الجمعة 09 شوال 1418هـ المصادف 06 شباط 1998م

(فضل صلاة الليل)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله المتفرد بوجوب وجوده، الدّاعي إلى بساط أُنسه بصادق وعوده، والمتقرب إلى عباده بكرمه وجوده، الذي خلق الليل والنهار بقوته، وميَّز بينهما بلطيف حكمته، وأولج كلاً منهما في صاحبه للدلالة على عظيم قدرته، فمحى سبحانه آية الليل وجعله لخلقه لباساً ينالون فيه اللّذة والطرب، ويقضون خلاله الشهوة والأرب، وسُباتاً يستريحون فيه من حركات السعي والتعب، ونهضات الكسب والنصب، وجعل النهار مبصراً ليستفيدوا فيه من فضله وفضائله، ويسعوا في أرضه طلباً لرزقه ونائله، كل ذلك إصلاحاً لشأنهم، وإقامةً لأودهم، وقطعاً لحجتهم ولجاجهم.

نحمده سبحانه كما هو أهله بلسانَي الحال والمقال، ونستقيله مما أتيناه من سيئ الأفعال والأقوال، ونعوذ به من مكر إبليس وما يبيت أولياؤه الضُلاَل، ونستعينه على ما يوصلنا لأعلى مراتب الكمال، ويؤهلنا لمجاورة النبي وسادة الآل، فإنه أكرم من تفضل وأقال، وأمنع من أجار وأنال.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك المتعال، المتفرد بالعزة والكمال، المتَّصف بالجبروت والجلال، والمتكرم بخِلَع الجود والإفضال، والمقيل عثرة من أناب واستقال، ومنه المبدأ وإليه المآل.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، خير من أرشد إلى طرق المجد والكمال، وأبلغ من أسكت شقاشق الكفر والضلال، الذي بالتزام هديه تتحقق الآمال، وتنال شفاعته في المآل.

صلى الله عليه وعلى من يتلوه من أطائب الآل، ذوي الرفعة والجلال، وأهل الفضل والكمال، الذين باتباعهم تُحطُّ الأثقال، وتمحى العثرة وتقال.

عباد الله أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بالالتزام بجادة التقوى، فإنها للنجاة من غضب الجبار السبب الأقوى، بل هي الجُنَّةُ الواقية من الوقوع في لظى، واعلموا يا عباد الله أن هذه الخصلة الجليلة لا تنال إلا بجهاد النفس بشتى المجاهدات، وإلزامها بالتخلي عن ساقط العادات والرذائل، والتحلي بمحاسن الصفات والفضائل، وتعويدها على السير في طرق الكمالات، واكتساب الحسنات، ولا يتم ذلك إلا بنبذ العقائد الفاسدة، والابتعاد عن الأفكار الكاسدة، وإدمان ذكر الملك الغفار، والإكثار من التذلل له والاستغفار، والمواظبة على الإتيان بالمستحبات من سائر العبادات والطَّاعات، وبالأخص مندوب الصلوات، من النوافل الراتبات، التي وردت فيها الترغيبات، وحثَّ عليها النبيُّ صلى الله عليه وآله السادات عليهم صلوات رب البريَّات. ومن أقوى وسائل الفوز بالجنات هي المناجاة للملك العلام، والقيام برسم الخدمة في جنح الظلام، والناس نيام، حيث تتم الخلوة بالمحبوب، وتسنح الفرصة بالتزلف إليه لنيل المطلوب. فحافظوا رحمكم الله على نوافل الليل فإن لها من الله الفضل العظيم، وقد وصفها سبحانه في كتابه بقوله الكريم: ]إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً[[1]، ولا إشكال أن النفس قد تكون أنشط في فعل سائر النوافل والطَّاعات التي تؤدى في المساجد وسائر المواضع، وربما داخل العمل حينئذ نوعٌ من الرياء والمباهاة، بخلاف صلاة الليل التي يأتي بها المكلف منفرداً في قُعرِ بيته عن المشاهدين، ومستتراً في مصلاه عن سائر الناظرين، وقد وردت في الحثِّ عليها كثيرٌ من الأخبار عن السادة الأخيار؛ فعن مولانا الصادق صلوات الله عليه أن في صلاة الليل ثلاث خصال تبيض الوجه وتطيب الريح وتكثر الرزق[2]، وعنه عليه الصلاة والسلام “إن الله ضمن بصلاة الليل قوت النهار”[3]، وأن الله سبحانه ليباهي ملائكته بمن يقوم الليل من عباده المؤمنين، ففي الخبر عن أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق عليه الصلاة والسلام من الملك العلام: “أن العبد ليقوم لصلاة الليل فيميل النعاس برأسه يميناً وشمالاً ويقع ذقنه على صدره, فيأمر الله سبحانه أبواب السماء أن تُفتح ويقول للملائكة: انظروا إلى عبدي وما يصيبه من التقرب إلي بما لم أوجبه عليه، وهو إنما يرجوني لأحد ثلاث: ذنبٍ أغفره له، أو توبةٍ أجددها له، أو رزقٍ أزيده فيه, فاشهدوا يا ملائكتي إني قد جمعتهن له”[4]؛ فلا تفوتكم هذه المقامات، فتخسروا تلكم الكرامات، وأكثروا في هذه العبادات من البكاء أو التباكي، واذرفوا الدموع للنجاة من الويل، فإنَّ القطرة من الدمع تطفئ بحراً من النيران، كما وردت بذلك الروايات عن سادات الزمان، فكيف إذا اغرورقت العين، وساح الدمع على الخدين، خوفاً من عذاب رب الثقلين، وأحيوا ليلكم بالدعاء والمناجاة, وأكثروا من التهجد والتلاوات، وتزلفوا إلى الله بإخلاص النيات، وتملقوه في فكاك رقابكم من النار المخلوقة لأعداء الجبَّار، واسألوا منه العفو عن الحوبات، ومحو السيئات، بل اسألوه أن يبدلها بالحسنات، وتوسلوا إليه بالنبي وآله الهداة في إقالة العثرات، ورفع الدرجات, واحذروا كلَّ الحذر أن يصيبكم العُجْب بالعمل، فلا يكون لكم من كدِّكم وكدحِكُم إلا السهر والتعب، والنصب والوصب, فإنَّ العُجْبَ يأكل العمل كما تأكل النار الحطب.

جعلني الله وإياكم من المنتفعين بالعظات، المتلافين لما فات من الأوقات، بالإكثار من فعل الطَّاعات، والابتعاد عن المحرمات والشبهات، إنه بعباده لطيفٌ رحيم، إن أنفع وعظٍ وأبلغ كلام, خطاب الملك العلام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْر& إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْر& إِلاَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[5].

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيم وتوابٌ حليم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله المتوحد في ذاته، المتفرد في صفاته، المتعالي في سلطانه، الجواد في امتنانه، المتعزز بكبريائه، المتفضل بآلائه، لا تدركه نوافذ الأبصار، ولا تصل إليه ثواقب الأنظار، ولا يُحسُّ بالحواس, ولا يُقدَّر بمقدار، لا تغير الأيام ملكوته، ولا تَدرُك الأوهام جبروته، تُسبِّح له البحار والأمواج، والقفار والفجاج، ذي الطوْل والمنعة، والعز والرفعة، العالم بلحظات الجفون، وما يخطر في الظنون.

نحمده سبحانه على غوالي آلائه، ونشكره تعالى على عظيم نعمائه، حمداً نستدفع به نوازل بلائه، ونستجن به من كيد أعدائه، ونتوسل به لزيادة عطائه.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الحنان المنان، المنزَّه عن وصمة الحدوث والإمكان، المتعالي عن الحلول في المكان والزمان، المتساوي لديه ما سيكون بما كان، المطلع على ما يدور في الجنان، الداعي إلى الإلتزام بمناهج الإيمان، والدخول في دار الأمان.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله أفضل رسولٍ أنارت به الأكوان، واستنارت به الملوان، أرفع بني الإنسان قدرا، وأعظمهم عقلاً وفكرا، وأوسعهم في الهداية باعا، وأمرحهم في الضيافة رباعا، وأمدهم لاقتناء المعالي يدا، وأكثرهم في الليالي والأيام جوداً وندى، وأعلاهم في الإرتقاء إلى معارج الحقيقة، وأوفاهم في سلوك مناهج الطريقة.

صلى الله عليه وآله حملة أثقاله، ونقلة أقواله، وسدنة أبوابه، وخواص نوابه، المستنين بسنته، والحافظين لشريعته، والناصحين لأمته، صلاةً تكون لنا حصناً من العذاب وجنة، وأمناً من الحِساب وجنة.

أيها الإخوان السائرة بهم مطايا الأيام، وهم يحسبون أنهم في دار المقام، والمشتغلون بوساوس المنام، وأضغاث الأحلام، ويزعمون أنهم أيقاظٌ قيام، هُبوا من نوم الغفلة، فما في الأمر مهلة، وقوموا على ساق المسارعة، قبل حلول القارعة، وما أدراك ما القارعة، سوقٌ وسياق، وموتٌ وفراق، وأهوالٌ عظام، وغصصٌ وآلام، فالحذار الحذار، ما دمتم في هذه الدار، قبل أن يأتي يومٌ لا يقال فيه العثار, ولا تقبل في الأعذار، واستغلوا هذا اليوم السعيد، الذي جعله الله لكم أشرف عيد، وفضله على غيره من الأيام بما منحه من الإجلال والإعظام، وقد ورد في فضله عن الأئمة الكرام ما لا يقوم بنشره مقام، فمن ذلك ما ورد عن أبي جعفرٍ عليه الصلاة والسلام وقد سأل عن يوم الجمعة وليلتها فقال: “ليلتها ليلةٌ غراء, ويومها يومٌ أزهر, وليس على وجه الأرض يومٌ تغرب فيه الشمس أكثر معافىً من النار، من مات يوم الجمعة عارفا بحق هذا البيت – عليهم السلام – كتب الله له براءة من النار وبراءة من عذاب القبر، ومن مات ليلة الجمعة أعتق من النار”[6]، وعنه عليه السلام أنه قال: “إن الله تبارك وتعالى لينادي كل ليلة جمعة من فوق عرشه من أول الليل إلى آخره، ألا عبد مؤمن يدعوني لآخرته ودنياه قبل طلوع الفجر فأجيبه؟، ألا عبد مؤمن يتوب إلي من ذنوبه قبل طلوع الفجر فأتوب عليه؟، ألا عبد مؤمن قد قترت عليه في رزقه فيسألني الزيادة في رزقه قبل طلوع الفجر فأزيده وأوسع عليه؟، ألا عبد مؤمن سقيم يسألني أن أشفيه قبل طلوع الفجر فأعافيه؟، ألا عبد مؤمن محبوس مغموم يسألني أن أطلقه من حبسه وأخلي سربه، ألا عبد مؤمن مظلوم يسألني أن آخذ له بظلامته قبل طلوع الفجر فأنتصر له وآخذ له بظلامته؟، فلا يزال ينادي بهذا النداء حتى يطلع الفجر”[7].

ألا وإن من أعظم تحفه ولطائفه، وأشرف نخبه وطرائفه، بل أفضل الأعمال، كما ورد مستفيضاً عن الآل، عليهم صلوات ذي الجلال، هو الصلاة على مصابيح الوجود، ومفاتيح الكرم والجود، محمدٍ وآله العلل الغائية لكل ممكنٍ موجود.

اللهم صلِّ على خاتم الرسل والأنبياء، ومن به التوسل في كشف الشدة والبلاء، اللابس خِلعة الرسالة في عالم الأرواح، والمتوج بتاج النبوة في ملكوت الأشباح، المعلَّى مقامه على هامة السهى والفرقد، النبي العربي المؤيد، والرسول الأمي المسدد, أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على ناصره وعضُدِه، وساعِده ويده، حامل لواء الرسالة، وماحي رسوم الجهالة، وقالع أسس الكفر والضلالة، سيفك الضارب، ونورك الثاقب، الإمام بالنص أمير المؤمنين أبي الحسنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على سيدة نساء العالمين، وحبيبة رسولك الأمين، وشفيعة المذنبين لديك يوم الدين، البتول الحوراء، أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على قمري سماء النبوة والإمامة، وبدري أفُق الفتوة والشهامة، حليفي الهموم والغموم والبلاء، وقريني المصائب والمحن والإبتلاء، الصابر على عظائم المحن، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن، ومعفر الخدين، ومقطوع الوريدين، الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ على السيد القائم بوظائف العبادات، وشرائف العادات، منجز العِدات، ومخز العداة، شارع تلاوة الأوراد، وقائد أهل الفضل والرشاد، زينة العبَّاد وزين العِباد، الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين السجاد.

اللهم صلِّ على خير حافظٍ للدين وناصر، وأفضل باسطٍ للعلم وناشر، وأكرم تالٍ للقرآن وذاكر، البحر الزاخر بالدر الفاخر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على أفضل من حليت له عرائس الحقائق، وجليت عليه أبكار الدقائق، موضح عويصات العلم بفكره الثاقب الفائق، نور الحق الوامض في المغارب والمشارق، الإمام بالنص أبي إسماعيل جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على السبط المصطلم بالبلايا والعظائم، والسيد المهتضم على يد الجائر الظالم، تاج المفاخر والمكارم، وسيد السادة من بني هاشم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على الضياء اللامع، والنور الساطع، قائد أهل التسليم والرضا، الراضي بالقدر والقضاء، وشفيع محبيه يوم الفصل والقضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على ناهج مناهج الرشاد، ومعبد طرائق العلم والإرشاد، وناصح طالبي الحق والسداد، زاد المعاد، وذخيرة المؤمنين يوم المعاد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على الهمامَين الضرغامَين، والعلمَين العلاَمين، والصوامَّين القوامَّين، البحرين الزاخرين، والنُورين الظاهرين، والكوكبين الدريين، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث عليٍ الهادي، وابنه الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن العسكريين.

اللهم صلِّ على حجتك في أرضك، المحيي لسنتك وفرضك، مقيم الدين، وقامع المعتدين، ومبير الملحدين، وناشر راية العدل على العالمين، باهر البرهان، وشريك القرآن، الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.

عجل الله تعالى فرج تلك الطلعة الغراء، وقيام تلك الدولة النوراء، ورفع له الأعلام على الخاص والعام، وجعلنا ممن يفوز برؤيتها، ويسعد بدعوتها، ويكرم بالتزامها، إنه خير موفقٍ ومعين.

إن أولى ما فتح به الكلام، وختم به المقام، كلام الله الملك العلام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[.[8]

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه هو الغفور الرحيم والتواب الكريم.


[1]  سورة المزمل:6

[2]  “صلاة سورة الليل تبيض الوجه، وصلاة سورة الليل تطيب الريح، وصلاة سورة الليل تجلب الرزق”علل الشرائع-ج2-ص363-الشيخ الصدوق وكذا في بحار الأنوار – ج84 – ص 148 – العلامة المجلسي وفي بحار الأنوار – ج8 – ص 149 – العلامة المجلسي وفي وسائل الشيعة (آل البيت)-ج8-ص149 الحر العاملي

[3]  وسائل الشيعة – ج5 – ص271 – الحر العاملي

[4]  ثواب الأعمال-ص42-الشيخ الصدوق

[5]  سورة العصر

[6]  وسائل الشيعة – ج5 – ص64 – الحر العاملي

[7]  وسائل الشيعة (آل البيت) – ج7 – ص390 – الحرالعاملي

[8]  سورة النحل:90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *