الجمعة 12 ربيع الأول 1418هـ المصادف 18 تموز 1997م

(مولد الرسول صلى الله عليه وآله والالتزام بمنهجه)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي تجلى لعباده فيما أبدع من غرائب مخلوقاته، ودلَّ على وجوده وقدرته بعجائب مصنوعاته، فهو الظاهر لذوي البصائر من دون رؤيةٍ ولا إبصار، الباطن المتقدس بجبروته من أن يوْصَل إليه بغوص الفطن والأفكار، المتنزه عن أن تدرك ذاته نوافذ الأفهام والأنظار، ]لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[[1].

نحمده سبحانه على أن هدانا في عالم الأزل إلى الإيمان بوجوب وجوده، والاعتراف بإحسانه وجوده، ونشكره تعالى على ما غذى به نفوسنا من حب أوليائه، والتصديق برسله وأنبيائه، وكرَّه لنا مصافاة جاحديه وأعدائه، ونسأله الثبات على الطاعة له والعمل بوصاياه حتى يوم لقائه.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, الذي لا يظلم ولا يجور، ولا يتغير بمرور الأزمنة وانقضاء الدهور، ولا تشتبه عليه الأشياء وإن طُمست في الديجور، شهادةً تميزنا من كل كفور، وتضيء لنا الظلمة في القبور، وترفع درجاتنا في عالم النور، وديار البهجة والحبور.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، وخليفته على خلقه ودليله، أرسله صلى الله عليه وآله والناس من سكر الجهالة ثملون، وفي أودية الغي تائهون، وبنيران الفتن يصطلون، وعلى عبادة الأصنام عاكفون، فصدع صلى الله عليه وآله بالشريعة النوراء، ودعا إلى الحنيفية البيضاء، لم يبال بمشاقة مشاق، ولم يثنه خذل خاذل، ولم يقعد بهمته عذل عاذل، ولم تأخذه في الله لومة لائم.

صلى الله عليه وعلى آله الصادعين بأوامر تلك الشريعة المطهَّرة، القائمين بأعباء هاتيك الملة المنوَّرة، صلاةً تغششاهم بكرةً وعشية، وتبلُّ مراقدهم بالرحمة الإلهية، وتدفع عنا ببركتهم كلَّ بلية.

عباد الله, اعلموا أنكم في يومٍ من أيام الله سبحانه، فهذا اليوم هو يوم مولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله على قول، وهو يوم وفاته على قولٍ آخر، ويوم هجرته على قولٍ ثالث، وكل هذه المناسبات عظيمة في نفس المسلم المؤمن بمحمدٍ صلى الله عليه وآله الموالي، فينبغي على كل مسلمٍ في هذا اليوم أن يراجع نفسه، وينظر أين يكون موقعه من محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، وما مدى إخلاصه له، وصدقه في اتباعه، وترويج دعوته، ومعاداة أعدائه, وموالاة أوليائه وأحبابه. عليه أن يحاسب نفسه, وينظر مدى صدقه في الإيمان برسالة محمدٍ صلى الله عليه وآله، هل يؤمن أن شريعته, أن دينه، أن رسالته، رسالةٌ شاملةٌ عامةٌ لتنظيم كل نواحي الحياة الدنيوية والأخروية، فيجب أن ينظم على وفقها كل شئون المجتمع السياسية والاقتصادية والتشريعية، وأنه غير مستعدٍ للدعوة إلى أي نظامٍ لا ينبع من الإسلام، ولا يرجع إلى قواعده وأحكامه، أم أنه لا يؤمن من دين محمدٍ صلى الله عليه وآله إلا أنه مجرد طقوسٍ تؤدى في مواضع العبادة, وتنظم على وفقها عقود الزواج والأنساب، وأما بقية مناحي الحياة فيجب أن تؤخذ نظمها وقوانينها من مصادر أخرى؟

إذا كان يؤمن بأن رسالة محمدٍ صلى الله عليه وآله هي رسالةٌ عامةٌ للكون كله, شاملةٌ لجميع وجوه النشاط الإنساني الفردي والاجتماعي على اختلاف جوانبه، وأنه غير مستعدٍ للدعوة إلى غيره مهما كانت الظروف, فهو مسلمٌ حقيقيٌ كالذين آمنوا بمحمدٍ صلى الله عليه وآله وبايعوه بيعة الرضوان, وعندئذٍ فليس بينه وبين بقية أصحاب محمدٍ إلا الفارق الزمني.

أما إذا كان يرى أن إسلامه لا يتعارض من أن يشاب بالدعوة إلى أنظمةٍ أخرى، أما إذا كان يرى أن يدعو للأنظمة الوضعية، وأن ذلك لا يتنافى مع إسلامه, أما إذا كان يطالب بالقوانين الأرضية, شرقيةً كانت أو غربية، أو كانت حتى من اختراع المسلمين أنفسهم، فعليه أن يعرف بأن محمداً صلى الله عليه وآله لن يكون مسروراً منه راضياً عليه.

على المسلم في هذا اليوم أن يراجع موقفه وقد تعددت الطرق, وتباينت المذاهب الفكرية والاجتماعية والدينية، على المسلم أن ينظر أين يقف في هذه اللحظة, وفي أي دربٍ سيسير, أفي طريق القلة المستضعفة التي ترفض أن تنادي بغير دين محمدٍ شريعة ونظاما، تأبى أن تعين دعوةً لا تنبع من دين الإسلام ولا تعود إليه، أم في طريق الدنيا بقضها وقضيضها، في طريق الدول كبيرها وصغيرها, فيدعوا إلى الأنظمة الأرضية، ويضحي من أجل تطبيق المذاهب الاجتماعية الأخرى التي لا علاقة لها بالإسلام، فيوالي من دعا معه إليها وإن كان لوجود الله منكرا، وعن دين محمدٍ مرتدا, ويعادي من رفضها وإن كان للإسلام متبعا، فيستحل منه النفس والعرض والمال. إذا كان يرى أن السير في طريق الدنيا خيرٌ له، وأنه لا يفضِّل أن يكون مع القلة المستضعفة التي تنادي بالإسلام وتنتظر أيامه, فليعلم بأن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله لن يكون عن عمله راضيا، ولا عليه مترحما. أخي المسلم، عزيزي المؤمن إنك في يومٍ عظيم عند الأمة الإسلامية، يوم له علاقةٌ كل العلاقة بالنبي الخاتم الذي به آمنت، وله اتبعت، وبنبوته ورسالته من الله صدقت، فلا تترك نفسك تنجرف في تيار الذين يريدون لك أن تنحرف عن طريق محمد, ويقول عنهم القرآن الكريم: ]وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ[[2], فلا تطعهم، ولا تتبع دعوتهم, فلا الديمقراطية, ولا الاشتراكية، والشيوعية, ولا غيرها من المذاهب الاجتماعية ستخلص الإنسانية من هذه الأمراض الاجتماعية المستعصية، فهذه البلدان التي أخذت بهذه النظم ماذا جنت؟ وبأي شيءٍ امتازت؟ الأمم التي عملت على تقوية نفسها بقيت قوية, والأمم التي أهملت نفسها افترستها الأمم الغازية، لم ينتشلها أن تقمصت أنظمتها، انظر الدنيا من أولها إلى آخرها فهل تجد عند الناس حياةً هانئة؟ هل تجد عند البشر حياةً مطمئنةً راغدة, حتى تلك الأمم التي تغنى بها من أشرب قلبه حباً بنظمها وسماها صانعة التاريخ, فإنها تعج بالمشاكل والظلم والاستبداد في صور التعاون، فدع عنك يا أخي دعوات الشيطان ونظمه وأفكاره, وادع إلى سبيل ربك, فإن في الدعوة إلى الله خير الدنيا والآخرة.

جمعنا الله وإياكم على الهدى، ووفقنا جميعاً للتردي بمدارع التقوى، والالتزام بالعروة الوثقى، ونجانا معكم من سقطات الهوى، والوقوع في لظى, إنه سميعٌ مجيب.

إن خير ما خُتم به الكلام، وعمل بهديه الأنام, كلام الله الملك العلام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[3].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم, والتواب الحليم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي أبدع طبائع الأشياء بمقتضى حكمته الشاملة الأزلية، ورتب أجزاء الكون على نظامي التضائف والعلية، لينير السبيل أمام العقول لإدراك وجوب وجود ذاته المقدسة العلية, صنع ما صنع من الموجودات من دون احتذاء مثالٍ أو إجالة روية, فتق السماوات والأرض بعد أن كانتا رتقاً بقدرته الإلهية، ورفع الخضراء بدون عمدٍ مرئية، وجعلها عوالم ومجراتٍ لا يعلم عددها ولا حقيقة ما فيها أحدٌ ممن سكن الوطية, وبسط الغبراء على الماء لتصبح ملائمةً لمن شاء أن يسكنهم عليها من أصناف البرية, جلَّ مجده عن الحلول في الزمان والمكان، وتقدست عظمته عن مقارنة الأجسام والأكوان.

نحمده سبحانه بجميع محامده، ونشكره تعالى على جوائزه وعوائده، ونستهديه لسلوك طرائق مقاصده، ونعوذ به من وسوسة الشيطان ومكائده، ونستكفيه شر كل خاترٍ لا يذكر الله عند تحقيق رغباته ومقاصده، ونلوذ بحماه وهو المستجار من صولة كل طاغٍ قد أحدَّ لنا سهامه وآلاته، ونستعينه على القيام بما ندبنا إليه من شرائف عباداته، وأمرنا به من وظائف طاعاته.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو النعم التي جلَّ عن الإحصاء عددها، والمنن التي عز على التحديد أمدها، والحجج التي انبهر بصدقها جاحدها، العالم بالخفيات فلا يخفى عليه معتمدها، المطلع على النيات فلا يشتبه عليه غافلها وعامدها.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله مقدام كتائب النبوة وقائدها، وخاتم صحيفة الرسالة ورائدها، وموضِّح طرق الهداية ومعبِّدها، ومفرق زمر الغواية ومبددها، ونشهد أن ابن عمه علياً هو ولي الأمة من بعده وسيدها، وهو المؤتمن على أسرار الرسالة وشاهدها، وأنه مثله في ما عدى النبوة من المناصب وإن استهول ذلك جاحدها.

فصلِّ اللهم عليهما وآلهما صلاة ترفع بها لهم المناصب، وتغيظ بها كل معادٍ لهم مناصب، وحاقدٍ عليهم وناكب، وتجزل لنا بها المواهب، وترفع لنا بها المراتب، وتدفع بها عنا شر كل مغتسقٍ بحقده مراقب.

عباد الله, أوصي نفسي الأمارة وأوصيكم بتقوى الله سبحانه في السر والعلانية، فبتقوى الله سبحانه وطاعته تتحصل البركات السرمدية، وتدرك الخيرات الدنيوية والأخروية، فاتقوا الله سبحانه وراقبوه في جميع الأقوال والأفعال، وأخلصوا له في جميع الأحوال، واحذروا الدنيا المذَّاقة الخَّتالة، والقَّتالة المحتالة، فما هي إلا دار المحن والمصائب، ومركز الفجائع والنوائب، فكم من عظيمٍ سددت له صليبات النبال، وكم من رفيعٍ صرعته على الرمال، وداسته بالنعال، وكم من كريمٍ قد بكى فيها من الآلام، قد سلطت عليه اللئام, ونكست منه الهام, حتى أوردته الحمام، فهل تجدون في رباعها إلا الغارات؟ وهل في جموعها غير التفرق والشتات؟ وهل من أخبارها غير فلانٍ قد مات وفلانٍ مات؟ فهل يطمئن للدنيا لبيب ويسر بلذتها أريب؟

فاعملوا رحمكم الله فيها عمل المفارقين، وكونوا في زهراتها من الزاهدين، فما هي إلا أيامٌ قلائل حتى تنتقلون منها إلا دار القرار، ومصاحبة الأبرار، ألا وإن يومكم هذا هو سيد الأيام كما ورد ذلك عن سادة الأنام، وخلفاء الملك العلام, ومن إليهم المرجع في النقض والإبرام، ففيه تضاعف الحسنات، وتمحى السيئات، وتكشف الكربات, وتقضى فيه الحاجات، وتستجاب الدعوات.

ألا وإن من أجلِّ أعماله المأثورة، ونوافله المذكورة, هي الصلاة على أقطاب الوجود، وأمناء الملك المعبود, محمدٍ وآله أهل الكرم والجود.

اللهم صلِّّّ على شمس فلك الرسالة، وبدر سماء الدلالة، علة الوجود، وصفي الملك المعبود، النبي العربي المؤيَّد, والرسول الهاشمي المسدَّد, أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّّّ على أخيه وابن علمه، الراضع من مشكاة علمه، والوارث لمقامه وفهمه، ذي الصولات العظام، والضربات بالحسام، مجمع بحري الفضائل والمناقب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّّّ على الصديقة الطاهرة، والدرة الفاخرة, سيدة النساء في الدنيا والآخرة، المجهولة قدرا, والمغصوبة جهرا, أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّّّ على السبطين الإمامين، والليثين الضرغامين، تفاحتي الرسول, وثمرتي فؤادي المرتضى والبتول، ذي الفضائل والجود والمنن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن، وأسير الكربات، ورهين الغربات, المجدل على الرمال, والمخرق بالنبال, العاري عن كل وصمةٍ ورَيْن، الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّّّ على الراكع الساجد، زينة المحاريب والمساجد، الجوهر الثمين، ثمال اليتامى والمساكين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّّّ على البدر الزاهر، والبحر الزاخر بنفائس المفاخر، والكنز الذاخر للفضائل والمآثر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّّّ على غواص بحار الدلائل والحقائق، وكشاف عويصات المسائل والدقائق، نور الله في المغارب والمشارق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّّّ على مجدِّد المعاهد النبوية والمعالم، وبيت قصيد المفاخر والمكارم، وعنوان جريد الأكابر والأعاظم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّّّ على السيف المصلت المنتضى، ومفصِّل الأحكام والقضا، الراضي بالقدر والقضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّّّ على نورك المنبسط على العباد، ومرتضاك للهداية والإرشاد، حامل راية الحق والسداد، أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّّّ على من تغنى بفضائله الرائح والغادي، وغمرت أياديه سكان الحضر والبوادي، وانتشرت مكارمه في المحافل والنوادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.

اللهم صلِّّّ على البدر المضي، والسيد الزكي، الطالع شرفاً على الزهر والمشتري، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.

اللهم صلِّّّ على ذي الغرة الرشيدة، والأخلاق المحمدية الحميدة، والصولات الحيدرية الشديدة، محيي مراسم الدين والإيمان، وموضِّح معالم الوحي والقرآن، الإمام بالنص الواضح البيان، مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والأوان.

عجَّل الله له الفرج، وسهَّل له المخرج، وفتح له وبه الرتج، وأوسع له المنهج، وجعلنا من الناعمين أيام دولته، المشمولين ببركة دعوته, إنه سميعٌ مجيب.

إن أبلغ الكلام, وأمتن النظام, كلام من كلامه شفاءٌ للأسقام، وعفوه ممحاةٌ للآثام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[4].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه هو الغفور الرحيم.


[1]  سورة الأنعام:103

[2]  سورة آل عمران: من الآية118

[3]  سورة العصر

[4]  سورة النحل:90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *