الجمعة 7 جمادى الثاني 1415هـ المصادف 11 تشرين الثاني 1994م
(الكِبْر والتكبر)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ذي العزَّة والبهاء, والجبروت والكبرياء, الذي بقدرته فتق الأجواء, وشقَّ سكاسِك الهواء, ينشُر الرياح على من يشاء بِرحمته, ويُرسل الصرصر على من حقَّ عليه القول بقُدرته, ويُنذر ذوي الألباب بمَغبَّة التعرض لجوالب نقمته, والوقوع تحت أليم سطوته, ]وَمَا نُرْسِلُ بِالأياتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً[[1] لعلَّهم يتذكرون بما يشاهدون من مظاهر الدمار, وما يحصل بهذه الرياح الهائجة من خرابِ الديار, مدى قدرة العزيزِ الجبَّار, الذي بيده أن يجفِّف الأنهار ويُغِير مياه الآبار, أو يُفجِّر الأرض عيوناً ويُسجِّر البِحار, فإذا بهم قد أُحيط بهم لم يُغن عنهم ما أعدُّوه من وسائل, ولم يستفيدوا من علومهم وصناعاتهم بِطائل.
نحمده سبحانه استجلاباً لرحمته, واستسلاماً لعزَّته, واستتماماً لنِعمته, واعتصاماً من معصيته, واستئماناً من نِقمَته, ونلتمس منه العون على أداء ما أوجب من فروض عبادته, والقِيامِ بما ندب إليه من لزوم طاعته.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له اعترافاً بربوبيته, وإقراراً بألوهيَّته, وإخلاصاً في الاعتقاد بوحدانيِّته, فإنها فاتحة الإحسان, وعزيمةُ الإيمان, ومرضاة الرحمان.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبدُه ورسوله, أرسله بالكتاب المسطور, والعِلم المأثور, والضياء اللامع, والنور الساطع, وأتمِّ الشرائع.
صلى الله عليه وآله عِماد الدين, وحفظة الشرع المُبين, بل أساس اليقين, وأئمة المؤمنين, وخُلفاء رسول رب العالمين, الذين بفضلهم وعلوِّ شأنهم أشادت آيات الذكرِ المبين, وبوجوبِ موالاتهم تحدَّث سيِّدُ المرسلين, وبخدمتهم يفتخر جبريل الأمين.
عباد الله, أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه وعدم الاغترار بإمهاله وإملائه, فإنه سبحانه لا يُفيض نعمه في هذه الدنيا على قَدَر الإيمان, ولا يختصُّ فيها بالعطاء ذوي الإحسان, بل ربما آتى أعتى العصاة من كل شيء, وحجب أولياءه عن كل شيء, لا رضاً بالمعصية, ولا تأنيباً على الطاعة, بل يُعطي العاصي ابتلاءً وامتحانا, ويقدِر على الطائع اختباراً لا هوانا, فلا تذهبنَّ بكم الذواهب, فيظن الرجل بنفسه خيراً أن أنعم الله عليه بشيءٍ يُميِّزه على غيره في هذه الدنيا فيظن أن له به على الله كرامة, أو منعه من شيءٍ فيظنُّ ظن السوء بالله أنه ما قتَّرعليه إلا إهانةً له أو تصغيراً لِقدره, وإياكم والكبر والتكبُّر, فما من ذنبٍ أشد عقوبةً من ذنب الكِبر والتكبُّر, وإنما أخرج إبليس من الجنَّة هو تكبُّره على آدم, حيث طرده الله تعالى من الجنَّة, وقال له: ]فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ[[2], فطُرد مذموماً مدحورا. فالكبرياء رداء الله سبحانه, اختص به لِنفسه, وحرَّمه على خلقه, فمن نازعه فيه أكبَّه في النار على وجهه, وعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قال: “لا يدخل الجنَّة من في قلبه مثقال ذرةٍ من كِبر”[3]؛ وحقيقة الكِبر أن تعتقد بأن لك فضلاً على أحد, وأن دمك أفضلُ من دماء الناس, وأن عِرضك خيرٌ من أعراض الناس, بل حتى لو ظنَّ أنه بأعماله الصالحة أفضل ممن ليست له تِلك الأعمال, أو أنه بامتناعه عن المعصية يكون أفضل من غيره فقد أحبَط عمله, ففي رواية حفص بن غياثٍ عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: “… ومن ذهب يرى أن له على الآخر فضلاً فهو من المستكبرين, فقلت له: إنما يرى أن له عليه فضلاً بالعافية إذا رآه مرتكباً للمعاصي؟ فقال: هيهات هيهات, فلعلَّه أن يكون قد غُفر له ما أتى وأنت موقوفٌ محاسب, أما تلوت قِصة سحرة موسى عليه السلام…”[4]؛ والحقيقة أن هناك مفهومَين أو معنيَيْن طالما التبسا على كثيرٍ من الناس, فهناك الكِبر وهُناك التكبُّر, وحقيقة الكِبر هو الخلق الكامن في النفس, وهو الإسترواح والركون إلى الاعتقاد بأنه أفضل من المُتكبَّر عليه, فالكِبر لا يُتصوَّر مع النظرة الإنفرادية للنفس, بل لا بد من من متكبِّرٍ ومتكبَّرٍ عليه, وبهذا يفترق الكِبر عن العجب بالنفس, فإن المعجب بنفسه قد لا يلتفت إلى شيءٍ خارجٍ عن ذاته, فإن الإعجاب لا يستدعي حضور غير المُعجب به, ولذلك يحصل العجب بالنفس حتى لو لم يخلقِ الله سبحانه غيره, أما الكِبر فإن معناه أن يعتقد بأنه أفضل من غيره في صفات الكمال, فيحصل له في نفسه لذة بهذا الشعور, ولذلك يقول الله سبحانه وتعالى في وصف من يُجادل في آيات الله وينازع رسُله من دون علمٍ: ]إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ[[5]؛ فالكِبرُ في حقيقته ليس إلا الاعتقاد بأنه أفضل من غيره, سواءً أبرز هذا الاعتقاد بأفعاله وأقواله أم كتمه في نفسه ولم يُظهر عليه بقولٍ أو فعل, وأما التكبُّر فهو في حقيقته السلوك العملي الناتج من هذا الخلق المذموم, لأن حقيقة التكبُّرِ هي معاملة المتكبَّر عليه بما يعتقده المتكبِّر من أفضلية نفسه ورِفعته فوقه, يشعر بلذتها في نفسه, تلك اللذة التي عبَّر عنها رسول الله صلى الله عليه وآله بقوله: أنها نفثة الكِبر؛ والمتكبِّر لا بد أن يظهر كِبره في سلوكه الذي يتكبَّر به على غيره في أفعاله أو في فلتاتِ لسانه, وهو أنواعٌ كثيرة, منها ما يكون على الله سُبحانه, بأن يتكبَّر على عبادته, ويستنكِف عن الاعتراف به, مِثل فرعون ونمرود في الأزمان السابقة, ومثل الملحدين على اختلاف أصنافهم في هذا الزمان فهم جميعاً يتكبَّرون على الله سبحانه, وقد يكون التكبر على رسل الله واوليائه صلوات الله عليهم أجمعين, ومنهم الفلاسفة في شتى العصور فإنهم قد لا يُنكرون وجود الله جلَّ شأنه ولكنهم لا يخضعون لرسله وأنبيائه, بل يرون أنفسهم فوقهم، وأنهم أفضل منهم أو مثلهم على الأقل, ولذلك نُقِل عن بعض الفلاسفة أنه قال لنبيٍ في زمانه: إنما بعثت لذوي العقول الناقصة ومثلي لا يحتاج لك, وقد عبَّر الله عنهم بقوله حكايةً عن قولهم: ]أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا[[6], ومن أمثلتهم في هذا الزمان الذين ينتقدون الرسول صلى الله عليه وآله أو القرآن ويدَّعُون أنهم في الوقت الحاضر بما أوتوا من العلم والمعرفة قد تجاوزوا الحاجةَ إلى التشريعات السماوية والأحكام الإلهية, والكِبر كما يصيب الكفرة والمارقين فإنه قد يُصِيب المسلمين, بل يُصِيب من يعتقد أنه من المؤمنين الملتزمين, فالكبر داءُ إبليس اللعين, وهو داءٌ يعدي به الإنسان إذا لم يتحصن عنه بلباس المذلة في نفسه والتجلبُبِ بِرداء المسكنة ولا يقتصر ذلك مع الأسف على العامة من الناس الذين يزدهون بمال كسبوه، أو قوة أوتوها أو مركزٍ حصلوه, بل يتعدى ذلك إلى أدعياءِ العلم, فترى من حصل على شيء من المعرفة, ادعى الاستغناء عما عند غيره من العلم وفرض نفسه معلماً مرشدا, فإن تمكن أن يقنع بعض الجهال ومن لا حول له بقدرته على التعليم والإرشاد, أدل بنفسه واعتقد أن على كافة الناس أن يجلوه ويحترِموه, وإذا دخل في محفلٍ صدَّروه إجلالا, وقاموا له احتراما وإلا فقد أهانوه, وساووه بغيره ممن يعتقد أنه أرفع منهم, وقد كان في ماضِي الزمان قد قال الصادق عليه السلام: “من رقع جيبه, وخصف نعله, وحمل سلعته, فقد برء من الكبر”[7]؛ أما اليوم فليس ذلك من علامات التواضع بكل طريق, بل ربما استغل ذلك لتحصيل الإجلال والتكريم, الذي يعتقد أنهما حقه على عباد الله بإظهار التواضُع والمسكنة, فقد روي في الوسائل عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في وصاياه لأبي ذرٍ رحمه الله: “يا أبا ذر يكون في آخر الزمان قومٌ يلبسون الصوف في صيفهم وشتائهم يرون أن لهم الفضل بذلك على غيرهم أولئك يلعنهم أهل السماوات والأرض”[8]؛ والمقصود بلبس الصوف في الصيف والشتاء, هو إظهار الزهد حتى يجلِبوا قلوب الناس ويُحترمون, فإن المأمور به في زمان غير دولة الإمام عليه السلام عدم إظهار مثل ذلك, بل التزين للناس والتجمل للخلق, فقد روى الحر العاملي رحمه الله في الوسائل عن عبد الله بن جَبلة قال: “استقبلني أبو الحسن عليه السلام وقد علقت سمكة بيدي, فقال: اقذفها إني لأكره للرجل السري أن يحمل الشيء الدني بنفسه, ثمَّ قال: إنكم قومٌ أعداؤكم كثير, عاداكم الخلق يا معشر الشيعة إنكم قد عاداكم الخلق, فتزينوا لهم بما قدرتم عليه”[9].
فاتقوا الله عباد الله ودعوا الكبر فإنه داعٍ إلى التقحُم في الذنوب, بل هو طريق البغي, فإن المتكبر باغٍ على المتكبَّر عليه, مُحتقرٍ له باخسٌ لِحقه, فعن أبي عبد الله عليه السلام وقد سُئل عن الكبر فقال: “الكبر أن تغمص الناس وتسفه الحق”[10]؛ فالمتكبر لا يزال يرى لنفسه الفضل على الناس حتى يستصغِرهم، ويغمص فضلهم، ويسفه حقوقهم، ولا يبقى له صديقٌ منهم, ولذلك قالوا عليهم السلام: “ليس لمتكبر صديق”[11]؛ بالإضافة إلى ما توعد الله سبحانه على الكِبر والتكبر من العذاب والهوان, ويكفي ما ورد في الحديث المستفيض عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: يبعث المتكبرون يوم القيامة على هيئة الذر, يطأهم الناس بأقدامهم[12].
فاجتنبوا الكبر فإن عاقبته النار, ولا تسمحوا للخبيث أن يعدِيَكم بدائه الذي تسبب في طرده من الجنة وتحريمها عليه, واستعيذوا بالله من وسوسته وخناسه, فإنه بعباده لطيف رحيم.
إن أفضل ما تلاه التالون, وعمِل به المتقون, كلام من يقول للشيء كُن فيكون, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]وَالْعَصْر & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[13].
وأستغفر الله لي ولكم, إنه غفور رحيم, وتوابٌ كريم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله القوي سُلطانه, العلي شأنه, الجلِي بُرهانه, الواجب وُجوده, الدائم جوده, الذي بقُدرته خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهم, وبحكمته ورحمته جعل الأمر يتنزَّل بينهم, قديمٌ برُّه وإحسانه, عَميمٌ طوله وامتنانه, تردى بصفات الكمال, فجلَّ عن الشَبَهِ والمثال, وتنزَّه عن التغير والزوال.
نحمده سبحانه على تواتر جوده وعطائه, وترادُف نعمه وآلآئه, ونشكره رغبةً في المزيد, وامتثالاً لأمره الرشيد, وتجنباً لعذابه الشديد, وإيماناً بما قال في كتابه المجيد, ]لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[[14].
ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له, الذي تردى بالعظمةِ والكبرياء, وجلَّ عن الشريك في الأرض والسماء, الغنيُ عما عداه فلا يحتاج لشيءٍ من الأشياء, العالم بكل شيءٍ جلَّ عن التخصِيص والاستثناء.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي اصطفاه وكمَّله, ورسوله الذي على جميع الأنبياء شرَّفه وفضله, عِلَّةُ إيجاد الكائنات, ومن لولاه ما خلقت الأرض ولا السماوات.
صلى الله عليه وآله الميامين الغرر, الأئمة الإثني عشر, أمناء الملك المعبود, وشهداء الأمم في اليوم الموعود, صلاةً تدفع عنَّا البلاء, وتحقق لنا في الدنيا والآخرة الرجاء.
عِباد الله, اتقوا الله حقَّ تُقاته, وبادروا إلى ما يقربكم من مرضاته, وأصيخوا مسامع قلوبكم لِزواجره وعظاته, واحرصوا على اكتساب قُرباته وخيراته, وسارعوا إلى مغفرته وجنَّاته, ولا تغرنكم زَهرات الدنيا فإن مآلها إلى الفناء والذُبول, ولا تظنوا الخلود فيها فإن لكل مسافرٍ أوبة وقُفول, فاتخذوا هذه الحياة متجراً مِنه تتسوقون, ومعبراً عليه تمرُّون, لا بيتاً له تعمرون, ألا ترون أنها أخنت على من قبلكم من القرون, ولم تخلص لمن كان في غرامِها كالمجنون, فأين فرعون وهامان وقارون؟ وأين من بنى الدساكرَ والحصون؟ أين من طغى وتجبر؟ وأين من بغى على الخلق وتكبر؟ أليسوا جميعاً قد دفنوا في الثرى, وأصبحوا عبرةً لمن يرى؟ واستبدلوا بعد الفرش والنمارق توسُدَ الأحجار, تأكل محاسن وجوههم الثرى, فإلى متى بها تغترون؟ وبها تفتنون؟ وعلى حطامها تتخاصمون؟ ومن أجل السيطرة عليها تتقاتلون وتتعادون؟ هذا وقد سُتِرت عنكم غايةَ الأجل, وزيَّن لكم عدوكم مدَّ حبل الأجل, فألهاكم عن الاستعداد عما أنتم عليه مقبلون, وأنساكم ذكر اليوم الذي فيه تُجمعون, وعلى ما فعلتم فيه تُحاسبون, يوم لا أنساب بينكم ولا تتساءلون, فقد روي عن سيد البشر صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن الخلائق إذا عاينوا يوم القيامة, ودقَّة الحساب, وأليم العذاب, فإن الأب يتعلَّق بولده فيقول: يا بني, أي أبٍ كنت لك في دار الدنيا؟ ألم أعزُّك, وأكفلك, وأعلمك الحكمة؟ قد أطعمتك وألبستك, وادرستك الآداب وآيات الكتاب, وزوَّجتك كريمةً من قومي, وانفقت عليك وعلى زوجتك في حياتي, وآثرتك بمالي في حياتي وبعد وفاتي, فيقول: صدقت فيما قلت يا أبتي فما حاجتك؟ فيقول: يا بني, إن ميزاني قد خفّ, ورجحت كِفَّة سيئاتي على حسناتي, فقالت الملائكة: تحتاج لحسنةٍ واحدة تُثقل بها ميزانك, فهل لك أن تهبني حسنةً أُثقل بها ميزان حسناتي في هذا اليوم العظيم خطره؟ فيقول الولد: لا والله يا أبتاه, فإني أخاف مما خفتَ منه, فلا أُطيق أن أعطيك من حسناتي, فيذهب عنه الأب باكياً على ما قد أسداه إليه في دار الدنيا, وكذلك تلقى الأم ابنها في ذلك اليوم العبُوس فتقول: يا بني, ألم يكن بطني لك وَعاء؟ فيقول: بلى يا أماه, فتقول: ألم يكن ثديي لك سِقاء؟ فيقول: بلى يا أماه, فتقول: إن ذنوبي قد أثقلتني, وأريد أن تحمل عني ذنباً واحدا, فيقول: إليك عني يا أماه, فإني مشغولٌ بنفسي, فترجع عنه الأم باكية[15]؛ وإلى هذا المعنى يُشير قوله تعالى: ]يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ & وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ & وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ & لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ[[16].
فخذوا الأهبة لذلك اليوم ما دام بيدكم زمام الاختيار, فغداً تنسدُّ أبواب الأعذار, إذا نُشرت الصحف بين يدي الملك الجبار, وظهرت الفضائح بما فيها من الذنوب والأوزار. جعلنا الله وإياكم ممن علِم فعمل, وحُذِّر فوجِل.
ألا وإن من أفضل العبادات, وأكمل الطاعات, وأربح البضاعات, الصلاة والسلام على محمدٍ وآله السادات.
اللهم صلِّ على نورِ حدقة الدين المُبين, وغارس حديقة الحقِ واليقين, المتردِّي بخلعة النبوَّة وآدم بين الماء والطين, والمتميِّز بخطاب لولاك لما خلقت الأفلاك[17] من بين النَبيين, النبي العربي المؤيَّد, والرسول الهاشمي المسدَّد, أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على أخيه وابن عمه, وباب مدينة عِلمه وفهمه, وكاشف كربه ومُزيل همِّه, أسد الله الغالب, وسيفه الضارب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالِب.
اللهم صلِّ على قرَّة عين الرسول, وحليلة الليث الصؤول, المدعوَّة بالعذراء البتول, خامِسة أصحاب العبا, أم الحسنين فاطِمة الزهرا.
اللهم صلِّ على قمرِ الإمامة, ومصباح الشهامة والكرامة, بدايةً واستدامة, العالم بالفرائض والسنن, والصادع بالحق في السرِّ والعلن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلِّ على قتِيل الطغاة, وصريع العداة, الممنوع من شرب ماء الفرات, دامي الوريديَن, ومعفَّر الخدَّين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحُسين.
اللهم صلِّ على الجوهرِ الثمين, نَورِ حديقة الزاهدين, وشمس سماء أصحاب اليقين, سيِّد العابدين, وحامل لواء الناسكين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسينِ زين العابدين.
اللهم صلِّ على البدر الزاهر في سماءِ المجد والمآثر, المتربِّع على عرشِ المكارم والمفاخر, البحر الزاخر بنفائس العلومِ والجواهر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على مفتاحِ الحقائق, ومصباحِ الدقائق, وأستاذِ الخلائق, الوميض البارق في المغاربِ والمشارق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على قُطبِ دائرة الأكابِر والأعاظم, المتجلبب برداء المجد والمكارم, مُشيِّد المعالم والمراسم, الحجة على جميع سكان العوالم, الإمام بالنص أبي الحسن الأول مُوسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على الرضِي المرتضى, الحاكم يوم الفَصلِ والقضا, الحجة على من تأخر أو مضى, الراضي بالقدر والقضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على عارِج معارِج الفضل والسداد, وناهِج مناهِج الهداية والرشاد, وقامع أهل الغواية والعِناد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على ضياءِ النادي, السائرة ركائب محامِدِه في كل وادي, والمنتشرة فواضِل أياديه على كل رائحٍ وغادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على الليث الجري, والسيد السري, والعالم العبقري, الطالع شرفاً على الزُهرة والمشتري, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن العسكري.
اللهم صلِّ على حامِل الراية النبوية, ومُحيي الشريعة المحمَّدِية, وخاتم الولاية الحيدرية, كاشف الكُرَب عن الشيعة العلوية, وهادِم أساسِ البِدع الأموية, الآخذ بثار العترة الفاطمية, نور الملك الديَّان في هذا الزمان, وخليفته على الإنسِ والجان, الإمام بالنص مولانا المهدي صاحب العصر والأوان.
عجَّل الله تعالى أيام ظُهوره, ونشر على بسِيط الأرض أشعةَ نوره, وأسعدنا معكم بالفوز برؤيته, والقيام بواجب خدمته, والدخولِ في بَرَكة دَعوته, إنه على ما يشاء قدير, وبالإجابة جدير.
إن أفضل ما تُلي من الكلام, وأحسن ما قُرئ في الابتداء والختام, كلام الملك العلاَّم, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[18].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين إنه بنا رؤوفٌ رحيم.
[1] سورة الإسراء: من الآية59
[2] سورة الأعراف: من الآية13
[3] الكافي – ج – ص310 – الشيخ الكليني
[4] الكافي – ج8 ص128 – الشيخ الكليني
[5] غافر: من الآية56
[6] التغابن: من الآية6
[7] وسائل الشيعة – ج 5 –ص13 الحر العاملي
[8] وسائل الشيعة – ج5 – ص35 الحر العاملي
[9] وسائل الشيعة – ج5 – ص12الحر العاملي
[10] الكافي – ج2 – ص310الشيخ الكليني
[11] ميزان الحكمة – ج3 – ص2659محمدي الريشهري
[12] “يبعث الله يوم القيامة أناسا في صور الذر يطؤهم الناس بأقدامهم، فيقال: ما هؤلاء في صورة الذر؟ فيقال: هؤلاء المتكبرون في الدنيا”ميزان الحكمة – ج3 ص2178 – محمدي الريشهري
[13] سورة العصر
[14] سورة إبراهيم: من الآية7
[15] تفسير القرطبي – ج14 – ص338 – القرطبي
[16] عبس: 34 – 37
[17] في الحديث القدسي: “لولاك لما خلقت الأفلاك”شرح أصول الكافي – ج9 ص61 – مولي محمد صالح المازندراني
[18] سورة النحل: 90
