الجمعة 1 رجب 1416 المصادف 24 تشرين الثاني 1995
(فضل رجب وأعماله)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المتفرد بعزته وكبريائه, المتمجد بجمال بهائه, المتوحد بقدم منِّه وشمول عطائه, الذي احتجب بسرادق مجده عن مطامح البصائر وملاحظة الأفكار, وبعد بعلوِّه عن هواجس الظنون ونوافذ الأبصار, وتنزه قدسه عن تصويرات الجهلة وتشبيهات الكفار, الذين لا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون, فهم يعبدون ما بأوهامهم يخلقون, وبباطل أفكارهم يصوِّرون, فلهم الويل مما يصفون, وسبحانه وتعالى عما يدَّعون.
نحمده سبحانه حمداً يؤهلنا إلى مرضاته, ويوصلنا إلى جناته, ونشكره تعالى شكراً يرفدنا بالمزيد من منحه وهباته, وينجينا من نقمته وسطواته, ونستعينه عزَّ اسمه على كبح جماح العدو وفضح إشاعاته, ونلوذ بحمى قدرته من كل باغٍ مستهترٍ بنزواته, ونستهديه للقيام بما فرض من وظائف عباداته, ونستلهمه العلم بمقاصد أحكامه وآياته, ونسأله التوفيق لاتباع حججه وبيناته.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له في أزليَّته وسرمديته, ولا ندَّ له في جبروته وعزته, ولا شبيه له في أحديته وصمديته, فهو الواحد الأحد, الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفؤا أحد.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله أول موجودٍ في عالم الإمكان, وأشرف مبعوثٍ للدعوة إلى الإيمان, وأفضل رسولٍ حمل الهداية لبني الإنسان, فدعى إلى طريق الرشد بالموعظة الحسنة, والأساليب المستحسنة, والآيات المحكمة البينة.
ونصلي عليه وآله ذوي المجد والكمال, والكرم والإفضال, والنبل والاعتدال, الذين استخلفهم في أمته, واستودعهم أسرار رسالته, وعهد إليهم بوصيته, صلاةً دائمة زكية, طيبةً ناميةً ذكية.
عباد الله, أوصيكم ونفسي الجامحة الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه وخشيته, والكف عن مخالفته ومعصيته, والعمل على التقرُّب منه بالإخلاص في عبادته, فإنه سبحانه يعلم ما يخطر في الأوهام والظنون, ويطَّلع على ما في ضمائركم تبيِّتون, لا يُستتر عنه برتاج, ولا يُوارى منه ليلٌ داج, ولا تركنوا إلى لذات دار الأشرار, وجنة الفسقة والكفار, فإنها لذةٌ وهميةٌ فانية, ولا تصبوا إلى زهراتها وبهجتها, فتشغلكم عن العمل للحياة الحقيقية السامية, وما فيها من اللذات الدائمة الباقية, والكرامات الخالدة الراقية, واحذروا أن تصيدكم في شباكها, وتغريكم بوصالها, وتُزيِّن لكم علقم صابها, فإنكم لو نظرتم بعين البصيرة, وتأمَّلتم بعقولٍ خبيرة, لوجدتم أن نعيمها لو قيس بما أعد الله سبحانه للمتقين في دار كرامته, ومأوى أحبته, لوجدتموه سراباً في جنب الماء الزلال, وعلقماً بالنسبة للعسل, فإن أقل ما يعطي الله سبحانه من الملك في الجنة للمؤمن أعظم من الدنيا عشر مرات.
وهذا شهر الله الأصب رجب المفضَّل, أو المبجَّل عند الله تعالى قد أقبل عليكم, وهو من أعظم مواسم عبادة الله وطاعته, وأسمى أوقات التقرُّب إليه تعالى بالقيام بمندوباته وسنَّته, قد جعله الله سبحانه حلبةً يتسابق فيها الراغبون في جائزته, وباباً يتزاحم عنده الوافدون إلى مجالس كرامته, فاستبقوا فيه الخيرات, وتسابقوا في الوصول إلى قصور الجنات, واشربوا من رائق تلك الجامات, فإنها في الحقيقة مفاتيح السعادات, فعن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام: “أن نوحاً عليه الصلاة والسلام ركب السفينة في أول يومٍ من شهر رجب فأمر من معه أن يصوموا ذلك اليوم, وقال: من صام ذلك اليوم تباعدت عنه النار مسيرة سنة”[1], ويستحب صوم رجب كله, حتى ورد في الحديث أن من صام رجب ثلاثين يوماً غُفر له ما مضى من ذنوبه[2]، ويتأكد الاستحباب في صيام اليوم الأول منه, ويوم النصف منه أيضا, وصوم يوم المبعث وهو اليوم السابع والعشرين منه, وقد ورد عن الإمام الرضا عليه السلام أنه قال: “بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله لثلاث ليالٍ بقين من رجب وصوم ذلك اليوم كصوم سبعين عاما”[3].
ويستحب في رجب زيارة البيت الحرام, بل إن العمرة في رجب أفضل من العمرة في شهر رمضان وغيره من الشهور, فقد روى الكليني رحمه الله عن معاوية ابن عمارٍ في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام قال:”المعتمر يعتمر في أي شهور السنة شاء, وأفضل العمرة عمرة رجب”[4]. وعن أبي جعفرٍ عليهما السلام في حديثٍ قال:”وأفضل العمرة عمرة رجب”[5]. وروى الصدوق عطَّر الله مرقده في الصحيح عن أبي عبد الله عليه السلام: “أنه سئل أي العمرة أفضل عمرة في رجب أو عمرة في شهر رمضان فقال لا بل عمرة في رجب أفضل”[6], وقد وردت رواياتٍ كثيرة باستحباب زيارة الحسين صلوات الله عليه في رجب خاصةً في اليوم الأول منه وفي نصفه.
وفي رجب مناسباتٌ كثيرةٌ لأهل البيت عليهم الصلاة والسلام ينبغي للمؤمنين إحياؤها بما يتلاءم وجلالة قدرهم وعظمة شأنهم, فإن إحياءها إحياءٌ لأمرهم, الذي ورد به الأمر عنهم صلوات الله عليهم في قولهم: “رحم الله من أحيا أمرنا”[7], وإبرازٌ لحبهم ومولاتهم التي أوجبها الله سبحانه بنص كتابه لهم, وجعلها أجراً لرسالة جدهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم, فإنه لا طريقة في أزماننا هذه لتأدية هذا الحق لهم, والإعلان عن موالاتهم ومودتهم إلا إبراز إعلاء شأنهم بإقامة الأفراح لمناسبات مواليدهم, وإقامة التعازي في حالة وفياتهم, وينبغي تنزيه هذه المناسبات عن كل ما لا يليق بشأنهم وخاصةً ما يتعلق بأمور الدنيا من الكلام والأفعال حتى تكون خالصةً في التقرب إلى الله تعالى بمدحهم ورثائهم.
جعلنا الله وإياكم ممن تمسك بحبلهم, واتبع سنتهم, وسار على مسلكهم, وحشرنا جميعاً في زمرتهم, ورزقنا شفاعتهم وأدخلنا الجنة معهم, إنه بالمؤمنين لطيفٌ رحيم.
إن خير ما خُتم به الكلام, واقتدى بهديه الأنام, كلام الله ذي الجلال والإكرام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ & اللَّهُ الصَّمَدُ & لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ & وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد[[8].
وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيم, وتوابٌ حليم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي لا شبيه له ولا نظير, ولا معين له ولا وزير, المستغني بإحاطة علمه عن المشير, تفرَّد بالمجد والغنى, وقهر عباده بالحاجة والفنا, خلق الإنسان من نطفةٍ تُمنى, وركزه في ساحة الجهد والعنا, وحذره من اتباع الشهوات والمُنى, والتطلع إلى مقامات الرفعة في دار الفنا, والوقوع في مهاوي الردى, والاغترار بتلبيس الضلالة ثياب الهدى, وندبه للتشوُّف إلى المقام الأسنى, والسعي إلى دائرة القرب والرضا, والتنافس في نيل رفيع المنازل في جنة المأوى.
نحمده سبحانه على ما أسبغ من النعم وأضفى, ونشكره جلَّ شأنه على ما دفع من النقم وأطفا, ونعوذ به جلَّ إسمه من الوقوع في شباك الفتن, والتردي في مطبات المحن, ونستعيذه من مكائد ذوي الحقد والإحن, وما يحدث من نكبات الزمن, ونسأله الإخلاص له بالعبادة في السر والعلن.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, الذي أوجد وأفنى, وأمات وأحيا, وأفقر وأغنى, وأضحك وأبكى, وأوسع وأكدى, وأقل وأنمى, وأذل وأعلى, ]لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ[[9].
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله, عبده الذي ختم به الرسل العظام, ورسوله الذي سوَّّده على أنبيائه الكرام, وحبيبه الذي ظلله بالغمام, بعثه إلى الخاص والعام, وأحيا به ما اندرس من دين الإسلام, وبيَّن به من حقيقة التوحيد ما انبهم على عقول الأنام.
ونصلي عليه وآله بدور التمام, ذوي التكريم والإعظام, خلفاء الملك العلام, وأبواب دار السلام, وشموس الحق في غياهب الظلام, صلاةً تدوم بدوام الليالي والأيام, وتستنفذ جميع الدهور والأعوام.
أوصيكم عباد الله ونفسي الجانية العاتية قبلكم بتقوى الله سبحانه وخشيته, والإقلاع عن معصيته, وملازمة طاعته, وأحذركم ونفسي من الاطمئنان لنعيم هذه الدار, التي تعلمون أن أمرها إلى الزوال والبوار, المنغَّصة لذاتها بضروب الآلام والأكدار, فكم غرت قروناً قبلكم بمزخرفاتها الباطلة, وأعارت أقواماً سبقوكم من تلك المنمقات العاجلة, فاطمأنوا لأقوالها, وناموا على سرر آمالها, وأنِسوا بوصالها, وشربوا بكؤوس زلالها, ونسوا ما ذُكِّروا به لنشوتهم بلمى رضابها. رمتهم بعد السرور بالمصائب, وأسلمتهم إلى الفجائع والنوائب, فاسترجعت منهم ما وهبت, وعرَّتهم مما ألبست, فأين الملوك العاتية, والجبابر العاصية, الذين شيدوا الحصون والدساكر, وجمعوا الأموال والعساكر؟ أين من هزم الأقران, وطغى على بني الإنسان؟ اصطلمتهم المنية وقرعتهم الحوادث الدوية. فما أغنت عنهم أموالهم, ولا دفعت عنهم أعوانهم, دارت عليهم دوائر الحمام, وسُقوا بكاسات الموت الزؤام, وأصبحوا بعد العز والأُبَّهة في السجون, مصرَّعين بأسياف المنون, وأعفى البِلا من الدنيا آثارهم, وخلدت على ممر الدهور أخبارهم, فالفرار الفرار من مكر هذه الدار, والبدار البدار إلى دار القرار, مصاحبة الأخيار, فبادروا إلى التوبة قبل فوات وقتها, ولا تسوِّفوها بالأمل فتصبحوا وقد حجبتهم عنها, فما أمر الإقامة في الدنيا متروكٌ لاختياركم, ولا حال الإنتقال إلى الأخرى مرهونٌ باشتهائكم.
وفقنا الله وإياكم لعمل الصالحات الباقيات, وجنبنا وإياكم من ارتكاب الموبقات, والوقوع في الهلكات, إنه سميعٌ مجيب.
ألا وإن من أعظم ما يمحو السيئات, ويكفر عن الخطيئات, ويضاعف الحسنات, هو القيام بوظائف هذا اليوم السعيد, والعيد التليد, ومن أعظمها ثواباً عند الملك العلام, هو إكثار الصلاة والسلام على محمدٍ وآله الأعلام.
اللهم صلَّ على قطب سماء العالم, وأشرف بني آدم, الذي لولاه لما خلقت الأفلاك, ولا أسجدت لآدم الأملاك, صاحب الوقار والسكينة, المدفون بأرض المدينة, يتيمة عقد الرسل الكرام, وسيد الأنبياء العظام, ذي المجد والسؤدد, أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلَّ على صهره وخليفته, ووصيه في أمته, قاضي دَيْنه ومنجز عدته, شهاب الله الثاقب, ونوره المشرق لكل طالب, وسيفه الضارب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلَّ على السيدة المعصومة عن الأدناس, والجليلة المطهَّرة من الأرجاس, الصِّدِّيقة الكبرى, والدرة النوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلَّ على السبط المؤتمن, والسيد الممتحن, الشارب بكأسات الغصص والمحن, والمتجرع لعلقم الحقد والإحن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلَّ على سبط الرسول, وقرة عين البتول, وثمرة فؤاد الأسد الصؤول, صاحب المصيبة الراتبة, وقتيل الدمعة الساكبة, والد الأئمة المهديين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.
اللهم صلَّ على ساقي الشيعة من الزلال المعين, وممتعهم بالحور العين, المدافع عنهم يوم لايجد الإنسان مفزعاً ولا معين, الإمام بالنص على رغم المعاندين, أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلَّ على ناموس العلم والحكمة, والمبرئ بهديه الأبرص والأكمه, البدر الزاهر في مدلهمات الفواقر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على قيِّم الشريعة وهاديها, ونورها المشرق في أقطارها ونواديها, وسيدها في حضرها وبواديها, لسان الحق الناطق على رغم كل جاحدٍ ومنافق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلَّ على من له المفزع يوم الفزع, وملجأ الخلق إذا اشتد الجزع, المجلِّي في حلبة المكارم, والمعمَّد في حلقة الأعاظم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلَّ على الإمام المفترض الطاعة, والشافع لمن أقر به وأطاعه, ومن حبه وزيارته أعظم تجارةٍ وأربح بضاعة, منقذ الشيعة من لظى, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلَّ على الحرز المانع, والذخر النافع, والسيد الشافع, والفخر الرافع, سليل السادة الأجواد, ومن عليه المعوَّل والاعتماد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلَّ على السيدين الأكرمين, إمامي الحرمين بغير ميْن, الفرقدين المشعين, والعلمين الهاديين, الإمامين الأكرمين, علي بن محمدٍ الهادي وابنه أبي محمدٍ الحسن العسكريين.
اللهم صلَّ على المنتظر لكشف كل ضرر, والقائم المؤمل لدفع كل حذر, المخدوم بالقضاء والقدر, والمؤيَّد من الله بالنصر والظفر, الإمام بالنص مولانا الحجة بن الحسن المنتظر.
عجَّل الله له أيام دولته الميمونة الآثار, المأمونة العثار, وجعلنا من الداخلين تحت حياطتها, المسعودين برؤيتها, إنه أكرم مسؤولٍ وأجود مأمول.
إن أشرف ما وعته القلوب والخواطر, ومُحيت به الذنوب والجرائر, كلام الله الرحيم الغافر. أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[10].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفورٌ رحيم, وتوَّابٌ كريم.
[1] من لا يحضره الفقيه – ج2 – ص91 – الشيخ الصدوق
[2] … من صام من رجب ثلاثين يوماً نادى منادٍ من السماء: أما ما مضى فقد غفر لك فاستأنف العمل فيما بقى, هذا لمن صام رجب كله.. وسائل الشيعة (الإسلامية) – ج7 – ص354 – الحر العاملي
[3] ثواب الأعمال – 58 – الشيخ الصدوق
[4] الكافي – ج4 – ص536 – الشيخ الكليني
[5] تهذيب الأحكام – ج5 – ص433 – الشيخ الطوسي
[6] من لا يحضره الفقيه – ج2 – ص454 – الشيخ الصدوق
[7] بحار الأنوار – ج2 – ص151 – العلامة المجلسي
[8] سورة الإخلاص
[9] سورة الأنبياء: 23
[10] سورة النحل: 90
