الجمعة 25 صفر 1417هـ المصادف 12 تموز 1996م

(الالتزام بأحكام الله)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي خلق الخلق بقدرته, وبرأهم بإرادته, وصوَّرهم كيف شاء بكلمته, وفطرهم على معرفته, ودعاهم إلى طاعته, وحذَّرهم من مغبة معصيته, وشرع لهم الدين بلطفه ورحمته, فسبحانه من خالقٍ ما أعظمه وأحسنه, وسبحانه من مصوِّرٍ ما أقدره وأتقنه, وسبحانه من مشرعٍ ما أحكمه وأرحمه.

نحمده سبحانه على ما هدانا إليه من معرفته, وما أسبغ علينا من ثياب عافيته, ونشكره تعالى على عظيم نعمته وهني عطيته, ونستلهمه الرغبة في المداومة على طاعته, والصبر عن ارتكاب معصيته, ونسترشده السير على مهيع سنته, والعمل بمنهاج شريعته, ونعوذ به من همزات إبليس وسوسته, ونستكفيه كلَب الدهر وبائقته, ونسأله العفو يوم نوقَف لمسائلته.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له فيما أبدع من بريته, ولا ندَّ له في جبروته وعزته, ولا ضد له في كبريائه وعظمته, ولا مثل له في أسمائه وصفته, ولا مثيل له في إحسانه ومِنَّتِه.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, أفضل المنتجبين من بريته, وأعظم المختارين لتبليغ رسالته, وأكرم المرجوِّين غداً لشفاعته, وأعظم الصابرين على محن الدهر وضائقته, أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون.

ونصلي عليه وعلى آله صفوة الصفوة من ذرية المرسلين, وخيرة الله من العالمين, القادة الميامين, والأئمة المعصومين, القوامين في الخلق بأمر رب العالمين, والنافين عن الشريعة تأويل المنتحلين, والمستحفظين على حقائق الذكر المبين, صلاةً تدوم بدوام الدنيا والدين.

عباد الله, أوصيكم ونفسي الآثمة قبلكم بتقوى الله سبحانه ومراقبته والعمل بطاعته. وأحذركم بادئاً بنفسي الجانية من مغبة معصيته, والإصرار على مخالفته, فإنه لا سعادة لكم في هذه الدنيا ولا في الآخرة إلا بطاعة الله سبحانه والالتزام بشرائعه وأحكامه, فلو تأملتم في جميع ما ترونه من المصائب على وجه هذه الأرض وما يعتور أهلها من الظلم والجور والحروب والفتن وعلوِّ الناس بعضهم على بعض, وما تقاسيه البشرية من ويلات لوجدتموه ناتجاً عن مخالفة وصايا الله سبحانه, وترك العمل بأحكامه, والانصياع إلى تلبيسات الشيطان وتزيينه لهم بأن ما يضرهم في صورة النافع, حتى انقلبت في أذهانهم الحقائق, وأصبحوا يُسمُّون الظلم عدلاً والعدل جورا, ويعتبرون الحق باطلاً والباطل حقا, وأصبحت دعاواهم متناقضة, وأقولهم متضاربة, وهم لشدة ألفتهم للباطل لا يشعرون بذلك التناقض, ولا يتنبهون للتعارض في دعاواهم الفارغة, فترى من يطالب بحرية الرأي والمعتقد يحجرهما على من يختلف معه في أبسط الأمور, بل يرهبه ويهدده بكل عظيمٍ من الإصابة في النفس والمال والولد والأهل, ويعمل جاهداً على تشويه سمعته ومنعه من شرح وجهة نظره, وكأنه إنما يعمل على جعل الاستبداد منهجاً للتعامل في حين هو يدعو لحرية الرأي والمعتقد, فهل تراه صادقاً في دعوته؟ أم أنه يدعو لحرية الرأي لأنه يريد أن يفسد في الأرض ويؤلّب الناس ضد بعضهم بعضاً وأن لا يرد عليه بحجة حرية الرأي والمعتقد؟ ترى الدعاة إلى الوحدة الوطنية كما يدعون يفرقون بين أفراد الفئة الواحدة من فئات المجتمع, ويثيرون أفرادها وجماعاتها على بعضهم البعض, ويدعون للمقاطعة والمنابذة بين الأخ وأخيه, بل ويُسمُّون المقاطعة والمنابذة بالأسلوب الحضاري والوسيلة السلمية, فهل يدركون هذا التعارض بين الدعوة إلى الوحدة والعمل على نشر الفرقة والدعوة إلى المنابذة؟ أم تراهم في دعوتهم للوحدة الوطنية إنما يهدفون إلى التستر على إثمٍ ارتكبوه كإدخال الملحدين في صفوف المؤمنين حتى يفسدوا عليهم معتقداتهم؟ الذين يعيبون غيرهم بعدم الإنكار على بعض ما يتصورونه منكراً مع عدم اجتماع شرائط النهي فيه يرفضون الإنكار على ما هو منكرٌ بإجماع المسلمين, فهم لا يشجبون التعدي على الأملاك العامة والخاصة, ولا يُندِّدون بتخريب مرافق البلاد الضرورية, ولا يشجبون التفرقة بين المؤمنين, خوفاً على أنفسهم من كلمة السوء تصيبهم من الجهلة كما يدَّعون. لماذا كل هذا التضارب في المواقف والأقوال؟‍‍‍‍ لأن الناس ابتعدوا عن شريعة الله, المحكوم منهم لا ينظر إلا إلى ما يخطئ فيه الحكام, والحكام لا ينظرون إلا إلى ما يُخطئ فيه المحكومون, والكل يغض بصره عن كونه قد أهمل تطبيق شريعة الله والعمل بوصاياه على نفسه.

فاتقوا الله عباد الله ودعوا عنكم نظريات الشيطان فإنه عدوكم, لا تحاولوا أن تصلحوا ما فسد من أموركم بآرائه, فإن أموركم لم تفسد إلا بسبب اتباع إيحاءاته ووسوسته, اعملوا بما شرع الله لكم من أحكام, ارجعوا إلى ما أنزل الله عليكم من كتابٍ تفلحوا في دنياكم, وتعيشون سعداء آمنين مطمئنين, وتفلحوا في أخراكم, وتحيون في الجنان خالدين.

وفقنا الله وإياكم للعمل بطاعته, والسير على صراطه, والالتزام بسنته, ونجانا من شرور أنفسنا, وبغي أعدائنا, إنه على كل شيءٍ قدير.

إن خير ما خُتم به الخطاب, واعتمده ذوو الألباب, كلام الله المستطاب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ & حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ & كَلاَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ & ثُمَّ كَلاَ سَوْفَ تَعْلَمُونَ & كَلاَ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ & لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ & ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ & ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ[[1].

وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيمٌ توابٌ كريم.

الخطبة الثانية:

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, انتخبه بالحق دليلاً عليه, وابتعثه بالصدق داعياً إليه, فأنقذنا به من مدلهمات الجهالة, وهدانا به من غياهب الضلالة.

ونشهد أن الخليفة من بعده بلا فصلٍ أمير المؤمنين علي القائم بأمور الدنيا والدين, وأن ولايته مفروضةٌ من رب العالمين على لسان نبيه الأمين.

صلى الله عليهما وعلى آلهما الأئمة الهادين الميامين والأوصياء المنتجبين, الأتقياء الأطيبين, صلاةً تدوم بدوام الدنيا والدين, أولئك الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.

عباد الله, اتقوا الله حق تقاته, وبادروا إلى ما قربكم إلى مرضاته, وأصيخوا مسامع قلوبكم لزواجره وعظاته, واحرصوا على اكتساب قرباته وخيراته, وسارعوا إلى مغفرته وجناته, ولا تغرنكم زهرات هذه الدنيا فإن مآلها إلى الفناء والذبول, ولا تظنوا الخلود فيها فإن لكل مسافرٍ أوبة وقفول, فاتخذوها متجراً منه تتسوقون, ومعبراً عليه تمرون, لا بيتاً له تعمرون, ألا ترون أنها أخنت على من كان قبلكم من القرون, ولم تخلص لمن كان في حبها كالمجنون, فأين فرعون وهامان وقارون؟ وأين من بنى الدساكر والحصون؟ أين من طغى وتجبر؟ وأين من بغى خلق الله وتكبر؟ أليسوا جميعاً قد دفنوا في الثرى؟ وأصبحوا عبرةً لمن يرى؟ واستُبدلوا بعد الفرش والنمارق توسد الأحجار تأكل محاسن وجوههم الثرى؟ فإلى متى بها تغترون وبها تفتنون وعلى حطامها تتخاصمون ومن أجل السيطرة عليها تتقاتلون؟ هذا وقد سُترت عنكم غاية الأجل, وزيَّن لكم عدوكم بمد حبل الأمل, فألهاكم عن الاستعداد لما أنتم عليه مقبلون, وأنساكم ذكر اليوم الذي فيه تُجمَعون, وعلى ما فعلتم تُحاسَبون, يوم لا أنساب بينهم ولا يتساءلون.

فتداركوا أمركم رحمكم الله وأعانكم قبل الموت, وتهيَّؤوا لما تعلمون أنه لا محالة واقعٌ بكم قبل الفوت, واعمروا هذه الساعات بما تتمكنون على فعله من الطاعات, ولا تلهكم هذه الدنيا عن عمل الخيرات, ولا تشغلوا أنفسكم في التكالب على ما لستم له بمخلدين عن الباقيات الصالحات, ولا تتوانوا في أخذ الأهبة لذلك اليوم مادام بيدكم زمام الاختيار, فغداً تنسد أبواب الأعذار, إذا نُشرت الصحف بين يدي الملك الجبار, وظهرت الفضائح بما فيها من الذنوب والأوزار.

جعلنا الله وإياكم ممن علم فعمل, وحُذِّر فوجل, ألا وإن من أفضل العبادات, وأكمل الطاعات, وأربح البضاعات, الصلاة والسلام على محمدٍ وآله السادات.

اللهم صلِّ على النور المشرق في طخياء الديجور, والجوهر القدسي المتجرد عن دار الغرور, الذي لا يعلم حقيقة ذاته إلاك, ولا يُحيط بقدر منزلته سواك, السر الإلهي الذي في الهيكل البشري قد تجسد, النبي العربي المؤيَّد, أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على تاليه في الفضل من بين البرية, وشاهده على ما حمَّلته من الرسالة الإلهية, وخليفته المنصوص للقيام بشؤون الأمة الإسلامية, النور الثاقب في سماء المجد والمناقب, سيف القضاء اللازب, الذي لا ينجوا منه هارب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على الصفوة المطهرة المعصومة, والبضعة المهتضمة المظلومة, ذات الأحزان الطويلة, والمدة القليلة, المغلوبة على إرثها ونحلتها قهرا, أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على نور الملَوَيْن, وبدر الخافقين, ريحانة الرسول, وثمرة فؤاد البتول, وصنو السيد البهلول, صاحب الأيادي والمنن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.

اللهم صلِّ على الغريب عن الأهل والأوطان, والمفجوع بالأولاد والإخوان, والمدفون بلا غسلٍ ولا أكفان, قرة عين النبي الأمين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ على مقدام العباد, ومصباح الزُهَّاد, ومنهاج السداد, والد الأئمة الأمجاد, الإمام بالنص علي بن الحسين السجاد.

اللهم صلِّ على البحر الزاخر بنفائس الجواهر, والعلم الخافق في سماء المجد والمفاخر, والبدر اللائح في أفق المكارم والمآثر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على الفجر الصادق في ديجور الجهل الغاسق, والكوكب المشرق بضياء العلوم والحقائق, والوميض البارق بسنا الأسرار والدقائق, الملجم بقوة حجته لسان كل ناهقٍ وناعق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على حافظ من تبقى من الأسرة النبوية بسلوكه جادَّة التقية, وحارس مناهج الشيعة العلوية بمداراته للعصبة الغوية, الصابر على ما أصابه من المظالم, والحجة على جميع أهل العوالم, الإمام بالنص أبي الحسن الأول موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على السيف المنتضى, العالم بالحكم والقضا, المسلِّم بما جرى به القدر والقضا, والضامن لزوراه الفوز يوم القضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على صدر جريد الأمجاد, وقائد أهل الفضل والرشاد, وناشر علَم الهداية والسداد, وملجم أهل الغواية والعناد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على السيدين الأسعدين, والكهفين المعتمدين, إمامي الحرمين من غير كذبٍ ومَيْن, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ وابنه الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن العسكريين.

اللهم صلِّ على محي معالم الدين, وقاصم شوكة المعتدين, ورافع الراية المحمدية, ومجدد الشريعة الأحمدية, قالع أساس الكفر والنفاق, ومُدمِّر دولة الشرك والشقاق, ناصر أهل الإيمان, باهر البرهان, وشريك القرآن, الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.

اللهم عجِّل أيام دولته وعدله, وابسط على وسيع الأرض بساط جوده وفضله, واجعلنا من المعدودين لنصرته, الداخلين في حياطته, المشمولين بدعائه وعين رعايته, إنك سميعٌ مجيب.

إن أبلغ المواعظ زواجر الله, وأصدق الأقوال كتاب الله, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[2]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه هو الغفور الرحيم.


[1]  سورة التكاثر

[2]  سورة النحل:90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *