الجمعة 11 شعبان 1420هـ المصادف 19 تشرين الثاني 1999م

(الاستقامة)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ذي الحكمة الباهرة، والسلطنة القاهرة، والجبروت التي تخرّ لها الجباه ذاخرة، الظاهر بعجائب قدرته، والباطن بجلال عزته، المحيط علمُه بما فوق العرش وما تحت الثرى، والمطّلع على ما توسوس به النفوس في الخفاء، يعلم دبيب النملة الخرساء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.

نحمده سبحانه على أن فطر عقولنا على معرفته، وعمَر قلوبنا بعقيدة توحيده ومحبته، وألهمنا معرفة ما يقربنا من حضرته، وتميِيز ما يجلب لنا غضبه ونقمته، ونشكره تعالى على خفيِّ لطفه بنا وحفيّ بره وكرامته، حيث جعل لنا من أوليائه من يقوم بيننا بحجته، وينذرنا من بأسه ومؤاخذته، ونعوذ به سبحانه من شرِّ أنفسنا وميْلِها لمغرِيات الهوى، ومضادّات الهدى، وتصديقها الشيطان واستماع وسوسته.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، الغفور الودود، الذي منه تبدأ الأمور وإليه تعود، ومنه الصدور وإليه الورود، وهو ذو العطاء المحمود، والغطاء الممدود، والفضل الموعود، والذي نطمع أن يغفر لنا خطايانا يوم الورود.

ونشهد أنّ محمدا صلى الله عليه وآله ناشرُ ألوية الرسالة ورائدها، وخاتم صحائف النبوة ومعتمدها، وموضّح طرق الهداية ومعبدها، وهازم جيوش الضلالة ومبددها، وكاشف زيف الغواية ومفنّدها.

صلى الله عليه وآله المتسنّمين ذرى الإيالة، والراكبين متون البسالة، القادحين شهب الدلالة، والكاشفين غسق الجهالة، خلفاء الرحمن، وشركاء القرآن، وشفعاء دار الأمن والأمان، صلاةً دائمة مدى الأزمان، مضمّخة بالورد والعنبر والريحان.

عباد الله, أوصيكم وأبدأ قبلكم بنفسي الأمارة بتقوى الله سبحانه ومراقبته، وخشيته، والحذر من المؤاخذة يوم لقائه، فمن لم يرقبِ الله سبحانه في صغائر الأمور، لم تسلم له كبارُها، ومن لم يخشى الله في المحقَّرات من الذنوب لم ترتدع نفسه من الوقوع في عظائمها. 

وعليكم بالإستقامة، فإن الإستقامة هي معاد المتقين، بل هي عماد اليقين، فمنِ استقام على ما يعلم أنه يرضي رب العالمين، سار على الصراط السوي الذي يوصله إلى بُحبوحة الرضوان، ومن لم يستقم كما أمره الله سبحانه، ومال مع الهوى ذات اليمين وذات الشمال لم يستطع أن يثبت على الصراط المستقيم، وتخطفته الشياطين، وحُشر يوم العَرض مع المجرمين، وأضحى يومئذ من النادمين.

عباد الله, إن الإستقامة هي لزوم الجادّة الوسطى, وتجنّب حافتَي الإفراط والتفريط، يقول أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: “اليمين والشمال مضلة والطريق الوسطى هي الجادة”[1]، وإنما يحصل التِيه والضياع في طرق البر والبحر بالمَيل عن الطريق الأعظم وهو الطريق المعهود بوضوحه، إلى أحَدِ الجانبين، فكذلك في أمر الدين إنما يحصل الضلال والضياع بعدم الإستقامة على الجادة الوسطى، المأمونة العواقب، والميلِ إلى ذات اليمين واليسار، وذلك يَحصل لأسبابٍ كثيرة ومتعددة تَعود في معظمها أو ربما في جميعها إلى أصلٍ واحد هو اتباع الهوى، والرغبة في التميُّز، فتجد أصحاب هذه النّزعات قد يصِلون في ضلالهم إلى حدِّ الإبداع في الدين والكِذب على الله والرسول صلى الله عليه وآله من أجل أن تلتفّ الناس بهم وتنقاد العامّة إليهم.

انظروا مثلا أصحاب البدع كالذين يدعون المهديّة، أو الذين يدعون البابيّة والنيابة عن إمام العصر أرواحنا فداه, لماذا أقدموا على ذلك؟ ليس إلا  من أجل التميز والظهور والتفاف الناس عليهم وتقديسهم لهم، وهم لا شك يحصَلون من يصدقهم إما لكونه مِنَ الضعفاء، وإما لأنه يطمع أن ينال على  أيديهم منصبا أو مركزا ولو يكون رئيس جماعة أو قائد خلية مع ما يتمتع به بين أصحاب تلك البدعة من المقام الرفيع. 

وقد أصبحتم أيها الناس في زمن كثر فيه الميالون مع الهوى من جميع الشرائح، ولم يعُد ذلك محصورا على فئة دون فئة، وحتى تسابق كثيرٌ ممّن يُعرفُ بالعلم أو الفقه في هذا السبيل, فأخذوا يتبارَون في تجميع الأقوال الشاذة، بل يتسابقون في تبرير ما يرغب فيه الناس من الأمور وحتى حلّلوا المحرمات، وسهلوا للفسقة الصعوبات، وحتى وصل الحال ببعضهم أن يُنكر حجية سنة الرسول صلى الله عليه وآله ووجوب العمل بها، وفي هذا ذهاب الدين واندراس أحكامه، وكيف يمكن أن يستقيم الإسلام من دون حجية السنة المطهرة، حتى العبادات الضرورية كيف يمكن أخذ أحكامها من الكتاب وحدَه، من دون رجوعٍ إلى السنة النبوية، فهذه الصلاة التي هي عمود الدين كيف نأخذها بهذه الصورة عندما نلغي وجوب العمل بالسنة المطهرة، ألا نكون حينئذ مثل غيرنا من الأمم الذين لم يبق لهم مما جاءت به رسلهم حتى صورة الصلاة.

عباد الله, إن الفقيه حقَّ الفقيه الذي جوز لك الأئمةُ عليهم السلام تقليده واتباعه هو من يذكرك الآخرة, هو من يحذرك من عذاب الله، هو الذي يقول فيه الحسن العسكري عليه الصلاة والسلام: “فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه، مخالفا على هواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم؛ فأما من ركب من القبائح والفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا، فلا تقبلوا منهم عنا شيئا ولا كرامة”[2].

فانظر رحمك الله إلى قوله صائناً لنفسه, محافظا على دينه, مخالفا لهواه, مطيعا لأمر مولاه، كيف يكون صائنا لنفسه ومحافظا على دينه من يكون همّه جلب رضا الناس وخفق النعال من خلفه ولو بتحليل المحرمات، وتسهيل المكروهات، وما هي مراكب العامّة التي إذا ركبها الفقيه لا يصح اتباعه غير العمل بالآراء الهوائية والأدلة غير الشرعية، التي يبرِّر بها ما يرغبُ فيه الناس وخاصة الشباب منهم والضعفاء.

فاحذروا عباد الله, من الميل مع هذه الأهواء، والإنزلاق في مهاوي الردى,  واعلموا أن عمر الدنيا قصير, وأنّ ما تجنيه من لذتها لن يدوم لك, فاحذر أن ينقلب غصّة في حلقك غدا، يوم لا ينفع الندم، وقد زلّت القدم، وجرى بما اختُرته لنفسك القلم.

جمعنا الله وإياكم على الهدى، وجنّبنا معكم سقطات الردى، ووفقنا جميعاً للتمسك بالعروة الوثقى، والإستقامة على الجادة الوسطى, إنه سميع مجيب.

إن خير ما ذكّر به خطيب، ووعظ به أديب، كلام الله الرقيب الحسيب، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[3].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم, والبر الكريم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي بطن فخبَر، وملك فقهَر، وعلم فستر، وعُصِي فغفَر، المتملك بقوته، والمتعزز بقدرته، والمتفرد بعزّته، والرؤوف برحمته، لا يُخشى عليه الفوات، ولا يُغيّره مرور الأوقات، ولا تختلف عليه الحالات، وهو خالق الموت والحياة.

نحمده سبحانه وهو الغنيُّ عن حمد الحامدين، ونشكره تعالى وهو المتكرم بالتوفيق للشاكرين، ونستهديه للإلتزام بما شرَع لنا من الدين، ونسترشده العمل بشريعة سيد المرسلين، ونعوذ به من وسوسة الشياطين، ونسأله الرحمة والمغفرة يوم الدين.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له, شهادة إيمانٌ تُلحقنا بالموقنين، وإخلاصٍ له في التوحيد يجمعنا مع المذعنين، ونبراس في الإعتقاد يُبعدنا عن الإجتماع مع الملحدين.

ونشهد أنّ محمّدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، أرسله وأعلام الهدى ناكسَة، وراياتُ الحق دامسة، ومناهج الدين طامسة، فأعلن دعوة الحق، ونصح للخلق، ودعا إلى الرشاد، وقاد الناس إلى طريق الهداية والسداد، حتى ظهر أمرُ الله وانتشر الدين القيم على الدين كله ولو كره الكافرون.

صلى الله عليه وآله بدور الإيمان، وعُدلاء القرآن، والحجة من الله على الإنس والجانّ، الذين بموالاتهم يكمُل الإيمان، وبمتابعتهم تُكتسب الجنان.

عباد الله, أوصيكم وإيّاي بتقوى الله سبحانه الذي عليه الإعتماد، وإليه المعاد، فمن تَنَكَّب طريق التقوى وَحَاد، تاهت به الجواد، وارتطم في عمليتَي الفساد والإفساد، وتضليل العباد، فأقلعوا عن المخالفة والعناد، وأصلحوا مع الله النيات, ونسقوا وفق شرعه العبادات، وابتعدوا عَن مساويء العادات، وخذوا بالجدِّ في أودية السعادات، لتفوزوا غدا بأفضل الدرجات, وأرفع الكرامات، سيّما في مثل هذه الأوقات، التي هي للخيرات مواسم وميقات, والمحفوفة من الملك العلام بالفيض والإكرام، فعن سيد البشر, وشفيع يوم المحشر أنه قال عن شعبان: “شهر شريف وهو شهري، وحملة العرش تعظمه وتعرف حقه، وهو شهر تزاد فيه أرزاق المؤمنين لشهر رمضان، وتزين فيه الجنان، وإنما سمي شعبان لأنه يتشعب فيه أرزاق المؤمنين، وهو شهر العمل فيه مضاعف: الحسنة فيه بسبعين، والسيئة محطوطة والذنب مغفور، والحسنة مقبولة، الجبّار جل جلاله ينظر إلى صُوامه وقوامه فيباهي بهم حملة العرش”[4]، إلى غير ذلك من الروايات الواردة في الحثِّ على اتخاذ هذا الشهر الشريف موسِماً للأعمال الصالحة وتجديد التوبة, والإقلاع فيه من الحوبة، فما أسعد من سارع إلى عمل الخير فيه وبادر، وأخذ فيه بالحظّ الأوفر، وحاز من فضائله واستكثر، سيّما في مثل هذا اليوم السعيد، والعيد المجيد، الذي جعله الله مشحوناً بنفائس المَزيد، وموسما للتحميد والتمجيد، وطريقا للعروج إلى عرشه المجيد، بالإكثار من أفضل وظائفه, واجزل طرائفه، وهو الصلاة على حجَّاب  قدسه, المعصومين من شوائب الدنس ورجسه، والمطهّرين من وصمة النقص ولَبسه، محمد وآله أفضل من خلق الله من جنه وإنسه.

اللهم صلِّ على لولب الرسالة، وكوكب الإيالة, الذي لا تصلح إلا له، سيد الرسل بلا كذِب، النبي الأمي العربي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب.

اللهم صلِّ على من في ليلة الغار بنفسه فداه، وفي علوِّ الفَخار ساواه، وفي جهاد الكفار يوم ولّى القوم الأدبار واساه، فلِذا اجتباه وآخاه، وقال عنه يوم الغدير: “من كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه”[5]، سيفك الضارب, وسهمك الصائب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على البضعة المحمدية، والمُضغة الأحمدية، ذات الأحزان السرمدية، والإشجان الأبدية، أمِّ الأئمة النجباء, وخامسة أصحاب العباء, البتول النوراء, أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على الفرخَين الأزهرين، والقمرَين الأنورَين، سبطَي الرحمة؟, وشفيعي الأمة, وسيدي شباب أهل الجنة، المظلومين المستشهدين, الإمام بالنص أبي محمد الحسن وأخيه الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.

اللهم صلِّ على إمام الزهّاد، وقائد أهل الحق والرشاد، ومُعبِّد طرق التلاوة والأوراد، ضياء محاريب المخبتين، ومصباح ليل المتهجدين, الإمام بالنّص أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّ على كنز العلوم الربانية، وناشر المعارف السبحانية، ذي الشرف والمفاخر، الذي ليس له في عصره مُفاخر, الإمام بالنص أبي جعفر الأول محمد بن علي الباقر.

اللهم صلِّ على مهبط الفيوضات القدسية، ومحطِّ الواردات الإنسية، النور الشعشعاني البارق، ولسانك الناطق إلى كافة الخلائق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق.

اللهم صلِّ على صدر جريد الأعاظم، وعنوان صحيفة الأكارم، العالِم بكل ما حوته العوالم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم.

اللهم صلِّ على ممهِّد قواعد الدين، ومُخرس شقاشق المبطلين،الذي بهر ببرهانه العقول، وأذعن بفضله من ذوي العلم والمعرفة الفحول، الرضيِّ المرتضى, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على منبع عين الحياة، وربّان سفينة الهدى والنجاة، الذي تعنُو له الوفّاد من كل واد، الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد.

اللهم صلِّ على متسنِّم ذروة الشرف والمعالي، والنازل في قِباب المجد بالمنزل العالي، غياث الصادي وضياء النادي, أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي.

اللهم صلِّ على نَوْرِ حديقة المتقين، ومركز كرة الحق واليقين، ومُفِيض معاني الكتاب المبين، السيد السري والعالم العبقري، الإمام بالنص أبي المهدي الحسن بن عليٍ العسكري.

اللهم صلِّ على موضِّحِ الحجّة، والمنقذ من غِمار هذه اللجة، الجواد الذي لا يكبو, والصارم الذي لا ينبو, الموعود بالفتح والظفر، الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن الحجة المنتظر.

عجّل الله له الفرج، وفتح به الرُتج، وأوضح به المنهج، وأقام به المُعوجّ، وجعلنا من المجيبين لنصرته، والملبين لدعوته، والمبادرين لخدمته، إنه سميع مجيب.

إن خير ما تَلاه التالون، وعمل بهديه المتقون, كلام من يقول للشيء كن فيكون، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[6]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفور رحيم, وتوابٌ حليم.


[1]  بحار الأنوار – ج29 ص585 – العلامة المجلسي

[2]  بحار الأنوار – ج2 ص88 – العلامة المجلسي

[3]  سورة العصر

[4]  بحار الأنوار – ج94 – ص690 – العلامة المجلسي

[5]  الكافي – ج1 – ص420 – الشيخ الكليني

[6]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *