وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ & فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ & فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ & وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ & فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ & نَارٌ حَامِيَةٌ[[1].
وأستغفر الله لي ولكم إنه غفور رحيم وتواب حليم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الواحد الأحد, الفرد الصمد، الذي ليست له صفة تنال, ولا حدٌّ يضرب فيه الأمثال، حارت في ملكوته عميقات الفِكر، وتبدَّدت دون الوصول إلى جمال بهائه أشعة النظر, وقصُرت عن إبراز نعوته تصاريف الصفات، وكلَّت دون صفاته تعابير اللغات، له سرادق من النور تضل دونها طامحات العقول، وحُجُبٌ من الغيوب تتيه دونها بصائر الفحول.
نحمده سبحانه بجميع محامده، ونشكره تعالى على حسن صنيعه وجليل عوائده، ونستلهمه معرفة طرق مقاصده، ونستعينه على سلوك مناهج موارده، ونستلهمه القيام بما ندبنا إليه من فعل الطاعات، وأمرنا به من وظائف العبادات، وحثنا عليه من فعل القربات.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له المتفرد بالربوبية والمتوحد باللاهوتية، المتقدس بالتمجيد، والمتعبد بالتحميد، جل عن اتخاذ الأبناء, وتنزه عن ملامسة النساء، وتعزز عن الحاجة إلى الشركاء.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله الذي بعثه بالصدق هادياً إليه، وانتجبه بالحق داعياً إليه, فهدانا به من مدلهمات ما عتَّم به الجاهلون, واستنقذنا به مما شبه به الضالون المضلون, صلى الله عليه وآله الأطيبين، وذريته المنتجبين، الخيرة من رب العالمين، قادة الخلق إلى الحق واليقين، وذادة المتوسمين عن حبائل إبليس اللعين صلاة تدوم بدوام الدنيا والدين.
أيها الإخوان السائرون على مراكب الأيام، وهم يحسبون أنهم مستقرون في دار المُقام، المسترخون في المنام، المشتغلون بأضغاث الأحلام، أما آن لكم أن تُفيقوا من هذا الكرى، وتدركوا أنكم تجدون السُّرى، فتتزودوا قبل أن تفوتكم الأسواق، وتفروا قبل أن تُغلَّ منكم الأعناق، فالطريق بعيدة الامتداد، شديدة الحاجة إلى الاعتداد. ألا تخافون في أثنائها جفاف المزاد؟ ونفاذ أوعية الزاد؟ فبادروا رحمكم الله إلى التوبة قبل حلول النوبة، وتجهزوا للغيْبة التي ليس بعدها أوبة، ولا تكونوا كمن وثِق بغفلته، وتعلّل بمهلته، فأمّل بعيدا، وبنى مشيدا، حتى فوجيء بمنيته، واصطُلم ببليته، فصار بعد العز والرفعة والشرف والمِنعة مقيّداً بشباك أجله، مرتهناً بموبقات عمله، قد شقي بما جمع بيده، وأسعد غيره بما يحاسب عليه في غده، يوم يفرُّ عن عرسه وولده، لا يجد إلى مناصٍ سبيلا، ولا يُغني عنه أهله فتيلا، فإلى أين المفر والمهرب؟ وهذا الموت في الطلب، يخترم الأولَ فالأول, لا ينجو منه شريف، ولا يتحنن على ضعيف.
فاستشعروا رحمكم الله الوقوف في عرصات الحساب، إذا طاشت هناك الألباب, وتقطعت الأنساب, وسُدت الأبواب، وقامت ملائكة الرحمة والعذاب, وأشرقت الأرض بنور ربها ووُضع الحساب، وجيء بالنبيين والشهداء فقضي بينهم بالحق وهم لا يُظلمون، فرحم الله امرأً تفكر فاعتبر، ونظر في هذه العبر, وأبصر إدبار ما أدبر.
ألا وإنكم في يوم هو سيد الأيام, كما ورد عن سيِّد الأنام, فيه تضاعف الحسنات وتمحى الآثام، قد جعله الله لكم عيداً وذخرا, ولأسبوعكم مجمعا، فأوجب عليكم فيه الاجتماع من مختلف البقاع، والإنصات للمواعظ والإتباع، وجعل من أفضل أفعاله المأثورة، وأعماله المشهورة، الصلاة على أقطاب الوجود, ومراكز دوائر السعود، محمد وآله أمناء الملك المعبود.
اللهم صلِّ على من اخترق الحجب حتى أشرقت عليه الأنوار اللاهوتية، وشرف نعله بساط الربوبية، وأعطيت له الولاية على ما حوَته الأقطار الملكوتية، النبي العربي المؤيد، والرسول القُرشي المسدد، أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صل على حلال عويصات المشاكل، ومفرِّع عميقات المسائل، الذي ليس له بعد النبي صلى الله عليه وآله مُشاكل، الشهاب الثاقب، أخي الرسول العاقب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
اللهم صلِّ على فرع الدوحة النبوية، وأم الذرية المحمدية، سيدة نساء البرية، الدُّرة النوراء, والبتول العذراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على سيدَي الحرمين، ونورَي المشعرين، وبدرَي الخافقين ذي الأيادي والمنن, الإمام بالنص أبي محمد الحسن وأخيه الشهيد السعيد الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.
اللهم صلِّ على منهاج الصالحين، ومقدام المقربين، ومصباح المتهجدين، ووالد الأئمة الميامين, الإمام بالنص أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على ناشر العلوم المصطفوية، ووارث المقامات الحيدرية، ذي الشرف الفاخر، والعلم الزاخر, الإمام بالنص أبي جعفر الأول محمد بن علي الباقر.
اللهم صلِّ على النور البارق, والفجر الصادق, في ليل الجهل الغاسق، حجة الله في المغارب والمشارق، ولسانه الناطق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق.
اللهم صلِّ على الصائم القائم، صاحب المآثر والمكارم، العالِم بما حوته العوالم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم.
اللهم صلِّ على منوِّر أقطار الأرض والفضا, بما أشرق من نوره وأضاء, الراضي بالقدر والقضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على كعبة الوُّفاد، وملجإ يوم المعاد، ومنهل الرشاد، ومبيِّن طرائق السداد، الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد.
اللهم صلِّ على السيدين الأكرمين، والهُمامين المعظّمين، المبرءين من وصمة الرجس والرّين, الإمامين بالنص علي بن محمد الهادي وابنه أبي محمد الحسن العسكريين.
اللهم صلِّ على حامي بيضة الإسلام، وحافظ حوزة الأنام، وقالع شوكة اللئام, المؤيد بالنصر والظفر, الإمام بالنص مولانا الحجة بن الحسن المنتظر.
نوّر الله الأرض بأنوار طلعته، وكشف عنّا السوء ببركة دعوته، ووفقنا للدخول في زمرة خَدَمَتِه، والاستشهاد تحت رايته إنه سميع مجيب.
إن أشرف ما جرت به الأقلام، واعتمده فضلاء الأنام, كلام الله الملك العلام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[2].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفورٌ رحيم.
[1] سورة القارعة
[2] سورة النحل: 90
