الجمعة 19‏ جمادى الثانية 1422هـ المصادف ‏07‏ أيلول 2001م

(خداع أمريكا وعداوتها للمسلمين وتحالفها مع إسرائيل وازدواجية المعايير)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله مبدع الكائنات, داحي الأرضيين فاطر السماوات, الذي خسأت العقول عن معرفة حقيقة كينونيّته, وعجزت الفحول عن سبر أغوار أحديّته، تاهت الأفهام في بيداء حجج جبروته, وغرقت الأوهام في عميق بحار ملكوته, جلَّ حريم مجده أن يكون مسرحاً لأوهام المشبّهين, وترفّع بساط قدسه أن تطأه آراء المبطلين، دلّ بحدوث الخلق وفنائهم على أزليته وسرمديته, وأبان بعجز من دونه عن فعل ما يشاء على شمول قدرته وإحاطة عظمته.

نحمده سبحانه على ما أولانا من ضروب الإنعام, وأفاض علينا من الأيادي الجسام, وحبانا من الخيرات العظام, التي لا تُحيط بها الأقلام, ولا تحصى وإنْ تعاون على عدِّها الجنة والأنام, حمداً نستعد به لمزيد فضله العام, ونرجوا به الزُّلفى في أعلى مقام, والرحمة يوم القيام, ]فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ[[1].

ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له, الملك المتعال, المتفرّد بالعزة والكمال, المتصف بالجبروت والجلال, والمتكرم بخُلَع الجود والإفضال, والمقيل عثرة من أناب واستقال, ومنه المبدأ وإليه المآل.

ونشهد أنّ محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, خيرُ من وطأ الوهاد, وأجدر من تأمّر وساد, وأفضل من دعا إلى الهدي والرشاد, وأكرم من تفضل وجاد, بما حواه من طارفٍ وتلاد, أرسله والدنيا كاسفة النور, بادية الغرور, مليئةٌ بالكفر والفجور, على حينِ جفافٍ من مغدقها, ويُبسٍ من ورقها, معالم الهدى فيها طامسة, وأعلامه ناكسة, فكفأ قدور الكفر بعد غليانها, وسكَّن شقشقة الباطل بعد فورانها, وأخمد مضرمات الفتن بعد التهاب نيرانها.

صلى الله عليه وآله دعائم الإيمان, وأمناء الرحمن, وتراجمة القرآن, الذين أوجب الله ولايتهم على الإنس والجان, وجعل التمسك بهم عِدلاً للفرقان, ]أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ[[2].

عباد الله, أوصيكم وأبدأ بنفسي الجانية الأمارة, التائهة في أودية الخسارة, المولعة بحبّ هذه العمارة, بتقوى الله سبحانه التي هي أربح تجارة, وأنجح وسيلةٍ وأرجح بشارة, وهي وصيّته تعالى لكم ولمن سبقكم من الأسلاف, فبها يزول كدرُ التشاجر والاختلاف, وببركتها ينمو صفو الاتفاق والائتلاف, ويطيب لكم غداً بها لذيذ السلاف, فخذوا بفاضل أذيالها, تسقيكم من معين زُلالها, واعتصِموا بعروة وصلها, لتأمنوا من شرور الدنيا وزلزالها.

وحِّدوا بالاعتصام بكهفها صفوفكم, ونسِّقوا بأحكامها شئونكم, تفوزوا غداً عند بارئكم, وتنتصروا على من ناوأكم وعاداكم, ألا تنظرون إلى عدوكم كيف أجمع على حربكم, وأظهر بغضه لكم, فهو تارةً يعمل على تفرقة صفوفكم, وتفتيت كلمتكم, وحيناً يغريكم بحرب أوليائكم, وإفشال أمركم, ويجعلكم تروِّجون مبادئه التي يبثها بين مَن يُصغي إليه منكم, فاتقوا الله عباد الله, والتزموا شريعته, وادعوا إلى سبيله, وسيروا على صراطه, ولا تغتروا بتزيين الملحدين لكم, ما يُبعدكم عن ربكم, ويذهب ريحكم, فالذين تريدون أن تتشبهوا بهم, وتطبقوا نظمهم, هاأنتم ترونهم يصرون على حربكم, ويجلبون على إذلالكم, هذه أمريكا حامية الديمقراطية, والمدافعة عن حقوق الإنسان, والمحاربة للإرهاب, والناشرة للسلام, قد أظهرت لكم مكنون صدرها, وصنّفتكم من أعدائها, وأعلنت بكل وقاحة أنها مع الصهاينة في كل موقفٍ مناصر, وعن الصهيونية في كلِّ ميدانٍ مدافع, فمن حارب الصهيونية فهو عدوٌ في نظرها للإنسانية, وماذا تخاف ودولكم بفضل اختلافها, وانسياقها وراءها والاعتماد عليها في حفظ عروشها وكراسيها أضعف من أن تستطيع أن تقول لها كلمةً تشعرها بعدم الرضا, وماذا تخاف وجيوشها تحيط بكم كإحاطة الخاتم بالإصبع, وهاهو رعيل الدول الديمقراطية المتفانون بحرب العنصرية وحماية الحقوق الإنسانية يهدِّدون بالانسحاب من مؤتمر الأمم المتحدة في در بندي إذا أصرت الشعوب على إطلاق وصف العنصرية على الصهيونية, لأن وصف الصهيونية بالعنصرية يعني إدانة إسرائيل بالجرائم التي ترتكبها في حق الشعب الفلسطيني, ويعني أن لشعوب هذه المنطقة أن ترفض اعتبار الدويلة الغاصبة جزءاً من شعوب هذه المنطقة التي يصرّون على تسميتها بمنطقة الشرق الأوسط, لأنهم لا يريدون الاعتراف بأنها منطقةٌ عربيةٌ أو إسلامية. بالأمس ذهب زعيم الصهاينة المجرم شارون ليطمئِن الشيطان الأصغر على أن مصالحه لن تُمس من قبل حملة الحجارة إذا رضي أن يدخل الجمعية الماسونية ويعلن رفضه لوصف الصهيونية بالعنصرية, وأن يجعل تعامله مع إيران لا يصل إلى حد أن تستفيد إيران أو أي دولة إسلامية بأن تكون في مستوى القدرة الصهيونية في المنطقة, وتقول الأخبار أنه خرج من الاجتماعات ناجحا وأنه يتمنى أن يعود إلى الكرملين من جديد.

أين هم من قرارات الأمم المتحدة التي أصدرها مجلس حربهم (الذي يسمونه زوراً بمجلس الأمن) ضد إسرائيل؟, ما سمعنا أن بريطانيا وحيفدتها الولايات المتحدة تحركت في جسمهما شعرةٌ واحدةٌ من أجل تنفيذها, أين هم عن حقوق المستضعفين, لماذا لا يريدون للعرب ولا للفلسطينيين أن يقولوا بأن بلادهم محتلة من قبل الأجانب, لأنهم لا يريدون وهم حملة الحجارة حسب وصف التوراة المحرفة الذين سيساعدون الصهاينة على هدم المسجد وبناء الهيكل أن تقوم للعرب في فلسطين دولة, إلا أن تسلم القدس إلى أتباع صهيون. دمّروا العراق بحجة تدمير ترسانته من أسلحة الدمار الشامل, وهاهم يتربصون بباكستان وإيران الدوائر لضربهما بحجة تدمير ترسانتهما النووية, فأين هم عن المشروع النووي الإسرائيلي والهندي اللذان لا يخضعان للتفتيش, بفضل حماية بريطانيا والولايات المتحدة لحقوق الإنسان, يريدون أن يوقفوا الإرهاب, فهل هناك إرهابٌ أشد مما هم له عاملون؟, أوليسوا بجيوشهم وقوتهم من أعظم حماة الإرهاب وهي إسرائيل محاموه؟, ولكن ما أصدق ما قال الشاعر المتغني بالديمقراطية في بعض فلتات لسانه:-

قتل امرئ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر          وقتل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر

نعم هكذا شأن حماة الديمقراطية وهكذا شأن دعاة الديمقراطية, يتخوفون من إيران أن تبغي على جيرانها, أن تعتدي على أراضيهم بجيوشها ولذلك فهم يخططون لضرب ما يزعمونه من مشروعاتها النووية, ومنعها من أن تكون قادرةً قوية, لكنّهم يؤيدون البغي الصهيوني بكل قوة, وهذه إسرائيل تحتلّ الضفة الغربية التي يعترفون بها للعرب على الأقل, وتبني عليها المستوطنات, وتحتل الجولان ولا زالوا يعترفون بأنها لسوريا ومنذ زمنٍ بعيد, ولا تزال متغطرسةً متجبرة بفضل قوتها التسليحية, وبفضل وقوف حماة حقوق الإنسان وطلاب حرية المرأة والدعاة إلى الديمقراطية ونبذ الدكتاتورية في صفها, ما بال بريطانيا والولايات المتحدة وسائر الدول الديمقراطية لا يطرحون أن تقوم الأمم المتحدة بتنفيذ قراراتها بالقوة تجاه تعنّت إسرائيل وعنادها, كما عومل العراق. ينادون بحقوق الإنسان في المشاركة في القرار السياسي, ولكن ذلك لا يشمل عندهم من يدعوا إلى الإسلام, بل تدعوا أمريكا بكل صراحة الدول التي تسير في فلكها من دول المسلمين إلى منع الإسلاميين من العمل السياسي وقصْر ذلك على العلمانيين واليساريين الذين هم العملاء الحقيقيون للغرب, لأنهم لا يؤمنون إلا بحضارته, ولا يسبّحون إلا بحمده، ويعتبرون الدعاة إلى الله ظلمانيين ورجعيين وإرهابيين وذلك ما يرضي الغرب, لا يهم أن يموت كل أطفال العراق, بل لا يهم أن يموت كل شعب العراق من الجوع والمرض لأن الإدارة الأمريكية لا تريد تحديد وقتٍ ينتهي به هذا الحصار على الشعب العراقي وليس على صدام ونظام صدام كما يدّعون, الإنسان العراقي ليس إنساناً في عرف الإدارة الأمريكية والأحزاب الأمريكية والبريطانية حتى يتبنّوا الدفاع عن حقوقه, الإنسان الذي يتبنّون حقوقه ويدافعون عنه هم الإسرائيليون فقط ومن رضي أن ينبذ الإسلام ويسير في فلكهم أيضاً هو إنسان يجب أن يدافع عن حقوقه وأن يمكَّن من الحكم على رقاب المسلمين, من يعمل على إخضاع شعبه لإرادتهم, من يتخلّى عَن دينه من أجل مبادئهم وأنظمتهم, ولقد قال الخالق تبارك وتعالى: ]وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ[[3]؛ يقولون أنّ ميثاق الأمم المتحدة ينصُّ على حرية الإنسان في التدين والعبادة, لكن لا مانع عندهم أن يتعاونوا ويتستّروا على دول تقمع مواطنيها الذين يخالفون الحاكم في مذهبه الديني, وتعمل على منع كتبه الدينية من الدخول والانتشار, أما إذا قام أحدُ المرتدين عن الإسلام بالتخريب في عقيدة المسلمين, خاصةً إذا كان بابيّاً أو ملحداً أو علمانياً فهذا يجب أن توفّر له الحرية والحماية في أن يَعمل ما يريد, وأن يقول ما يحلو له عن الإسلام وعن رسول الإسلام وعن كتاب الإسلام.

هؤلاء أعداؤكم الحقيقيون أيها المسلمون, فلا تسمحوا لهم أن يفرقوا صفوفكم بإقناعكم بالدعوة إلى مبادئهم, ونشر أفكارهم, وتزيين نظمهم في نفوس ضعافكم, وثقوا أنّ الديمقراطية على النهج الغربي لن تسعدكم لا في الآخرة ولا في الدنيا, إنها ستمرّر المشاريع الاستعمارية التي تريد تصفية الإسلام من بينكم، وإن كافة العلمانيين واليساريين في البلاد العربية بل الإسلامية هم الأدوات التي يعتمدهم الأعداء لتمرير مشروعاتهم الحضارية, ولذلك تراهم يعتبرون الدعوة إلى تطبيق الحدود رجعية وتخلّف, ولكنّ الدعوة إلى عريِّ المرأة حرية, وحريّة المراقص وإباحة بيع الخمور تقدُّم وأنه سيؤدي إلى ازدهار البلاد ورفعتها، فلا تسمحوا لهؤلاء، لا تسمحوا للعلمانيين بكل ضروبهم وأصنافهم يساريين كانوا أم يمنيين, لا تسمحوا لهم بالعمل السياسي في بلادكم فقد حكموا في البلاد التي سيطروا عليها بمنع الإسلاميين من العمل السياسي كتركيا ومصر وأمثالها، والدّورُ آتٍ لكم أيها الإسلاميون في هذه البلاد في الخليج, إن تمكنوا أن يسيطروا على مقاليد الأمور في بلادكم ويتسلّلوا إلى مجالس التشريع في دولكم, فكلّ من دعا إلى التعاون معهم والتنسيق وإياهم عليكم أن تنظروا إليه على أنّه ساذجاً لم يقرأ تأريخ النضال الإسلامي أو أنه علماني متلبسٌ بثياب الإسلاميين, إذا أردتم السعادة في الآخرة, والعزة في الدنيا فاعملوا على تطبيق الإسلام, واحتكموا إليه في حلّ مشاكلكم, وعندئذ ستصبحون عند حماة الديمقراطية والعلمانيين واليساريين الذين يعملون لمصلحتهم مخربين وإرهابيين وظلمانيين, وستعلمون أن ليس لكم من دون الله من ناصرٍ ولا وال.

فاتقوا الله عباد الله, وانبذوا من رؤوسكم هذه الأفكار المتعارضة مع مبادئكم, ولا تأمنوا إلا لمن اتبع دينكم, دَعوا عنكم الماركسيين لا تتخذوهم أولياء, تلقون إليهم بالمودة, ولا تعتمدوا عليهم أنصارا فإنهم يحقدون على دينكم ويهزئون بنبيّكم, ويكذبون كتابه, ]وَدُّوا مَا عَنِتُّم[[4]؛ يوغلون خلالكم في نشر الفتنة وبثّ الفرقة, فلا تركنوا إلى تلفِيقاتهم, وتمسّكوا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا فتفشلوا وتذهب ريحكم, فما مثلهم إلا كالشيطان، إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك، فغداً سيكفرون بكم ويصِمونكم بالإرهاب والعنجهية, فإنهم ليسوا منكم ولستم منهم.

جعلنا الله وإياكم ممّن تمسك بحبل ولاية الله, ومعاداة منكري وجود الله, ونجّانا معكم من غوائل أعداء الله, ووفقنا معكم للعمل بأحكام الله, والدعوة إلى سبيل الله، إنه بنا رحيمٌ لطيف.

إنّ أبلغ الكلام كلام الله, وأفضل المواعظ مواعظ الله, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ & اللَّهُ الصَّمَدُ & لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ & وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[[5].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم, والمنّان الكريم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله بارئ النّسم, وسابغ النعم, خالق الأرواح, وفالق الإصباح, ومسخر الرياح، الذي عزّ عن الإدراك بالأبصار, وبعُد عن مرامي العقول والأفكار, واحتجب بشعاع نوره عن ملاحظة الأنظار, أوجد بقدرته القاهرة ما أبدع, وأنشأ بإرادته ما صنع, خلق الإنسان من سُلالةٍ من طين, وجعله نطفةً في قرارٍ مكين, ثم صوّره في أحسن تقويم, فعدله وسواه وعلى اختيار ما يصلحه مكنه وهداه.

نحمده سبحانه على نعمه الغزار, وجوده المدرار, حمداً يرفع لنا لديه الأقدار, وتبسط به الأنوار, وتحطّ به الأوزار, ويطيب به المزار.

ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له الملك القهار, العالم بخفايا الأسرار, المطلع على خبايا الأفكار, وما تجنّه الصدور في الإيراد والإصدار, الشاهد لما يبيّته الفجار, من مكر الليل والنهار.

ونشهد أنّ محمداً صلى الله عليه وآله, عبده الذي اختاره بعلمه لرسالته, وحبيبه الذي اصطفاه لخلته, فبعثه هادياً وبشيرا, وداعياً إليه بإذنه وسراجاً منيرا, فأقام صلى الله عليه وآله دعائم الدين, وأرسى قواعد الحق واليقين, ونشر كلمة التوحيد حتى أسمعها من في الخافقين, ونقض صروح المبطلين, وأهار أركان الملحدين, بعد أن أجهد في محاربة أتباع الشيطان, ونصب في مكافحة ذوي المروق والعصيان, وصبر على أذية ذوي النفاق والأضغان.

فصلِّ اللهم عليه كما بلغ رسالتك, ونصح بريتك, ونشر كلمتك, وجاهد عدوك, وعلى آله الذين ارتضيتهم خلفاء في أرضك, وخزاناً لوحيك, وقواماً على شريعتك, الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتهم تطهيرا.

اعلموا عباد الله, أن الله سبحانه قد اختار هذا اليوم من بين سائر الأيام والشهور، وجعله لكم عيداً على ممر السنين والدهور, وجعل فيه هذه الفريضة الجليلة التي أوجب لها السّعي والحضور, وخصّها بسورةٍ كاملةٍ في الكتاب المسطور, وشبه من لا يحضرها من أمة محمدٍ صلى الله عليه وآله مع استكمال شرائط وجوبها باليهود الذين فسقوا بترك العمل بالتوراة والزبور, وحرّم في وقتها البيع وسائر الأعمال، وحثّ عليها النبيُ صلى الله عليه وآله وخلفاؤه الأطهار فيما تواتر عنهم من الأخبار, التي تجاوزت حد الاستفاضة في الكثرة والاعتبار، وحتى ورد على ألسنة بعضها أن من تركها ثلاث جمع بدون عذرٍ من الأعذار ختم على قلبه بخاتم النفاق[6].

فاستنّوا في هذا اليوم الأغر بسنن نبيكم صلوات الله عليه وآله من تنظيف الجسد والإتيان بالغسل المستحب, والمبادرة إلى الحضور في مكان الصلاة، والإتيان هناك بما يقدر عليه من المندوبات ومنها صلاة عشر ركعاتٍ قبل الزوال, وتلاوة القرآن والدعاء لنفسه وإخوانه حتى يحضر الإمام, وليتجنّب الجدال والكلام الفارغ ورفع الصوت على نحوٍ يشغل غيره ممّن يريد التعبد والتهجد, ففي الخبر عن سادة البشر عليهم صلوات الله عليه أن “الناس في إتيان الجمعة ثلاثة رجال, رجل حضر الجمعة للغو والمراء فذلك حظه منها, ورجلٌ جاء والإمام يخطب فصلى فإن شاء الله أعطاه وإن شاء حرمه، ورجلٌ حضر قبل خروج الإمام فصلى ما قضي له ثم جلس في إنصاتٍ وسكون حتى خرج الإمام إلى أن قضيت فهي كفارةٌ لما بينها وبين الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك, لأن الله يقول: ]مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا[[7][8]

فحاذروا أن تشغلكم الدنيا عن اكتساب الثواب والتّحلي بصحيح الآداب, فلا ينبغي التشاغل بالعمل أو باللغو والكلام الفارغ حتى يصير وقت الصلاة وتتضيّق الأماكن ثم يأتي الرجل يتخطى رقاب النـاس، فعن سيد الوصيين عليه صلوات رب العالمين أنه قال: “لأن أحبس من الجمعة إلى الجمعة أحب إلي من أن أقعد حتى إذا جلس الإمام جئت أتخطى رقاب الناس”.

واعلموا أن الهدف من كلِّ ذلك هو الاجتماع لسماع الخطبتين وما تشتمل عليه من المواعظ والزواجر عن المعاصي, والحثِّ على الطاعات والتحلي بفاضل الأخلاق، والتخلي عن رديء الملَكات, وما يتخلل الخطبة من ذكرٍ لأحكام الدين في سائر الموضوعات.

فإذا حضرتم فأنصتوا في الخطبتين, ولا تلغُوا بالكلام بل لا ينبغي الاشتغال حتى بالذكر والدعاء وقراءة القرآن مع ما في ذلك من فضلٍ في غير هذا الوقت من الأزمان.

فعن سيد الوصيين وقائد الغر المحجلين أنه قال: “إذا كان يوم الجمعة خرج أحلاف الشياطين يزينون أسواقهم ومعهم الروايات, وتقعد الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون الناس على منازلهم حتى يخرج الإمام, فمن دنى إلى الإمام وأنصت واستمع ولم يلغ , كان له كفلان من الأجر, ومن تباعد عنه  فاستمع وأنصت ولم يلغ, كان له كفل من الأجر, ومن دنى من الإمام فلغى ولم يستمع, كان عليه كفلان من الوزر, ومن قال لصاحبه: صه فقد تكلم, ومن تكلم فلا جمعة له” ثم قال عليه السلام: “هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وآله”[9].

حافظوا رحمكم الله على هذه الفريضة, وألزموا أنفسكم ما جعل لها من الآداب والسنن, واعلموا أنّ من أقوى أسباب قبول العبادات وحصول البركات, الإكثار من الصلوات على محمدٍ وآله الهداة.

اللهم صلِّ على النور المتجسد في الهياكل البشرية, الذي شرّف بنعله بساط الربوبية, وأفيضت عليه الأنوار الإلهية في الحضرة القدسية, النبيِّ المؤيّد, والحصن الرباني المشيّد, أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على باب قلعة العلوم الربانية, المشافه بالمعارف الإلهية, أخي النبي المصطفى بل نفسه الزكيّة بنص الآية القرآنية, فخر دَوحة لوي بن غالب, أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على من فَطمتَ محبيها من سقر, وجعلت لها الشفاعة في شيعة بعلها وولدها يوم المحشر, الدرة النوراء, والمعصومة الحوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على السيد السري, والكوكب الدري, شمس سماء الإيمان، وريحانة رسول الرحمن, السبط الممتحن، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.

اللهم صلِّ على القمر المنخسف بسيوف بني أمية, والسبط الذي فرّطت في حفظه الأمة الشقيّة, ثمرة فؤاد فاطمة الزكيّة, ريحانة الرسول الأمين, الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.

اللهم صلِّ على خير العباد, وأفضل من تكرم وجاد, سيد الساجدين، الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّ على مُظهر العلوم الربانية, وناشر المعارف السبحانية, ذي الذكر الطائر بين كل بادٍ وحاضر, والصيت السائر في جميع الحواضر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على ممهّد قواعد الدّراية, ومحرّر ضوابط الهداية, قنّاص شوارد الدقائق, ومفتض أبكار الحقائق, ضياء المغارب والمشارق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على الشمس المحتجبة بغيوم التقية, والزكيِّ المبتلى بكل رزية, بدر سماء المكارم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على بضعة النبيّ المصطفى, وسليل عليٍ المرتضى, المرتجى للشفاعة في يوم الجزا, الإمام بالنص أبي الحسن علي بن موسى الرضا. 

اللهم صلِّ على خلف الأمجاد, وسليل الأجواد, معتمد المؤمنين في الإصدار والإيراد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على ضياء النادي, وملجأ المستغيث يوم ينادي المنادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.

اللهم صلِّ على صاحب الفضل والكمال, المتردي برداء المجد والجلال, السيد السري, والإمام العبقري, أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.

اللهم صلِّ على المرتجى لنصر الملة المحمدية, المؤمل لكشف البلية, الآخذ بثار العترة النبوية, مقيم البرهان، والحجة على جميع أهل الأديان، شريك القرآن، الإمام بالنص أبي القاسم المنتظر صاحب العصر والزمان.

عجل الله أيام دولته، ومتعنا بالنظر إلى طلعته, وكرمنا بنصرته, وشرّفنا بخدمته، إنه سميعٌ مجيب.

إن أحسن خطاب وأبلغ كلام, كلام الله ذي الجلال والإكرام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[10]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات, إنه غفورٌ رحيم, وتوابٌ حليم.


[1]  سورة البقرة: 152

[2]  سورة الأنعام: من الآية90

[3]  سورة البقرة: من الآية120

[4]  سورة آل عمران: من الآية118

[5]  سورة الاخلاص

[6] “من ترك ثلاث جمع متعمدا من غير علة طبع الله على قلبه بخاتم النفاق”بحار الأنوار – ج86 ص166 – العلامة المجلسي

[7]  سورة الأنعام: من الآية160

[8]  بحار الأنوار ج86 – ص256 العلامة المجلسي

[9]  الحدائق – ج10 – ص195 – المحقق البحراني

[10]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *