الجمعة 24 ذو القعدة 1419هـ المصادف 12 آذار 1999م

(إظهار النعم والإنفاق في سبيل الله)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي دلَّ على وجوب وجوده بساطع آياتِه, وساق العقولَ لتوحيده بما أقامَ من واضح بيناته, وشعشع شموس الأفكار بإلهامها التأمل في مخلوقاته, وكشَف حنادس الجهالة بما أنزل مِن رسالاته, وقطع دابر الغواية بما فصّل من تشريعاته, وهدى إلى الطيِّب من القول والعمل بتوفيقاته, وأوضح سبُُل الخير بما بيّن من فروضه وقُرباته, ونجّى مِن حبائل الشيطان من أخلص له في نيّاته, قرُبَ من الأشياء لا بمداخلة, وبعُد عنها لا بمزايلة, يعلم بما يجول في الأوهام والخواطر, ولا يغيب عنه ما توسوس به الصدور من مكنونات الضمائر.

نحمده سبحانه على تواتر النِّعم وتتابعها, ونشكره تعالى على سُبُوغِ الآلاء وترادفها, ونتوكّل عليه جلّ اسمه في الخلاص من بلايا الدنيا ومصائبها, ونعوذ به من طوارق الليالي والأيام, ونلوذ به من شر الألدّاء في الخصام, ونستدفعه كيْد الحسدة وتربُّص اللئام, ونسأله النجاة في يومٍ لا ينفع فيه اللجاج ولا يجدي فيه الخصام.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, الذي أوجد وأفنى, وأمات وأحيا, ومنع وأعطى, وأضحك وأبكى, وأوسع وأكدى, وأقلّ وأنمى, وأذلَّ وأعلى, وأفقر وأغنى, ]لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ[[1].

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله, عبده الذي خَتَم به الرسل العظام, ورسولُه الذي سوّده على أنبيائه الكرام, وحبيبُه الذي ظلله بالغمام, بعثه إلى الخاصِّ والعام, وأحيا به ما اندرس من دين الإسلام, وبيّن به من حقيقة التوحيد ما انبهم على عقول الأنام.

صلى الله عليه وآله دعائمِ الإيمان, وأمناءِ الرحمن, وتراجمةِ القرآن, الذين أوجب الله وَلايتَهم على الإنس والجانّ, وجعل التمسك بهم عِدلاً للفرقان, ]أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ[[2].

عباد الله, أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه, والعملِ بطاعته, والمسارعةِ إلى رضوانه ومغفرته, وتجنّب معصيته, وأحذركم ونفسي أولاً منَ التعرض لمقته ونقمته, وأحثكم على الدعوة لصراطه, والعمل بشريعته, والسعي إلى دار كرامته ورحمته.

واعلموا عباد الله أنّ الله سبحانه وتعالى وَعَدَ المتقين الشاكرين بدوام النعم, كما توعد الكافرين لنعمه سبحانه بعذابه وهوانِه, الذي أقل ما فيه إزالة ما أنعم به عليهم، فقال سبحانه وتعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[[3]، ومن أعظم مصاديق شكر النعمة أن يتقي العبد ربه, ويعمل في ما       أنعم به عليه بما يرضيه, يقول سبحانه وتعالى: ]وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[[4]، ويقول أميرُ المؤمنين عليه السلام في إحدى خطبه كما في نهج البلاغة : “ومن أخذ بالتقوى عزُبت عنه الشدائد بعد دنوها,…، وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها, وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها, وتفجرت عليه النعم بعد نضوبها, ووبلت عليه البركة بعد إرذاذها”[5], فتقوى الله سبحانه من أعظم موجبات النّعم, وأهمِّ دوافع النقم, ولابدّ لدوام النعمة وزيادتها من شكر الله عليها وطاعته في التصرف فيها وإظهارها والتحدث بها, ففي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليه السلام : ” إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفِّروا أقصاها بقلة الشكر”[6], ومن أعظم طرق شكر الله سبحانه على نعمه أن يبذلها لمن احتاجها من خلق الله, ويشرك فيه من قصدَه من عبادِ الله سبحانه وتعالى, فعن سيد الموحدين صلوات الله وسلامه عليه أنه قال : “من كثرت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه, فمن قام لله فيها بما يجب عرّضها للدوام والبقاء, ومن لم يقم فيها بما يجب عرّضها للزوال والفناء”[7], وعنه عليه الصلاة والسلام: “من بسط يده بالإنعام حصّن نعمته من الإنصرام”[8]، وفي الحقيقة أن كون العبد مقصدا للناس في حوائجهم, ومرجعا في أمورهم, هو بحد ذاته من كبار نعم الله سبحانه على هذا العبد, فليست النعمة في خصوص المأكل والملبس والمال وأمثال ذلك من الأمور المادية, يقول النبي صلى الله عليه وآله: “من لم يرَ لله عز وجل عليه نعمةً إلا في مطعم أو مشرب أو ملبس فقد قصُر عمله ودنا عذابه”[9], فإن نعم الله سبحانه على العبد لا يستطيع العبد على إحصائها وعدها، وربَّ نعمٍ أسبغها الله على العبد لا تقدر بكل أموال الدنيا لو جمعت له, فإذا كان هذا العبد لا يعرف لله سبحانه من النعم إلا ما كان من قبيل المطعم أو المشرب أو الملبس وما شابه ذلك يكون جاحدا لأنعم الله عليه, ولعل ما دفعه الله عنه من البلايا والنقم لو نظرها الإنسان لوجدها أهم مما أنعم الله به على غيره من الثياب والرياش والضياع, بل لو فكر الإنسان في بعض نعم الله عليه لوجد نفسه في بحبوحة من الخير لا يعدلها شيء من الأموال والضياع. وإذا أنعم الله على أحد نعمة أحب أن يرى أثرها عليه, يقول سبحانه وتعالى: ]وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ[[10]، وأثر النعمة يَظهر ببذلها للناس الذين يقصدونه, فإن كان ذا مالٍ فقصدوه بذل لهم ما يقدر, وإن كان ذا جاه فجاءوه بذل في قضاء حوائجهم وتفريج كربتهم جاهه, يقول أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام : “إن لله عبادا اختصهم بالنعم يقرها فيهم ما بذلوها للناس فإذا منعوها حولها منهم إلى غيرهم”[11]، فلا ينبغي لمن أنعم الله عليه بشيء من النعم أن يبخل بها على من احتاج إليها من خلق الله, ويضن بها عمن قصده من عباد الله سبحانه فإن ذلك منافٍ لشكر تلك النعمة, بل هو تعريضٌ لها للفرار, وتنفيرٌ لها عن المقام, يقول الحسين ابن علي عليهما السلام كما في الشعر المنسوب إليه:

إذا جادت الدنيا عليك فجد بها                      على الناس طراً قبل أن تتفلتِ
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت                      ولا البخل يبقيها إذا هي ولت

ولكن يكون ذلك من دون تبذير ولا إسراف بل يكون مقتصد في الإنفاق, فإن الله سبحانه وتعالى كما أنه كره لعباده البخل والشح, كذلك كره لهم الإسراف والتبذير فيما آتاهم يقول سبحانه وتعالى في كتابه: ]وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً & إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً & وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً & وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً & إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً[[12]، فلا بد إذا من مراعاة الاقتصاد في الإنفاق بل في استعمال كافة النعم, فكما أن صاحب المال لا ينبغي له أن يبذر في ماله بالإسراف في الإنفاق, فكذلك صاحب الجاه لا ينبغي أن يضيع جاهه في الساقط من الحاجات والمحقرات من الأمور, بل يدخره للأمور الكبيرة التي تعود على الأمة والمجتمع أيضاً  بالخير.

أسبغ الله علينا وعليكم شآبيب نعمه, وألهمنا للعمل بأحكامه, ووفقنا لشكره, ونجانا من فواجع الزمن, وغائلات المحن, والسقوط في مهاوي الفتن إنه على كل شيء قدير وبالإجابة حري جدير.

إن خير ما تُلي على المنابر, واتعظ به الأكابر والأصاغر، كلام الله الغافر، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ & حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ & كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ & ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ & كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ & لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ & ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ & ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ[[13].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والمنان الكريم. 

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي لا ندَّ له ولا نظير, ولا شِبه له ولا وزير, المستغني بإحاطة علمه عن المشير, تفرد بالمجد والغنى, وقهر عباده بالحاجة والفنا, وجعل مبدأ خلق الإنسان من نطفة تُمنى, ورَكَزَه في ساحة الجهد والعنا, وحذره من اتباع الشهوات والمنى, والتطلع إلى مقامات الرفعة في دار الفنا, والوقوع في مهاوي الردى, والاغترار بتلبيس الضلالة ثياب الهدى, وندبه للتشوف إلى المقام الأسنى, والسعي إلى دائرة القرب والرضى, والتنافس في نيل رفيع المنازل في جنة المأوى.

نحمده سبحانه على سوابغ نعمائه, ونشكره تعالى على تتابع عطاياه وآلائه, حمدَ متضرع في العفو عن جرائره المتكاثرة, والإقالة من كبَواته العاثرة, راجٍ للمن عليه بالمزيد من تلك النعم الفاخرة, سيما في النشأة الآخرة.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, الذي خرَّت لعظمته العظماء ساجدة, وبخعت على أعتاب جبروته الملوك عابدة.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله خيرةُ الخيرة من بني الإنسان, وأقرب المقربين عند الملك الديان, عبدُه المخلص له في السر والإعلان, المجاهد في سبيله عبدةَ الأصنام والأوثان, ورسوله الذي ختم ببعثته الشرائع والأديان, وكشف بنور حِكمته الغِشاوة عن العميان, وأزال ببركة هديه ما ران من الجهل على القلوب والأذهان, وخلَّد ذكره ما خلد الزمان.

صلى الله عليه وآله أهل المكارم والأمجاد, صلاة تغشاهم إلى يوم التناد, وتكون لنا ذخرا يوم يقوم الناس لرب العباد.

عباد الله أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه وتعالى التي بها وصاكم كما أوصى الذين من قبلكم, حيث قال سبحانه: ]إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَه[[14]، فالتقوى مفتاح الخيرات, وسلم الكرامات, وطريق الفوز بالجنات, والجُنة الواقية من التردي في الهلكات, والتقوى دليل الإخلاص في الإيمان, بل هي روح الإسلام وحقيقة الطاعة والاستسلام, فراقبوا الله سبحانه في الأقوال والأفعال, ولازموا شرعته تنجحوا في المبدأ والمآل, ألا وإن من أهم ما يُعين على الانخراط في سلك الصالحين, والتحلي بأخلاق النبيين, ملازمة العلماء العارفين, ومصاحبة الصلحاء المؤمنين, حتى ورد في الحديث: “لا تحكموا على الرجل بشيء حتى تنظروا إلى من يصاحب فإنما يعرف الرجل بأشكاله وأقرانه”[15], فإن الصحبة لُحمةٌ كلحمة النسب، بل هي ألصق بالإنسان من نسبه, ولقد عظمت منزلة الصديق حتى أن أهل النار ليستغيثون به ويدعون به قبل القريب الحميم, قال الله سبحانه وتعالى مخبراً عنهم: ]فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ & وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ[[16]، وإن الإنسان ليكتسب الخير والشر ويتعود على الصلاح أو الفساد ممن يصاحب ويخالل، وقديما قال الشاعر:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه                  فكل قرين بالمقارن يقتدي

ولقد حكى الله سبحانه عن تأثير الصحبة للشقاوة والسعادة في المصاحب ما قصه من تأسف أهل النار على صداقتهم للأشرار فقال تعالى شأنه: ]وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً & يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً & لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً[[17]، فالذي زين له مخالفة الله والرسول وحَسَنَ له العصيان وزيَّن له اتباع الشيطان إنما كان صديقه الذي وثق بنصيحته وخليله الذي تأثر بصحبته.

وإذا كان للصحبة والصداقة مثل هذا التأثير على سلوك المرء ونتيجته, وأنه قد يؤدي به إلى الهلاك, فعلى المؤمن أن لا يصاحب إلا من يفيده في دنياه وآخرته, يحثه على فعل الخيرات, وينصحه إذا رآه يقدم على المخالفات والمنكرات, لذلك حثَّ الأئمة عليه السلام شِيعتهم على مصاحبة الأخيار ومصادقة ذوي الفضل والاعتبار فقالوا عليهم السلام: “قارن أهل الخير تكن منهم, وباين أهل الشر تبن منهم”[18], وقالوا عليهم السلام: من دعاك إلى الدار الباقية وأعانك على العمل فهو الصديق[19]، وقال الحسن بن علي عليهما السلام في مرضه الذي توفي فيه لجناده: “اصحب من إذا صحبته زانك وإذا خدمته صانك, وإذا أردت منه معونة أعانك, وإن قلت صدق قولك, وإن صُلت شد صولتك, وإن مددت يدك بفضل مدها وإن بدت منك ثلمة سدها وإن رأى منك حسنة عدها وإن سألته أعطاك, وإن سكت عنه ابتداك وإن نزلت بك إحدى الملمات ساواك”[20], ونهوا صلوات الله عليهم عن صحبة الأشرار, وصداقة الفجار, ففي البحار عنهم عليهم السلام “أنظر كل من لا يفيدك في دينك فلا تعتدن به ولا ترغبن في صحبته, فإن كل ما سوى الله تبارك وتعالى مضمحل وخيم عاقبته”[21]، وقالوا عليهم السلام: “صحبة الأشرار تكسب الشر كالريح إذا مرت بالنتن حملت نتنا”[22]. وإذا كان للصديق المصاحب من التأثير ما يوصل إلى الجنة والنار, فينبغي للمؤمن المتورع أن يتنزه عن مصاحبة الأشرار, ويبتعد عن مرافقة الفجار, حتى لا يزينوا له القبيح, ويحسنوا له الشر, فيقع في الهاوية من حيث لا يشعر, ويتورط مع ربه سبحانه وهو لا يعلم, إنهم يستدرجونه ليكون مثلهم, ويستميلونه لينخرط في زمرتهم، ويستغلونه للوصول إلى مآربهم, ويجعلونه سلما يصعدون عليه لأغراضهم, فليحذَرهم فما هم له بناصحين, وما هم عنه غداً للعذاب بدافعين.

جعلنا الله وإياكم للأخيار مصاحبين, ومع الصديقين في الجنان مجتمعين, وباعد بيننا وبين الفسقةِ الفاجرين, والمرقةِ المنحرفين, وأهل البدع والمغرضين, إنه على ما يشاء قدير.

ألا وأن من أعظم ما يستجلب به البركات, ويتوصل به إلى الخيرات, هو إكثار الصلوات والتحيات على محمد وآله الهداة.

اللهم صلِّ على النور المشرق في طخياء الديجور, والجوهر القدسي المتجرد عن دار الغرور, الذي لا يحيط بكنه إيالته وقدر منزلته أحد إلاك, ولا يعلم حقيقة ذاته سواك, ولذلك خاطبته بلولاك لما خلقت الأفلاك, السر الإلهي الذي في البدن قد تجسد, والكنز الرباني الذي لا يصل إلى غوره أحد, نبي الرحمة, وكاشف الغمة, أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على نفسه النفيسة القدسية, بل روحه العلية العلوية, الذي قصرت العقول عن إدراك مناقبه الإلهية, وتاهت الأفكار في معرفة ذاته السنية, فادعت له مقام الربوبية, سيف الله الضارب, وحجته في المشارق والمغارب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على جوهرة عقد الإمامة والنبوة, ومركز دائرة الإيالة والفتوة, سيدة نساء العالمين, وحبيبة صفي رب العالمين, العقيلة الحوراء, والدرة النوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على السيد السند والكهف المعتمد, ثمرة شجرة النبوة والكرامة, ونتيجة مقدَمتي الرسالة والإمامة, العالم بالفرائض والسنن, الإمام بالنص أبي محمد الحسن.

اللهم صلِّ على حافظ حوزة الدين, المضحي لربه بكل غالٍ وثمين, المكافح في سبيل الملة عتاة المنافقين, والد الأئمة الميامين, سيد الشهداء الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.

اللهم صلِّ على مغلول اليدين, وموثوق الرجلين المقيد بالجامعة والقيدين, سيد الساجدين, وسلالة الخيرتين, الإمام بالنص علي بن الحسين.

اللهم صلِّ على سَفَط علوم نبي الإسلام, المحيي لما اندرس من معالم الحلال والحرام, المُعتَرف بعلو كعبه بين الخاص والعام, الحجة الإلهية على العدو والولي، الإمام بالنص أبي جعفر الباقر محمد بن علي.

اللهم صلِّ على القمر المنير, والفجر الصادق المستطير, غواص بحار الجفر والجامعة, وحلال عويصاتهما بقوته القدسية اللامعة, النور البارق, في ديجور الجهل الغاسق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق.

اللهم صلِّ على النور الأنور, والقمر الأزهر, باب الحوائج في الدنيا وشفيع الخلائق في المحشر, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر.

اللهم صلِّ على الإمام المرتضى, المطبِق بأنوار فضله أرجاء الأرض وأفجاج الفضا, أحكم من حكم بعد علي المرتضى, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على كعبة الوفَّاد الداعي لسبل الرشد والسداد, والهادي على طرق الخير والرشاد, شفيع المذنبين يوم التناد, الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد.

اللهم صلِّ على من تعطرت بنشر محامده المحافل والنوادي, وأطبق على التغني بمكارمه الحاضر والبادي, الشفيع إلى الله يوم ينادي المنادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي.

اللهم صلِّ على السيد السري, والليث الجري, والهمام العبقري, المسموم على يد الظالم الجري, الإمام بالنص أبي محمد الحسن العسكري.

اللهم صلِّ على ناشر لواء العدل والإحسان, وقالع أساس البغي والعدوان, ومُبير دعاة الظلم والطغيان, شريك القرآن, وإمام الإنس والجان, الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والأوان.

عجل الله تعالى له الفرج, وأوسع له في أرضه المنهج. وجعلنا من أهل طاعته, المسارعين إلى دعوته, والمكرمين في دولته, إنه السميع لمن دعاه, والمعطي لمن أمله ورجاه.

إن أفضل ما ختم به الخطيب الواعظ, وأمتَن ما اتعظ به اللبيب الحافظ, كلام من كلامه شفاء للقلوب, وعفوه ممحاة للذنوب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[23]. واستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفور رحيم وتواب حليم.


[1]  سورة الأنبياء: 23

[2]  سورة الأنعام: من الآية90

[3]  سورة إبراهيم: الآية7

[4]  سورة الأعراف: 96

[5]  نهج البلاغة – ج2 – ص173 – 174

[6]  نهج البلاغة – ج4 – ص5

[7]  نهج البلاغة – ج4 – ص88 – خطب الإمام علي ع

[8]  ميزان الحكمة – ج4 – ص3313 – محمدي الريشهري

[9]  الكافي – ج2 – ص316 – الشيخ الكليني

[10]  سورة الضحى: 11

[11]  بحار الأنوار – ج72 – ص353 – العلامة المجلسي

[12]  سورة الإسراء: 26 – 30

[13]  التكاثر

[14]  سورة آل عمران: من الآية28

[15]  بحار الأنوار – ج71 – ص188 – العلامة المجلسي

[16]  الشعراء: 100 – 101

[17]  الفرقان: 27 – 29

[18]  نهج البلاغة – ج3 – ص52

[19]  “من دعاك إلى الدار الباقية وأعانك على العمل لها، فهو الصديق الشفيق”ميزان الحكمة – ج2 – 1584 – محمدي الريشهري

[20]  بحار الأنوار – ج44 – ص139 – العلامة المجلسي

[21]  بحار الأنوار – ج71 – ص191 – العلامة المجلسي

[22]  ميزان الحكمة – ج2 – ص1568 – محمدي الريشهري

[23]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *