الجمعة‏ 12‏ ربيع الثاني 1422هـ‏ المصادف 17 أيلول 1999م

(مقامات الصدق)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله المتردي بالجبروت والكبرياء، المتجلل بالعظمة والبهاء، الذي خلق من الدخان أفلاك السماء، ودحى الأرض على الماء، وجرى بمشيئته القضاء، وانقادت لإرادته الأشياء.

نحمده سبحانه على منِّه القديم، ونشكره تعالى مجدُه على فيضه العميم، ونستجديه من فضله وهو الجواد الكريم، ونعوذ به من وسوسة الشيطان الرجيم، ونلوذ بظله من بغي كل فاجر أثيم، ونستكفيه شر كل عتلٍّ زنيم، مناع للخير معتد أثيم، قوالٍ للكذب مشاء بنميم، ونستهديه للسّير على صراطه القويم، والالتزام بسنة نبيه الكريم، ونسأله أن يجعلنا من سكنة جنّة النعيم.

ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة نعلنها في وجوه الملحدين، ونلتزمها وإن رغمت أنوف المشركين، ونعمل بمقتضاها وإن ثارت ثائرة المنحرفين، ونستظل بظلها يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي اصطفاه على العالمين، وحبيبه الذي فضله على جميع الرسل والنبيين، ونجيه الذي قربه إليه حتى صار كقاب قوسين، فبعثه رحمة للعالمين، وسراجا للمتوسمين, وهاديا للمتقين، ونذيرا للمكذبين.

صلى الله عليه وآله الأدلاء على رب العالمين، والدافعين عن حقيقة الدين تحريف المنتحلين، الفاضحين دجل المحرفين، الموقعين عن رب العالمين, صلاة دائمة بدوام الدنيا والدين.

عباد الله, أوصيكم وأبدأ بنفسي التي بين جنبي بما وصاكم به ربكم، وحثكم عليه خالقكم, أن تتقوا الله حق تقاته وأن لا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون، حيث خاطب سبحانه وتعالى كل مؤمن به, مصدق لكتبه, متبعاً لرسله، معتقدا للقائه ومسائلته, فقال جلّ جلاله: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ[[1]، اتقوا الله أي اخشوا مؤاخذته، خافوا عقابه، تحذيرٌ منه تقدست أسماؤه، وكونوا مع الصادقين الذين يصدقون على الله سبحانه فيما ينقلون عنه وفيما يشرحون من كتبه وشرائعه ولا يحرّفون كلمه، ولا يبدلون آياته، ولا يغشون عباده، الصادقين مع أنفسهم، الصادقين مع الناس قاطبة، الذين يتبعون منهج الصدق، ويسيرون على صراط الحق، فمن اتقى الله سبحانه، وخاف عقابه كان مع هؤلاء، وإن ثقل عليه كلامهم، لا يفارقهم بسبب نصحهم له, لأن النصح ثقيل، وترك من يريدون أن يستغلوه لمآربهم، وأن يركبوا ظهره من أجل الوصول إلى ما يصبون إليه ولذلك يدغدغون عاطفته، يحلون له ما يحب أن يعمل, يبررون له كل ما يصنع، هؤلاء ليسوا بصادقين مع الله ولا مع أنفسهم ولا مع من يحيط بهم.

وللصِّدق مقامات متعددة وليست منحصرة في الصدق في الأقوال، كما يظن معظم الناس، ومن أهم مقامات الصدق مقام الصدق في النية، وذلك أن تكون النية خالصة لله سبحانه، فجميع الحركات والسكنات المنبعثة عنها دافعها طلب مرضاة الله، دافعها الرغب في القرب من الله, وليست منبعثا من دوافع أخرى، لا تمت إلى الله سبحانه بصلة، كطلب المناصب الدنيوية، والوصول إلى الشهوات والملذات، فإنْ شاب النية شيء من ذلك لم تكن خالصة لله تعالى، فإنْ ادعى العبد أنه يريد بذلك وجه الله وهو في حقيقة قلبه إنما يريد غرضاً لا ربط له بالله سبحانه, كمن يتقمص بالزهد والورع والتكفف، وهو لا يريد إلا الزعامة على من حوله بإظهار التقدّس، مثل هذا في الحقيقة ليس صادقا في نيته مع الله بل هو ممن يقول الحق سبحانه فيه: ]يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ[[2],هذا الإنسان غير صادق الطوية مع الله تعالى وإنما يريد أن يتوصل بعمله إلى أغراضٍ دنيوية، والله سبحانه وتعالى قد يعطيه, ويعجّل له ثوابه في هذه الدنيا يقول أصدق القائلين: ]مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ[[3].

لأنهم لم يعملوا من أجل رضا الله وقربه، وإنما سعوا وتحركوا وتحملوا المشقات والصعاب وضحوا بالغالي والنفيس من أجل هذه الدنيا وسعوا في الطريق الذي يوصل إلى تلك المناصب, فلا بدّ أن العلل والأسباب إذا كانت تامة بوجود المقتضيات وارتفاع الموانع أن تحصل المعلولات منها وهي في مثل هذا المقام الوصول إلى المرغبة الدنيوية، الحصول على الشهوة التي يصبو إليها, فيكون أنه سبحانه وتعالى وفّاه نتيجة عمله في هذه الدنيا ولم يبخسْه فيها، بخلاف العامل من أجل رضا الله سبحانه، فهذا لا يفوته نصيبه الذي قُدِّر له في هذه الدنيا ثمّ يوفّيه عمله في الآخرة كاملاً غير منقوص, فيكون ممّن جُمع له الدنيا والآخرة، لأنه صادق مع الله سبحانه ومع نفسه.

ومن مقامات الصدق, الصدق في العزيمة والعمل، وإن ربما يعد من توابع الصدق في النية، لأن النية إذا ملأت النفس وحرّكت الأعضاء هي ذاتها تنقلب إلى عزيمة دافعة على العمل، ولكن أحيانا تكون للعبد نية صادقة ولكنه يبقى مترددا في الإقدام على العمل, فهذا لا تكون عزيمته صادقة أو بالأحرى ليس له عزيمة، وإن كانت له نية على فعل الخير والسعي إلى مرضاة الله, ولكن التقصير يكون بسبب ضعف العزيمة، ولذلك يُثاب على النية فقط لأن نية المؤمن خير من عمله، ففي مقام العمل قد لا يبقى الإخلاص والصدق مع الله الموجود في مقام النية فربما خارت العزائم, وتبدّلت النفوس وتمكن العدو من بثِّ وسوسته وأمنياته في روع العامل فأفسد عليه عمله، ومن أجل ذلك كانت المحافظة على صِحة العمل وخلوصه أشدّ وأصعب من الإخلاص في النية التي دفعَت إليه, ومن هنا ورد في الدعاء الاستغفار من هذا العمل, اللهم “وأستغفرك مما أردت به وجهك, فخالطني فيه ما ليس لك”[4].

فيا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وحافظوا على وصايا ربِّ العالمين، وأخلصوا له نيّاتكم، وطهّروا من كدورات الشهوات قلوبكم، جعلني الله وإياكم ممن أخلص لله في عمله، وسعى إلى مرضاته، واتّبع سبله، وصدّق بوعده, والتزم بشريعته, إنه بالمؤمنين رؤوف رحيم.

إن أنفع المواعظ مواعظ الله، وأصدق الأقوال كتاب الله أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]الْعَصْر& إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[5].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الكريم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله القوي القدير، المستغني عن المعين والنصير، واتخاذ الجند والظهير، العالم بما يجري من الأمور قبل أن يحدث ويصير، اخترع الخلق بقدرته اختراعا لم يسبق إليه، فمنه مبدؤهم ومآلهم إليه، قرب من الأشياء لا بمداخلة والتصاق، وبعد عنها لا بحيلولة وافتراق، فسبحانه يعلم ما تجترحه الجوارح وما يخطر في الخواطر، ولا يعزب عنه ما توسوس به الصدور وما تكنه الضمائر.

نحمده على ما فطر عليه قلوبنا من معرفته وتوحيده، وألهمنا من الإقرار بروبيته ووجوب وجوده، ونشكره سبحانه على ما وفقنا إليه من القيام بواجب ثنائه وتمجيده، وأتحفنا من هنيِّ عطائه ومزيده، شكراً يدفع عنا المخوف من عذابه ووعيده، ويوصلنا لما أعدّ للشاكرين من مبرّاته وجوده.

ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، ولا إله سواه، ذو البرهان الساطع، والبيان القاطع، الآمر بالعدل والإحسان، والناهي عن الفحشاء والطغيان، واتباع خطوات الشيطان.

ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، مركز دائرة الكمال، وأفضل من وزن بالحق وكال.

صلى الله عليه وآله دعائم الإسلام، وعروة الاعتصام، الذين بهم يعود الحق إلى نصابه، ويحل بالباطل شديد أوصابه.

أوصيكم عباد الله, ونفسي الجانية قبلكم بلباس شعار الخوف والتقوى، واستشعار عظمة بارئكم تعالى في السر والنجوى، والتطلع فيما أعده لكم سبحانه في تلك الدار الآخرة، من الكرامات الفاخرة، وغض الطرف عن زهرات هذه الدار، التي هي في الحقيقة أقذار وأكدار، وأخطار وأي أخطار، ولا سيما في مثل أيامكم هذه التي هي بضروب النوائب متلاطمة، وبأصناف المصائب متفاقمة، فترى من كان فيها ذا جاه ومال، متصد لعمل من الأعمال، في أضيق حال وأشد وبال، ومن كان له اسم بين الأنام، فهو لا يهنأ بطيب طعام ولا منام، لما يرى ما يحل بأبناء جنسه من النوائب في كل يوم، حيث تختلجهم أظافرها، ويعثر بهم بلاؤها، وتحرقهم نارها، فهو لا يشك في وصول النوبة إليه، ووقوع المصائب عليه، وهبهُ تسهّى أو تلهّى عن ذلك الدهر, فالدهر عنه ليس بغافل، أن يرميه بقارعة لا تغني عنها الوسائل. فبتوا رحمكم الله حبالها, لتأمنوا وبالها، واصرموا وصالها، لتسلموا من نصالها، واخربوا رِباعها، وإن مدت إليكم باعها، واهجروا لذيذ عاجلها، فراراً من كربات آجلها.

جعلنا الله وإياكم من المشمولين بالعناية الربانية، والممدودين بالتوفيقات السبحانية، والمكرمين بالألطاف الرحمانية.

ألا وإنّ من أفضل الأعمال عند ذي الجلال، وأكمل الأفعال الموجبة لبلوغ المئال، هو الصلاة على علم الكمال، ومن بالصلاة عليه وآله تقبل الأعمال، وتحط السيئات الأثقال. 

اللهم صلِّ على من جعلته العِلة الوجودية في الإيجاد، وبه قامت الأرضون والسبع الشداد، الذي شرف بساط الربوبية حين غمرته الأنوار الإلهية، وتجلت له العظمة الأحدية، الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل، الرسول المسدد والمنصور المؤيد أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على من صفيته معه واصطفيته، وجعلته أخاه بل نفسه وارتضيته، وأشركته فيما عدى النبوة مما قد حبوته، ميزان معرفة الفائز لديك من العاطب، ونورك المشرق في المشارق والمغارب, أبي الحسنين أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب.

اللهم صلِّ على السيدة الحوراء، والدرة النوراء، الصديقة الكبرى أم الحسنين بضعة نبينا فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على الإمامين الهمامين، والبطلين الضرغامين، ريحانتي الرسول، وقرة عين المرتضى والبتول، السيدين السندين، والكهفين المعتمدين الإمام بالنص أبي محمد الحسن وأخيه الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.

اللهم صلِّ على شمس سماء الحق واليقين، وقطب دائرة الموحدين، ومصباح ليل المتهجدين الإمام بالنص أبي محمد علي ابن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّ على ناشر الأحكام القدسية، وباقر العلوم اللدنية، وممهد القواعد النبوية السحاب الماطر بنفائس الجواهر الإمام بالنص أبي جعفر محمد ابن علي الباقر.

اللهم صلِّ على مقتنص الشوارد والأوابق، وكاشف أستار الحقائق والدقائق، نور العلم البارق في المغارب والمشارق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر ابن محمد الصادق.

اللهم صلِّ على شجرة طوبى المحامد والمكارم، وبيت قصيد الكرامات والمراحم، وعنوان صحيفة الأكابر والأعاظم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى ابن جعفر الكاظم.

اللهم صلِّ على قبس الطور الذي أشرق وأضا، وطبق بأنوار فضله الخافقين والفضا، ومبين طرائق العدل والقضا الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي ابن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على ناشر علوم الأباء والأجداد، وقامع أهل اللجاجة والعناد، كعبة الوفاد لكل غاية ومراد الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد ابن علي الجواد.

اللهم صلِّ على النورين الأنورين، والقمرين الأزهرين، إمامي الحرمين وسيدي المشعرين، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي ابن محمد ونجله الإمام بالنص أبي محمد الحسن العسكريين.

اللهم صلِّ على وارث الأسرار المحمدية، المرتجى لبعث الأمة الإسلامية، ونشر الشريعة المصطفوية، وإزاحة الظلم عن وجه الوطية الشجرة الزيتونة التي ليست بشرقية ولا غربية، ذي الوجه الأنور، والنور الأزهر الإمام بالنص مولانا المهدي الحجة ابن الحسن المنتظر.

عجل الله له الفرج، وسهل له المخرج، وأزال به الرتج، واوضح به المنهج، وجعلنا من المعدودين لنصرته، والمشمولين بدعوته، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.

إن أحسن ما ختم به الكلام، وعمل بموجبه ذووا النهى من الأنام كلام الملك العلام أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

.بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[6].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين إنه غفور رحيم.


[1]  سورة التوبة: 119

[2]  الفتح: من الآية11

[3]  هود: 15

[4]  من أدعية الإمام زين العابدين – من تعقيب صلاة الفجر بحار الأنوار – ج84 ص325 – العلامة المجلسي

[5]  سورة العصر

[6]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *