قريناكَ ما انفكَّا مِن الوَجدِ والسُّهدِ
يُناظِرُهُمْ بينَ النُّجومِ شَجى البُعدِ
ففي دَعَةِ الرَّاجينَ أيَّامَ وصلِهِ
مضَت سُنَنٌ مِنهُ على لَوعةِ الفقدِ
تمرُّ عُجالى طاوياتٍ بِبؤسِها
وتسعى إلى لُقياكَ بالنَّفسِ والوُلْدِ
وإنْ شقَّ عنها كُلُّ خطبٍ مُجانِبٍ
خُطاكَ، فإنَّ الصَّبرَ يُتبَعُ بالحمدِ
متى ما دعاكَ القلبُ كُلَّ عشيةٍ
ترجَّى بآثارِ القُرى آيةَ الرَّدِّ
فهَلّا إلى أوطانِهِ جُدتُ بالسُّرى
نعيدُ بِها الأشواقَ قادِحَةَ الزَّندِ
منازلُهُمْ فيها مِن اللهِ رحمةٌ
مطهَّرةٌ بَلْ إنَّها جنَّةُ الخُلدِ
كساها فِخارًا شيْبَةُ الحَمدِ والعُلا
فشادَت بناءَ المَجدِ مِن طيِّبِ العَهدِ
فلو رامَها نَجمُ الثُّريا لأقصرَتْ
أعاليهِ أنْ تدنو إلى مَبلغِ الحَدِّ
أولئكَ نورُ اللهِ في ظلماتِها
بِهِمْ كُلِّ معسورٍ يُرجَّى إلى سَعدِ
وهُمْ بابُهُ -لا تفقِدِ السُّؤْلَ- دونَهُ
وأمسِكْ عُرى التَّسليمِ بالقَرْعِ والوُدِّ
فمِنْ كفِّهِمْ نِلتَ الرَّجاءَ تمامَهُ
ومَا كُلُّ مرجوٍّ يُعاجِلُ بالرِّفدِ
وهَلْ رهَجُ الصحراءِ يَنقعُ غُلّةً
إذا لَمْ يكُنْ إلا ادَّعاءً بلا جُهدِ
خليليَّ ما بينَ التّعلُّلِ والرّجا
أقيما وإنْ طالَت مناكَفَةُ الضّدِّ
لعلَّ بِهِ نلقى مُنى الرّوحِ والحِمى
بفيِّ المُقيمِ الأودِ للعطفِ نستجدي
بخيرِكَ يُرجى الخيرُ والفضلُ والنَّدى
ودونَكَ لم تصدُرْ رِكابٌ إلى وِردِ
فقُلْ لي -فداكَ الوُلدُ- أينَ تصرَّمت
لياليكَ ما بينَ التصبُّرِ والعَدِّ
وعينايَ لَمْ تبصُر سواكَ دليلَها
وإنْ ضاقتِ الآفاقُ عن فُسحَةَ المَدِّ
فما جَمَعت هذي الدُّنى غيرَ زيفِها
فلا مِلتُ مَعْ سَلمى ولا هِمتُ في دَعدِ
ولكن إلى يومٍ تَشنُّ مغارَهُ
تهيمُ بِهِ الألبابُ بالرُّعبِ والجِدِّ
وقامَت لكَ الدُّنيا على كُلِّ ضامرٍ
بمَنْ صارَ مفقودًا ومَنْ قامَ مِنْ لحدِ
فتسري كما نَجمٍ يسيرُ دُجنّةً
ويكشفُ عَنْ أتباعِهِ غُمَّةَ الجُحدِ
إذا ما دُعُوا نحوَ الطِّرادِ رأيتَهُمْ
على كَفِّ عفريتٍ بمُرهفَةِ الحَدِّ
أعارُوا إلى الجبَّارِ هاماتِهِمْ فِدًا
وخلَّوْا -بلا خَوْفٍ- ملازَمَةَ السَّرْدِ
فيقتحَمُ الهيجاءَ -وهْي تهابُهُ-
بِعزمٍ يُريهِمْ صوْلَةَ العمِّ والجَدِّ
ويُعمِلُ منصورًا ففي القَوْمِ سيفَهُ
وفي صَدرِ مَنْ والاهُ تغريدةُ السَّعدِ
ويترُكُهُمْ والسَّيْلُ يَجري كأنَّهُ
توثُّبُ فرسانٍ على صَهوةِ الجُردِ
وردَّ -بِحَقٍّ- كُلَّ ثارٍ لأصلِهِ
وقالَ كذا فلْتُبتنى رِفعةُ المجدِ
فما الصُّبحُ إلَّا مِن مَحاسِنِ وجهِهِ
وما النَّصرُ إلَّا مِن يمينِكَ والغمدِ
إلى ذاكَ يرجو المرءُ في لُمَمِ الوغى
مماتًا بِهِ سُكنى الخُلودِ على رَغدِ
فلو كُنتُ أدري أينَ تُرجى ركابُهُ
وأينَ يؤوبُ الخيرُ مِنْ طالِعِ السَّعدِ
لسمَّرتُ أقدامي على خَطَراتِهِ
إلى أنْ تدوِّي في المَدَى (طلعةُ المهدي)
وقَدْ عاشَ قبلي النَّاسُ في الصَّبرِ أدُهرًا
تداوَلُ في إِثرِ المُرجّى بلا جَحدِ
ولكنَّها لمْ تستكِنْ في انتظارِها
وظلَّتْ على مرهونَةِ الرَّأيِ والقصدِ
تتبَّعُ فيهِ مُدعي خُطَّةِ الوِلا
وقَدْ كَرَعُوا ماءَ السَّفاهةِ لا الرُّشدِ
وما أفلتُوا مِنْ مأزقٍ دونَ آخَرٍ
وما أسلفُوا إلَّا مُخالَفَةً تُردي
وإنِّي إلى أنْ تنشُرَ العدلَ واللِّوَا
صَبورٌ على جَهلِ المُغرَّرِ والوَغدِ
فعجّلْ -كفاكَ اللهُ- في نقمةٍ على
تخطّفِ برقٍ تابعَتْهُ يَدُ الرَّعدِ
لِتُطفِأَ عينَ الشّركِ بعدَ اشتدادِها
وتُبرِأَ عينَ الحَقِّ مِن حَلَكِ الرّمْدِ
وتجبُرَ كسرَ الأضلُعِ الطُّهرِ مُبدِيًا
لثاراتِها بالصَّلْبِ والحَرقِ والقَدِّ
بها تسكُنُ الأرحامُ سُكنى مودّةٍ
بعدلٍ أقامتْهُ الشّريعةُ مُمتدِّ
وإنّي أرومُ الشِّعرَ راجٍ لِقصدِكُمْ
ليكفِيَني عَن عَثرةِ الرِّجلِ والقصدِ
ليلة ١٥ شعبان ١٤٤٧هـ
