خطبة الجمعة 6 شوال 1414هـ الموافق 18 آذار 1994م

(طرق ثبوت الحكم – الحج وفضله)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

         الحمد لله الذي يعفو عن المذنبين, ويتوب على العاصين, ويرفع درجات المنيبين, ويقيل عثرة التائبين, ويتقبَّل من المخلصين, ويزيد الشاكرين, ويُضاعف للمحسنين, ويَجزي الصابرين, خلق فأحسن, وصوَّر فأتقن, وهذَّب فكمَّل, وعلَّم فبجَّل. أرسل النبيين هداةً لبريته, ودعاةً إلى مرضاته وطاعته, وإقامةً لحجته, ومَهيعاً يُوصل إلى لطفه ورحمته. وأنزل عليهم الكتاب نوراً يُستضاء بهديه, وتِبياناً لأمره ونهيه, وفرقاناً فيما اختُلف فيه من حكمه ووحيه. بعد أن كانوا على الباطل مجمعين, وعن الحق معرضين, وفي أسمائه تعالى مُلحدين, ]كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[[1].

         نحمده سبحانه على إتمام النعمة وإكمال الدين, ونشكره تعالى على أن جعلنا من المسلمين, ووفقنا لاتِّباع منهج الحق واليقين, ونعوذ به جلَّ ذكره من عصبية الجاهلين, ونستكفيه عز اسمه حقد الحاسدين, ومكر المبغضين, ونسأله تعالى العافية في الدنيا والدين, فهو أرحم الراحمين, وإليه تنتهي آمال الراغبين.

         ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, ذو العزة والكبرياء, والجمال والبهاء, داحي الغبراء ورافع السماء, ومنزِّل الكتب وباعث الأنبياء, الناهي عن اتباع الآراء والأهواء, الآمر بالتزام الحق وإن أغضب الأمهات والآباء, ]وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ[[2].

         ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي نبَّأه وآدم صلصالٌ كالفخَّار, وأخذ لهم عهداً على من سبقه من الأنبياء الأطهار, ورسوله الذي اصطفاه من بين ذوي الفِخار, واختاره من أكرم أُرومةٍ ونجار, فبعثه مبشِّراً بالجنة لمن لزِم طريق الأخيار, ومنذراً من عذاب النار, ومحذِّراً من متابعة الأشرار.

         ونصلي عليه وآله المرتدِين لحلل الافتخار, والحاملين لواء الدعوة للواحد القهَّار, الذين أفنوا في النصح لعباد الله الأعمار, وتحمَّلوا  في سبيل رضاه وطاعته الأخطار, حتى اتُهموا بتفريق الصف وشق الأمة من الفسقة الفجَّار, فتألَّب عليهم كل ماكرٍ غدَّار, وتوحدت في عداوتهم صفوف الناصبة الأشرار, صلاةً طيبةً ناميةً دائمةً بدوام الليل والنهار, منجيةً من غضب الملك الجبَّار, وساترةً يوم القيامة من لهيب النار.

         عباد الله, أوصيكم ونفسي الآثمة الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه ولزوم طاعته, والسير على منهاجه وشرعته, فإن التقوى دار حطة المؤمنين, فتمسَّكوا بعروتها الوثقى, وكونوا بأذيالها من المعتصمين, وأحذركم ونفسي من الركون إلى زخارف دار الغرور, وتضييع الأعمار في بناء بلاد الديجور, وحب الشهرة فيها والظهور, فإن ذلك من أعظم الهلكات, وأخطر الموبقات, ما تشرَّب قلب امرئ به إلا وانصاع إلى العصبيات, حتى بلغ ببعض من رغب في مجد الدنيا وعزتها أن أنكر النبوات, وحارب أوصياءهم من أجل الاستحواذ على تلك المقامات, التي رتَّبهم فيها رب البريات, ولأجل التحذير من الوصول إلى هذا المآل, قال إمامنا الصادق عليه صلوات الملك المتعال: ما أهلك الرجال إلا حب خفق النعال[3].

         واعلموا عباد الله, أن الله سبحانه وتعالى حثَّكم على أن تجمعوا على الخير كلمتكم, وتُؤلِّفوا على هُداهُ قلوبَكم, وتُوحدوا على طاعته صفوفكم, فقال جل اسمه: ) وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)[4].

         وإنما جاء الإسلام بدين التوحيد لتوحيد الكلمة ونبذ الفرقة والسير مع الجماعة, ونهاكم عن الإجماع على معصيته, والاتفاق على تعطيل أحكام شريعته, والتلكؤ عن الدخول في زمرته, واتباع أنبيائه وبيِّنته, فقال فيما أنزل من محكم كلمته: ]وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأثْمِ وَالْعُدْوَانِ[[5]. فاستجيبوا لله في دعوته, لبُّوا كلمته, واعتبروا بقوم نمرود حينما أجمعوا أمرهم على تكذيب رسوله وحرق خليله, وبقوم فرعون وقد اتفقت كلمتهم على قتل العبد الصالح حبيبٍ النجّار حينما أزمعوا قتل موسى لأنه شقَّ كلمتهم فيما يزعمون, وأفسد عليهم أمرهم كما يدَّعون, فقال لهم: ]أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ[[6]. ألم يؤل أمرهم إلى الدَّمار؟ ومصيرهم إلى النار وبئس القرار؟

         وقد جعل الله سبحانه وتعالى نظام هذه الأمة بعد التوحيد له, والإيمان بملائكته وكتبه ورسله, والانقياد لخلفائه, والموالاة لأوليائه, قائماً على ثلاثة أمور؛ فعن مولانا جعفر بن محمدٍ الصادق صلوات الله عليه وعلى آبائه وأبنائه الميامين أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: “أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادةٌ عادلة, أو يمينٍ صادقة, أو سنةٍ جاريةٍ مع أئمة الهدى”[7]؛ فبالشهادة العادلة تُقام الحدود, وتُنسب الأبناء إلى الآباء والجدود, وبالشهادة يحكم في الديات والجراح, وبالشهادة تثبت الأنكحة وتستحل الفروج وتقسَّم التركات, وبالشهادة يُقضى في الحقوق والأموال, ولولا أن الله سبحانه تعبًّد المسلمين بالعمل على وفق الشهادات, لضاعت الحقوق, وتعطَّلت الحدود, وتفرَّقت الأنساب, ولانفرط عقد الزمان, ولم تقم لهم قائمة, ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله نبياً مؤَّيدا, ورسولاً من قِبَل الله مسدَّدا, قد جعل له ملَكاً يحدثه, وبإمكانه أن يطَّلع على حقائق الأمور ويعلم بواطنها, ومع ذلك كان يقضي بين الناس بالبينات والأيْمان, بحسب ما يشهد به الشهود إذا كانوا معروفين بصلاح الحال, ظاهرين بالعدالة بين الناس, وربما كانوا للمسلمين مخادعين, أو كانوا في الباطن مرتشين, أو فيما يشهدون به مخطئين, فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان, وبعضكم ألحن بحجته من بعض, فأيما رجلٌ قطعتُ له من مال أخيه شيئا, فإنما قطعت له به قطعةً من النار”[8]. فمتى قامت البينة العادلة على أمرٍ من الأمور, وجب الأخذ بها والسير على وفقها, ولا يجوز إهمالها بسبب وسوسة الصدور, واحتمالات الخطأ في فهم الأمور, لأن ذلك إما أن يؤدي إلى تفويت المصالح على المسلمين, من عدم إيقاع العبادات في مواقيتها, وتأدية النذور في أوقاتها, وصرف الأوقاف فيما أوقفه عليه أربابها, أو يؤدي إلى وقوع الإختلاف وانتشار الخلاف بين المؤمنين, وليست الأحكام الشرعية من قبيل الأمور الاجتماعية والسياسية حتى يصح أن تُوقف على أخذ الموافقة من فلان, أو لا أسير فيها إلا برضا علاَّن.

         عصمني الله وإياكم عن الزيغ والخطل, في القول والعمل, ووفَّقنا جميعا ًلخير العمل, وجمع كلمتنا على اتِّباع نبيِّه صلى الله عليه وآله في كل ما فعل, إنه الهادي إلى سواء السبيل, وعليه قصد السبيل.

         إن أبلغ كلام, وأتم نظام, كلام الملك العلاَّم, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْر & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[9].

وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيم, وتوابٌ حليم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

         الحمد لله الذي وفَّق للإطاعة مَن أطاعه, وسهَّل لإجابة دعوته سبل القدرة والاستطاعة, الذي سمك السماوات فسواهنَّ سبعاً شدادا, وجعلهنَّ لعرشه عمادا, أسكن فيها ملائكته, وأبرز بكواكبها ونجومها قدرته وحكمته, وبنى في الرابعة منها بيتاً معمورا, ومعبداً لدى سكَّان السماوات مشهورا, يفِد إليه الملائكة المقرَّبون, ويطوف به الكرُّبيُّون, ويؤمّه الأنبياء والمرسلون, ودحى الأرض فجعلها لعباده مهادا, وجعل الجبال عليها أوتادا, وخالف بين أصقاعها فمنها السهْلة ومنها الحزْنة, ومنها اللينة ومنها الخشنة, وفرَّق بين بلدانها في الضياء والظلمة, فضُحى أهل المشرق عند سكَّان المغرب عتمة, أحاطها بالبحار وجعلها بحكمته أجاجا, وأنزل عليها من المعصرات ماءً ثجَّاجا, أحيا به ميتها, وأغاث به سكنتها, وأخرج به نبتها, وأمر خليله إبراهيم صلى الله عليه وآله المعصومين أن يبني له بيتاً كان قد أسَّسه آدم على سُرَّتها, أنزل فيه البركة, وحفَّه بالرحمة, وجعله مثابةً للعالمين, ومعبداً للمؤمنين, يلجأ إليه الخائفون, ويأمن فيه المروَّعون, ويطوف به الناسكون, ويتضرَّع إليه المنيبون, يتشبَّهون في ذلك بالملائكة المقرَّبين, ويُضاهئون النبيين, فيُؤمن روعتهم, ويعفو عن مسيئهم, ويرحم فيه دمعتهم, ويُضاعف لهم أعمالهم, ويجبر كسيرهم, ويغني فقيرهم.

         نحمده سبحانه كما هو أهله, وكما ينبغي لكرم وجهه, ونشكره على جزيل جوده وعميم فضله, حمدَ مستزيدٍ من كرمه ومنِّه, وشكر متعرضٍ لعفوه وأمنه, ونسأله تعالى أن يجعلنا ممن لبى دعوته, وصدَّق عِدَته, وبادر في الوفود إلى زيارته, فقُبلت حجَّته, واستُجيبت دعوته, ومُحيت خطيئته, إن ربنا واسع المغفرة وهو الرؤوف الرحيم.

         ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, واجبٌ وجوده لذاته, متنزِّهٌ عن مجانسة مخلوقاته, مستغنٍ عن صفات سواه بنعوته وصفاته, نافذةٌ قدرته في مصنوعاته, ماضيةٌ مشيئته في بريّاته.

         ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله, عبده ورسوله, خير من حجَّ واعتمر, انتجبه من أفضل الأسر, وشقَّ لدعوته القمر, وجعله مبلِّغاً لما نهى وأمر, وشدَّ أزره بأخيه وابن عمه الأنور, والد الأئمة الغرر, الذي لم يسجد لحجر, ولم يصغ لهذيان من نافق أو كفر.

         ونصلي عليهما وآلهما سادة البشر, العالمين بأسرار السُّوَر, شفعاء يوم المحشر, المحكَّمِين في أمر الجنة وسقر, كلما أضاء الفجر وأسفر.

         عباد الله, أوصيكم وأبدأ بنفسي الجانية بتقوى الله في كل دانيةٍ وقاصية, وأحذركم من الانهماك في عَمارة هذه الحياة الفانية, والغفلة عن الاستعداد للآخرة وهي الباقية, فأقلعوا عن ارتكاب الخطايا والآصار, واغسلوا القلوب بماء التوبة من رين الأخباث والأكدار, واجلوا مرايا النفوس بحرارة الندم والاسغفار, وبادروا بالسعي إلى بساتين العبادة ورياض الأذكار.

         واعلموا أن شهركم هذا هو أول شهور الحج المفروض على من استطاع إليه من أهل الأمصار, فلا تسوِّفوه اعتماداً على طول الأعمار, فإنك لا تدري بما تجري به الأقدار, ولم يطلعك على غيبه الملك الجبار, فمن كان منكم مستطيعاً بعد دخول هذا الشهر فلا يجوز له إذهاب استطاعته على الحج بزواجٍ أو أسفار, أو تصريف المال في عِمارة دكَّانٍ أو بناء دار, فإن مسوِّف الحج كافرٌ إن كان بدون عذرٍ من الأعذار.

         واعلموا أيها الأخوة الموقنون, أنّ استطاعة كل إنسانٍ بحسبه, فلا يلزم أن يحج الفرد المحدود الدخل كحج التجار, فإن ذلك ليس من الأعذار, فإذا لم تتمكن من الحج مع متعهدٍ يطلب الكثير من المال, فبادر إليه مع غيره من المتعهدين الذين يقنعون بالأقل من الأجر, فليس شرطاً أن تكون في قافلةٍ واحدةٍ مع ابن عمك أو أخيك, أو صديقك أو جارك, فتفوِّت على نفسك الفرصة الذهبية بالأوهام البشرية, فإنك لا تدري متى تُدعى إلى لقاء ربك, وينقلك عُوَّادك وأحبابك إلى رمسك, فتخيَّر في تلك اللحظة في الانتماء إلى أي دينٍ إلا دين الإسلام, وتقرع سن الندم في ذلك المقام, فعن أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه قال: “من مات ولم يحج حِجة الإسلام, لم يمنعه من ذلك حاجةٌ تجحفه, أو مرضٌ لا يطيق فيه الحج, أو سلطانٌ يمنعه, فليمت يهودياً أو نصرانيا”[10]. فلا تعلِّل نفسك بكثرة الأشغال, ولا تتعذر عن المسارعة لأداء الفرض في أول عام الاستطاعة بالأعمال, فإنك لا تعلم بتقلُّب الأحوال, وتصرُّم الآجال.

         واعلموا أن الله بكرمه ورحمته, ولطفه ومنَّته, تعهَّد لمن زار بيته بإكرام وَفادته, بالعفو عن خطيئته, والصفح عن هفواته وإقالة عثرته, ومضاعفة حسناته ورفع درجته, فعن الإمام الباقر عليه صلوات الملك القادر: “إن الحاج إذا أخذ في جِهازه, لم يخط خطوة في شيءٍ من جهازه إلا كتب الله عز وجل له عشر حسنات, ومحى عنه عشر سيئات, ورفع له عشر درجات, حتى يفرغ من جهازه متى ما فرغ, فإذا استقبلت به راحلته, لم تضع خفاً ولم ترفع, إلا كتب الله عز وجل له مثل ذلك, حتى يقضي نُسكه, فإذا قضى نُسكه, غفر الله له ذنوبه, وكان ذا الحجة والمحرم وصفر وشهر ربيعٍ الأول أربعة أشهرٍ تكتب له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات إلا أن يأتي بموجبة (أي كبيرة تدخله النار), فإذا مضت الأربعة الأشهر خُلط بالناس”[11]. فأي تجارةٍ أربح من هذه التجارة, وأي ملكٍ يعطي زائريه مثل هذه البشارة, وسُئل أبو الحسن عليه السلام: “لأي شيءٍ صار الحاج لا يكتب عليه الذنب أربعة أشهر؟ قال: إن الله عز وجل أباح للمشركين الحرم في أربعة أشهرٍ إذ يقول: ]فَسِيحُوا فِي الأرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ[[12], ثم وهب لمن يحج من المؤمنين البيت الذنوب أربعة أشهر”[13]. وعن أبي حمزةٍ الثمالي – رحمه الله – أن رجلاً قال لعلي بن الحسين عليه السلام: تركت الجهاد وخشونته, ولزمت الحج ولينه, وكان متكئاً فجلس وقال: ويحك, أما بلغك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع إنه لما بلغ عرفة, وهمَّت الشمس أن تغيب, قال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا بلال قل للناس أن ينصتوا, فلما أنصتوا قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن ربكم تطوَّل عليكم في هذا اليوم, وغفر لمحسنكم, وشفَّع محسنكم في مسيئكم, فأفيضوا مغفوراً لكم”[14]. فلا تتقاعسوا أيها الأخوة عن هذه السوق الرابحة, وشراء هذه البضائع الناجحة, ابذلوا فيها الأموال, واهجروا من أجل الوصول إلى محالِّها الديار والعيال, وطهِّروا في سبيل الفوز بها النفقات والأموال, وإذا حللتم في تلك المشاعر المحفوفة بالتكريم والإجلال, وعرفتم المضاعفة في ثواب الأعمال, فأكثروا من الصلاة والسلام على محمدٍ والآل.

         اللهم صلِّ على مشيِّد الملة الحنيفية بعد انهدام أساسها, المجدد للمعاهد الإبراهيمية بعد انطماسها وانتكاسها, المنزَّه عن وصمة الأرجاس القالَبية والقلبية, المعصوم من الأدناس المعنوية والصورية, النبي المصطفى من آل هاشم, محمد بن عبد الله المكنى بأبي القاسم.

         اللهم صلِّ على معينه في بناء هاتيك المعالم, وشريكه فيما أعطيته غير النبوة من المكارم, ونفسه بنص كتابك دون بني آدم, الشهاب الثاقب في ظلمات الغياهب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

         اللهم صلِّ على درة تاج النبوة, وحدقة مقلة الرسالة, المخصوصة من الله بمزيد الفضل ومرتبة الجلالة, سيدة نساء العالمين,  وشفيعة المذنبين عند رب العالمين, فاطمة الزهراء بنت سيد المرسلين.

         اللهم صلِّ على ذي الكرم والسؤدد, وصاحب الفضل الأمجد, المبتلى بعداوة الكافر الأنكد, الإمام بالنص الحسن السبط أبي محمد.

         اللهم صلِّ على من أزعجه اللئام عن البيت الحرام, واستحلوا قتاله في الشهر الحرام, ومنعوه من الماء حتى أذاقوه الموت الزؤام, ولم يرقبوا فيه إلةً ولا ذمام, معفور الخدين, ومحزوز الودجين, الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.

         اللهم صلِّ على العابد الناسك, زينة المعابد والمناسك, خير الساجدين, ومقدام الزاهدين, الإمام بالنص علي بن الحسين زين العابدين.

         اللهم صلِّ على مظهر الأسرار السبحانية, ومصدر صفايا الآثار الربانية, وليِّك الطاهر, المتحلي بأشرف المظاهر, الإمام بالنص أبي جعفر محمد بن علي الباقر.

         اللهم صلِّ على مقرر قواعد الجفر والجامعة, خوّاض المقامات القدسية بالقوة اللامعة, نَوْر حديقة العلوم والحقائق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق.

         اللهم صلِّ على محيي المعالم النبوية والمراسم, صدر ديوان الأكابر والأعاظم, المشار إليه بين شيعته بالعالم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم.

اللهم صلِّ على بحر العِلم المحيط, وقاموس الجود البسيط, النور الذي طبّق أرجاء الأرض وآفاق الفضاء, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني عليٍ الرضا.

         اللهم صلِّ على أكرم راكب شرفت به المهاد, وأشرف ماشٍ أشرقت بسنا نوره الروابي والوهاد, الحجة المفترض على كافة العباد, الشفيع إليك في يوم المعاد, أبي جعفر الثاني محمدٍ الجواد.

         اللهم صلِّ على وارثَيْ النبوة والإمامة, وحائزَي قصب الفضل والاستقامة, وأفضل دعائم الإسلام والسلامة, الإمامين الأعظمين, والسيدين الأكرمين, الداعيَين إلى التزام الطاعات والسنن, أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ وابنه أبي  محمد الحسن.

          اللهم صل على منبع الأسرار النبوية, ومظهر الآثار المرتضوية, ذي الهيبة الحيدرية, والأخلاق المحمدية, السيد المطهر, والليث الغضنفر, الإمام بالنص أبي القاسم المهدي بن الحسن المنتظر.

         عجل الله له الفرج , وأوسع له المنهج, وأفاض علينا شآبيب جوده وعدله, وجعلنا من الفائزين بدولته وفضله, إنه أجود مسؤول وأكرم مأمول, إن أبلغ ما قرع الأسماع, وتلقته بالقبول الطِباع, كلام الله الملك المطاع, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[15].

         وأستغفر الله لي ولكم, إنه رؤوفٌ, رحيم وتوَّابٌ حليم.


[1]  سورة البقرة: 213

[2]  لقمان: 15.

[3]  “انصرفوا فإن خفق النعال خلف أعقاب الرجال مفسدة لقلوب النوكى” بحار الأنوار – ج73 – ص300 العلامة المجلسي

[4]  سورة المائدة: من الآية2.

[5]   سورة المائدة: 2

[6]  غافر: من الآية28.

[7]  الخصال – ص155 – الشيخ الصدوق

[8]  وسائل الشيعة (آل البيت) – ج27 – ص232 – الحر العاملي.

[9]  سورة العصر

[10]  الكافي – ج4 – ص268 – الشيخ الكليني.

[11]  الكافي – ج4 – ص254 – 255 – الشيخ الكليني.

[12]  سورة التوبة: من الآية2

[13]  الكافي – ج4 – ص255 – الشيخ الكليني.

[14]  الكافي – ج4 – ص258 – الشيخ الكليني.

[15]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *