الجمعة 27 رمضان 1419هـ المصادف 15 كانون الثاني 1999م

الاستفادة من شهر رمضان (شهر التوبة)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي غذّى أنفسنا بأسرار حكمته الزاهرة، وأفاض على عقولنا أنوار معرفته الباهرة، وألهم ألبابنا التأمل في عجائب مصنوعاته الظاهرة، فأوجب لنا الإذعان بوجوب وجوده وقدرته القاهرة، وأنجانا من قبول أوهام الزمر الملحدة الكافرة، وهدانا لتصديق رُسله واتباع العترة الطاهرة، فوفقنا لمعرفة نجدِ النجاة في الآخرة، وأنقذنا من التصديق بالعقائد البائرة، والدخول في المذاهب الحائرة، والسير في ركاب الفئات المنحرفة الجائرة.

نحمده سبحانه على عظيم نعمه المتواترة، ونشكره تعالى على ترادف عطاياه الفاخرة، ونستزيده من سوابغ آلائه الهامرة، ونعوذ به من شر كل نفس لا تؤمن بالحياة الآخرة، ولا تبالي أن يُفعل بها فاقرة، يوم يقوم الناس من الحافرة، ونسأله جلّ شأنه أن يجعل وجوهنا يوم نلقاه مستبشرة ناضرة، لربها ناضرة, لسعيها شاكره.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تؤمن من سطوات استدراجه ومكره، وتدعوا إلى الانغمار في طاعته وشكره، والمسارعة إلى عبادته وذكره، والعمل لنيل مثوبته وبِرّه.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المجلل بالهيبة والوقار، وحبيبه المصطفى من بين ذوي الفخار، نبأه وآدم صلصال كالفخار، وسوَّده على جميع رسله الأطهار، وشد أزره بعلي البطل المغوار، والليث الكرار، زاكي النجَار، وحامي الذمار، الذي فداه بنفسه يوم الغار.

صلى الله عليهما وعلى من انتسب إليهما من الهداة الأطهار، صفوة الملك الجبار، وخزنة الأسرار، وحماة الآثار من عبث الجهلة والأشرار، وهداة الأخيار, إلى ما ينقذ من لهيب النار، صلاة دائمة ما عاقب الليل النهار, وهبت رياح الصَّبا في الأسحار.

عباد الله, أوصيكم ونفسي الجانية الآثمة قبلكم بتقوى الله سبحانه، فإنها خير ما ادخرتموه عند بارئكم، وأفضل ما أعددتموه ليوم سفركم، فيها نجاح أمركم، وتحقيق طلبتكم، بل هي الوسيلة لفكاك رقابكم من سلاسل الجحيم، والصراط الذي يقودكم لدار النعيم، فلا تجزعوا على ما يفوتكم من لذائذ هذه الدار الفانية، ولا تتشاغلوا بالعمل من أجل إعمار هذه الدار على حساب الآخرة فما هي لكم بباقية، عباد الله اذكروا ما منَّ الله به عليكم من سوابغ نعمه فاعملوا على أن تؤدوا له شكر أياديه عندكم، وأنّى لكم والقدرة على شكر نفس من أنفاسكم التي بها تستقيم حياتكم، فضلا عن سائر ما تتمتعون فيه من النعم الجليلة، والمنن العظيمة، ولكن بقدر المستطاع من مقابلة الإحسان بالإحسان، على أنه سبحانه غني عن طاعتكم, غير متضرر بمعصيتكم، ولكنه جلَّ ذكره تعهد بالزيادة للشاكرين, وبالعذاب للكافرين، الذين أصروا على محاربته، ومولاة عدوه، فلا تعرضوا أنفسكم لغضبه، فإن عذابه شديد، نار وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد.

عباد الله, إنكم في آخر جمعة من شهر رمضان، شهر الله الذي خصه بالرحمة والرضوان، وحفه بالبركة، يضاعف فيه الأجر للطائعين، ويقبل فيه التوبة من المنيبين، ويقيل فيه العثرة من النادمين، ويعفو فيه عن المستغفرين، فلا تضيعوا ما تبقى من أيامه ولياليه فيما لا يعود عليكم بالمنافع الأخروية، ويدرُّ عليكم الأرباح الحقيقية، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله أن من خرج عنه شهر رمضان ولم تغفر ذنوبه, لم يغفر له إلا في السنة القادمة؛ إلا أن يحج[1]، فلا تضيعوا هذه الفرصة التي وفرها لكم بارئكم بكرمه، بالتشاغل بأمور الدنيا، فإنها زائلة كما تعلمون، وأنتم عنها راحلون، ولِما تجمعونه فيها مفارقون، مع إن رزقكم فيها مضمون، وليس بقوة أحد منكم أن يزيد فيما قُدِّر له من النصيب من متاعها، وليس باستطاعة أحد منكم أن يحجب عن غيره ما هو مكتوب له من رَفدها، وإنما هو ابتلاء لكم ببعضكم البعض، حتى يعلم المطيع ممن عصى، ويعرف المؤمن من الفاسق الذي غوى، فلا تشغلوا أنفسكم بما هو مقدَّر لكم، عما ترك لجِدِّكم وكدحكم.

نقوا أنفسكم من حبائل الشيطان ووسوسوته، وأخلصوا لله نياتكم يقربكم من حضرته، ويسبغ عليكم شئابيب رحمته، ويؤيدكم بنصره، ويفك عنكم الأغلال التي جعلتموها في أعناقكم، ويدفع عنكم الأخطار التي أوقعتم فيها أنفسكم.

عباد الله, توبوا إلى الله توبة نصوحا في هذا الشهر الفضيل، وجاهدوا في فكاك رقابكم من النار، ابتعدوا عن كبائر الإثم التي أصبحتم بارتكابها مولعين، ولها مستصغرين، وعليها مداومين، ابتعدوا عن الغيبة والبهتان، نقوا قلوبكم من العداوة لذوي الإيمان، طهروا أنفسكم من الأحقاد والأضغان، وحِّدوا صفوفكم على هدي القرآن، إرحموا الضعفاء والفقراء، أعينوا الأيتام والمساكين، فإن الله سبحانه يقول في كتابه: ]فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ & فَكُّ رَقَبَةٍ & أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ & يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ & أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ & ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا      بِالْمَرْحَمَةِ[[2].

وفقنا الله وإياكم للعمل بمراضيه، وجنبنا معكم ارتكاب معاصيه، وجعلنا جميعا ممن يكون مستقبله خيرا من ماضيه، وجمع بيننا وبين أوليائه وأحبته، وفرق بيننا وبين أهل عداوته ومعصيته، إنه سميع مجيب.

إن خير ما ختم به الخطاب، وأبلغ ما وعاه أولوا الألباب، كلام الله المستطاب، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[3].

وأستغفر الله لي ولكم إنه غفور رحيم وتواب حليم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ذي العظمة واللاهوت، والعزة والجبروت، والملك والملكوت، المتوحد بوجوب وجود ذاته، المتفرد بكمال نعوته وصفاته، المستغني عن الدلالة عليه بشيء من مصنوعاته، المتفضل بالإحسان على كافة مخلوقاته، البينة حجته بوضوح آياته، الظاهرة حكمته في اتساق تشريعاته.

نحمده سبحانه بما له من المحامد، ونشكره تعالى على ما له من بوادي النعم والعوائد، ونستهديه جل اسمه لأرشد المقاصد، ونستكفيه أمر كل خاتر وكائد، ونستدفعه شر كل متقصد معاند، ونلوذ بجواره من سطوة كل جائر وجاحد، ونسأله النجاة يوم الفزعة من تلكم الشدائد.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له المنزه عن اتخاذ الشركاء والأبناء، المتقدس عن ملامسة النساء، المتوحد بالألوهية في الأرض والسماء، شهادة نستكشف بها غوائل الأدواء، ونستدفع بها نوازل البلاء، ونستنير بهديها في الفتن العمياء، ونلوذ بظلها يوم تبدل الأرض وتطوى السماء.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله، أفضل من ألبس حلة الاصطفاء، وأكرم من عرج به إلى السماء، وأقرب المقربين من بين أولي العزم وسائر الأنبياء، عبده ورسوله المبعوث بالحنيفية النوراء، المرسل بالشريعة السمحاء، فيا فوز من آمن به وأطاعه فإنه يكون من السعداء، ويحشر مع الصديقين والشهداء.

صلى الله عليه وآله الأتقياء، البررة الأوفياء، المنتجبين الأوصياء، الحكماء العلماء، صلاة تدفع عنا نوازل البلاء، وتجعلنا في الآخرة من النبلاء، وتحشرنا في زمرة أصحاب الكساء.

أيها الإخوان المهتدون، الذين لم تقعد بهم الأعمال عن القيام بالواجبات، ولم تشغلهم الدنيا عن حضور الجمعات، ولم يتبعوا الهوى ويعللوا سلوكهم بالترهات، اعلموا أنه بعد أيام قليلة يطل عليكم يوم الجائزة، وما أدراكم ما يوم الجائزة، يوم عند الله عظيم، يوم التشريف والتكريم، يوم تبيض فيه وجوه الصائمين، يوم تفرح فيه قلوب المخبتين، فاستعدوا له حق الاستعداد، واجهدوا أن تكونوا ممن يُضاعَفُ لهم فيه الأجر والثواب، ويفوزوا برضا الكريم الوهاب.

هذا اليوم أيها الإخوة فيه واجبات، وفيه مندوبات، وينبغي للمؤمن المخلص في إيمانه أن لا يترك فعل تلك الواجبات، ولا يتهاون في أن يأتي بما يتمكن عليه من المسنونات، فيجب في ذلك اليوم حضور الصلاة مع توفر شرائط وجوب الجمعة، فلا يعذر الإنسان بترك حضور الصلاة بالأعذار الواهية، الثاني من الواجبات إخراج زكاة الفطرة عن نفسه وعمن يعوله سواء كان واجب النفقة عليه، أو لم يكن واجب النفقة عليه، فالعبرة بعيلولته له، حتى الأجير ولا فرق في ذلك أن يكون المعال – الذي يعوله المكلف- مسلما أو غير مسلم، وقدر الفطرة صاع من الطعام الغالب على قوت البلد، إن لم يرد العمل بالجنس المستحب لقطره، ويجوز إخراجها قيمةً فيقدر قيمة الصاع ويدفعه إلى المستحق، ووقت هذه الزكاة من حين ثبوت هلال شوال إلى زوال الشمس من يوم العيد، ولا يجوز تأخيرها عن ذلك الوقت مع وجود المستحق إلا إذا كان له ذو رحم غائب ينتظر وصوله أو لقياه، ولو كان قد عزلها عن ماله وأخرها عن الوقت تعمدا صح إخراجها وأثم بالتأخير، وأما إذا لم يعزلها عن ماله حتى زالت الشمس من يوم العيد فقد فاتت عليه، ولا بأس بإخراج قدرها صدقة ولكن لا تكون حينئذٍ فطرة. ومستحق الفطرة هو مستحق الزكاة، فتحرم على من انتسب إلى علي وفاطمة عليهما السلام كما تحرم عليهم سائر أنواع الصدقة الواجبة، لكن لو كان الخمس لا يجزيهم فلا مانع لهم من أخذ الفطرة ممن هو مثلهم في النسب.

وأما مندوبات هذا اليوم الذي جعله الله لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم ذخرا وشرفا وكرامة وجعله لأمته عيدا فكثيرة، ومن أهمهما زيارة الأقارب والأرحام، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والتصدق على الفقراء والأيتام، وتهنئة المؤمنين بعضها بعضا بذلك اليوم، والتوسعة فيه على العيال.

ألا وإنكم في يوم هو من أجل الأيام، وموسم من أعظم مواسم الإسلام، وأن من أعظم أعماله المكفرة للآثام، والمثبتة غداً للأقدام هو الصلاة والسلام على محمد وآله البدور التمام.

اللهم صلِّ على شمس فلك الرسالة، وبدر سماء الدلالة، علة الوجود، وصفي المعبود، النبي العربي المؤيد والرسول الهاشمي المسدد أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على من قام بعده بأعباء الدين، وجذع معاطس المعاندين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين، المخصوص بالزهراء دون كل خاطب، المفضل عند النبي على جملة المتنسلين من لوي بن غالب، الإمام بالحق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على السيدة المعصومة عن الأدناس، والجليلة المطهرة من الأرجاس، الصديقة الكبرى، والدرة النوراء أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على السبط المؤتمن، والسيد الممتحن الشارب بكاسات الغصص والمحن، والمتجرع لعلقم الحقد والإحن، الإمام بالنص أبي محمد الحسن.

اللهم صلِّ على سبط الرسول، وقرة عين البتول، وثمرة فؤاد الأسد الصؤول، صاحب المصيبة الراتبة، وقتيل الدمعة الساكبة، والد الأئمة المهديين، الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ على ساقي الشيعة من الزلال المعين، وممتعهم بالحور العين، المدافع عنهم يوم لا يجد الإنسان مفزعا ولا معين، الإمام بالنص على رغم المعاندين، أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّ على ناموس العلم والحكمة، والمبريء بهديه الأبرص والأكمه، البدر الزاهر في مدلهمات الفواقر، الإمام بالنص أبي جعفر الأول محمد بن علي الباقر.

اللهم على قيِّم الشريعة وهاديها، ونورها المشرق في أقطارها ونواديها، وسيدها في حضرها وبواديها، لسان الحق الناطق، على رغم كل جاحد ومنافق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر الصادق.

اللهم صلِّ على من له المفزع يوم الفزع، وملجأ الخلق إذا اشتد الجزع، المجلي في حلبة المكارم، والمعمد في حلقة الأعاظم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم.

اللهم صلِّ على الإمام المفترض الطاعة، والشافع لمن أقر به وأطاعه، ومن حبه وزيارته أعظم تجارة وأربح بضاعة، منقذ الشيعة من لظى، الإمام بالنص علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على الحرز المانع، والذخر النافع، والسيد الشافع، والفخر الرافع، سليل السادة الأجواد، ومن عليه المعول والاعتماد، الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد.

اللهم صلِّ على السيدين الأكرمين، إمامي الحرمين بغير مين، الفرقدين المشعين، والعلمين الهاديين، الإمامين المنصوصين، علي بن محمد الهادي وابنه أبي محمد الحسن العسكريين.

اللهم صلِّ على المنتظر لكشف كل ضرر، والقائم المؤمل لدفع كل حذر، المخدوم بالقضاء والقدر، والمؤيد من الله بالنصر والظفر، الإمام بالنص مولانا الحجة بن الحسن المنتظر.

عجل الله له أيام دولته الميمونة الآثار، المأمونة العثار، وجعلنا من الداخلين تحت حياطتها، المسعودين برؤيتها، إنه أكرم مسؤول، وأجود مأمول.

إن أشرف ما وعته القلوب والخواطر، ومحيت به الذنوب والجرائر، كلام الله الرحيم الغافر، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[4].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفور رحيم.


 [1] “من لم يغفر له في شهر رمضان لم يغفر له إلى قابل إلا أن يشهد عرفة”الوسائل – ج10 ص305 – الحر العاملي وكذا في الكافي – ج4 ص66 – الشيخ الكليني

[2]  سورة البلد: 11 – 17

[3]  سورة العصر

[4]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *