الجمعة 8 صفر 1416هـ المصادف 7 تموز 1995م

(الحقد)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ذي العزِّ والبهاء, والمجد والكبرياء, الأول الذي ليس له ابتداء, المنزَّه عن الإنقطاع والإنتهاء, القدير الذي لا يُعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء, القيُّوم الذي أحاط علمه بجميع الأشياء, فهو يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء.

نحمده سبحانه حمداً كثيراً وحمده من النعماء, ونشكره تعالى جدُّه شكراً جزيلاً وشكره من الآلاء, ونتوكَّل عليه عزَّ شأنه في حياطتنا مما يُبيِّت لنا الأعداء, ونستدفعه شرَّ ما يعرج من الأرض وما ينزل من السماء, ونسأله العافية من الجهد والبلاء, والتوفيق لنيل مراتب السعداء.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له المنزَّه عن اتخاذ الشركاء والأبناء, المتقدِّس عن ملامسة النساء, المتوحِّد بالألوهية في الأرض والسماء, شهادةً نستكشف بها غوائل الأدواء, ونستدفع بها نوازل البلاء, ونستنير بهديها في الفتن العمياء, ونلوذ بظلِّها يوم تُبدَّل الأرض وتُطوى السماء.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, وسفيره ودليله, بعثه بالرسالة والناس حيارى في فلوات الجهل والشبهات, سكارى بحب الزعامة والشهوات, يستحلُّون الخمر والميسر والأنصاب والأزلام, ويسجدون للأوثان والأصنام, وفي ثياب التكبُّر والإعجاب يرفلون, وعن استماع نداء الحق والموعظة يستكبرون, فأوضح ببعثته به نهج الحق والصواب, وكشف به شبهات الباطل لذوي الألباب, ودحض بحكمته تلفيقات ذوي الشك والارتياب.

صلى الله عليه وآله الأطياب, القادة الأنجاب, الذين ورَّثهم الحكمة وفَصْل الخطاب, وقرن بينهم وبين ما أُنزل عليه من الكتاب, صلاةً نستظل بها يوم الحساب.

عباد الله, أوصيكم ونفسي الآثمة الجانية قبلكم بالتدثُّر بثايب التقوى, في العلن والنجوى, ومراقبة الله سبحانه والعمل على ما يُرضيه ويُقرِّب إليه, فإنه تعالى مطَّلعٌ عليكم, لا يخفى عليه شيء من سرِّكم, ولا يعزب عنه علم ما أضمرتموه في أنفسكم, فضلاً عما تفعلونه بجوارحكم.

واعلموا أن القلب هو سيد الأعضاء ورأسها, بصلاحه يكون صلاحها, وبفساده يكون هلاكها, وهو مركز الأخلاق والملَكات حسنها وقبيحها, فاعملوا على تنقيته من الأدواء, وسلامته من الرذائل, فإنه لا نجاة غداً عند الله سبحانه إلا من أتى الله بقلب سليم, وإن من أخطر ما يُبتلى به القلب من الأمراض الفتَّاكة الحقد والموجدة, حتى ورد عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: “الحقد داءٌ دويٌ ومرضٌ موبي”[1]. والمقصود بكونه مرضاً موبئاً من الوباء الذي ينتشر بسرعة, وذلك لأن الحاقد لا يستطيع أن يكتم موجدته وبغضه على من يحقد عليه, فيعمل على نشر بغضه بين الناس, فينتشر ذلك المرض في قلوبهم, أو أنه موبىءٌ لأن المحقود عليه إذا علم بحقد الحاقد عليه أبغضه ومقته, وتولَّد في قلبه عليه حقدٌ مقابل حقده فكأنه قد عداه بمرضه.

والحقد رأس العيوب, وألأم الأخلاق, ومثار الغضب, ومن أعظم أسباب الفتن والحروب بين البشر, وليس للحقد من دواءٍ يُزال به, ولا حيلة للمُبتلي به في قلعه, فيبقى مختفياً في سويداء القلب كالنار الكامنة لا يُطفئها إلا الظفر بمن يحقد عليه أو بالموت.

والحقود مُعذب النفس بحقده, ليس له راحةٌ في نفسه, لأنه يغتمُّ كل ما رأى من يحقد عليه يتقلَّب في نعمه, قد تيسَّرت له الأسباب, واستقامت له الأمور, واحترمه الناس, وهو لا يملك أن يسلبه شيئاً مما أنعم الله به عليه, فيظل في تعبٍ دائم, وهمٍ لا ينقضي حتى يتوفاه الموت غير متهنٍّ بحياته, ولا مرضيٍ عند ربه, والحقود بئس العشير لا تؤمَن بائقته, ولا يُوثَق في صداقته, إذ لا يعلم من يعاشره متى ينقلب عليه بسبب كلمةٍ قالها, أو رغبةٍ رغبها, فيعاديه ويشمله بحقده وموجدته.

ولعلَّ من أهم أسباب الحقد زيادة حب الإنسان لنفسه, بحيث لا يحتمل من أخٍ له زلة, ولا يصبر لصديقه على غلطة, فتراه كثير المعاتبة للأخلاء, دائم الشكوى من الأهل والأصدقاء, يُظهر نفسه دائماً بصفة المظلومين, وهو من الظالمين, ويجعل نفسه في صفوف المستضعَفين, وهو في باطنه من المستكبرين.

وربما تولَّد الحقد من الحسد, فيكون تأثيره في النفس أشد, وفعله فيها أخطر, فيدفع صاحبه إلى ارتكاب الموبقات في العمل على التشفِّي ممن يحقد عليه, والعمل على النيل منه, غير مبالٍ بعواقب فعله في الدنيا, ولا هيَّابٍ لما سيلقاه في الأخرى, فتراه جاهداً في تأليب الناس على من يحقد عليه, ساعياً في هلاكه, يلتذ إن سمع فيه نبأ سوء, ويفرح إن بلغه خبر كارثةٍ حلَّت به, ويتفطَّر قلبه ألماً إن سمع في من يحسده ويحقد عليه كلمة خير, أو بلغه خبر نعمةٍ أصابته, فهو مُعذبٌ في حياته, لاهٍ بغيره عن إصلاح نفسه, فإذا وافته المنية لقي ربه عليه غاضبا, فعُذِّب في آخرته بما جناه على نفسه.

فأصلحوا عباد الله أنفسكم, واقتلعوا رذائل الملكات من قلوبكم, يهنأ عيشكم, وتستريح نفوسكم, وتطيب حياتكم, وتفرَّغوا لشئونكم عن التفكُّر في عيوب غيركم, فالدنيا كما يقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه: “أصغر وأحقر وأنزر من أن تُطاع فيها الأحقاد”[2]. فاحصد الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك, فإنك إذا ما أصلحت سريرتك, وفتحت لإخوانك باب محبَّتك, وأظهرت لهم مودَّتك, وآنست وحشتهم بحسن استقبالك لهم, وليَّنت من جانبك لما خشن منهم, استللت السخيمة من صدورهم, وأبعدت عن الموجدة قلوبهم, يقول أمير المؤمنين عليه السلام: “احترسوا من سَوْرة الجَمَد والحقد والغضب والحسد, وأعدوا لكل شيءٍ من ذلك عدةً تجاهدونه بها من الفكر في العاقبة, ومنع الرذيلة, وطلب الفضيلة, وصلاح الآخرة, ولزوم الحلم”[3].

جعلنا الله وإياكم ممن تحلى بالأخلاق العالية الفاضلة, وتخلَّى عن الرذائل السافلة, وفكَّر في العاقبة الباقية, وألبسنا الله جميعاً لباس العافية, إنه على ما يشاء قدير, وبالإجابة حريٌ جدير.

إن أبلغ كلام, وأمتن نظام, كلام الله الملك العلام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ & مَلِكِ النَّاسِ & إِلَهِ النَّاسِ & مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ & الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ & مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ[[4].

وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيم, وتوابٌ كريم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي بحكمته نطقت آياته, وبسطوته دانت مخلوقاته, وبقدرته شهدت أرضه وسماوته, وبإرادته دانت ممكناته, العالم بالخفيات, فسيان عنده ما ظهر على اللسان وما بُيِّت في الضمائر والنيات, احتجب بأشعة أنوار قدسه عن النواظر, وعزَّ بجبروت عظمته أن تصوَِّره الخواطر.

نحمده سبحانه على تضاعف نعمائه, ونشكره تعالى على ترادف عطائه, ونعوذ به جلَّ اسمه من الوقوف في صفوف أعدائه, ونسأله العفو والمغفرة عن الذنوب يوم لقائه.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, لا تأخذه السِّنَة, ولا تُغلطه الألسنة, رافع الأعمال الحسنة, والهادي إلى الطريقة المُستحسنة, القادر على تبديل السيئة بالحسنة.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله المختار, اللابس خلعة الفخار وآدم صلصالٌ كالفخار.

صلى الله عليه وعلى ابن عمه حيدرةٍ الكرار, صاحب ذي الفقار, ومن فداه ليلة الغار, حتى باهى به الله ملائكته الأبرار, ثم على آلهما الأطهار, المعصومين من وصم الشُبَه والأقذار, صلاةً دائمةً بدوام الفلك الدوار, وتعاقب الليل والنهار.

أيها الإخوان النائمون على فرش الاطمئنان, الملتحفون بأردية الأمان, التائهون في صحارى الآمال, الراتعون في مراتع الإهمال, الناسون لما هم مقدمون عليه من الأهوال, التي تذوب لوقعها صُمُّ الجبال, أوصيكم وأبدأ أولا بنفسي التي هي أول تائقٍ إلى تلك الخِلال, وسابقٍ إلى مخالفة ذي الجلال, بالاستعداد ليوم المعاد, وما فيه من الشدائد الشِداد, فالمسارعة المسارعة, قبل حلول الواقعة, وما أدراك ما الواقعة, سَوْقٌ وسياق, وحسرةٌ وفراق, ونزعٌ وأنين, وبكاءٌ وحنين, ثم ما يعقب ذلك من القبر وظلمته, واللحد وضغطته, وهول المطَّلع, وضيق المضجع, وسؤال منكرٍ ونكير, الذين من رؤيتهما القلوب تطير, ثم القيام إلى المحشر, وما أدراك ما المحشر, لسانٌ ملجم, وعرقٌ مفعم, وشمسٌ تصلي, وأرضٌ تغلي, والناس بين مجرورٍ ومسحوب, وآخرٍ على وجهه مكبوب, يستغيث من الذنوب, وما جناه على نفسه من الحَوْب, ونارٍ شديدٌ لهبها, عالٍ لجَبُها, شرابها صديد, وأصفادها حديد, وإذا قيل لها هل امتلئت قالت هل من مزيد.
فأنَّى لهذه النفوس الجزعة, والقلوب الهلعة بالصبر على هذه الأهوال, وتحمُّل ذلك الداء العضال, وكيف لهذا الجسم الذي تؤذيه الشمس بحرِّها, وتؤلمه البرودة بقرِّها, وهما أيسر برودة, وأهون حرارة, فكيف بنارٍ وقودها الناس والحجارة, عليها ملائكة غلاظٌ شداد, لا يرأفون بمن أُلقي فيها من العباد.

أعاذنا الله وإياكم من النار, وحشرنا معكم في زمرة الأبرار, إنه هو الكريم الغفَّار.

ألا وإنكم في يومٍ شرف قدره, وأنار بدره, لله فيه عتقاء وطلقاء من النار, ممن قام بواجب حقه العلي المنار. ألا وإن من جملة أعماله المأثورة, وأشرف أفعاله المبرورة, الصلاة والسلام على أرباب الكرم والجود, ومَن هم العلة لكل موجود, محمدٍ وآله أقمار السعود, وأمناء الملك المعبود.

اللهم صلِّ على من بعثته للموحِّدين نعمةً وبشرى, ونقمةً على من عبد يعوق ويغوث ونسرا, وأنزلت عليه القرءآن هدايةً وذكرى, وجعلت مودة ذوي قرابته لرسالته أجرى, الحصن الإلهي المشيَّد, والرسول العربي المؤيَّد, أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على باب مدينة علمه, والشارب من منبع علمه وحلمه, عيبة العلوم الربانية, وكنز المعارف السبحانية, ووسيلة العوارف الرحمانية, الشهاب الثاقب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على الدرة النادرة, والجوهرة الفاخرة, والمعصومة الطاهرة, البتول الغرَّاء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على السبط الممتحن, الصابر على عظائم المحن من ذوي الحقد والإحن, المرتَهَن بحوادث الزمن, القائم بالفرائض والسُنن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.

اللهم صلِّ على مجلي حلبة السعادة بما ناله من عظيم الشهادة, ومُحلِّي جيد السيادة بما رفع من أعلام الدين وأشاده, مقطوع الوريدين, ومُعفَّر الخدين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ على من أحيا رسوم العبادة, وأقام دارسها وشاده, خير من أنارت به أندية الصلوات, وأفضل من زهرت به حنادس الخلوات, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين ذي الثفنات.

اللهم صلِّ على مصباح العلم الزاهر, وبحر الحلم الزاخر, ذي الصيت الطائر بين كل بادٍ وحاضر, والذكر السائر في النوادي والمحاضر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على مُجدِّد أركان الشريعة, وباني حوزتها المنيعة, ذي الدرجة الرفيعة, أفضل صادعٍ بالحق وناطق, وأكمل بارعٍ في نشر الحقائق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على ناظم قلائد العوارف والمراحم, ومؤسِّس مدارس الفضيلة والمكارم, الصابر على كل خطبٍ متعاظم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على طَوْد العلوم والمعالي, وكنز المفاخر المشحون بغوالي اللئالي, ومن ليس له مفاخرٌ مدى الأيام والليالي, ذي الفضل الذي أشرق في سماء العالم وأضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على ربيع البلاد, ومنبع الفضل والسداد, المتكرِّم بالطارف والتلاد, سيد الأجواد, الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على إمامي الأبرار, وخصمي الفجَّار, طيبي النِجار, ومن بهما تُحطُّ الأوزار, العريَّين من وصمة الشك والرين, الإمامين المنصوصين, أبي الحسن علي الهادي وابنه أبي محمدٍ الحسن العسكريين.

اللهم صلِّ عل الطلعة المجلَّلة بالهيبة والظفر, والدولة المخدومة بالقضاء والقدر, والغُرَّة المشرقة بالنور الأزهر, شريك القرآن, وباهر البرهان, والحُجَّة على كافة الإنس والجان, الإمام بالنص أبي القاسم المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.

عجِّل الله تعالى فرَجه, وسهَّل مخرجه, وبسط على وسيع الأرض منهجه, وجعلنا من المشمولين بدعوته, الآمنين أيام دولته, إنه على ما يشاء قدير.

إن أبلغ ما وعظ به الواعظون, واتعظ به المتقون, كلام من يقول للشيء كن فيكون, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[5].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات, إنه غفورٌ رحيم, وتوَّابٌ حليم.

[1]  ميزان الحكمة – ج1 – ص648 – محمدي الريشهري – عن غرر الحكم ص1496

[2]  ميزان الحكمة – ج1 – ص648 – محمدي الريشهري – عن غرر الحكم ص1804

[3]  ميزان الحكمة – ج1 – ص648 – محمدي الريشهري – عن غرر الحكم ص2565

[4]  الناس

[5]  سورة النحل: 90

[6]  سورة الزلزلة

[7]  الكافي – ج2 – ص327 – الشيخ الكليني

[8]  الخصال – ص543 – الشيخ الصدوق

[9]  الممتحنة: من الآية1

[10]  سورة الأنفال: 33

[11]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *