الجمعة 20 صفر 1420هـ المصادف 4 حزيران 1999م

(الأعمال بالنيات والرضا بالعمل مشاركة فيه والحث على إقامة المآتم والعزاء والمحافظة عليها)

الخطبة الأولى:

         ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, المستغني بوجوب وجوده عن الصانع, والمتجلي لمن سواه بما أبدع من الصنائع, الحفيظ الذي لا تضيع عنده الودائع, المحيط الذي لا يفوته عاصٍ ولا ضائع, لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء, ولا يخفى عليه السر ولا النجوى, يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وما يجري خلف الجدران والستور.

         ونشهد أن محمداً صلى  الله عليه وآله, أعظم الصابرين في مقام الاختبار والابتلاء, وأفضل الشاكرين على النعماء والسراء, عبده الذي اجتباه من زمر الأنبياء, واختاره على كافة الخلق بالاصطفاء, وحباه بسيادة الرسل والأنبياء, فنبئه وآدم بين الماء والطين, وبعثه خاتماً به النبيين, وناسخاً به شرائع سائر المرسلين.

         صلى الله عليه وآله حملة أعباء الدين, وحفظة أسرار رب العالمين, القائمين بحق الخلافة عن سيد المرسلين, المحاربين من المنافقين والناكثين والقاسطين, صلاةً مضمخةً بالفل والياسمين, دائمةً بدوام الدنيا والدين.

         عباد الله, أوصيكم ونفسي السائرة على هواها, الآبقة من مولاها, المنقادة بزمام عِداها, بتقوى الله سبحانه والرجوع إليه, وتتبع مرضاته والعمل بما يقربكم إليه, فإنه سبحانه لا يتضرر من معصيتكم, ولا ينتفع بطاعتكم, وإنما نفع الطاعة يعود بالفائدة عليكم, وضرر المعصية راجعٌ بالسوء إليكم, إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم, وإن أسأتم فعليها تكون إساءتكم, وإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن الله غني عن العالمين, فاتقوا الله عباد الله حق تقاته, ]و َلا  تَمُوتُنَّ   إ ِلاَّ  وأَ نْتُمْ مُسْلِمُونَ[[1], وأخلصوا لله سبحانه نياتكم, واصرفوا عن التوجه لغيره وجوه قلوبكم, فإن الله سبحانه وتعالى ينظر إلى قلوبكم وقصودكم قبل أن ينظر إلى أعمالكم, فالعمل فرع العزم, والعزم وليد القصد والنية, فمن طابت سريرته وخلصت نيته, صحت على عمل الخير عزيمته, فربما قدرعلى تحقيق جميع ما سعى إلى فعله, وربما قدر على تحقيق بعض ما سعى إلى عمله, وفاته أغلب ما أمَّله, فيعطيه الله سبحانه وتعالى على قدر ما نوى فعله، وسعى لتحقيقه، يقول أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في صفة المؤمن: “لا يبلغ بنيته إرادته في الخير، ينوي كثيراً من الخير ويعمل بطائفةٍ منه، ويتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به”[2], فينبغي للمؤمن أن يجهد نفسه في تصحيح نيته، وجعلها متجهةً إلى تحقيق الخير والسلام فوق هذه الأرض خالية من كل شائبة تتعارض مع الإخلاص لله جل وعلا, فإن النية فعل القلب, والقلب سلطان البدن الحاكم على سائر الجوارح, مستخدماً لها في أغراضه, فإذا أحب القلب شيئاً ورغب فيه وأراد تحقيقه سخر جوارح البدن وكل طاقته لتحقيق تلك الرغبة, ولا تستطيع الجوارح أن تتأبى عليه, فهو سيدها, الحاكم عليها, فيندفع الفكر لوضع خطط التنفيذ, ويحرك الأعصاب التي بدورها تحمل الأوامر إلى الجارحة المطلوب منها القيام بذلك الفعل مع توفير ما تحتاجه من معونةٍ من سائر جوارح البدن, فلو اتجهت الرغبة مثلاً إلى قتل زيد, وقوية هذه الرغبة حتى صارت عزيمة, فعندئذ تتجه خلايا الفكر في الدماغ إلى وضع الخطة اللازمة لتنفيذ هذه الرغبة, والقيام بالدراسات والتحليلات المطلوبة لبيئة العمل, وإزالة الموانع أو التحايل عليها, وإنزال الأمر إلى سائر جوارح البدن لتحقيق رغبة القلب, وقد يتمكن من تحقيق الرغبة, وقد يعجز, وقد يقدر على تحقيق بعضها, ويعجز عن بعضٍ حسب ما يصادف من تيسر الأمور وتعسرها, وقلة الموانع وكثرتها, واتساع الوقت لتحقيق كل الرغبة أو بعضها, والخُلاصة أن العبرة سواءً في الأعمال الخيرية أو الشرية على النية, وتخليص النية من الشوائب التي تُفقِد العمل قيمته عند الله سبحانه وتعالى,  أو تقلل من قيمته ليست من الأمور السهلة, وإنما تحتاج إلى مجاهدات نفسية صعبة, وتعويدٍ للنفس طويل, ولذلك يقول سبحانه وتعالى في كتابه: ]وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ[[3]، فجعل الأمر الإلهي كله منحصراً في إخلاص النية, لأن النية هي لب العمل وروحه, بل لا يقبل شئ من العمل إلا بقدر ما يكون فيه من الإخلاص في النية التي صدر منها العمل, ومن أجل ذلك صار الرضا بالعمل كافٍ في تحمل تبعاته عند الله سبحانه وتعالى, وصار اليهود الذين رضوا بقتل يحيى بن زكريا عليهما السلام, متحملين لذلك ولو بعد أجيال طويلة, كما صار اليهود الذين فرحوا ورضوا بقتل السيد المسيح عليه السلام شركاء في قتله, ولو أنه لم يُقتَل, لأنهم رضوا بقتله فهم شركاء لأولئك الذين قالوا نحن قتلنا المسيح رسول الله, ولو أنهم لم يقتلوه, وإنما شُبِه لهم, وكذلك أصبح الراضون بفعل بني أمية بقتل الحسين عليه السلام وسبي ذرية النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله المدافعون عنهم, المتذمرون من لعنهم, وفضح جريمتهم وتخليدها مشاركون لأهل بني أمية في هذه الفعلة, متحملون معهم عند الله سبحانه وتعالى ما ينزله الله بقتلة الحسين من العذاب والتنكيل, ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: “من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم”[4]، وفي زيارة الأربعين التي زارها جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أنه قال مخاطباً أنصار الحسين فيها: “أُشهِدُ الله أننا شاركناكم فيما أنتم فيه”، فاعترض عليه الأعمش وقيل عطا؛ فقال: كيف تقول ذلك ونحن لم نصعد تلعة، ولم ننزل وادياً، والقوم قد فرق بين رؤوسهم وجثثهم، فقال جابر رضي الله عنه: “سمعت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: من أحب قوما حشر معهم، ومن أحب عمل قوم أشرك في عملهم”[5]، وكذلك من عمل على مناصرة الحسين بتخليد قضيته، وإقامة التعازي عليه، والمشاركة في عمل المواكب الناشرة لقضيته، راضياً بعمل الحسين عليه السلام وأنصاره, متأسفاً على فوات نصرته لتقدم الزمن عليه فإنه يكون من أنصاره وشريكاً معه في كل مواقفه، لكن يجب أن يكون القصد خالصاً لله تعالى غير مشابٍ بأغراضٍ دنيوية، ولا فوائد مادية، فإن الحفاظ على نقاوة النية من الأغراض الدنيوية هو من أصعب الأمور على الإنسان، بل ربما فعل الإنسان العمل بنيةٍ صادقةٍ حسنة حتى إذا فرغ منه جاءه الشيطان يستفزه ليفسد عليه ما عمل من الخير، فأثار في نفسه التباهي والإعجاب بالعمل والفخر فأخذ يمِّن على الله بذلك، ويتباهى به على عباده، ويعجب بنفسه، ويسترفعها عن سائر المؤمنين بذلك العمل، ويحتقر عباد الله لأنهم ليسوا مثله، يأتون بهذه الأعمال فيأكل الغرور والعُجّبُ كل ثمرات ما أجهد نفسه في عمله، ويذهب التباهي بكل نتائج ذلك الجهد الضائع، ولذلك ورد في الحديث: “حبذا نوم الأكياس وفِطرهم”[6]، فاجتهدوا يا عباد الله بإخلاص النيات لرب العالمين، واحذروا عدوكم، واحذروا أن يفسد عليكم أعمالكم الخناس اللعين، ويُذهب ما تتعبون فيه أنفسكم من الأعمال الصالحة بإثارة الإعجاب في النفس، والتباهي  بالعمل، والرياء وحب السمعة، فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.

 جعلنا الله وإياكم من أهل كلمة التقوى، وجنبنا معكم الشر والبلوى، ووفقنا لعمل الصالحات، وإخلاص الطويات، فإنه أرحم الراحمين.

إن خير ما تلي على المنابر، وختمت به الخطب والمحاضر، كلام الله المهيمن القادر، والرحيم الغافر، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[7].

وأستغفر الله لي ولكم، إنه غفورٌ رحيم، وتوابٌ كريم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

         الحمد لله الذي خَلَعَ على أوليائه خلع البهجة والسرور، وألبس أصفيائه مدارع المسرة والحبور، صرف أنظارهم عن لذات دار الديجور، وشرح أفئدتهم للتطلع إلى مقامات عوالم النور، وسُكنى تلك الخيام والقصور، والتمتع بما فيها من لذةٍ وسرور، وولدانٍ وحور، فاستَعذَبوا كاسات المنايا، في سبيل الحصول على تلك المنح والعطايا، وتدرعوا بمدارع الاصطبار، وسلموا لبارئهم الاختيار، في الإيراد والإصدار، ورضوا بما تجري به الأقدار، وإن كان في ذلك تلف الأعمار.

نحمده سبحانه بما له من المحامد، ونشكره تعالى على ما له بواد العمل والعوائد، ونستهديه جلَّ اسمه لأرشد المقاصد، ونستدفعه شر كل متقصدٍ معاند، ونلوذ بجواره من سطوة كل جاهرٍ وجاحد، ونسأله النجاة يوم الفزعة من تِلكُمُ الشدائد.

         ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، رافع درجات العاملين، ومضاعف الثواب للمخلصين، ومقيل عثرات النادمين، وقابل التوبة من المنيبين، الذي أنزل برحمته الكتاب المبين، وبلطفه بعث الأنبياء والمنذرين، والرسل والمبشرين، شهادةً نستظل بظلها يوم الدين.

         ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله خير من أرسله إلى الثقلين، وأشرف من اجتباه من النبيين، وأفضل من بعثه من المرسلين، فبَشَرَ صلى الله عليه وآله المذنبين، وأنذر العارفين من التعرض لسخط رب العالمين.

         صلى الله عليه وآله الأطياب، القادة الأنجاب، الذين ورثهم الحكمة وفصل الخطاب، وقرن بينهم وبين ما أُنزل عليه من الكتاب، فمن تمسك بهديهم نجا ومن فارقهم هلك بدون ارتياب، صلاةً نستنصر بها في الدنيا على من حاربنا من الزمر والأحزاب، ونستظل بها يوم نبعث من قبورنا للمسائلة والحساب.

         أيها الإخوان المؤمنون، والخلان المتقون، اعلموا وفقكم الله سبحانه إلى طاعته، وجنبكم ارتكاب معصيته، أن كل ما نتحلى به من محاسن الخِلال، ونفعله من خيرات الأعمال، لا يخلوا من شَوب الإشكال، وأن جميع ما ندَّعيه من الطاعات، ونزعمه من القربات، لا يصفوا من الإضاعات، واعلموا يا إخوة الإيمان وفقني الله وإياكم للسير في طريق الرضوان، أن أفضل ما يفعله الإنسان في التزلف إلى حضرة ذي العزة والجلال، هو موالاة العترة الطاهرة والآل، وقد تواتر بين الفريقين، واستفاض عند الطرفين، أن حب علي بن أبي طالب عليهما السلام يمحوا الآثام، ويحط الذنوب العظام، ولو جاء صاحبها بسيئات الأنام، وأن بغضه ومخالفته تحبط الأعمال، وإن جاء صاحبه بحسناتٍ كشواهق الجبال، فينبغي لمن تأمل في هذا الأمر بالنظر الدقيق، وعرفه بعين اليقين والتحقيق، أن يجعل أيام حياته وقفاً على مراضي أولئك السادات، والتقرب إليهم بما يرفع له عند الله الدرجات، ولا سيما إقامة المآتم والعزاء على سيد الشهداء، وزيارة قبر خيرة الأولياء، لا سيما يوم عاشورا ويوم الأربعين الذي ورد فيه عن الأئمة الميامين أنه من علامات المؤمنين، فواظبوا رحمكم الله على إقامة النياحة عليه، وشاركوا في مواكب اللطم عليه، وخلدوا قضيته ومصيبته، وافضحوا شناعة فعل أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله في ذريته، وكيف استباحوا حرمته، وسبوا ذريته، بعد أن أفنوا أطائب عترته، ولن يعيبكم على ما تفعلون إلا النواصب الذين يساندون كل منحرفٍ عن أهل البيت مناكب، لِما في قلوبهم من البغض الدفين على سيد المرسلين.

جعلنا الله وإياكم من اللابسين خلع الهداية والتوفيق، الشاربين من ذلك الرحيق.

         ألا وإن من أفضل الأعمال المأثورة في هذا اليوم زيادةً على غيره من الأيام، وأكمل المندوبات المشهورة في هذا المقام النير الأعلام، هو الصلاة والسلام على بدور التمام، وقادة الإسلام، محمدٍ وآله الأعلام.

         اللهم صلِّ على النبي المختار، المتردي بثياب المجد والفخار، والمنتجب من خيرة الخيرة من آل نزار، المكرم بالعروج إلى الله العلي الجبار، والمنصور على كل باغٍ بتأييد الملك القهار، النبي العربي المؤيد، والرسول الأمي المسدد، أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على آية نبوته وقَيِمِ شريعته، وقاضي دَيْنِه ومقيم سنته، الذي أمرته بنصبه خليفةً في أمته، الشهاب الثاقب في ظلمات الغياهب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

         اللهم صلِّ على السيدة الجليلة، والعابدة النبيلة، والمدنفة العليلة، ذات الأحزان الطويلة والمدة القليلة، البتول العذراء، أم الحسنين فاطمة الزهراء.

         اللهم صلِّ على قرتي العين، ونجمي الفرقدين، وسيدي الحرمين، ووارثي المشعرين، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن، وأخيه الإمام بالنص أبي عبدالله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ على أئمة المسلمين وقادة المؤمنين، علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن العسكري، والخلف القائم المهدي.

         اللهم عجل له الفرج، وسهل له المخرج، وانشر على بسيط الأرض منهجه، واكشف به عنا ظلمات الفتن المدلهمة، إنك على كل شيءٍ قدير، وبالإجابة جدير.

إن أبلغ ما تلاه التالون، وعمل بموجبه المهتدون، كلام من يقول للشيء كن فيكون، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[8].

         وأستغفر الله لي ولكم ولمؤمنين والمؤمنات، إنه غفورٌ رحيمٌ وتوابٌ حليم.


[1]  سورة آل عمران: من الآية102

[2]  بحار الأنوار – ج75 – ص50 – العلامة المجلسي

[3] البينة: 5

[4] بحار الأنوار – ج65 – ص131 – العلامة المجلسي

[5] بشارة المصطفى لشيعة المرتضى –  ص126 – طبع إيران قم جماعة المدرسين – تحقيق جواد القيومي الأصفهاني – الطبعة الأولى 1420هـ

[6]  ميزان الحكم – ج3 – ص2235 – محمدي الريشهري – نقلاً عن المحجة البيضاء – ج6 – 291

[7]  سورة العصر

[8]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *