الجمعة 19 رمضان 1421هـ المصادف 15 كانون الأول 2000م

(وفاة أمير المؤمنين عليه السلام)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي شغل قلوب أوليائه بالنظر إلى جمال عظمته, حتى هامت في محبته, وثملت بلذة مناجاته عن النظر إلى غير حضرته, وأفاض على أنفس أودائه من رواشح جلال مجده, فزهدت في متاع الدنيا, ولم تلتفت إلى نضرته, شوقاً إلى نيل أقصى درجات القرب من عزته, وتجلى لهم بأسمائه وصفاته حتى أشرقت عقولهم بمعرفته, وظهر لبصائرهم فيما أبدع من أصناف الخلق في أرضه وسمائه, فأذعنوا بقدرته, وارتعدوا من مهابته, وكشف لهم عن حقيقة الثواب والعقاب فرجوا رحمته, وأوجسوا من خيفته, فمنَّ عليهم بلطفه واصطفاهم لهداية بريته, وجعلهم قدوةً لمن شاء أن يتخذ إليه سبيلاً من طالبي مغفرته, وفرَّع طاعتهم من طاعته, وجعل موالاتهم نجداً موصلاً لمرضاته ورحمته.

نحمده سبحانه على جزيل نعمه الباهرة, التي من أجلها بل أعظمها بعد نعمة الوجود التوفيق لموالاة أوليائه, والسير على نهج أصفيائه, حتى وُسِمنا دون الناس بأننا لهم من المؤيِّدين التابعين, وبأقوالهم وأعمالهم من المقتدين, ونشكره جلَّ اسمه على جليل المنن الخفية والظاهرة, التي من أسناها وأعلاها أن جعل لنبينا صلى الله عليه وآله الدرجة العليا ليشفع لنا لديه في الآخرة, ونسأله جلَّ شأنه أن ينصرنا على الفئات الفاجرة, التي هي عن مناهج الحق صائرة, وينقذنا من ترهاتهم الفاترة.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, تجلبب بالعز والبهاء, وتسربل بالعظمة والكبرياء, مُفيض الخيرات ودافع البلاء, سلطانه عظيم, وملكه قديم, وهو على من عصاه حليمٌ كريم, وبالمؤمنين رؤوفٌ رحيم.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي اصطفاه, ونجيه الذي ارتضاه, وحبيبه الذي قربه وأدناه, ورسوله الذي رفع قدره وأعلاه, صدع بالإنذار, وبالغ في الإعذار, وأوضح لطالب الحق المنار, وقطع بحجته الأعذار, لم يثنه عن النصح لعباد الله قلة الأنصار, ولا إشاعات الأشرار, ولا تألب الفجار, حتى انمحق غسق الباطل وظهر وجه الحق كوضح النهار.

صلى الله عليه وآله ذوي الفضل والنبالة, والمهابة والجلالة, الذين تحملوا الأذى في جنب الله, وصبروا على ما نالهم من أعداء الله, وبيَّنوا ما استُحفظوا من كتاب الله, لم تأخذهم في ذلك لومة لائم, ولا منعهم من إرشاد المؤمنين إزراء غاشم, صلاةً دائمةً أثناء الليل والنهار, مرضيةً من الرحيم الغفار, منقذةً من شواظ النار.

اعلموا عباد الله أنكم في يومٍ هو عند الله عظيم, وفضله لديه عميم, فليلته التي مرت هي إحدى الليالي التي أكرم الله بها أمة محمدٍ صلى الله عليه وآله, فهي إحدى ليالي الإفراد في هذا الشهر الكريم, التي يُرجى أن تقع فيها ليلة القدر, فهي من أعظم وأشرف ليالي شهر رمضان المعظم حسب ما ورد في فضلها من الروايات عن الرسول الصادق الأمين, ويومها من أشرف أيامه, فكان ينبغي أن تُتخذ موسماً للأفراح, وموعداً للمسرة والانشراح, وإظهاراً للأنس بما منَّ الله به على هذه الأمة من التكريم لها, ولكنها شيبت بحادثٍ وقعه على الإسلام عظيم, ومصيبةٍ رزؤها على النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته جسيم, ففي مثل هذه الليلة تمكن الأنذال من تنفيذ مؤامرتهم باغتيال سيد الموحدين, وإمام المسلمين, فاغتالوا بذلك كل مسرَّةٍ في قلوب المؤمنين, بل أطاحوا بعماد الدين, وهدموا بقتله حصنه الحصين, فحققوا بذلك حلم المنافقين, الذين لم يدخلوا الإسلام إلا مستسلمين, ومن سيفه خائفين, ولذلك نابذوه العداوة وقد كانوا بوجوب محبته وموالاته من العالمين, فزووه عن مقامه الخليق به, وقدموا عليه غيره, ممن يعلمون أنه لا يدانيه تضحيةً ولا جهادا, ولا قرابةً ولا علما, مثيرين عليه البغضاء في قلوب الناس, متعاونين في تشويه صورته مع الفسقة الأرجاس, حتى أنه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله لم يبق معه من الأمة إلا أفرادٌ لا يمكن أن يستقيم بهم أمر, ولا يصح أن يجازف بهم في دفع مكروه, فتواثبوا عليه من كل جانب, وأظهروا له ما كان في الصدور من الحقد الدفين, المتولد من قتل الآباء والأعمام, بسبب حربهم لسيد المرسلين, وما أصاب من دمائهم في بدرٍ وحنين, وتكسيره الأصنام من فوق البيت الحرام.

نعم تواثبوا عليه من كل جانب, ناسين أو متناسين جهاد والده أبي طالبٍ عليه السلام في سبيل الدفاع عن الدين, وتحمله عبء حماية الرسول الكريم, ومن آمن معه في وقت الشدة والضيق, نسوا أبا طالب وما قدمه من الضحايا من أهل بيته في سبيل الدفاع عن حوزة الإسلام, ومن قتل له من الإخوة والأعمام, نسوا علياً وخوضه لتلك الغمرات الجسام, التي ارتجفت من هولها قلوبهم, وزاغت من خوفها أبصارهم, وارتعشت لما دُعوا لمصالاتها أبدانهم, نسوا مبارزته لعمر بن ودٍ العامري يوم الأحزاب, نسوا قلعه لباب خيبر الذي رد كبراؤهم وساداتهم عن الوصول إليه ناكصين على أعقابهم, معلنين أمام الملأ جبنهم وخوفهم وخورهم, نسوا كل فضائل عليٍ وسوابقه, وصموا آذانهم عن كل ما قاله رسولهم في حقه, فزووه عن مقام الخلافة والقيادة, حسداً من عند أنفسهم, وبغضاً تفيض به أفئدتهم, وحقداً يغلي في صدورهم.

فبقي صلوات الله وسلامه عليه خمسةً وعشرين عاماً قابعاً في بيته, لا يشارك في أمر الأمة بشيء, إلا إذا أعيتهم المذاهب فلجئوا إليه, يلتمسون منه العون, أسعفهم بما يحل لهم المشكلة.

ولما اعصوصبت بهم الأمور, بعد أن تقاذفتهم الأهواء, وجُرِّبت في حكمهم الآراء, وتنقل الأمر بهم في بيوت قريش من بيتٍ إلى بيت, وآل بهم الأمر إلى قتل خليفتهم الذي ولَّوه, بعد أن رأوه يميل إلى غيرهم, ويُقدم عليهم سواهم, فقاموا بالتأليب عليه وجاهروه العداوة, وأثاروا عليه البلدان حتى تمكنوا من قتله, فوجدوا الناس تندفع إلى علي اندفاع الهيم العطاش إلى وردها, ولم يكونوا آنذاك قادرين على إبراز أنفسهم, فجاؤوه مبايعين بقلوبٍ تُضمر الخيانة, ونفوسٍ يملأها النفاق, فما أشبه الليلة بالبارحة, ما أشبه بيعتهم هذه ببيعة أسلافهم لابن عمه صلى الله عليه وآله يوم اضطروا للشهادة أمامه لله بالوحدانية وله بالرسالة في فتح مكة, فكما عاشوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله يتحينون فيه الفرص, ويتربصون به الدوائر, كذلك عاملوا علياً أيام خلافته, فجعلوا أيامه حروباً وفتنا, وإثارةً وتأليبا, حتى تمكنوا من القضاء عليه بأبي ونفسي, وهو في صلاته منقطعاً لربه.

وليتهم اكتفوا بما نالوا منه في حياته, بل جعلوا عداوته ديناً يتقربون به إلى الله, وأخذوا يشيعون سبه وشتمه, ويحاربونه في معاداة كل من كان معه أو في جماعته, بل يستحلون قتل كل من لم يرض بفعلهم فيه, حتى شبَّت على ذلك نفوس الأطفال, وهرمت عليه عقول الرجال, وبُنيت على عدم الاعتراف بحقه الأجيال.

عباد الله, هذا هو حال طالبي الدنيا وعشاقها, وهذا ديْدنهم في جميع الأزمنة والآنات, لا فرق في ذلك بين بني إسرائيل وبين بني يعرب وإسماعيل, فمن حليت الدنيا في عينيه, وأنسته ذكر ربه, نبذ التقوى من نفسه, وصار دينه هواه, ونيله المجد في هذه الحياة مولاه, فلا يبالي بما يرتكبه من الآثام, ولا يهتم في سبيل الوصول إلى مبتغاه وإن فنيت الأنام, وهلكت الأنعام, ولأمرٍ ما أكثر الله سبحانه وتعالى سرد قصص بني إسرائيل في القرآن, فقد تحقق في علمه تعالى أنه يجري في هذه الأمة ما جرى عند بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة, بل في الحديث الشريف المتفق عليه: “حتى أنهم لو دخلوا جحر ضبٍ لدخلتموه”[1].

فاتقوا الله عباد الله ولا تتبعوا خطوات من جانب شريعة الله, ودعى إلى غير منهج الله، ولم يتقيَّد بأحكامه, فإن عمر الدنيا قصير, ومتاعها في جنب ما وعد الله الصابرين حقير, والأمر غداً جدُّ خطير, فبادروا فيما بقي من أيام العمر إلى عمل الخيرات, وأكثروا من الحسنات, وابتعدوا ما استطعتم من الهفوات, وتجنبوا ما تقدرون على تجنبه من الشبهات, فلعل الله سبحانه يلطف بأحوالكم, ويتجاوز عن سيئاتكم, خاصةً في مثل هذا الشهر الذي جعله الله شهر الرحمة والغفران, وارفعوا أيديكم بالدعاء فإنه هو السميع المجيب.

اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه, وما قصرنا عنه فبلغناه, اللهم المم به شعثنا, واشعب به صدعنا, وارتق به فتقنا, ووحد به كلمتنا, وأعزز به ذلتنا, وكثر به قلتنا, وآتنا به من الدنيا والآخرة آمالنا, فإنك خير المسؤولين, وأوسع المعطين[2].

إن خير ما تلاه خطيب, واتعظ به نابهٌ أديب, كلام الله الرقيب الحسيب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزَالَهَا & وَأَخْرَجَتِ الأرْضُ أَثْقَالَهَا & وَقَالَ الأنْسَانُ مَا لَهَا & يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا & بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا & يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ & فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ & وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ[[3].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم, والتواب الحليم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي سقى أولياءه رحيق محبته, وزيَّن قلوب أحبائه بإشراق معرفته, ووشح بساتين خلوات أودائه بأزهار طاعته, وأهَّلهم لقبول فيوضات ألطافه وسوانح عنايته, فانقلبوا بنعمةٍ من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوءٌ بحسن رعايته, ودعا أبناء التراب إلى ذلك المقام المستطاب وفتح لهم أبواب هدايته, وحذَّرهم من مغبة مخالفته, بما يصيبهم في حياتهم الدنيا من السوء وفي الآخرة بالحرمان من جنته, وفتح على قلوب خواص عباده أبواب البهجة والسرور بما تمتعوا به من عافيته, ووُفِّقوا إليه من تجنب نقمته, فزهدوا في لذات دار الغرور راجين أن يمنَّ عليهم بإدخالهم في دار المقامة فيصبحوا من أهل كرامته, وابتعدوا عن أفعال سكان دار الديجور فأعقبهم في النشأة الأخرى الحبور, ]قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ[[4].

نحمده سبحانه بجميع محامده, ونشكره تعالى على جوائزه وعوائده, ونستهديه لسلوك طرائق مقاصده, ونعوذ به من وسوسة الشيطان ومكائده, ونلوذ بحماه وهو المستجار من صولة كل طاغٍ قد أحدَّ لنا سهامه وآلاته, ونستعينه على القيام بما ندبنا إليه من شرائف عباداته, وأمرنا به من وظائف طاعاته.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له في أزليته وسرمديته, ولا ندَّ له في جبروته وعزته, ولا شبيه له في أحديته وصمديته, فهو الواحد الأحد, الفرد الصمد, الذي لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفؤا أحد, فله نعبد ونحفد, وله نركع ونسجد.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله مقدام كتائب النبوة وقائدها، وخاتم صحيفة الرسالة ورائدها, وموضح طرق الهداية ومعبدها, ومفرق زمر الغواية ومبددها.

ونشهد أن ابن عمه علياً هو ولي الأمة من بعده وسيدها, وهو المؤتَمن على أسرار الرسالة وشاهدها, وأنه مثله في ما عدى النبوة من المناصب وإن استهول ذلك جاحدها.

اللهم صلِّ عليه صلاةً تبلغ معاقد العز من عرشك, وتدوم بدوام ملكك, وتفتح أبواب رضاك والأنس بقربك، وعلى ابن عمه عليٍ الذي كشفت به كربته, وفرجت به غمته, وشددت به أزره, وصلَِّ اللهم على الأئمة الهادين من ذريتهما, خلفائه في أمته الناشرين لدعوته, الراوين لسنته, المبينين أحكامه, الرافعين أعلامه, ]أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[[5].

أما بعد فاعلموا – يا من حباكم الله سبحانه وتعالى بالهداية إلى الاعتقاد بالولاية، ومنَّ عليكم بالنجاة من الفتنة والغواية, فأصبحتم النمط الأوسط الذي ورد مدحه في الآية والرواية – أنه قد صادف يومكم هذا فادحةٌ على الإسلام جليلة, وذكرى على المؤمنين أليمة, ففي مثل هذا اليوم أصيبت الأمة بسيد الوصيين, وقائد الغر المحجلين, حامي حمى حوزة الدين, المدافع عن سيد المرسلين, ليث الله الغالب, وسيفه الضارب, أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وعلى ابن عمه وآلهما الأطائب.

ولأمير المؤمنين عليه السلام من الكرامات ما لا يحصيه العادون, ومن المعاجز ما يعجز عن ذكره الواصفون, على رغم ما قام به الظالمون من تضييق الخناق على من ذكر له فضيلةً أو منقبة, حتى أنهم شرعوا في الأذان شتمه, وأوجبوا في الخطبة سبه, ولست هنا في مقام مدحه, وأنى لي بذلك وقد نطقت بمدحه سور القرآن, ونزلت فيه كثير من الآيات من الرحيم الرحمن, ويكفي في فضله وشرفه أنه ومحمدٌ صلى الله عليه وآله من نورٍ واحد حيث قال: أنا وعلي من نور واحد وأن هذا النور لم ينشق من لدن آدم حتى زمان عبد الله وأبي طالبٍ عليهما السلام[6], وإن أبى الناصب الاعتراف لهما بالإسلام, وأن الله سبحانه كفَّل رسوله حضانته وتربيته, فأخذه من أمه وهو بعد طفلٌ صغير, ينيمه معه في فراشه, ويشمه عرفه, ويسقيه من ريقه, يقول عليه الصلاة والسلام كما روي عنه بعدة طرقٍ معتبرة, وذكره الشريف في نهج البلاغة: “وقد علمتم موضعي من رسول الله صلى الله عليه وآله بالقرابة القريبة, والمنزلة الخصيصة, وضعني في حجره وأنا ولدٌ يضمني إلى صدره, ويكنفني في فراشه, ويمسني جسده, ويشمني عرفه, كان يمضغ الشيء ثم يلقمنيه, وما وجد لي كذبةً في قول, ولا خطلةً في فعل, ولقد قرن الله به صلى الله عليه وآله من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته, يسلك به طريق المكارم, ومحاسن أخلاق العالم, ليله ونهاره, ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه, يرفع لي في كل يومٍ من أخلاقه علماً, ويأمرني بالاقتداء به”[7].

وله بعد هذا في الإسلام مكارم وسوابق, وله على الدين وأهله الفواضل البواسق, فهو أول الناس على الإطلاق إيماناً بالدعوة وإنْ كابر المنافق, وهو الذي دبَّ مع أبيه وإخوته عن رسول الله صلى الله عليه وآله في مكة أعداءه, ودافع عنه معهم كل كافرٍ وفاسق، وهو الذي فداه بنفسه ليلة الهجرة وتحمل في جنبه الأذى الذي كاد بسببه للدنيا أن يفارق, ويوم أحدٍ وحنين دافع عنه بعد أن ولى هارباً من الزحف كل من كان بالصحبة والنصرة يمالق، وسل التأريخ عن يوم الأحزاب وقد بلغت فيه أرواح القوم الحناجر, عندما نادى حامي الوثنية القوم: هل فيكم للبراز من يبادر, وللجنة يغادر, أو يوصل عدوه للنار كما أُعدت فيما زعمتم لكل فاجرٍ كافر؟ فنكسوا رؤوسهم مهطعين صاغرين قد طاشت منهم البصائر, والرسول يرغبهم في المبارزة بضمان الجنة, ولكن أنى يستجيبون وقد زاغت منهم أحداق النواظر, خوفاً من مفارقة الدنيا ولقاء الله المطلع على ما تكنه الضمائر, وتعتقده السرائر, فبرز له وكفاهم أمره من لا يخاف الفواقر, ولا يهاب البواتر, فضربه ضربةً ساوت عند الله عمل الثقلين من يومها حتى تُبعثر المقابر, وتُنشر الدفاتر.

وهو الذي وصفه الباري بأنه نفس الرسول في محكم الآية التي لا يجحدها إلا كل كاذب, وفي قضية تبليغ براءة معنىً أعجز تأويله وإخفاؤه كل ناصب, ومع ذلك فإن حسيكة النفاق أدت إلى إبعاده عما أعده الله له من المناصب, وتنغيص عيشه بالمتاعب, بل بذلوا جهدهم ليختلقوا له المثالب, ومنعوا رواية كراماته ومعاجزه وأوصلوا من خالفهم إلى المعاطب, وإلى هذا اليوم لا يزال شيعة معاوية ومروان يرمون شيعته بالنوائب, ويصبُّون عليهم ما قدروا عليه من المصائب, ويكفرون من لعن شاتميه لأنه في زعمهم يسب الصاحب, وليت شعري أمعاوية لرسول الله صاحب, وعلي لم يكن له مصاحب؟ فكيف جاز للصاحب في زعمكم أن يسب الصاحب, وأن يبذل من بيت مال المسلين لمن وظفهم ليلعنوا في خطبهم علي بن أبي طالب, ويشتموا آله الأطائب؟ ولكن صبراً على ما تقولون فسوف يأتي يومٌ يعض فيه الظالم على يديه ويقول ياليتني كنت ترابا.

فتمسكوا أيها الإخوان بولايته, وجاهدوا أنفسكم للسير على طريقته, حتى تُحشروا في زمرته, فإن الله قد جعله قسيماً بين ناره وجنته, والنبي صلى الله عليه وآله لا يسقي من حوضه أحداً إلا بوساطته.

واعلموا يا أخوة الإيمان أن من أفضل ما نُدبتم إليه, خاصةً في هذا اليوم العظيم, وهذا الشهر الفضيل, هو إكثار الصلاة والتبريكات على ابن عمه نبي الرحمة وعليه وذريتهما الهداة.

اللهم صلِّ على من بعثته رحمةً للعالمين, ونبأته وآدم بين الماء والطين, وأيدت دعوته بالكتاب المبين, الذي تحديت به الثقلين, سيد الكونين وأفضل الثقلين, النبي العربي المؤيَّد, والرسول الهاشمي المسدَّد, أبي القاسم محمد.

اللهم صلِّ على مُظهر العجائب, وكنز الرغائب, وصاحب المناقب, النور الثاقب في غسق الجهل الواقب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على المُدْنَفَةِ العليلة, السيدة الجليلة, والصابرة على ما وقع عليها من المظلمة, التي ماتت وهي بغصتها كاظمة, البتول الزهراء فاطمة.

اللهم صلِّ على بدر الولاية والإمامة, المشرق بأنوار العدل والاستقامة, سبط النبي المؤتمن, المتجرع لكاسات المصائب والمحن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.

اللهم صلِّ على سليل الأطائب, الشارب لعلقم الرزايا والنوائب, والمتجرع لجام الحتوف والبلا, المقتول ظلما بوادي كربلا, زكي الجدين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ عل الإمام القائم بوظائف الأوراد, التي اعترف بالعجز عن العمل بها العُبَّاد, صاحب الكربة, المدفون بأرض طيبة, سيد الساجدين, أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّ على السيد الوجيه, المنصوص على إمامته من جده وأبيه, قطب رحى المفاخر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على ذي المجد الرفيع, والشرف البديع, المدفون بأرض البقيع, لسان الله الناطق, أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على الصابر الكظيم, سمي الكليم على الجبل العظيم, زينة الأكابر والأعاظم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على شمس الشموس, وأنيس النفوس, الذي تشرفت بمدفنه أرض طوس, سيف الله المنتضى, الرضي المرتضى, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على خير من شرُف وساد, وجاد بما حواه من طارف وتلاد, جواد الأجواد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على الطيبين الكريمين, وارثي المشعرين, وسيدي الحرمين, كهفي الورى, المدفونين بسر من رأى, صاحب الكروب والمحن, الإمامين بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ وابنه أبي محمدٍ الحسن.

اللهم صلِّ على صاحب الدعوة النبوية, والغرة المحمدية, والهيبة الحيدرية, كاشف البلية عن كل البرية, وناشر العدالة الإلهية في جميع أرجاء الوطية, السيد المطهر, وبقية الله المظفر, الإمام بالنص مولانا أبي القاسم المهدي المنتظر.

عجَّل الله تعالى فرجه, وسهَّل مخرجه, وجعلنا من أعوانه, المشمولين بإحسانه, أنه سميعٌ مجيب.

إن أبلغ ما وعظ به الناصح, واستُتر به في يومٍ تُنشر فيه الفضائح, وتكثر فيه الصوائح, كلام الله الواهب المانح, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيـم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[8].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفورٌ رحيمٌ وتوابٌ كريم.


[1]  بحار الأنوار – ج28 – ص228 – العلامة المجلسي

[2]  من دعاء الافتتاح

[3]  سورة الزلزلة

[4]  سورة يونس: من الآية58

[5]  سورة البقرة: 157

[6] بشارة المصطفى – ص286 – عماد الدين محمد بن أبي القاسم الطبري – طبع مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين قم 1420هـ، بحار الأنوار – ج8 ص345 – العلامة المجلسي

[7] نهج البلاغة – ص405 – دار الأسوة – إيران، شرح النهج – ج3 ص157 – محمد عبده

[8]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *