هواك لها جورٌ ولو عدلُها تَمَّا
وتفتؤ رغم البُعدِ ترعى هوى سلمى

تصُدُّ وتنأى كلما رمتُ قربَها
وتدنو إذا أعرضتُّ سائلةً مِمّا

فإلاّ أزُرْها كلَّ يومٍ تلومُني
وإن زرتُها مَلّت وما رَضِيَت قِسْما

وكم جئتُها والليلُ يحتثُّ نجمَهُ
وفارقتُها والفجرُ يختلسُ النجما

كأني وقد أوفت ببعض وصالها
خلُصتُ من البؤسى فلم أجدِ النعمى

رميتُ سهامي مُحكَماتٍ فلم أُصِب
وطاش لها سهمٌ فَتَعسًا لمن أصمى

وتجرمُ سلمى ثم أشتاقُ وصلَها
قريبًا كأنْ لم تقترف قبلها جرما

وما خِلتُ أنّ الليثَ ينتابُه الهوى
إذا ما تثَنّى حوله الرشأُ الألمى

ويومٍ بوادي المحرمين صرمتُها
وأقسمتُ لا أستحدِثُ الوصلَ والصَّرمَا

كلِفتُ بذاتِ الحُسنِ والحُبُّ عِلةٌ
وكِدتُّ لَعمري أن أموتَ بها غَمّا

خليليَّ ما كلُّ الأسى يُهلك الفتى
ولا كلُّ حبٍ في الورى يورثُ السُّقما

خليليَّ ذي صحراء نجدٍ فأنجِدا
بملساءَ تطوي لا تكلُّ ولا تَدمى

ومن بعدُ طِيرا للعراق فعرِّجا
خراسانَ ثم استوفِضا طيرَنا قُمَّا

إلى بُقَعٍ ضمّت من الحسن والندى
قصورًا من الفردوسِ والكوثرَ الجَمَّا

نراوح ما بين المكارم والعلى
ونَقبِسُ من حِيطانِها العِلمَ والحِلما

قبورٌ لآل الله من مَسَّ تربها
لَعمرُك ضمّت كفُّهُ الفلَكَ الضّخمَا

وما هِيَ كالأطلالِ تَبلى رسومُها
فلستَ ترى للبحرِ من قِدَمٍ رَسما

هنالك آياتُ الجلالِ ومن لهم
مناقبُ جَلّت أن تُعَدَّ وأن تُسمى

خُزاناتُ غيب الله ما ثَمَّ مُرسلٌ
أحاطَ بما نالوا من العِلمِ ما ثَمَّا

فلو أنّ موسى صادف الخِضرَ بعدهُم
لما ازدادَ ممّا قد أحاطَ به عِلما

ولمّا يَجُزْهُ الفضلُ طفلًا وأشيَبًا
سَلِ اليَمَّ مَن أجرى بتابوتِهِ اليَمَّا

تَمنَّاهُمُ الأرضُ المَوَاتُ فتَنتَشي
وتندى إذا مرُّوا على الصخرةِ الصَّما

يمنّون بالمعروف من غير مِنّةٍ
كأنهمُ يقضون للمُجتدي غُرْما

فلو أنّ أَدنى جودِهم عَمَّ في الورى
لمَا ظلَّ إلا الفقرُ بالفقرِ مغتمّا

ولو قِيسَ – حاشاهُم – بهم جودُ حاتِمٍ
لكان على قدْرِ الذي جادهُ ذُمّا

هم البحرُ يُرجى الخيرُ منه إذا سجا
ويخشاهُ من لا يَختشي الموتَ إن طَمَّا

رجالٌ أُوْلو بأسٍ شديدٍ تخالُهُم
إذا ركبوا شدّوا على الأسُدِ اللُّجما

مساعيرُ حربٍ لا تطيشُ حُلومُهم
وأقدَرُ أهلِ البأسِ أوسعُهم حِلما

فإن كانت الحربُ الضروسُ فأهلُها
ولم يمنعوا من شنَّها العدلَ والسِّلما

وإن ظفرتْ في الدُّجنِ أعداؤهم بهم
فقُل لي منَ الآسادِ مَن مَكَّنَ البَهما

سوى الجبتُ والطاغوتُ أو مَن تَلاهُما
أولائك سنوا القتلَ والجورَ والشتما

تدثرتُ أبرادَ المعالي بحبهم
ولم ألتمِس فخرًا سواهُ ولا غُنما

سمونا لهم بالشوقِ في طَخيَةِ الدجى
وما إن بلغنا شَقَّ نورُهُمُ الظَّلما

معي كلُّ ذي شوقٍ وصاحبِ نجدةٍ
إذا ما دُعي يومًا إلى أرضهم همّا

وإن أزِفَت مندوبةٌ خفَّ للسُّرى
كما انتشطَ المحمومُ من إبرةِ الحُمّى

ولما تراءت كربلا قال قائلٌ
بلغنا تخومَ العرشِ والغايةَ العظمى

ضمَمنا الخُطى نَسمو إلى التربةِ التي
يُرَدُّ بها حَتمُ القضاءِ إذا حُمَّا

إلى بقعةٍ تعنو لها كلُّ بقعةٍ
ويغبِطُها الفردوسُ ممّن بها ضُمَّا

إذا كان للرحمن في الحشرِ جنةٌ
كعرضِ السّما من رائَها خالها وهْما

فهذي لَعَمرُ اللهِ في الأرضِ أختُها
ولكنّها في الحسنِ من أختِها أسمى

ومن لم يَرَ الأولى هنا فكأنما
وإن فاز بالأخرى يُساقُ لها أعمى

وفي تلك إنْ لم يُدخلِ اللهُ آثمًا
فليس سوى في هذه يَغفرُ الإثما

أبا العزةِ القعساءِ وهي حرونةٌ
قَصِيٌّ أصابت فيك رتبتَها الأسمى

ويا مُسمِعَ الصمَّ الدعاءَ ولو دعا
سواك بيومِ الطفِّ ما أسمعَ الصُّمَّا

لقد أدركَتْ فيك الكرامةُ شَأوَها
ولم تُدرِك الأعداءُ منك سوى الوَصما

وما إن أبيتَ الضيمَ يومًا تجبُّرًا
ولكن عن الإسلامِ كي تدفعَ الظلما

وقد كانت الحربُ العوانُ ولودةً
فمذ خضتَّ فيها أصبحَتْ تشتكي العُقْما

بك اللهُ أحيا الدينَ من بعدِ موتِهِ
فأنت لنصرِ الحقِّ آيتُه العظمى

ويا واحدًا لم تشهدِ الحربُ مثلَهُ
أشدَّ ثباتًا أو أخفَّ بها قُدْما

فداؤك من يهوى الفؤادُ فلا أبًا
وجدِّك أستثنيهِ عنك ولا أُمّا

فإن كنتَ للأيتامِ يا سيدي أبًا
فمن ذا الذي في الناسِ لا يشتهي اليُتما

دأبتَ تَقِيهِم أن يَبيتوا على الطوى
وتُؤثرُ عنهم أن تجوعَ وأن تظما

وهل أنت إلا رحمةُ اللهِ في الورى
ولولاك لم يَنشُر على أحدٍ رُحمى

وهل أنت إلا من مَشيجِ محمدٍ
فقد كنتَ منه النورَ والعظمَ واللحما

علقتُ بأشطانِ المودَّةِ لا أرى
نجاةً سواها من عذابٍ ولا عَصْما

وما العيشُ إلا زورةٌ بعد زورةٍ
وإلا فلا خيرًا أراهُ وإن عَمَّا

فوالله ما تأتي على النفسِ ساعةٌ
من الأُنسِ إلا أعقَبَت بعدها غَمّا

كأني وقد أتممتُ فيك قصيدةً
وأنشدتُها أنطقتُ في مدحِكَ البُكما


عن كلِّ صَبٍّ بحبلِ الصبرِ قد عَلِقا

لُذْ بالضريح وقُلْ يَسمعْكَ زائرُهُ
يا صاحبَ الثأر قُمْ أيّانَ منك لِقا

يا واحدَ الله في الدنيا قد انصرمت
كلُّ القرونِ وسيفُ الثأرِ ما امتُشِقا

ويا ذُؤابةَ فهرٍ شَفَّنا ولَهٌ
والقلبُ من طول صبرٍ في النوى زَهَقا

فإن يكن (خُلِقَ الإنسانُ من عَجَلٍ)
فذاك فينا إلى لقياك قد خُلِقا

وقد نرى ما أرادَ اللهُ من مَهَلٍ
والصبحُ لا ينبغي أن يَسبقَ الغَسَقا

لكنها نفثةٌ في الصدر أجّجَها
طولُ اشتياقٍ وأحزانٌ بها اختنقا

أقسمتُ بالمصطفى جازَتهُ أمّتُهُ
شَرًّا وبَعْدُ عليه التربُ ما طُبِقا

أقسمتُ بالضلعِ والمسمارِ حيثُ سَرَى
وبالجنينِ وبالبابِ الذي حُرِقا

أقسمتُ بالقَدْرِ والأملاكُ نازلةٌ
وبالمُصَلّي وبالرأسِ الذي فُلِقا

أقسمتُ بالكبدِ المسمومِ يقذفُهُ
في الطّشتِ جدُّكَ من أحشائه مِزَقا

أقسمتُ بالجسدِ المسلوبِ كِسوَتَهُ
في كربلاءَ وبالصّدرِ الذي سُحِقا

عليك إلاّ نَضَيتَ السيفَ مُتّقِدًا
بطشًا وقُدتَّ العوادي شُزَّبًا عُتُقا

تُورِي بهنَّ زنادَ الحربِ تلقَحُها
شعواءَ يجري بها جيشُ الردى طَلِقا

فالسيفُ ناءَ بسُقمٍ لا شفاءَ لهُ
إلا إذا عَبَّ من أعدائك العَلَقا

بِيَومِ نصرٍ يُبِيدُ الكفرَ مصطبِحًا
ويُلبسُ النارَ ثوبَ الأنسِ مُغتبِقا

يومٌ تُقيمُ به للدين شِرعتَهُ
وتَستردُّ به الحقَّ الذي سُرِقا

حتى تقولَ لك الاعداءُ صاغرةً
قد حُقَّ لليلِ أن لا يأمَنَ الفلقَا

ليلة ٤ شهر شعبان ١٤٤٧هـ

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *