الجمعة 27 صفر 1420هـ المصادف 11 حزيران 1999م

(وفاة النبي صلى الله عليه وآله)

الخطبة الاولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي سطعت أنوار رشحاته الصمدية في صدور أوليائه، وأشرقت تجليات ذاته السبحانية على قلوب أحبائه, فأصبحت عيون بصائرهم راميةً إلى مشاهدة أنوار جماله, وأشرقت وجوه قلوبهم بلمعات إشراقات عزِّ جلاله, تجردت نفوسهم من مضائق عوائق هذه الأبدان المادية, وتخلصت من كدورات العلائق الجسمانية, واشتاقت أرواحهم إلى اللذات الحقيقية, وتاهت ضمائرهم في بيداء العظمة الملكوتية, فسرحوا في ميادين القرب والوصال, وضُربت عليهم سرادقات الحب والاتصال.

نحمده سبحانه حمداً يوصلنا إلى مرضاته, ويؤهِّلنا لسكنى القصور من جناته, ونشكره تعالى شكراً يرفدنا بالمزيد من منحه وهباته, وينجينا من نقمته وسطواته, ونستعينه عز اسمه على القيام بما فرض علينا من وظائف عباداته, ونستلهمه العلم بمقاصد أحكامه وآياته, ونسأله التوفيق لاتباع حججه وآياته, والعصمة عن الرضا بالملحدين في ذاته وصفاته.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لاشريك له, المتفرد بوحدانية الذات, والمتوحد بكمال الصفات, الذي تلاشت عند اكتناه كنه حقيقته الأفهام, واضمحلت عند التطلع إلى غوامض أحديته الأحلام, تاهت بصائر ذوي الألباب في بيداء معرفته, وغرقت العقول في بحار كيفية نعته وصفته, فأقرت مذعنةً بربوبيته.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, قطب الأقطاب العلوية والسفلية, ونور الأنوار الذي أصبحت به مضية, من لولاه لما وجدت الأفلاك, ولا سجدت لأبيه آدم الأملاك, ولا خُلق ساكنٌ ولا ذو حراك.

اللهم صلِّ عليه وعلى آله مصابيح الظلم, وأهل الجود والكرم, وخُزَّان العلم والحِكم, ومن ورثوا العلم بعده على جملة العرب والعجم, اللذين اختارهم الله لهداية الأمم, وأوجب لهم الحقوق على كل من تأخر وتقدم.

عباد الله, أوصيكم وأبدأ قبلكم بنفسي الأمارة, السالكة  في طرق الهلاك والخسارة, بتقوى الله رب العالمين, ديان يوم الدين, الذي عليه اعتمادكم, وإليه مآلكم, فإنها وصيته لكم, ولمن تقدمكم, ولمن يأتي بعدكم, فاتقوا الله وكونوا مع الصادقين, ولا تغرنكم الدنيا بزينتها, ولا تشغلكم عن الآخرة بمفاتنها, فتحلَّوا رحمكم الله بصفات المؤمنين المتقين, اللذين وعدهم الله بجنات النعيم, وتخلَّوا عن صفات المجرمين, اللذين أغرتهم الدنيا بمقاماتها, واستفزتهم بمناصبها, وألهتهم بالركض وراء لذاتها, فباعوا الآجل من السعادة الحقيقية, بالعاجل من اللذات الوهمية, مصدِّقين دعاواها, مستعذبين لماها, منقادين في أسر هواها, ولم يزالوا على هذه الحال حتى أذَّن مؤذن المنية بينهم بالترحال, وأعجلهم بشد الرحال, ففارقوها آسفين, وتركوها نادمين, وانقلبوا هنالك بعد العزة صاغرين, يتقلبون في عذابٍ مهين, وبكؤوس اللذة شاربين,  صارخين جازعين, ضارعاً كل جبارٍ منهم لرب العالمين, ]رَبِّ ارْجِعُونِ & لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ[[1], فأكون من المؤمنين.

فاتقوا الله عباد الله حق تقاته, فمن اتقى الله سبحانه وجانب الهوى, وأخذ نفسه بالحزم في شأن الآخرة نجا, فلو كانت الدنيا مما يستحق شيئاً من التعب والعنا, لما زُويت عن الأنبياء والأوصياء, ورُفضت من المخلصين والصديقين والسعداء, حيث رضوا أن يعيشوا فيها عيشة الضعفاء, يتسلط عليهم فيها الأشقياء, مع أن أحدهم لو شاء لقُلبت من أجله الأرض وتغيرت السماء, فهذا سيد المرسلين والأنبياء, العلة الغائية لهذا الوجود, ومن لأجله خُلق كل موجود, وقد خيَّره ربه سبحانه وتعالى بين البقاء في الدنيا, وأنه لن ينقصه شيءٌ من فضله لو اختار فيها البقاء والخلود, وبين الرحيل عنها إلى دار المقامة والخلود, فاختار عنها الرحيل, ومجاورة الرب الجليل, لما يعلم من أن كل ما فيها ما هو بالنسبة لما في الآخرة إلا نزرٌ قليل, وكيف يرغب في البقاء في دارٍ يحوطه فيها الأعداء, اللذين يتظاهرون له بالحب والولاء, وينافقونه خوفاً من سطوته, وطمعاً بالنزو على مقامه وخلافته, حتى استطالوا عمره وبقاءه, واستعجلوا موته وفناءه, وخاصةً عندما أمره ربه تعالى بنصب وصيه, وإعلان أمره, بعد منصرفه من حجة الوداع, حيث حاولوا قتله في عقبة هرشاء, فدحرجوا الذباب تحت أقدام ناقته في تلك الليلة الظلماء, ثم منعوه من كتابة وصيته, وتثبيت ما أبرم من ولاية عهده, واتهموه بالهجر وذهاب العقل, مشيرين بأنهم سيطعنون في عصمته, ويشككون في سنته, إنْ أصرَّ على المضي في هذا الأمر, وإلا فما معنى قولهم: “حسبنا كتاب الله”[2], بعد قولهم: “إن نبيكم ليهجر”[3], أو “إن نبيكم غلبه المرض”[4], حسب تخفيف المحبين لهم لعبارتهم الشنعاء؟ أليس معنى ذلك إسقاط السنة النبوية عن مقام الحجية والاعتماد  في أخذ الأحكام؟ وأي دينٍ سيستقيم للمسلمين لو أُسقطت سنة سيد المرسلين؟ بل كيف يُفهم الكتاب العزيز من دون توضيحٍ ممن خوطب به وأُنزل عليه؟ فرأى صلى الله عليه وآله أن يتركهم لما اختاروا لأنفسهم بعد أن أقام الحجة عليهم, وبيَّن الأمر على نحوٍ يعجزهم إخفاؤه, فتركهم يتحملون وزرهم ووزر من يأتي بعدهم, ويشاركون كل مخطئٍ في إثم ما أخطأ به, لحيلولتهم بينه وبين من هو جديرٌ أن يرشده ويهديه, لأن صاحب الحق لم يفوت عليه شيءٌ مما أعده الله له من المقامات الرفيعة, إلا ما يتراءى للناس من عدم ممارسة السلطة في هذه الدنيا الفانية, وهو قد شنأها وأسقطها عن الاعتبار مالم يكن في توليها زيادة قربٍ للملك الجبار, بل إنه لا يستفيد فيها شيئاً من المتاع, ولا يحصل من تولي المناصب فيها إلا على التعب والنكد, فتركها لهم لأنها أمنيتهم, ومن أجلها نافقوه ودخلوا في دينه حتى تسلم لهم.

فتأسوا عباد الله بنبيكم صلى الله عليه وآله, واتبعوا خطى وصيه الذي نصبه حجةً وقائداً لمن آمن بنبوته, وصدَّق بأقواله, ودعوا مناصب الدنيا لطالبيها, ولا تُعرِّضوا أنفسكم لسخط بارئكم من أجل شيءٍ فيها, فإن كل ما هو مقدَّرٌ لكم من متاعها سيصل إليكم, ولن يفوتكم ما كتبه الله لكم فيها من الرزق الحلال, كما لم تتمكنوا من الفرار مما قُدِّر عليكم فيها في جميع الأحوال, فاتقوا الله سبحانه وكونوا مع الصادقين, تفوزوا غداً في دولة الهداة الميامين, وتقربوا من رب العالمين.

جعلني الله وإيّاكم ممن بُصِّر بعيوب نفسه فتبصر, وذُكِّر بيوم مآله فتذكر, وسقانا جميعاً غداً من حوض الكوثر, في زمرة محمدٍ وآله الطاهرين, إنه سميعٌ مجيب.

إن خير ما خُتمت به الخطب على المنابر, وزُيِّنت به الكتب والدفاتر, كلام الله العزيز القادر, والرحيم الغافر, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[5].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والتواب الرحيم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[7].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه هو الغفور الرحيم, والبر الكريم.


[1]  سورة المؤمنون: من الآية99 –  من الآية100

[2]  صحيح مسلم – ج5 – ص76 – مسلم النيسابوري

[3]  بحار الأنوار – ج30 – ص130 – العلامة المجلسي

[4]  صحيح البخاري – ج1 – ص37 – البخاري

[5]  سورة العصر

[6]  سورة الأنبياء: من الآية73

[7]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *