الجمعة 6 شعبان 1416هـ المصادف 29 كانون الأول 1995م

(معنى التقوى – وجوب الصد عن أعداء الله واتباع أوليائه)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

         الحمد   لله الذي أسبغ علينا أعظم ألطافه وجوده، فمنَّ علينا بالإيمان بوجوب وجوده، ووفقنا للوفاء بأخطر عقوده، وعلمنا كيفية تسبيحه وتمجيده، وفارق بيننا وبين من أصر على إلحاده وجحوده، فسبحانه خلق الخلق بقدرته، وبرأهم بإرادته، وصورهم بمشيئته، وصنفهم أجناساً وأنواعاً بحكمته، وفطرهم على معرفته، وألزمهم بحجته، وبعث لهم الرسل دعاةً لطاعته، وهداةً إلى أبواب رحمته، ونذراً من عذابه ونقمته, ]قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ[[1].

نحمده سبحانه حمد متمرغٍ في بحبوحة كرمه ومنته، ونشكره تعالى شكر مستزيدٍ من ألطافه ونعمته، ونسأله التوفيق للتمسك بعروته, والالتزام بنهجه وشريعته, والصبر على الاستمرار في طاعته، والابتعاد عن مواضع معصيته، ونستعينه على كَلَب الدهر وقسوته، ونستجنُّ به من سهام كل فاسقٍ وغائلته، ونستدفع به صولة كل معاندٍ وحملته.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له في ما أبدع من بريته، ولا راد له فيما قضى بمشيئته، ولا مقاوم له في جبروته وعزته، ولا ند له في جلاله وعظمته، ولا ضدَّ له في قهره وقدرته، ولا معقِّب له في قضائه وحكومته، ولا دافع له في بطشه ونقمته.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله خير من حباه بكرامته، وأفضل من اصطفاه لنبوته، وأكمل من اجتباه لرسالته، بعثه والناس في ديجور الجهل يعمهون، وبنيران الفتن يصتلون، وبزناد العصبية يقدحون، ومن آسن مصب الأهواء يكرعون، وعن قول الزور لا يتورعون، وعن فعل المنكر لا يتحرجون، ففلق صلى الله عليه وآله غسق الجاهلية بشموس رسالته، وأزاح عن العقول ترهات الأوهام بأنوار هدايته، وهدى إلى الطيب من القول بحسن حكمته.

صلى الله عليه وآله الميامين، أسس الدين, وعمد اليقين، وحفظة الشريعة من انتحال المبطلين، وتأويل المغرضين، وعبث الجاهلين، صلاةً تؤمن روعتنا يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

عباد الله, أوصيكم بادئاً بنفسي الأمارة قبلكم بتقوى الله سبحانه وطلب الزلفى لديه، والعمل على ما يقربكم إليه، وأحذركم ونفسي التي بين جنبي وهي أحب الخلق إليّ من المداومة على مخالفته، والإصرار على معصيته، فإن ذلك مؤدٍ لا محالة إلى الوقوع تحت طائلة غضبته، والتعرض لنقمته، ولقد أوصاكم سبحانه في كتابه بتقواه وخشيته، فقال جلّ من قائل: ]يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ[[2]، فجعل سبحانه وتعالى الإنذار بالتقوى هي المهمة الثانية للذين أنزل عليهم الروح؛ أي النبوة والرسالة، بعد أن جعل النذارة بالتوحيد هي المهمة الأولى لكل نبوةٍ ورسالة، وقال عزّ اسمه: ]يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ & وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ[[3]. فالتقوى هي القاعدة التي تُبنى عليها الجوانب العملية من الاعتراف له سبحانه وتعالى بالربوبية، فمن اعترف بربوبية الله كما ينبغي، فلا إشكال أنه يخشى غضبه ويطلب رضاه، وهذا هو معنى التقوى. فحقيقة التقوى هي الخشية من الله، من عذابه ومؤاخذاته، من مقته ومن غضبه، يقول سبحانه وتعالى: ]لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ[[4]، فالتقوى هي العماد الذي يقوم عليه الدين، ومن خلا قلبه من خوف الله لم يخش عذابه، ولم يخف مؤاخذته، فتهون عليه المعصية، وتسهل عنده الخطيئة، فلا يزال أمره في تباعدٍ عمّا يرضي ربه، واقترابٍ إلى ما يسخطه عليه، حتى يمقته ويطرده من رحمته.

عباد الله اتقوا الله في أنفسكم وقولوا قولاً سديداً، ولا تغرنكم هذه الدنيا بمفاتنها، وتستحوذ عليكم ببريق زبرجها، ولا يغرنكم عدوكم بأوهامه فتستجيبون لوسوسته، وتتساهلون في معاصي الله، تحرفون كلماته عن مقاصدها، وتأوِّلون آياته عن حقيقة معانيها من أجل متاعٍ رخيصٍ أنتم عنه منتقلون, ودونه مختطفون، وعليه محاسبون.

انظروا إلى أنفسكم, ها أنتم حاربتم أولياءكم، وقربتم أعداءكم، بل أصبحتم إلباً على أخوانكم، وردءً لأعداء دينكم، تلقون إليهم بالمودة وقد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أعظم، ها أنتم فرقتم ذات بينكم، ومزقتم صفوفكم، وأذهبتم ريحكم، وأضعفتم قوتكم، وطلبتم النصر والعون ممن لا يسره إلا فشلكم، ولا يفرحه إلا اضمحلالكم، فمتى من هذه السكرة تفيقون، وإلى رشدكم تعودون، وإلى ألبابكم ترجعون، وفي أنفسكم تتأملون، ولمستقبلكم تنظرون.

هدانا الله وإياكم إلى سبل الفلاح، وأخذ بأيدينا وأيديكم إلى الفوز والنجاح، وجمعنا معكم على الهداية والصلاح، ووفقنا جميعاً إلى الالتزام بالعروة الوثقى، والتردي بمدارع التقوى، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة حريٌ جدير

إن أبلغ ما ختم به خطيب، واقتدى بهديه الأديب، كلام الله الحسيب الرقيب، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْر & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[5].

وأستغفر الله لي ولكم، إنه هو الغفور الرحيم، والمنان الكريم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله المفيض للكمالات، المنان بالخيرات، الداعي لاكتساب الحسنات، الناهي عن فعل السيئات، دافع البليات، ورافع الدرجات، وقابل التوبات، ومقيل العثرات، الذي بفضله تتم الصالحات، وبطاعته تتنزل البركات، وبعفوه يتوسل إلى الجنات.

أحمده سبحانه على ما أولى من النعم، وأشكره تعالى على ما أسدى من الكرم، وألجأ إليه في الخطب إذا ادلهم، وأستدفعه جلّ ذكره جوالب النقم، وأسأله الصفح يوم تُجمع الرمم وتُبعث الأمم.

وأشهد ألا إله الله وحدة لا شريك له، واجبٌ وجوده وبقائه، عظيمٌ مَنُّهُ وعطاؤه، تفرد بالملك والملكوت، وتوحد بالعزة والجبروت، وقهر عباده بالموت وهو حيٌّ لا يموت.

وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي اجتباه، وقربه إليه وأدناه، ولهداية الخلق اصطفاه، فبعثه بين يدي رحمته رسولاً داعياً إليه، وجعله في عباده دليلاً هادياً إليه، فبلغ رسالته، وأدّى أمانته، فصلِّ اللهم عليه وعلى من ارتضيت من ذريته، واجتبيت من عترته، خلفاؤه الذين ائتمنتهم على دينك، واستودعتهم شرعك، خزنة علمك، وحملة كتابك، صلاةً تضاعف لنا بها الأعمال، وتحقق لنا بها الآمال، إنك حميدٌ مجيد.

أيها الإخوان الذين جعلوا رضى الله مقصدهم، وعقدوا على طاعته نياتهم، فسعوا إلى أوطان تعبده راغبين في ثوابه، خائفين من الوقوع تحت طائلة عذابه، لم يمنعهم عن القيام بفروض الجمعات إرجاف المرجفين، ولم يقعد بهم عن أداء ما أوجبه الله تهديد الجاهلين، ولم يثنهم عن السعي إلى اكتساب الخيرات تشكيك الموسوسين, أوصيكم ونفسي قبلكم بتقوى الله سبحانه، والحذر من مخالفته، والعمل برضاه والمداومة على طاعته، وتجنب سخطه ومعصيته، فاغسلوا قلوبكم بماء الورع، وألبسوها مدارع الخوف والفزع، وطهروها بالأخلاق الفاضلة من دنس الشهوات، وسدوا فراغات الشياطين فيها بأحسن الملكات، واشغلوها بالذكر عن التفرغ للجهالات، وعليكم بالإكثار من عمل الخيرات، واكتساب الحسنات، والمتاجرة بالطاعات، كالصوم والصلوات، والأدعية والمناجاة، والمعروف والصدقات، سيما في هذا الشهر العظيم، شهر شعبان الذي خص الله به رسوله صلى الله عليه وآله, فصار يدأب له في صيامه وقيامه، وحتى قال صلى الله عليه وآله فيه كما في الخبر المعتبر عن جعفر بن محمدٍ الصادق صلوات الله عليه: “شعبان شهري وشهر رمضان شهر الله، فمن صام يوماً من شهري كنت شفيعه يوم القيامة، ومن صام يومين من شهري غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, ومن صام ثلاثة أيام من شهري قيل له استأنف العمل…”[6]، إلى آخر الحديث على ما رواه الصدوق عن أبيه رحمهم الله، وليلة النصف من شعبان هي من أفضل ليالي السنة، فيها يعتق الله الرقاب من النار، ويغفر الذنوب، وأفضل أعمالها أن يُصلى فيها صلاة جعفر بن أبي طالبٍ رضي الله عنهما، وهي الليلة التي ولد فيها المهدي من آل محمدٍ صلى الله عليه وعلى آبائه، فلا ينبغي أن تفوت المؤمن من دون عملٍ يتقرب به إلى الله تعالى فيها، ولا أقل أن يستغفر الله لنفسه ولأبويه وللمؤمنين بقدر ما يستطيع ذلك.

جعلنا الله وإياكم من الراغبين في ثوابه، الخائفين من عقابه، وحشرنا جميعاً مع أوليائه وأحبائه في زمرة سيد رسله ونوابه, إنه بعباده لطيفٌ رحيم، ألا وإنكم في يومٍ هو من أشرف الأيام، وموسمٍ حريٍ بالتكريم والإعظام، وقد ورد عن الأئمة الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام، إن من أفضل ما يقرب فيه إلى رب الأنام، هو الإكثار من الصلوات والسلام على محمدٍ نبي الإسلام وآله البدور التمام.

اللهم صلِّ على الشفيع النذير، والبدر المنير، ذي المقام الخطير، والقلب الكبير، الخاتم لما سبق، والفاتح لما استقبل، صاحب السكينة، والمدفون بأرض المدينة، النبي العربي المؤيَّد، والرسول المكي الممجَّد، أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ بعده على شاهد نبوته، وشريكه في دعوته، قاضي دينه ومنجز عِدَتِه، ووصيه على أمته، وأمينه على شريعته، الشهاب الثاقب، ذي المعاجز والمناقب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على الحوراء الإنسية، والمعصومة المرضية، والبضعة المحمدية، سيدة نساء العالمين، أم الأئمة المعصومين، فاطمة بنت سيد المرسلين.

اللهم صلِّ على ريحانة المصطفى، وثمرة فؤاد البتول الزهرا، وقرة عين المرتضى، السبط الممتحن بالنوائب والمحن، القائم بالفرائض والسنن، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.

اللهم صلِّ على قتيل الطغاة، وصريع العبرات، الصابر على جليل النكبات، والمتحمل لأعظم المصيبات، الممنوع من ماء الفرات، محزوز اليدين، ومقطوع الوريدين، الإمام بالنص أبي عبدالله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ على سيد الساجدين، وزهرة رياض العارفين، وبدر سماء المتهجِّدين، وسراج محاريب المتعبدين، والد الأئمة المهديين، الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.

         اللهم صلِّ على صاحب الكرامات والمفاخر، وحامل أعلام المجد والمآثر، المنوه بفضله في أندية العلم والمحاضر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على النور البارق في المغارب والمشارق، كشّاف أستار الحقائق، ومصدّر شروح الدقائق، كتاب الله الناطق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على المتعمم بتاج الفضائل والمكارم، بيت قصيد الأعاظم، الصابر على ما ناله من المظالم، والحجة من الله على كل جاهلٍ وعالم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على الولي المرتضى، والسيف المنتضى، الراضي بالقدر والقضا، والمبين لطرائق الحكم والقضا، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على ربان سفينة الهداية والرشاد، وحامل راية الفضل والسداد، وقامع أهل الغواية والعناد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على سيد الحضر والبوادي، وموئل كل رائحٍ وغادي، المشتهر فضله في كل محفلٍ ونادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.

اللهم صلِّ على مفسر الآيات، وحلال العويصات، المتحلي بأردية الفضائل والكمالات، السيد السري، والليث الجري، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن العسكري.

اللهم صلِّ على المدخر لكشف البلية عن الأمة الإسلامية، ونشر العدالة الإلهية على كل البرية، باهر البرهان، وشريك القرآن، والحجة من الرحمن على كافة الإنس والجان، الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.

عجَّل الله تعالى فرجه، وسهَّل مخرجه، ونشر على وسيع الأرض منهجه، وجعلنا من الثابتين على إمامته، المؤهلين لنصرته، المشمولين ببركة دعوته، إنه سميعٌ مجيب.

إن خير ما وُعظ به الكرام، وأفضل ما تأمله الأنام, كلام الله الملك العلام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[7].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفورٌ رحيم.


[1]  سورة يونس: 108

[2]  سورة النحل: 2

[3]  سورة المؤمنون: 52،51

[4]  الزمر: 16

[5]  سورة العصر

[6]  فضائل الأشهر الثلاثة – ص44 – الشيخ الصدوق

[7]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *