خطبة الجمعة 17 ذو القعدة 1419هـ المصادف 05 آذار 1999م
(المحافظة على النعم)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنطق الموجودات بآيات قدرته وجبروته, وأخرس ألسن البلغاء عن بيان حقيقة أسمائه ونعوته, وأفاض على قلوب الخُلَّص من الموحدين أسرار عظمته ولاهوته, وأغرق نفوس العارفين في لُجج بحار ملكوته, ]وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ & وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[[1]، تقدّس بكمال ذاته وارتفاع سماتهِ عن مناسبة الأجسام ومقارنة الموادِّ والأكوان, وتجرد بجلال عزته وجبروته عن الحلول في الزمان والمكان.
نحمده سبحانه على تواصل سلسلة آحاد نعَمه المتواترة, ونشكره تعالى شكر مستزيدٍ من فيوض آلائه المتوافرة, مستمطِرٍ لديَم نفحاته وعطاياه الفاخرة, ونسأله النصر على جميع الفئات الغادرة, وكافَّة الأحزاب الفاجرة, والزمر الملحدة الكافرة, ونستعينه على مقاومة أنفسنا وحمْلها على قبول السّعي للآخرة, ونسأله التوفيق للحشر في الزمرة المطهرة الطاهرة.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, المتفردُ بالقدم والدوام, والمتنزه عن مقارنة الموادِّ والأجسام, والمتعالي أن تُنال ذاته بغوص الفكر والأحلام, والمستعصي تصوُّره على العقول والأوهام, ]وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ[[2].
ونشهد أنّ محمداً صلّى الله عليه وآله المتعمِّم بتاج الرسالة في ملكوت الأشباح, والرافل في حُلل النبوة في عالم الأرواح, المبعوث بالحنيفية النوراء لمَحْقِ الباطل والدعوة للحق والصلاح, ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[[3].
صلى الله عليه وآله قرناءِ السعود, وأمناء الملك المعبود, وشفعاء الخلْق في اليوم الموعود, ما دارت دوائر الوجود, ]وسبّح لله مسبّحٌ في ركوعٍ أو سجود, ]أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ[[4].
عباد الله, أوصيكم وأبدأ بنفسيَ الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه في السرِّ والعلانية, فإنها الجُنة الواقية بل الجَنّة الباقية, بل هي الذخيرة الفاخرة لمن أراد الشّرف والرِّفعة في الدنيا والآخرة, فمن اتقى الله سبحانه كان له على نعمائه مِن الشاكرين, ولفروضه من المؤدين, وعن أعدائه من المبتعدين.
عباد الله, إن من أعظم أعمال التقوى أن يُحسن المتقي إلى نِعم الله التي أنعمها عليه, فيحافظُ عليها ويعملُ على بقائِها, ولا يُنَفِرُها ويتسبّبُ في ذهابها, ففي الحديث عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه: “أحسنوا صُحبةَ النِعَم قبل فراقها, فإنها تزول وتشهد على صاحبها بما عمل فيها”[5], وعن الصادق عليه الصلاة والسلام “أحسنوا جوار النِّعم, واحذروا أن تنتقل عنكم إلى غيركم أمَا أنها لم تنتقل من أحدٍ قط وكادت أن ترجع إليه”[6]، وقال الرسول صلى الله عليه وآله: “أحسنوا مُجاورة النِّعم لا تُمِلُوها, ولا تُنَفِرُوها, فإنها قلَّ ما نفرَت من قومٍ فعادت إليهم”[7]، وروي عن الرضا عليه الصلاة والسلام أنه قال: “أحسنوا جوار النعم, فإنها وحشيّة ما نأت عن قومٍ فعادت إليهم”[8]، فالمحافظة على النعم, والعمل على تثبيتها, بتحقيق أسبابها ومنع ما يسببُ زوالها هو في الحقيقة شكرُ تلك النعمة, كما أن إِساءَةَ مجاورتِها, وعدَمَ الاهتمام بها بل العملَ بما يسببُ زوالها وذهابَها هو كفرٌ لتلك النعمة, والنّعمة إذا كفرت ولم يحافَظ عليها زالت, سواءً كانت هذه النعمة من النعم التي تكون للأفراد, أو من النعم التي يُنعم اللهُ بها على الشعوب والأمم, فكما أن الأفراد مطالَبون بالمحافظة على ما أسبغ الله عليهم من النعم حتى لا تزول عنهم, فكذلك الشعوب والأمم إذا لم يحافظوا على ما منحهم الله سبحانه من النعم فإن تلك النعم تزول عنهم, مثال ما يسبب ضياع النعمة عن الفرد أن يستعمل تلك النعمة التي أنعم الله بها عليه في معصية الله ومحاربته, فيبذّر فيها ولا يؤدي حق شكرها بإخراج حقوقها فتزول عنه إلى غيره, ويراها بيد غيره ويتحسر عليها, وهو الذي تسبّب في نُفرتها منه وزوالها عنه, ومثال تفريط الشعوب والأمم في نِعَمِ الله سبحانه وعدم المحافظة عليها أن يُنعم الله سبحانه على شعب بنعمة الأمن والخير والرفاه, فتفرِّط الأمة في تلك النعمة, يأتي حزبٌ من الأحزاب فيعمل على تدمير الاقتصاد وإشاعة الخوف بحجة أنه متى ما ضعف الاقتصاد فسوف تنهار الحكومة في تلك البلد فيستطيع هو أن يسيطر على مقاليد الأمور فينشر الخوف والذعر بين الناس, ويوافقه من لا خِبرة له, ولا عقل له, فيثيروا الخوف والذعر في كل مكان, ويتبدّل أمن الطريق بانقطاع السبيل, يصير الناس في تلك البلد يخشون على أموالِهم من الإتلاف, يخافون على أنفسهم من الأذى, فيهربُّون أموالهم وتجاراتهم وشركاتهم ومؤسساتهم إلى بلدٍ آخر يكون الأمن على النفس والمال متوافراًَ فيه, فتنتعش سُوقه, ويكثر خيره, ويصبح البلد الأول بلد فقرٍ وخوفٍ وبطالة, لأن أهلَ هذه البلد لم يشكروا نعمة الله التي أنعم بها عليهم, ومع ذلك قد لا يتمكنون من تحقيق ما هدفوا إليه, ولو تمكنوا فعلاً من إسقاط تلك الحكومة عنهم فإنهم يرثون دولةً فقيرةً مهزوزة, كما حدث لكثيرٍ من البلدان العربية والإفريقية والآسيوية التي قامت فيها انقلاباتٌ عسكرية بعد أن عمِلت الأحزاب فيها على تقويض البنية الاقتصادية, يقول سبحانه وتعالى في محكم آياته, وهو يبين قانوناً كونياً غير قابلٍ للتخلف, يقول سبحانه وتعالى: ]وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ[[9]، إنهم لم يكفروا بالله إنما كفرت بأنعم الله التي أنعم الله بها عليها فكان لابدّ أن تزول عنها نعمتا الأمن والرخاء ويحلَّ بدلهما لعنتا الخوف الفقر.
فاتقوا الله عباد الله ولا تنفّروا نعم الله التي أنعم بها عليكم, ولقد شرَدَت من بين أيديكم نعمٌ كثيرة كنتم محسودين أو مغبوطين عليها بين شعوب هذه المنطقة, بسبب عدم محافظتكم عليها, وتفريطكم فيها, فلا تظلوا تُنَفِروا ما تبقّى من النّعم التي لا زلتم تتمتعون بها, لا تجهلوا قدر هذه النعم فتكونوا كالسمكة التي لا تعرف قيمة الماء حتى تُخرج منه, ففي الحديث الشريف: “تُجهل النعم ما أقامت فإذا ولت عُرِفت”[10]، ولا تجعلوا قول أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام منطبقا عليكم, فإنما قاله ليحذّرَ من يتشيع له ويتابعه من الوقوع فيه, وهو قوله عليه الصلاة والسلام: “إنما يعرف قدر النعم بمقاساة ضدها”[11]، فلا يعرف الغني قدر ما عنده من الخير حتى يذوق الفقر ويحس بالضيق, ومن يتمتع بالحرية الدينية لا يحسّ مدى أهميتها ومدى عظمتِها حتى يقاسيَ الضغط الديني والكبت العقائدي, وهكذا كل نعمة لا يعرف صاحبها قدرها ولكن من عانى ضدها أدرك قيمتها, فالشيعي مثلا الذي يعيش في بلد يسيطر عليه من يمنعه من إقامة المآتم, أو الخروج بمواكبِ العزاء في الشوارع, يغبط أهل البحرين مثلاً على ما هم فيه من نعمة الحرية الدينية, ولكنّ أهل البحرين لا يقدِّرون هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله بها عليهم, فتجدهم لا يحافظون عليها بتنزيهها مما لا علاقة لها به من شعارات دنيوية, ومطالب سياسية, بل كثير منهم لا يبالي أن تزول هذه الحرية, إذا كان لن يتمكن أو لن يُمَكّنَ من استغلالها في رغباته وأهوائه ومصالحه الفئوية. ولذلك جاء في المثل: أن (الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يبصر به إلا المرضى)؛ لأن المرضى قاسوا ضدّ نعمة الصحة فأصبحوا يدركون قيمتها. ولعلّ من أعظم النعم المكفورة بين الناس في كلّ مكان الأمن والعافية, ويقول الإمام الرضا عليه الصلاة والسلام: “نعمتان مكفورتان الأمن والعافية”[12]، فتجد الناس لا يحافظون على حالة الأمن ولا يتورعون من ارتكاب الأعمال التي تسبب الخوف والذّعر, حتى ينتشرَ بينهم الخوف فيخاف كل واحد منهم من غيره, كما أنهم إذا عافاهم الله سبحانه من البلايا والمصائب والنكبات بطِروا, فأخذوا يعملون على التحرش بمن إذا غضب صبَّ عليهم البلاء, فتمتلأُ بهم السجون والمعتقلات وتغصُّ بهم التوقيفات, ويتشردون عن البلد في سائر البلدان, ويصبحون في بلاءٍ عظيم ,عندئذ يحسون بقيمة العافية التي كانوا بها يتمتعون.
فاتقوا الله عباد الله, وحافظوا على نِعم الله التي أنعم بها عليكم, ومن أعظمها توفيقكم لإقامة الجُمعات, وجعلكم آمنين في السعي لها, وحضورها, فحافظوا بالمواظبة على حضورها وتعزيزها, ولا تتركوها لأسبابٍ واهية, وأهواء ساقطة, واختلافات لا علاقة لها بالدين والعقيدة, فكم تتمنى شعوبٌ فوق هذه الأرض أن تعبد ربها حسْب ما تعتقد آمنة غير خائفة وحرة غير مجبورة.
جعلنا الله وإياكم من الشاكرين, ووفّقنا لعمل الطائعين, وجعلنا من أهل كلمة التقوى الذين هم على ربهم يتوكلون ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون, إنه حميدٌ مجيد.
إن خير ما نَطق به اللسان, ووُعظ به أهل الإيمان كلام الله الملك الديان, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[13].
وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والتواب الحليم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الباطن بذاتِه, الظاهر بصفاته, الذي يُحقّ الحق بكلماته, ويمحق الباطل ويمحوا صفحاته, ويزيل آثاره ويجلوا ظلماته, القدير على ما يشاء, وبمشيئته تتصرف الأشياء, وبإرادته يتصرّف في الخلق بالإعادة والإنشاء, واستوى في علمه الإسرار والإفشاء.
نحمده سبحانه على ما تفضل به علينا من النِّعم العظيمة العميمة, ونشكره تعالى على ما تكرم به من المِنح المتواترة الكريمة, والمواهب الشريفة المستديمة, ونستكفيه شرَّ كل بائقةٍ وخيمة, ونستدفعه وقع كل طارقةٍ أليمة, ونحتمي به من شرِّ كل نفس فاسقة أثيمة, ومهجة حاقدة لئيمة, ونسأله التوفيق للقيام بكل صالحة كريمة, والعفو يوم الحشر عن أفعالنا السقيمة.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, شهادةً تنقذنا من الفاقِرة, وتوجب لنا الفوز بالنجاح في الدنيا والآخرة, وتُوصلنا لِما نبتغيه من الدرجات الفاخرة.
ونشهد أنّ محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله الذي وضع الأغلال, وفتح الأقفال, ومدّ الظلال, وحارب الضلال, وحقق الآمال, ودعا إلى صالح الأعمال, وأرشد الجهال, وصبر على ما أصابه من ذئبان الرجال.
فصلِّ اللهم عليه وعلى آله مشارق أنوار شموس الحق المضيّة, ومطالع أنوار الهداية الوضيّة, الأقمار المشعة بالحقائق الإلهية, حماة الدعائم الديانة المحمدية, وسفن النجاة للأمة الإسلامية, صلاةً عابقة زكيّة, منقذةً من الفزعة الدوية, يوم يقوم الناس من الوطيّة, وتُعرض الأعمال على رب البرية.
أيها الإخوان المُدلِجون على مطايا الآمال, المتهالكون على حب الوُلدِ والمال, إنتبهوا من سُبات الغفلة والإهمال, والتفتوا إلى ما يراد بكم في المآل, وشدُوا الرحال قبل الترحال, وهيّئوا الأسباب قبل ضيق المجال, فداعي الموت لا يرتجى منه إمهال, ولا يُعفي مِن رحلته الصغار ولا الأطفال, فتتبعوا رحمكم الله ما فيه رضا الله سبحانه وثوابه, وانتهزوا فرصة العمُر قبل أن تنقطع أسبابه, وبادروا للعمل الصالح قبل أن تغلق أبوابه, فلازموا الطّاعات في الغدو والإبكار, واجعلوها لكم عادة بالإعادة والتكرار, وحافظوا على ما تبقّى من هذه الأعمار, واصرفوها في ما يوجب لكم الزلفى في دار القرار, ألا ترون كيف تتصّرم السنين والأدهار, فبينما أنتم في الليل إذ جاء النهار, فما بالكم تتصرم منكم الأعمار, ويتعاوركم كرُّ الليل والنهار, ولا تدبر ولا اعتبار, أما لو حلّ بأحدكم الحمام المكتوب, وعاين سكرات الموت المرجفة للقلوب, لأصبح يعضُّ يديه ندما على ما فرط في تلك الأيام, بل لأخذ يبكي أسفا على ما جناه على نفسه من تلك الآصارِ والآثام, ولتفجّع وهو يتذكر تلك الساعات الضائعة بلا طاعة, وكيف واجهه الرحيل مع قِلّة البضاعة, وهل يجدي حينئذ النّدم وقد زلت القدم, وجرى بما جناه على نفسه القلم, ألا يزهد المرء فيما يشاهد مما جرّه تصارع أهل الدنيا, وتهارش كلابها على الأرض وسكانها من الدمار والفساد, وما وقع فيه الناسُ من الأمراض والزلزال, وكيف انتهكت الحرمات, وديست الكرامات, فاصرفوا رحمكم الله هذه الأعمارَ الغاليةِ في الطاعات, واملئوا هذه الأوقات العزيزة من القربات, تكون ذخرا لكم بعد الممات, بل نفعاً عاجلا لكم في هذه الحياة, فإن المواظبة على الطاعات, تدفع المصائبَ والنكبات, وبالملازمة للقربات, يرجى السلامة من الهلكات والنقمات, فعن سيد البشر وشفيع يوم المحشر صلى الله عليه وآله الغرر أنه قال: “إذا ظهرت في أمتي عشر خصال عاقبهم الله بعشر خصال إذا قللوا الدعاء نزل البلاء، وإذا تركوا الصدقات، كثرت الأمراض، وإذا منعوا الزكاة هلكت المواشي، وإذا جار السلطان منع القطر من السماء، وإذا كثر فيهم الزنا كثر فيهم موت الفجأة، وإذا كثر الربا كثرت الزلازل، وإذا حكموا بخلاف ما أنزل الله تعالى سلط عليهم عدوهم، وإذا نقضوا العهد ابتلاهم الله بالقتل، وإذا طففوا الكيل أخذهم الله بالسنين”؛ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله قوله تعالى: ]ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[[14]“[15].
جعلنا الله وإياكم ممن ذُكِّرَ فتذكر, وبُصِّر فتبصر, وشاهد ما يجري في الناس فاعتبر, وحشرنا وإياكم في زمرة سيد البشر, وسقانا جميعاً من حوض الكوثر.
ألا وإن من أجزل الأعمال عند ذي الجلال, وأعظم الأفعال المؤدية لبلوغ الآمال, سيّما في هذا اليوم العظيم, والموسم الكريم, هو الصلاة على أنوار الوجود, وأقمار السعود, وأمناء الملك المعبود, محمدٍ وأهل بيته أهل الكرم والجود.
اللهم صلِّ على من صَلَّيْتَ عليه قبل المصلين, وندبت إلى الصلاة عليه ملائكتك المقربين, ومن برأت من عبادك الصالحين, الذي اصطفيته وآدم بين الماء والطين, نبيِّ الرحمة, وشفيع الأمة, محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الصادق الأمين.
اللهم صلِّ على آيتك الكبرى التي أظهرت بها فجر النبوة والرسالة, ورايتك العظمى التي نكست بها أعلام الغواية والضّلالة, الشِّهاب الثاقب في سماء المجد والمناقب, سيفك الضارب, وسهمك الصائب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على الشجرة الجنيّة المحمدية, والدوحة الزكية المصطفوية, والعقيلة المبجلة الهاشمية, المغصوبة على حقوقها جهراً, والمدفونة بأمرها سراً, أم الحسنين فاطمةَ الزهراء.
اللهم صلِّ على السيد السنَد, والكهف المعتمد, سبط الرسول الأمجد, وريحانة النبي المسدّد, المُحارب في حياته من الفاسق الأنكد, المبغوض من كل حقير ووضيع, المقتول بالسم النقيع, المهدوم قبرُه في البقيع, العالم بالفرائض والسنن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلِّ على قاطن زوايا المحن والمصائب, وحليف البلايا والنوائب, المتردي ببردة الإبتلاء, والمقتول بعِراص كربلاء, كريم العنصرين, وزاكي الحسبين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.
اللهم صلِّ على السيد الزاهد, الراكع الساجد, زينة المحاريب والمساجد, الجوهر الثمين, وحصن الإيمان الحصين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على الطيِّب الطاهر, والبدر الزاهر, والشرف الفاخر, الذي عمَّ شذاه البوادي والحواضر, الإمام بالنّص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على الفجر الرباني الصادق, واللّسان الإلهي الناطق, يُنبوع العلوم والحقائق, وحجتك على أهل المغارب والمشارق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على شجرة طوبى المحامد والمكارم, وسِدرة منتهى المآثر والمراحم, وجريد ديوان الأماجد والأعاظم, الإمام بالنّص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على الرضيِّ المرتضى, والسيف المنتضى, الراضي بالقدر والقضاء, وفيْصل الأحكام والقضاء, شفيع الشيعة يوم الفصل والقضاء, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على هادي العباد, وشفيع يوم المعاد, بدر سماء الحق والرشاد, وشمس فلك الصدق والسّداد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على ضياء النادي, وغياث الصادي, السائرة بفضائله الركبانُ في الحضر والبوادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على النور المضيء في الجسد البشري, والكوكب الدري في الجسم العنصري, السيد السري والهُمام العبقري, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ على خاتم الأئمة, وكاشف اللّمة عن هذه الأمة, آخر الأوصياء, وسليل الأنبياء, المؤيد بالنصر المؤزر, والحجة على الجِنِّ والبشر, مولانا الإمام بالنص المهدي بن الحسن المنتظر.
عجل الله أيام دولته وعدلَه, وبسَط على وسيع الأرض بساط جوده وفضله, وجعلنا من المعدودين لنصرته, الداخلين في حياطته, المشمولين بدعائه وعَيْن رعايته, إنه سميع مجيب.
إن أنفع المواعظ زواجر الله, وأصدق الأقوال كتاب الله, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[16].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات, إنه غفورٌ رحيم ووهابٌ كريم.
[1] سورة الروم: 20 – 21
[2] سورة التوبة: من الآية31
[3] سورة التوبة: 33
[4] سورة الأنعام: من الآية90
[5] بحار الأنوار – ج10 – ص95 – العلامة المجلسي
[6] بحار الأنوار – ج68 – ص54 – العلامة المجلسي
[7] بحار الأنوار – ج74 – ص171 – العلامة المجلسي
[8] بحار الأنوار – ج75 – ص341 – العلامة المجلسي
[9] سورة النحل: 112
[10] بحار الأنوار – ج75 – ص115 – العلامة المجلسي
[11] ميزان الحكمة – ج4 – ص3312 – محمدي الريشهري
[12] الخصال – ص34 – الشيخ الصدوق
[13] سورة العصر
[14] سورة الروم: 41
[15] جامع الأخبار – الفصل 141 – رقم الحديث 31 – التسلسل 1420 – الشيخ محمد بن محمد السبزواري – مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – الطبعة1 – لبنان 1993م
[16] سورة النحل: 90
