الجمعة 17 محرم 1416هـ المصادف 16 حزيران 1995
(حفظ الأولاد والناشئة)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي يُحقُّ الحق بكلماته, ويمحق الباطل ويمحو صفحاته, ويفضح الكاذب بنشر مفترياته, ويُظهر حسيكة المنافق بكشف هفواته, ويُدينه يوم حشره بما تقيَّأه من لهاته, ويبتلي المؤمن ليُعلي عنده درجاته, ويُثيبه على صبره الفرحة يوم وفاته, ويُظهر فضله حين يزَف إلى غرفاته, حيث يؤتيه أجره مرتين بعد أن يُضاعف له حسناته.
نحمده سبحانه على ما أظهر لنا من عظيم آياته, وفهَّمنا من مقاصد بيِّناته, ونشكره تعالى على ما منَّ به علينا من الإيمان بكتبه وهُداته, ووفَّقنا إليه من الاستنارة بآداب رسله ودُعاته, وما ألهمنا من الالتزام بأحكامه وتشريعاته, ونستدفعه شرَّ كل من لا يخاف ربه ولا يحذر ملاقاته, ونستكفيه أمر الحاقد وما يدفعه إليه الضغن من حماقاته, ونعوذ به من فورة الجاهل وطيشه في حركاته وسكناته, ونسأله المعافاة في الدنيا ويوم الفزعة عفوه ورحماته.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه وملكوته, ولا ندَّ له في عزَّته ولاهوته, ولا كفؤ له في عظمته وجبروته, ولا مثل له في أسمائه ونعوته.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, الصابر على تكذيب الجاهلين, وتشهير المعاندين, المُشنَّع عليه بالساحر الكذاب وهو الصادق الأمين, المُتَّهم بالتعامل مع أهل الكتاب وهو العربي المبين.
صلى الله عليه وعلى ذريَّته وآله المعصومين, الذين تحمَّلوا بهتان المعاندين, وصبروا على أذى المارقين, قادة المخلصين إلى رضا رب العالمين, وهداة السالكين إلى مرافئ اليقين, صلاةً معطرةً بالفل والياسمين, دائمةً بدوام الدنيا والدين.
عباد الله, أوصيكم ونفسي الجانية الآثمة قبلكم بتقوى الله سبحانه ومراقبته, والتزام أوامره والمداومة على طاعته, وأحذِّركم بادئاً بنفسي الأمَّارة من مغبَّة معصيته, والخروج على جادَّة شِرعته, ومتابعة الشيطان والدخول في رِبقته, فإن من لم يدَّرع بمدارع التقوى غلبته شقوته, وصرعته شهوته, وزُيِّن له سوء عمله فرآه حسنا, فنسي حينئذٍ ربه, واتبع هواه, فيرى القبيح حسناً إذا وافق هواه, والحسن قبيحاً إذا خالف رغبته, فلسانه مطلقٌ في أعراض الناس, لا يبالي أن يقول فيهم ما يُنقِع غلته, فهو للحومهم من الآكلين, ولا يتورَّع عن الافتراء عليهم, فتجده لهم من الباهتين, ولا يمنعه إيمانه من إضرام الفتن, فهو بينهم مشَّاءٌ بنميم, أو يكون ممن كلَّف نفسه إفساد الناشئة وعزلهم عن أهل العلم والتقوى, فتجده يتصيَّد حلقات الصبيان ليوسوس لهم بآرائه المنافية لشريعة سيد المرسلين, ولمناهج أهل بيته الطاهرين, مالئاً أفئدتهم الخالية بمطامع الدنيا مشبِّهاً عليهم أنه من الدين حتى يستغلهم في تحقيق مآربه, ويُدخلهم في حزبه, مستغلاً غفلة الناس عنه وثقتهم به لتظاهره بالصلاح والمعرفة والثقافة, أو تجده مستحلاً لأموال الناس, حاسدا لهم على ما أعطاهم ربهم, فلا يبالي بإتلافها وإفسادها عليهم, ومع ذلك يدَّعي أنه لهم من الناصحين المخلصين. هذه حال من نبذ التقوى, وانفلت من قيود الورع عن محارم الله سبحانه, وبرَّر لنفسه كل عملٍ يرتكبه, وزيَّن له شيطانه كل فعلٍ توقَّف عليه غرضه.
فاتقوا الله عباد الله في أبنائكم وفلذات أكبادكم, ولا تتركوهم فريسةً لأصحاب العقول المريضة, والأنفس الجائفة, يملؤون قلوبهم بالبغض والموجدة على بعضهم البعض, ويتَّخذونهم وسائل لتنفيذ أغراضهم, ومطايا لبلوغ أهدافهم, فإنهم لا يبالون بما يصيبهم في دنياهم, ولا ما سينالهم من عقاب في أُخراهم.
ألم تنبِّهكم الأحداث التي تمر بكم عن غفلتكم بما يصيب هذه الناشئة من الأضرار, ألا ترون أن شخصاً مجهولاً يأتي إلى منطقةٍ فيرتكب عملا ثم يتوارى عن الأنظار فيحل البلاء بكثيرٍ من الأبرياء الذين يخرجون ليتفرَّجوا على ما حدث أو ليشاهدوا ما يجري؟ فكم في المعتقلات من هؤلاء الشباب الأبرياء بينما المجرم الحقيقي لا يزال يسرح ويمرح, من يعرفه؟ من يستطيع أن يُشير إليه؟ والآن لا يزال دعاة هذه الأفكار يتجوَّلون من قرية لأخرى ليتصيَّدوا صبيةً جدداً ينفِّذوا بهم أغراضهم, ولهم في كل قريةٍ تقريباً يدٌ يقومون ببثِّ تلك الأفكار في الناشئة, فيا أخي التفت لأبنائك, راقب أولادك وبناتك, كن لهم صديقاً من الأصدقاء حتى يبثوك ما في صدورهم, ويُطلعوك على ما يدور بينهم, سل ابنك مع من تجلس وحاول معرفة جميع الأسماء, واستمع منه إلى ما يدور بينهم من أحاديث, واستعمل عقلك في تحليلها ومعرفة مصدرها ومغزاها, لتجنِّبه ما يفسد عليه ضميره, ويُزوِّر عليه دينه فلا تنتفع به ولا ينتفع بنفسه في دنياه وآخرته, فإنك مسئولٌ عن أولادك وبناتك, فلا تتركهم فريسةً سهلةً للآكلين, وهدفاً رخيصاً للشارين, إذا وجدت عنده مال لم تدفعه له, أو رأيت عنده ثياباً أو أي شيء آخر لم تشتره له فسله عن مصدره, فإن لأتباع الشياطين وسائل كثيرة, وأساليب متعدِّدة لجرِّ الشباب وإيقاعهم في مصيدتهم وتسخيرهم لأهدافهم, بالدين تارةً وبالدنيا تارةً أخرى, ولكن كن أنت أكثر منهم ذكاء, وأعظم لهم حيطة, إذا كنت لا تتمكن من القيام بالمهمة وحدك، استعن بمن عاشرته طويلاً فوجدت استقامته واعتداله في الأمور على نجاة أبنائك حتى تأتي يوم القيامة رافعاً هامتك, قد أدَّيت ما عليك, لقيامك بتربية ذريَّتك الذين هم حياتك الثانية, ففي المستفيض عن أبي عبد الله عليه السلام استفاضةً تكاد تصل حد التواتر “يموت المرء إلا من ثلاث” جعل أولاها “ولد بار يستغفر له”[1]؛ فلا تسبِّب لنفسك انقطاع العمل بإهمال ولدك.
جعلنا الله وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, ووفَّقنا وإياكم لأداء ما كتب علينا من فرائضه وسُننه, إنه سميعٌ مجيب.
إن خير ما خُتم به الكلام, ووُعظ به الأنام, كلام الله ذي الجلال والإكرام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]وَالْعَصْر & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[2].
وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيم, وتوَّابٌ كريم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي ليس لأوليَّته بداية, ولا لآخريَّته نهاية, تاهت العقول عن إدراك كيفيَّته, وحارت الأفكار في حقيقة نعوته وصِفته, وقصرت الأنظار عن رؤيته, وكلَّت الألسن عن واجب مِدحته, قرب من الأشياء لا بمداخلةٍ والتصاق, وبعد عنها لا بحيلولةٍ وافتراق, يعلم ما تجترحه الجوارح, وما يخطر في الخواطر, ولا يخفى عليه ما توسوس به الصدور من مكنونات الضمائر, ولا يختلف علمه بما هو آتٍ عن علمه بما هو حاضر.
نحمده على ما أسداه إلينا من النعماء وأسبغه علينا من متواتر الآلاء, ونسأله العافية من وقعات القضاء, والنجاة من غوائل الأعداء, والفوز بالرضوان مع الأنبياء والصِّدِّيقين والشهداء.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, شهادةً تكون لنا جُنةً من النائبات, ومخرجاً من الكربات, ونوراً في الظلمات, وذخراً عند الممات.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, خير من ألبسه خلعة الاصطفاء, وأعظم المقرب لديه في مقام الصدق والوفاء, ختم بدينه الشرائع والأديان, وفضَّله على من سِواه من الإنس والجان.
صلى الله عليه وآله الناسجين على منواله, المقتدين بأفعاله وأقواله, سادات الأنام وقادة الإسلام وذروة العز والاحتشام مدى الليالي والأيام.
عباد الله اتقوا الله الذي إليه معادكم, ولديه ميعادكم, بين يديه تُوقفون يوم حشركم, فلديه الحكم يوم التناد, وهو بالمرصاد لمن خالف أمره وحاد, فالحذار الحذار من يومٍ تُحشر فيه الأجساد, وتخذل فيه الأولاد والأحفاد, وتشخص فيه الأبصار, وتتخلى فيه الأنصار, ويتبرَّأ فيه الخليل, ويعظم فيه الدعاء بالويل, وتُسدُّ فيه الأبواب, وتطيش فيه الألباب, ]يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ & وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ & وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ & لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ[[3]. ]يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ[[4]. فخذوا أهبتكم لذلك اليوم العبوس مادام بيدكم الاختيار, فغداً تُسدُّ أبواب الأعذار, ولا يُقبل الاعتذار, فبادروا بالتوبة من الذنوب, واغسلوا قلوبكم عما ران عليها من العيوب, واجلوها بماء الندم على ما فرطتم بجهلكم, وتساهلتم فيه من طاعة ربكم, واسألوه العفو عن سيئاتكم, والإقالة من سقطاتكم, فإنه سبحانه غفورٌ رحيم, واغتنموا ما تبقَّى من هذه الأيام القلائل, فإنها فَيْءٌ زائل, بل ظلٌ حائل, قبل أن تضمحل آناتها, تنتهي أوقاتها, فاملئوها بنفائس الطاعات, واشحنوا ساعتها بعرائس القربات, التي من أعظمها مثوبةً عند رب البريات, إكثار الصلوات والتحيات, على محمدٍ وآله البررة الهداة.
اللهم صلِّ على نور حدقة الدين, ونَوْر حديقة اليقين, اللابس خِلعة لولاك لما خلقت الأملاك من بين المرسلين, والمتردي ببردة كنت نبياً وآدم بين الماء والطين, النبي العربي المؤيَّد, والرسول الأمي المسدَّد, أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على أخيه وابن عمه, وكاشف كربه ومجلِّي همه, وباب مدينة أسراره وعلمه, سيف الله الضارب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على قرة عين الرسول, وبهجة فؤاد الأسد الصئول, الزهراء البتول, أم الأئمة النجباء, خامسة أصحاب العباء, الشمس النوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على بدري الإمامة, ومصباحي الكرامة, وشمسي الشهامة, القائم بالفرائض والسنن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن, وأسير الكربة, وقتيل الغربة, دامي الوريدين, ومعفَّر الخدَّين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.
اللهم صلِّ على الدر الثمين, وشمس سماء العبادة واليقين, وقمر ليل التهجِّدين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على جوهرة تاج المفاخر, بدر سماء المآثر, وكنز علوم الأوائل والأواخر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على مفتاح الدقائق, ومصباح الحقائق, ومُعلِّم الخلائق لسان الحق الناطق, الإمام بالنص أبي إسماعيل جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على قطب دائرة المكارم, وعنوان ديوان الأعاظم, مفترَض الطاعة على كل العوالم, الإمام بالنص أبي الحسن الأول موسى بن جعفر الكاظم.
اللهم صلِّ على الرضي المرتضى, الحجة على كل من تأخر أو مضى, الحاكم يوم الفصل والقضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على مُقيم معارج السداد, وموضِّح مناهج الرشاد, ومقصد طالبي الهداية والوفَّّاد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على ضياء النادي, وغياث المنادي, السائرة ركائب محامده في كل وادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على السيد السَري, والبدر الأنوري, والعالم العبقري, الليث الجري, والكوكب الدُّري, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ على خاتِم الولاية الحيدرية, ورافع الراية المحمدية, الآخذ بثار العترة الفاطمية, نور الملك الديان, وحجته على الخلق في هذه الأزمان, الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والأوان.
عجَّل الله تعالى أيام ظهوره, وبسط على وسيع الأرض أشعة نوره, وأسعدنا جميعاً بالدخول في حياطة دعوته, ورزقنا وإياكم الشهادة تحت رايته, إنه سميعٌ مجيب.
إن خير ما خُتمت به الخطب على المنابر, كلام الله القوي القادر, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[5]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفورٌ رحيم.
[1] “خير ما يخلفه الرجل بعده ثلاثة: ولد بار يستغفر له….”بحار الأنوار – ج6 – ص294 – العلامة المجلسي، “ولد صالح يستغفر له”بحار الأنوار – ج68 ص257 – العلامة المجلسي، “ولد يستغفر له”وسائل الشيعة (آل البيت) – ج19 ص174 – الحر العاملي، “وولد صالح يدعو له”تحف العقول – ص264 – طبع مؤسسة الأعلمي – الطبعة7 – بيروت 2002م 1423هـ
[2] سورة العصر
[3] عبس: 34 – 37
[4] سورة الحج: 2
[5] سورة النحل: 90
