الجمعة 15 رجب 1416هـ المصادف 8 كانون الأول 1995م
(حب الدنيا)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي فتح على قذارة دار الغرور بصائر أوليائه, وصرف عن التطلع لبهجتها قلوب أحبائه, فزهدوا في وصالها شوقاًَ إلى لقائه, وصبروا على شدائدها رضاً بقضائه, وعملوا على التخلص من وثاقها تزلفاً لإرضائه, وابتعاداً عن مشاكلة أعدائه, ورنت أبصارهم لما أعد للمخلصين من هني عطائه, وطارت قلوبهم شوقاً للاجتماع به في مجالس أودّائه.
نحمده سبحانه وهو المستحق لكل المدائح والمحامد, ونشكره تعالى على متجدِّد النعم والعوائد, ونستعينه جلَّ اسمه على نكبات الدهر والشدائد, ونستجنُّ به من سهام المخاطر والمكائد, ونلوذ بحمايته من ملاحقة كل مترصدٍ وحاقد, ونعوذ به من بغي كل متكبرٍ وحاسد, ونسأله التوفيق لأنجح المقاصد, والفوز في الجنان بالقصور والولائد.
ونشهد ألا اله إلا الله وحده لا شريك له, تفرَّد بالوحدانية, وتمجَّد بالصمدانية, تنزه عن مجاورة الشركاء, واستغنى عن الأعوان والوزراء, وجلَّ عن ملامسة النساء, وترفَّع عن اتخاذ الأبناء.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي قرَّبه وأدناه, واختاره واجتباه, وكرَّمه وأعطاه, وبعثه بين يدي رحمته رسولاً داعياً إليه, ودليلاً هادياً عليه, فبلَّغ صلى الله عليه وآله رسالات ربه غير مبالٍ بتكذيب الجاهلين, ولا مكترثٍ بتشويهات المجلبين, حتى انتشر فلق الدين, وخفتت شقاشق المبطلين.
صلى الله عليه وآله الذين التزموا بطريقته, وذادوا عن شريعته, ونصحوا لأمته, ولم يثنهم عن القيام ببيان أحكام الله عناد الحاقدين, ولم تثبِّط هممهم عن الدعوة إلى الله إجلاب الجاهلين.
عباد الله, أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه والتزام أحكامه وشريعته والتمسك بحبل ولايته, والعمل بطاعته, وأحذركم ونفسي قبلكم من الإصرار على مخالفته, والمداومة على معصيته, والانصياع لوسوسة الشيطان, فقد علمتم عداوته, وقصَّ عليكم بارئكم جلَّ ذكره أخبار إخراجه لأبويكم من جنة الخلد بحيلته, فلا يغرنكم هذا الحاقد عليكم بتزيينه لكم قبيح الأعمال والأطوال, وتحسينه في أعينكم سيئ الأفعال, فإنه عظيم الاحتيال, لا يقوى الإنسان على مكافحته إلا بمراقبة الله سبحانه في كل صغيرةٍ وكبيرة, وجليلةٍ وحقيرة, وكف النفس عن الهوى, ومنعها من اتباع الشهوات, والتطلع للرغبات, وما أهلك من كان قبلكم إلا حب الدنيا وبهجتها, والتشوف إلى مجدها ورفعتها, حتى خرجوا عن ذلك بسبب ذلك من ولاية الرحمن, وتمسكوا بحبل الشيطان, فقتلوا الأنبياء والأوصياء, وعذبوا الأولياء والصلحاء, رغبةً منهم في البروز في هذه الدنيا, وعشقاً للتسلق على رقاب العباد, والتحكم في مصائر البلاد, فزووا أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم عن مناصبهم التي نصبهم الله فيها, وأبعدوهم عن مراتبهم التي جعلهم الله فيها, وشوهوا عليهم بالإشاعات الباطلة, ونسبوا إليهم الأقوال العاطلة, وحاولوا أن يطفؤوا أنوارهم بترهاتهم, ويخمدوا نور حقهم بتزويراتهم, فقالوا عن أمير المؤمنين عليه صلوات رب العالمين: أنه قتل خيار المسلمين, وخاض في دماء المؤمنين, يعنون أنه قتل المارقين والقاسطين والناكثين, وقالوا عن ابنه الحسن عليه السلام: أنه أذل المؤمنين وسلم الأمر للفاسقين, وقالوا عن الحسين عليه السلام: أنه خرج على سلطان المسلمين, يعنون بذلك يزيد بن معاوية أمير الفاسقين المارقين, وقالوا عن صاحب هذا اليوم, جعفر بن محمدٍ صلوات الله عليه: أنه يهادن الظلمة, ولا يعمل من أجل مصلحة الأمة, بل قارنوه بمن لا يصلح أن يكون له في العلم طالباً من الطلاب, أو تلميذاً من التلاميذ, ورفعوا عليه من لا علم له بالسنة والكتاب, لا لشيءٍ جناه, ولا لحدثٍ ارتكبه, إلا انه أبى أن يسير حسب أهوائهم, أو يعترف بزعامتهم, أو ينضم إلى جماعتهم.
عباد الله, راقبوا ربكم وراقبوه, وحاسبوا أنفسكم وفكروا في مآلكم, فما هذه الدنيا بدار مقرٍ لكم, واعلموا علم اليقين أن أحداً منكم لن يحصل إلا ما قدره الله له من رزقٍ أو جاهٍ أو رفعه, وأن مزيد جده وجهده لن يغير ما قدر الله له, فإن الأرزاق والحظوظ في هذه الدنيا مقدرة, فلا تعصي الله سبحانه من أجل شيء فيها, نعم من سعى لنيل مطلبٍ من مطالبها من غير طريقه المحلل فناله حسب عليه من رزقه المقدر له, وعوقب عليه, ولو أنه صبَّر نفسه على طاعة الله سبحانه لحصل له ما قدر له, وكان ذلك له حلالاً لا يؤاخذ عليه, فإن القسم في هذه الدنيا مقدرةً من عند الله سبحانه كلها للابتلاء والامتحان. يقول سبحانه وتعالى في محكم كتابه وعظيم خطابه: ]فَأَمَّا الأنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ & وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ[[1]، فجعل التوسعة والإقدار كلاهما من باب الابتلاء والامتحان, وإذا كان أمر الدنيا مكفولاً مقدراً لا ينقصه قلة الركض له, ولا يزيده شدة الحرص عليه, فلماذا يعصي الإنسان ربه من أجله, ويبيع من أجله دينه وضميره, ويتهاون في ما ليس بمضمونٍ له, ويترك الجد فيما تكون الزيادة فيه متوقفةٌ على كثرة العمل له.
جعلنا الله وإياكم من المهتدين الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه, ووفقنا معكم للعمل بمراضية والسعي لطاعته والابتعاد عن معصيته, وأنقذنا جميعاً من الشيطان ووسوسته, وجمعنا في مستقر رحمته, وألبسنا عافيته, إنه سميعٌ مجيب.
إن أبلغ كلامٍ وأتمّ نظام، كلام الملك العلام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ & اللَّهُ الصَّمَدُ & لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ & وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد[[2].
وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم, والتواب الكريم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، بديع السماوات والأرضين، رافع درجات العاملين، ومضاعف الخيرات للمحسنين، ومجزل العطاء للموقنين، مالك يوم الدين، وهو بالمرصاد للظالمين، ولا يشتبه عليه المصلح بمن كان من المفسدين، ولا يخفى عليه القصد وإن كان في الفؤاد دفين، نزل الكتاب بالحق وبعث المرسلين، وأقام الحجة على الخلق بالبرهان المبين.
نحمده سبحانه على أن جعلنا من المؤمنين، وإياه نعبد وإياه نستعين، ونشكره تعالى على ما منَّ به علينا معرفة الدين، ووفقنا له من اتباع رسوله الأمين، وموالاة سيد الوصيين، فنعتمده جل شأنه في رد غائلة الباغين، وكسر جماح الحاقدين، ونعوذ به وهو المعاذ من شر ما توسوس به لأوليائها الشياطين.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ذو الملك والملكوت، والعظمة والجبروت، له أشرف الأسماء وأكرم النعوت، فهو الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، ونجيه ودليله، وصفيه وخليله، جاء بالحق من عنده وصدق المرسلين، وأدى ما تحمله لعباده وأرشد الجاهلين، وبلغ رسالاته وأنذر الموقنين.
صلى الله عليه وآله الكرام، الأئمة العظام، حفظة الإسلام، وخلفاء ذي الجلال والإكرام، وشفعاء الأنام في يوم القيام.
عباد الله، اعلموا أن الله سبحانه ما خلق الدنيا إلا اختباراً للخلق وامتحاناً، ليظهر كل إنسانٍ على حقيقته، ويكون شاهداً على نفسه، وحتى يظهر فضل العاملين بشرعته، والملتزمين بنهجه وطريقته، فلا يقول قائلٌ غداً لم كرمت فلاناً وأهنتني، ونعمت زيداً وعذبتني، وإلا فإنه سبحانه وتعالى عالمٌ بما يؤول إليه مصير الخلق، مطلعٌ على ما سيكون من حال العباد، ولقد احتضرهم في عالمٍ قبل هذا العالم، حيث قال سبحانه وتعالى: ]وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ & أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ[[3], فهو سبحانه عالمٌ بما يؤول إليه مآل كل فردٍ منهم، وما سيحدثه في حياته، لكنه تقدست أسماؤه أبت حكمته ولطفه ورحمته إلا الامتنان على العبد بإعطائه الفرصة بعد الفرصة، فجعل هذه الحياة قنطرةً يجتازها الإنسان، ومزرعةً ومتجراً ليتزود منها لآخرته، فلا ينبغي لمن آمن بفنائها، وتيقن عدم استمرارها، أن يحرص على بنائها، ويصرف أموره على تعميرها، ويغفل بسبب ذلك عن العمل على بناء محل إقامته الدائم، بل يسعى في خرابه وإزالته، ويشعله ناراً تقضي عليه فيه، فانتبه أيها الغافل وخذ حذرك، ولا تُذْهِب أوقاتك تفكر كيف تستعلي على الناس، وكيف تتغلب على زيد، أم كيف تستغفل عمرا، واعلم أن كل ما تقول من لفظ، وما تقوم به من حركة، وما تفكر فيه من قصد، مرصودٌ عليك، ومسجلٌ في صحيفتك، وستجده مكتوباً غداً بخط أناملك، وستكون جوارحك شهوداً عليك، فرحم الله إمرءً ذُكِّرَ فتذكر، وبُّصِرَ فتبصر، فنهى نفسه عن الهوى، وعمل للسكنى في جنة المأوى.
ألا وإنكم في يومٍ شأنه عظيم، وموسمٍ على الله كريم، وهو حريٌ بالتبجيل والتكريم، والإقبال فيه على الله الكريم، والتزلف إليه بالقربات، وعمل الخيرات التي من أفضلها وأنفعها وأجلها الإكثار من الصلوات على محمدٍ وآله الهداة.
اللهم صلِّ على الرسول المختار، المتحلي بأردية المجد والفخار، المكرَّم بالعروج إلى الله العلي القهار، المنصور على كل طاغٍ ختَّار، بتأييد الملك الجبار، النبي العربي المؤيَّد، والرسول الهاشمي المسدَّد، أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على آية نبوته، وقيِّم شريعته، وشاهده على رسالته، الذي أمرته بنصبه خليفةً في أمته، الضياء الثاقب في ظلمات الغياهب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على السيدة الجليلة، والمطهَّرة النبيلة، المدنفة العليلة، ذات الأحزان الطويلة، والمدة القليلة، البتول النوراء، أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على النجمين الفرقدين، سيدي الحرمين، ووارثي المشعرين، الكاملين المعصومين، الإمامين بالنص أبي محمدٍ الحسن وأخيه الشهيد أبي عبد الله الحسين.
اللهم صلِّ على مصباح المتهجدين، وقمر ليل المتعبدين، ومنهاج المسترشدين، الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين سيد الساجدين.
اللهم صلِّ على كنز الشرف والمفاخر، وسيد الأعاظم والأكابر، ذي الصيت الطائر في البوادي والحواضر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على الوميض البارق في ديجور الجهل الغاسق، والعالم بالحقائق، والكاشف عن الدقائق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على النور المحتجب بسحاب المظالم، والعالم المبتلى بعداوة كل باغٍ وظالم، زينة الأكابر والأعاظم، وصاحب الفضائل والمراحم، الإمام بالنص أبي الحسن الأول موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على من شعشع نور كماله وأضا، حتى عم الأرض والفضا، الراضي بكل ما جرى به قلم القضا، شفيع الشيعة يوم الفصل والقضا، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على مطلع شمس الهداية والرشاد، ومنبع نهري الجود والسداد، ومبطل دعاوى ذوي الزور والعناد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على السيدين السريين، والعالميين العبقريين، والكهفين المعتمدين، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ وابنه أبي محمدٍ الحسن العسكريين.
اللهم صلِّ على المدَّخر لإزالة البلية، والمؤمل لإحياء القضية، ونشر السنة النبوية، ورفع الظلم عن كل البرية، صاحب الهيبة المحمدية، والشجاعة الحيدرية، باهر البرهان، وشريك القرآن، وحجة الرحمن، على الإنس والجان، مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.
عجَّل الله له الفرج، وسهَّل له المخرج، وكشف به الرتج، وأظهر به ما خفي من المنهج، ونجانا من هذه الفتن ببركته، وأزال عنا هذه المحن بدعوته، وأدخلنا في حياطته، إنه سميعٌ مجيب.
إن أفضل ما تلاه التالون، وعمل بهديه المتقون، كلام من يقول للشيء كن فيكون، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[4]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، إنه غفورٌ رحيمٌ وتوابٌ حليم.
[1] الفجر: 15 – 16
[2] سورة الإخلاص
[3] سورة الأعراف: 172 – 173
[4] سورة النحل: 90
