الجمعة29 صفر 1416 هـ المصادف 28 تموز 1995م
(حب الدنيا)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي تنوَّرت قلوب أوليائه بتجلِّيات ذاته السبحانية, وأشرقت صدور أحبَّائه بأشعة أنوار رشحاته الصمدانية, فرنت عيون بصائرهم للنظر إلى جمال كماله, واستنارت أفئدتهم باستشراق مقدَّس عزِّ جلاله, وتجرَّدت نفوسهم عن أدران العلائق الجسمانية, وتخطَّت هممهم عوائق النشئة المادية, وسمت عزائمهم إلى نيل اللذات الحقيقية, وسرحت ضمائرهم في خمائل العظمة الملكوتية, ففازوا بالمُعلَّى والرقيب في ميادين القرب والوصال, وماسوا فيما أُسبغ عليهم من حلل الحب والاتصال.
نحمده سبحانه حمداً يَسِمُنا بميسم المعترفين بمقام اللاهوت, ونشكره تعالى شكراً يرفع أقدارنا في عالمي الملك والملكوت, ونتحصَّن به جلَّ شأنه من بأس أعدائنا وهو ذو العزَّة والجبروت, ونتوكل عليه في جميع شئوننا وهو الحي الذي لا يموت.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, الذي أقرَّت السماوات والأرض بوجوب وجوده, وأحيا مَن فيهما بفيض رشحات جوده, إضمحلت الأحلام عند اكتناه حقيقته, وتلاشت الأفهام عند التطلُّع إلى غوامض أحديته.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي جعله أميراً على الخلائق, وأميناً على الحقائق, أرسله بالسراج الوهَّاج, وأوضح به الطريق والمنهاج, وأقام به الإعوجاج, وكشف به الرتاج.
صلى الله عليه وآله سادات الإسلام, وكعبة الاعتصام, وخيرة الله من الأنام, أقمار الهداية, ومصابيح الولاية, ]أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[[1].
عباد الله, أوصيكم ونفسي الآثمة قبلكم باستشعار شعار الخوف والتقوى, والتمسك بعروتها الوثقى, والتحلي بحلية الصالحين, واتباع الأنبياء والمرسلين, وأُحذِّركم بادئاً بنفسي الذاهلة التي هي عن طرق اكتساب الفضائل غافلة من الانصياع لوسوسة الشياطين, واتباع مناهج المارقين, والتصارع على جيفة هذه الميتة المنتنة, والخبيثة النتنة, فإن حبها من أعظم الكبائر عند رب العالمين, بل الرغبة في علوِّ درجاتها سبب كل وهنٍ في الدين, فإن الله سبحانه وتعالى بعث للبشر مائة ألفٍ وعشرين ألف نبي, وجعل لكل نبيٍ وصياً أو أكثر يبلِّغون للبشر أحكامه, ويشرحون شرائعه, ويقودون الناس إلى مهيعه, فما أغنوا في ذلك شيئا, وما تمكنوا أن يجتثوا جذور الشر من بين بني آدم, وما ذلك إلا بسبب تزيِّي عشَّاق الدنيا بزي الأوصياء, وتلبُّس طلاب الرئاسة بثياب الأتقياء, فاختلط على الناس الصادق والكاذب, ولُبَِّس عليهم الحق بالباطل, فأصبحوا في الشبهات يعمهون, وعن طريق الحق ينكبون, وبعد أن كانوا أمةً واحدةً أصبحوا شِيَعاً يتقاتلون, يقول سبحانه وتعالى: ]كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[[2], نعم اختلفوا فيه من بعد ما جاءتهم البينات, فإن رسل الله وأنبياءه بيَّنوا لهم مقاصد الكتاب ومعانيه, وشرحوا لهم أهدافه ومراميه, فهم لم يختلفوا بسبب انسداد باب العلم عليهم, ولا لانغلاق طرق المعرفة في وجوههم, حاشا لله سبحانه أن يُوصد باب العلم على قومٍ ثم يؤاخذهم على ما ارتكبوا بسبب عجزهم عن الوصول إلى الحقيقة, أو يذمُّهم على اختلافهم وهو الذي حجب عنهم أمر الحجة, ولكنهم اختلفوا مع قيام الحجة عليهم, وتوضيح البينة لهم, لأن عشَّاق الدنيا أصرُّوا على البغي والتكبر, عشقوا مجد الدنيا, وأحبوا زعامتها, فأوَّلوا آيات الله بما تهوى أنفسهم, وفسَّروا كلماته بما يؤيِّد رغباتهم, فأضلوا كثيراً من الخلق, ليتأمَّروا عليهم, ودفعوهم إلى معاداة أهل الحق بما شبَّهوا عليهم, فاتخذوا مال الله خِوَلا, وعباده دِوَلا, وأصبح أهل الحق منبوذين من قومهم, مستضعفين في ديارهم, ونشأت الأجيال لا تفقه إلا ما سمعته من رهبانها وأحبارها يُحلُّون لهم ما يشاؤون ويحرِّمون عليهم ما يشاؤون, يحسِّنون في أعينهم القبيح, ويُقبِّحون في أنظارهم الحق الصريح, وكلما بعث الله سبحانه نبياً أو أرسل رسولاً ورأى أهل الباطل ممن يدعي اتباع الرسول الماضي أن هذا الرسول سيهدم بنيان ما أشادوا ويوضِّح حقيقة ما أخفوا, كذَّبوه وحاربوه دفاعاً عن زعاماتهم, واستحلوا منه ما هو محرَّمٌ حتى في شرعتهم, ولم يزل الناس على ذلك حتى بعث الله سبحانه نبيَّنا محمد صلى الله عليه وآله, فتجمَّعوا على مقاومته من كل حدبٍ وصوب, وتألبوا على نقض دعوته, وجمعوا على قتاله أحزابهم المتناقضة, واستدعوا لحربه جيوشهم المتصارعة, فبين مشرك وثني, ويهوديٍ ونصراني, وملحدٍ وثنوي, لم يتركوه يستريح في بيته لحظة ولم يخلوه من أذيةٍ طرفة عين, حتى أظهر الله دينه وهم كارهون, فأوطأ رسوله صِماخهم, ولفَّ براية وليِّه أعلامهم, فدخلوا في الإسلام مُرغَمين, وتظاهروا بالدين منافقين, وأخذوا يتربَّصون به الدوائر, حتى اختاره الله إلى جواره, ونقله إلى دار كرامته, عادوا على مقام الزعامة يتهارشون, ومن أجل الوصول إلى كراسي الحكم يتراكضون, حتى أنهم تركوا رسولهم صلى الله عليه وآله مسجىً على مغتسله, لم يحضروا تشييعه, ولا تشرَّفوا بالصلاة عليه, مستأثرين بمقامه دون أهله, ناقلين لسلطانه من بيته, فظهرت حسيكة النفاق, وكثر بينهم الشِّقاق, وأخذ كل حزبٍ يبرِّر ما يفعل, وكل فريقٍ يستدل على صحة ما يقول بكتاب الله سبحانه, حتى حرَّفوا كلمه عن مواضعه, وعاد المؤمنون مذاهب متناحرة, وفرقاً متضاربة.
فيا عباد الله اتقوا الله ولا يغرنَّكم طلاب الدنيا وعشَّاق الزعامة عن أنفسكم, فيحسِّنوا لكم الحرام من أجل الوصول إلى رغباتهم, ويقبَِّحوا لكم سلوك جادَّة الحق حتى يجعلوكم حطباً في مَحرقة صراعهم على جيفة هذه الدنيا, فتكونوا ممن خسر الدنيا والآخرة, ولا تنظروا إلى زهد الرجل في المطعم والملبس, فإن الله لم يحرِّم على المؤمن أن يأكل مما أخرجه لعباده من الرزق, ولم يمنعه من التزيُّن بما أقدره عليه من الثياب, ]قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[[3], إذا أردتم أن تختبروا زهد الرجل فاختبروه في حب المدح والثناء, اختبروه في حب خفق النعال خلفه, اختبروه في حب الوصول إلى مقام الزعامة والرئاسة, هذه هي بهجة الدنيا, وهذا مجدها, فإن كان من محبِّي العلوِّ فيها والرفعة, إن كان من محبِّي التمجيد والمدح, إن كان من عشَّاق شيءٍ من هذا فليس هو من الزاهدين, وما له في الآخرة من نصيب, يقول سبحانه: ]تِلْكَ الدَّارُ الأخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[[4].
جعلنا الله وإياكم ممن تمسك بالعروة الوثقى, وتدثَّر بملاحف التقوى, وتقدَّم إلى ربه بالسبب الأقوى, وكفانا وإياكم شر أنفسنا قبل شر الأعداء, إنه سميعٌ مجيب.
إن خير ما تلاه خطيب, تأمَّله أريب, كلام الله الرقيب الحسيب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]الْقَارِعَةُ & مَا الْقَارِعَةُ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ & يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ & وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ & فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ & فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ & وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ & فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ & نَارٌ حَامِيَةٌ[[5].
وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيم, وتوَّابٌ حليم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المتوحِّد في عظيم سلطانه, المتفرِّد بعموم جوده وإحسانه, المتفضِّل على العصاة بكرمه وامتنانه, الهادي إلى سُبُل منِّه ورضوانه, الداعي إلى سلوك طرائق جِنانه, الدال على ذاته ببيِّناته وبرهانه, فمِن آياته أنْ جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً للعالمين, وقدَّر لهما المنازل ليُعلم بهما عدد الحساب والسنين, وخلق الإنسان من سلالةٍ من طين, فجعله نطفةً في قرارٍ مكين, ثم أنشأه خلقا آخر في أحسن تقويم, وجعل له عينين ولساناً وشفتين, وعلَّمه البيان والتبين, وهداه النجدين, فتبارك الله أحسن الخالقين.
نحمده سبحانه على أنْ جعلنا من المسلمين, وطهَّر بواطننا من الشرك والرَيْن, ونشكره جلَّ اسمه على توفيقه لتصديق رسوله الأمين, ومولاة أوليائه المعصومين, ونسأله أن يكنفنا بعفوه في الدارين, وأن يجعل لنا من رحمته كفلين, ويدخلنا الجنة مع المتقين.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له في السماوات والأرضين, شهادةً خالصةً من الشك والمَيْن, مُنجية من العذاب المُهين, فاتحةً لأبواب الخير في الدارين.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المصطفى من العالمين, ورسوله المفضَّل على جميع الأنبياء والمرسلين, بعثه لهداية الجِنَّة والناس أجمعين, وأنزل عليه الكتاب المبين, وأن وصيَّه وخليفته عليٌ أمير المؤمنين, الذي هاجر الهجرتين, وصلى إلى القبلتين, وبايع البيعتين, ولم يشرك بالله طرفة عين.
صلى الله عليهما وعلى آلهما الذين هم أحد الحبلين الممدودين, والثقلين الذين جعلهما في أُمَّته مخلفين, فمن تمسك بهما هُدي إلى خير الدارين, ونجا من أهوال يوم الدين, ومن حاد عن نجدهما هوى في جهنم مع الغاوين, وقُرن في قعرها مع الشياطين.
اعلموا أيها الإخوان الأصفياء, والمؤمنون النجباء, أنه لا مفرَّ من الله إلا إليه, ولا نجاة إلا بإطاعة أوامره وتجنُّب معاصيه, وأنه سبحانه قد أقام الحجة, وأظهر المَحَجَّة, فبعث للناس الرسل والأنبياء وأعقبهم بالأئمة والأوصياء, فبيَّنوا لهم ما هو مطلوبٌ منهم, وشرحوا لهم ما أنزل لهم بارئهم, وكان آخر من بعثه الله سبحانه إلى الناس أبيضهم وأحمرهم وعربيِّهم وأعجميهم هو نبينا محمدٌ صلى الله عليه وآله, حيث بعثه لكافة الخلق من الإنس والجان, وجعله رحمةً لكل بني الإنسان, وأنزل عليه القرآن منه آياتٌ محكمات, وأخر متشابهات, وجعله حاوياً لكل ما يحتاجه الناس على مرور الأزمان, وافياً بما يقوم بهدايتهم وإنقاذهم من حبائل الشيطان, وأوحى إلى رسوله سبحانه بقيَّة الأحكام, تفصيلاً وشرحاً لما في كتابه المجيد, وتأسيساً للأحكام المرشدة للعبيد, وتعبَّد من دخل في الإسلام بالعمل بكتابه, والانتهاء إلى بيان رسوله صلى الله عليه وآله, ولم يأذن بأخذ الدين من غير هذين المصدرين, فقال سبحانه وتعالى في مقام بيان حُجِّية سُنَّة نبيه صلى الله عليه وآله: ]وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[[6], ولقد علمنا من محكم القرآن, أنه سبحانه تكفَّل ببيان ما هو المقصود من كتابه وشرح أحكامه, فقال جلَّ من قائلٍ مخاطباً نبيه صلى الله عليه وآله: ]لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ & إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ & فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ & ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ[[7], فكما أنه سبحانه جعل قراءة القرءآن على الناس نجوماً متفرقةً لمصلحةٍ يعلمها سبحانه, ونهى نبيه عن التعجُّل بتلاوة ما لم يحن حين تلاوته عليهم, أخبره جلَّ شأنه أنه سيفسِّره ويبيِّنه لهم, ولا إشكال أن الله سبحانه قد وفى بوعده, وأنزل على رسوله ما يقصد بكل آيةٍ في القرآن, بل علَّمه معنى كل كلمةٍ فيه, ولكن مدَّة بقاء الرسول صلى الله عليه وآله لا تكفي لبيان كل مقاصد القرآن ومعانيه لكافة الناس, بل لا يصح إظهار جميع أسراره لكل أحدٍ حتى لا يقول الناس إننا نستغني بالقرآن عن الخليفة والإمام, فأودعه صلى الله عليه وآله عند من يُؤمَن على تأويله ويقاتل عليه كما قاتل على تنزيله, وهو وصيه وخليفته, وأمره أن يدفع ذلك إلى الإمام الذي يكون بعده, وأمر الأمة بالرجوع إليهم مع الكتاب المجيد, فالناس مكلَّفون بأخذ الأحكام منهم, والرجوع في كل القضايا إليهم حسب حديث الثقلين المتفَّق على وروده وصحَّته من جميع المسلمين, فمن ادَّعى أنه بمحمدٍ صلى الله عليه وآله من المؤمنين, وبرسالته من الملتزمين, ثم قال إنه يسعني أن أستنبط أحكامي بما أضعه لنفسي من المقاييس, وألجأ إلى معطيات عقلي, وما أتوصل إليه من البحث عن المصالح والمفاسد, فهو من المخطئين, وكذلك من ظنَّ أنه بدعواه موالاة أمير المؤمنين واتباع الأئمة المعصومين يكون في زمرة الفائزين, وهو يخبط في الأهواء مع الخابطين, ويؤوِّل الآيات من دون الرجوع إلى أقوال الهداة المعصومين, فهو في الحقيقة من الواهمين, فلا مفرَّ للمؤمن المتقي لربه المطيع لأمره من الرجوع في أحكام دينه واتخاذ مواقفه من الرجوع إلى العلماء العاملين بأقوال العترة, المنتهين إليهم في الشبهة قبل العثرة, المعروفين بالفقه والعدالة, حتى يكون بالحبلين من المتمسكين, وللمعصومين من التابعين, ويوم القيامة من الناجين, ويختم له بالحسنيين.
وفَّقنا الله وإياكم للعمل بطاعته, وعصمنا معكم من ركوب معصيته, وسقانا وإياكم من سلسبيل هدايته.
ألا وإن من أفضل الأعمال عند ذي العزة والجلال, سيَّما في هذا المقام الكريم, والموسم الذي هو حريٌ بالتعظيم, هو الصلاة والسلام على خيرة الله من الأنام, محمدٍ وآله الكرام.
اللهم صلِّ على من أنار بطلعته الوجود, وأخرس ببلاغته شقاشق ذوي الجحود, المؤيَّد بالمعجز القرآني, والمكرَّم بتنزيل الفرقان والسبع المثاني, الدائم برهانه إلى الأبد, أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على الوصي الرباني, والنور الشعشاني, والولي السبحاني, عصمة المستجير, المؤْثِر بقرص الشعير, كنز المفاخر والمناقب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على السيدة البتول, المعصومة فيما تفعل وتقول, شريفة الجدَّيْن, المخصوصة بكرامة الحُسنيَيْْن, فاطمة الزهراء أم الحسنين.
اللهم صلِّ على السيدين السندين, ومن هما للرسول قرة عين, وللوصي والزهراء ثمرة المهجتين, الإمامين بغير مَيْن, أبي محمدٍ الحسن وأخيه الذي قال فيه الرسول: “حسين مني وأنا من حسين”[8].
اللهم صلِّ على قيِّم الكتاب, وصاحب المحراب, سيد الساجدين, ونبراس المتألِّهين الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على الطود الأشم, والبحر الخضم, حلال عويصات المشاكل, ومن ليس له في عصره مشاكل, ذي الأخلاق العالية والمفاخر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ محمدٍ بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على مروِّج المذهب بعدما اضمحلَّ وذهب, ومنقذ الشيعة من غياهب العطب, فاتح المغالق, وموضِّح الحقائق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على الركن المعتمد, والشفيع يوم يفر الوالد من الولد, الإمام المضطهد, والهمام المستشهد على يد شر ظالم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على ينبوع العلم الدفَّاق, وطود الحلم بالاتفاق, الكاشف دغل ذوي النفاق, العالم بأسرار القضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على من طبَّقت فضائله السبع الشِداد, وسارت بمكارمه الركبان في كل واد, وأُرغمت على الإذعان بفضله معاطس ذوي العناد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على ملاذي الوارد إذا عزَّت الموارد, ومعتمدي القاصد إذا أعوزت المقاصد, عمادي الورى إذا ادلهمَّ الخطب وعرى, السيدين المطهرين من الرجس والرَيْن, الإمامين بالنص أبي الحسن عليٍ الهادي وابنه أبي محمدٍ الحسن العسكريين.
اللهم صلَِّ على القائم بالسيف والسِنان, والماحق للجور والطغيان, قاطع الأقران, وساطع البرهان, الإمام بالنص الواضح البيان, المهدي بن الحسن صاحب العصر والأوان.
نوَّر الله الأرض بأشعة نوره, وأظهر في عالم العيان أنوار بدوره, وكشف بطلعته الباطل وديجوره, إنه خير مسئولٍ وأجود مأمول.
إن أبلغ ما خُتم به الخطاب, واستحوذ بإعجازه على العقول والألباب, كلام الله المستطاب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[9].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين إنه غفورٌ رحيم.
[1] سورة البقرة: 157
[2] سورة البقرة: 213
[3] سورة الأعراف: 32
[4] سورة القصص: 83
[5] سورة القارعة
[6] الحشر: من الآية7
[7] سورة القيامة 16 – 17 – 18 – 19
[8] بحار الأنوار – ج43 – ص261 – العلامة المجلسي
[9] سورة النحل: 90
