الجمعة 18 صفر 1417هـ المصادف 5 تموز 1996م
(تعطيل الأحكام)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي تجلى لعباده الصالحين فأدركته بصائرهم بنور اليقين, وبرز لخلصائه المتقين فلم يغب عن ملاحظ خواطرهم في وقتٍ ولا حين, ألبسهم من حلل وصاله ما طاب به منهم النَجار, وحصل به لهم الفخار, وأفاض عليهم من شئابيب قربه ما أغناهم به عن النظر إلى الأغيار, تنزه عن تشبيهات المُشبِّهين, فأنكرته قلوب القاصرين, وترفع عن صفات المخلوقين, فتاهت في معرفته عقول الجاهلين, كان كنزاً مخفياً فخلق الخلق لمعرفته[1], وأرسل لهم الرسل بلطفه ورحمته, وندبهم لسلوك جادَّة طاعته, وزجرهم عن السير في طريق معصيته, وبعث النبيين مبشرين ومنذرين بين يدي رحمته, ليحي من حيىَّ ببينته, ويهلك من هلك بعد إقامة حجته.
نحمده سبحانه على التوفيق للقيام بواجب توحيده, وما شرفنا به من الانتظام في سلك عبيده, الراتعين في رياض تمجيده, حمداً نستوجب به الجزيل من عطائه ومزيده, ونستهديه الرغبة في وعده والرهبة من وعيده, فإن من فاز بهما فقد فاز بالتكريم يوم وروده.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, شامخ الأركان, عظيم السلطان, رفيع البنيان, الباطن لا بالاجتنان, المستغني بحضوره عن البيان, شهادةً يرجح بها الميزان, ويشرق بها الجنان إذا تغيرت الألوان ونُشر الديوان, وأُبرزت النيران, وأُزلفت الجنان.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, وصفيُّه ودليله, اصطفاه في عالم الأزل, وعلى غيره من الرسل الكرام قدَّمه وفضَّل, وأنزل عليه الفرقان فصدع بما عليه أنزل, وأوحى إليه الشريعة الغراء ناموساً يُهتدى بنوره ويُعمل, وأرسله بالحنيفية النوراء فأظهر الدين وأكمل.
صلى الله عليه وآله الميامين الغرر, حماة الدين من عبث الجاهلين, وتأويل المُقصِّرين, وشُبَه المعاندين, شفعاء يوم الفزع الأكبر, وسقاة حوض الكوثر, صلاةً مضمَّخةً بالند والعنبر, هاطلةً على ضرائحهم بالمسك الأذفر.
أوصيكم عباد الله ونفسي الجانية الآثمة قبلكم بتقوى الله سبحانه, وتتبع مراضيه, وكفِّ النفس عن الهوى واتباع الشهوات, فإنهما المرديان في الاخرة والأولى, يقول سبحانه وتعالى: ]وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى & فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[[2], وهل أردى القرون الأولى, وأباد الأمم السالفة إلا اتباع الهوى, والابتعاد عن طرائق الهدى, حيث زيَّن لهم كبراؤهم ورؤساؤهم اتباع الشيطان فيما ينفثه في صدور أوليائه, فتركوا ما أنزل الله على أنبيائه ورسله من الكتاب والحكمة, وأخذوا في كل يومٍ يخفضون علماً من أعلام الدين, ويطرحون حكماً من أحكام الله سبحانه أو يحرفونه, أو يؤوِّلونه حسب مشتهياتهم وأغراضهم, حتى لم يبق عندهم من المعرفة بالله شيئا, فعبدوا الأوثان والأصنام مدعين أنها تقربهم إلى الله زلفى, بل عبدوا ملوكهم وزعماءهم ولم يشعروا أن هذا المعبود لا يفترق عنهم شيئاً في الخلق ولا في القدرة, كل ذلك ليتخلصوا من التكليفات والقيود الشرعية, وحتى لا يقال لهم أن هذا حلالٌ وهذا حرام, ومن استشعر منهم بفداحة ما هم عليه من الجهل ادعى أنه بعقله وفكره يستطيع التوصل إلى ما يحقق له المصالح ويدفع عنه المفاسد, وأنه لا حاجة له في الأنبياء والرسل, فهو في الحقيقة جاهلٌ عز عليه عبادة ما دونه أوما يساويه فعبد نفسه, اتبع تخيلاته, فلم يختلف عمن عبد الأصنام أو الآدميين في شيء.
ومن الأمم من لم يُنكر الدين والوحي بالكلية, وبقي ينسب نفسه إلى نبيٍ من الأنبياء لكنه قد جرَّد الدين عن محتواه, وزعم أن الدين مجرد علاقة بين العبد وربه, وأنه لا علاقة له بما يجري في هذه الدنيا من الوقائع والأمور والأحداث, فهو في تنظيم شئون هذه الحياة معوِّل على فكره, معتمد على ما يصوره بأوهامه من مفهوم العدل والظلم الذي لا يعرف حقيقته, ولو عرف معنى العدل والظلم على الحقيقة لألقى لله سبحانه مقاليده ولم يتهم الله جلَّ ذكره بأنه أهمل خلقه من دون وضع نظامٍ وإنزال شريعةٍ تنظم حياتهم وتحميهم من شرور أنفسهم كما هو الملاحظ بين أكثر أهل الأرض تمدناً وتحضراً على ما يدعون, مما أوقعهم في المصائب والمشاكل, واشتعال الحروب وظهور الاستعباد والاستغلال الذي أطلقوا عليه لفظ الاستعمار.
وها نحن المسلمين ننساق في طريق الهاوية التي انساقت فيها سائر الأمم, فنُعطِّل أحكام الله سبحانه التي أنزلها علينا, بل نطرحها ونرفضها أن يُعمل بها بيننا, ونضع لأنفسنا الشرائع والأنظمة, وندعوا إلى الموضات الفكرية الوافدة أو المستوردة, فهذا يدعوا للاشتراكية, وآخر ينادي بالدمقراطية, وثالث يغالي في أمره داعياً إلى إنكار الخالق جلَّ وعلا, وإشاعة المال والنساء بين كل البرية, وويلٌ لمن صدع بالدعوة إلى الإسلام, وانتقد هذا الصرعات, فإنه يكون خائناً رجعيا, أو متخاذلاً لا يتعاون معهم على تحقيق معاصي الله سبحانه وتعالى.
لقد أصبحت كل بلاد المسلمين والعياذ بالله يكاد لا يُعمل فيها بأحكام الله, بل لا تجد من ينادي بالعمل بها, وعلى الرغم من تعقيد الحياة وامتلاء الأرض بالظلم والجور لا يفكر إلا نفرٌ قليل يخافون أن يُتخطفوا في أنه لا مخلص من هذه الفتن, ولا مخرج من هذه الأزمات, ولا عزة ولا كرامة لأمة الإسلام إلا بالعمل بما أنزل الله على رسوله.
عباد الله, أخذركم ونفسي قبلكم من الاستمرار على هذه السيرة التي أهلكت من كان قبلكم, وها أنتم تكتوون بنارها, وتعيشون فيها, فأنقذوا أنفسكم من براثنها قبل أن تطبق عليكم الفتن المظلمة أبوابها, وتسد في وجوهكم كل مخارج النجاة من ذلها, أنيبوا إلى الله فارجعوا إلى شريعتكم, وتمسكوا بحبل ربكم, ولا تفرقوا بسبب هذا الباطل صفوفكم, وتخربوا من أجل دعوة الشيطان بلدانكم, فإن لم تستجيبوا فاعلموا أنكم غير معجزين في الأرض وليستبدلن الله بكم قوماً غيركم ثم لا يكونون أمثالكم.
أسأل الله سبحانه أن يلهمنا الهداية والرشاد, ويوفقنا لسولك طريق الحق والسداد, ويدفع عنا شر الأعداء والحُسَّاد, إنه على كل شيءٍ قدير.
إن خير ما وُعظ به الأنام, واقتدى بهديه ذووا الأفهام, كلام الله الملك العلام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[3].
وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والبر الكريم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي المتفرد بصفات الكمال, المتمجد بالعزة والجلال, الذي لا من شيءٍ كان, ولا من شيءٍ كوَّن الأكوان, القوي بلا جندٍ ولا أعوان, المتقدس عن اتخاذ الأبناء وملامسة النسوان, له سرادق من النور تضل دونها بصائر الفحول, وحُجُبٌ من الغيوب تقصر عنها طامحات العقول.
نحمده سبحانه وهو للحمد مبدأٌ وغاية, ونشكره تعالى على ما تفضل به علينا من المعرفة والهداية, ونعوذ به من شر كل من أصر على سلوك جادة الغواية, ونسأله التوفيق للعمل الصالح والفوز بحسن الخاتمة في النهاية.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, المتقدس بالألوهية, المتفرد بالربوبية, المتردي بالعظمة والكبرياء, المتعزز عن مجاورة الشركاء.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي ابتعثه بالحق داعياً إليه, ورسوله الذي انتجبه بالصدق دليلاً عليه, فاستنقذنا به من غوايات الضلالة, وهدانا به من مدلهمات الجهالة.
ونشهد أن الخليفة بعده بلا فصلٍ علي أمير المؤمنين المأمون على شئون الدنيا والدين.
ونصلي عليهما وعلى ذريتهما الأطيبين, وآلهما المنتجبين, صلاةً ناميةً مباركةً إلى يوم الدين, يوم يقوم الناس لرب العالمين.
عباد الله, أوصيكم ونفسي قبلكم بتقوى الله سبحانه والعمل بمراضيه, وامتثال زواجره ومجانبة مناهيه, ومراقبته جلَّ شأنه في الورود والصدور, والانصياع لأوامره في جميع الأمور, وقهر النفس الأمارة على الانقياد بزمام طاعته, والقيام بشرائف عبادته, ولا تسوِّفوا العمل باتباع الأمل, فإن العمر قصير, وحادي المنايا آذن بالرحيل, وليس أمر الحياة والممات متروكٌ في أيديكم, ولا العلم به متوفرٌ لديكم, فتأهبوا لما أنتم عليه مقبلون, وعنه مسئولون, ولا تتركوا أزمة أنفسكم بيد عدوكم اللعين, فيوردكم مورد الهالكين, ويقحمكم نيران الجحيم, ويبعدكم عن رب العالمين, ويصدكم عن جنات النعيم, ومرافقة الصالحين.
احملوا عباد الله أنفسكم على الطاعة, وألزموها بالإطاعة, ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها ماكرةٌ خدَّاعة, فما غناها بدائم, ولا فقرها بملازم, عزها يعقبه الذل والهوان, والاغترار بها يؤدي إلى الخسران, وما هي إلا ميدانٌ للسباق, ومضمارٌ للحاق, فمن سبق فاز وغنم, ومن تأخر خاب وندم.
فتسابقوا رحمكم الله على جياد الطاعات, لا على خيول الشهوات, وتنافسوا على عمل الخيرات, لا على أعمال المنكرات, وتاجروا في سوق القربات, لا في أسواق الملذات, وجدوا في الوصول إلى أعلى الدرجات, فإن الله سبحانه كريمٌ يقنع من عباده باليسير من الطاعات, ويجازيهم عليه بالكثير من من المثوبات.
ألا وإن الجنة محفوفة بالمكاره, وإن النار محفوفةٌ بالشهوات, فمن صبر على مكاره الطاعة قرت عينه في دار القرار, بمجاورة الأئمة الأبرار, ومن مالت نفسه إلى الشهوات, أعقبته الحسرة في أسفل الدركات, فحافظوا على الصلوات, وعلى حضور الجمعات والجماعات, فإنها من أعظم وسائل الفوز بالجنات, والنجاة من الهلكات.
ألا وإن من أعظم ما يُرضي ذا العزة والجلال, خاصةً في هذا اليوم العزيز المثال, هو الصلاة على علم الكمال ومن يتلوه من أطائب الآل.
اللهم صلِّ على من صليت عليه بنفسك قبل المصلين, وندبت إلى الصلاة عليه ملائكتك المقربين ومن برأت من عبادك الصلاحين, ولا غرو فهو صفوة الصفوة وآدم بين الماء والطين, النبي العربي المؤيَّد, والرسول المكي المسدَّد, أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على آيته العظمى التي أنار بها فجر النبوة والرسالة, ورايته الكبرى التي نكَّس بها أعلام الغواية والضلالة, الشهاب الثاقب في سماء الشرف والمناقب, الإمام بالنص أمير المؤمنين ويعسوب الدين علي بن ابي طالب.
اللهم صلِّ على العقيلة الهاشمية, والنبعة النبوية, والبضعة المصطفوية, البتول العذراء, والدرة النوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على ريحانة النبي المختار, وسليل حيدر الكرار, وصفوة الملك الجبار, الناصح في السر والعلن, والعالم بالفرائض والسنن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلِّ على الظامي اللهوف, قتيل الطفوف, وصريع الألوف, مقطوع الكفين, ومحزوز الوريدين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.
اللهم صلِّ على صدر مجالس المتألِّهين, وبدر سماء العارفين, وقرة عيون المؤمنين, وحافظ شريعة سيد المرسلين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين سيد الساجدين.
اللهم صلِّ على شمس نهار المفاخر, وخزانة المكارم والمآثر, وباقر علوم الأوائل والأواخر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على معدن العلوم الربانية, ومصدر الفيوض السبحانية, ومُظهر الحقائق الإسلامية, الذي تعطرت بنشر فضائله المغارب والمشارق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على شجرة طوبى المجد والكمال, وسدرة منتهى الفضل والجلال, باب الحوائج الذي إليه تُشد الرحال, حجة الله على جميع العوالم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على ناشر لواء الشريعة المحمدية حتى صارت أعلامها لائحةً مضية بعد خمودها زمن أبيه بفعل التقية, فيصل الحكم والقضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على مجْمع نهري الجود والسداد, ومنبع فيوض اللطف والرشاد, وقاطع حجة أهل البغي والعناد, الجواد المتنسل من شجرة السادة الأجواد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على من تغنت الركبان بما له من الفضائل والأيادي, وانتشرت أخبار مجده في كل محفلٍ ونادي, شفيع المذنبين يوم ينادي المنادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على النور المستودَع في القالب البشري, والشمس المضيئة في الجسم العنصري, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ خاتم الأوصياء الأبرار, وحامي شريعة النبي المختار, وماحق دول الظلمة الفجار, المؤيَّد بالرعب من الملك الجبار, شريك القرآن, وخليفة الرحمن, وإمام الإنس والجان, الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.
عجَّل الله له الفرج, وأوسع له المنهج, وثبتنا على القول بإمامته, ولزوم دوائر طاعته, وشرفنا ببلوغ نصرته وخدمته, إنه سميعٌ مجيب.
إن أفضل كلامٍ وأتم نظام, كلام الله الملك العلام, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[4]. وأستغفر الله لي لكم وللمؤمنين إنه هو الغفور الرحيم والتواب الحليم.
[1] في الحديث القدسي: “كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أنْ أُعرف فخلقتُ الخلق لكي أُعرف”بحار الأنوار-ج84-ص344
[2] سورة النازعات:40-41
[3] سورة العصر
[4] سورة النحل:90
