الجمعة 02 رمضان 1420هـ المصادف 10 كانون الأول 1999م

(استقبال شهر رمضان)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله ذي الآلاء المترادفة التي لا حصر لها ولا عد, والنعماء المتواترة التي لا نهاية لها ولا حد, والمنن العظام التي لا يحيط بمعرفتها فائق الأفهام, ولا يحصي عدد معشارها ولو تفرغ لذلك الملائكة العظام, وأردفتهم في ذلك الجِّنة والأنام, ومن مننه العظام, تشريعه للصيام في شهر رمضان الذي نسبه سبحانه إلى نفسه زيادةً في العناية به وتأكيداً لما في هذا التشريع من الامتنان, يفتح فيه أبواب الجنان, ويوحي فيه إلى رضوان بإعداد خُلع المغفرة والرضوان, ويغلق فيه أبواب النيران, وينصب فيه موائد جوده وإفضاله, ويبسط فيه بساط عوائده وعطائه, جعله تعالى بفضله وكرمه كفارةً لما يرتكب العبد من الذنوب طيلة أيام السنة, بكف الجوارح والألسنة, فسبحانه من كريمٍ لا يدرك لكرمه غاية, وسبحانه من لطيفٍ لا يعلم للطفه نهاية.

نحمده سبحانه على جليل مننه ومواهبه, ونشكره على الهداية لمعرفة طرائقه ومذاهبه, ونتضرع إليه في التوفيق للقيام بواجب صيامه وقيامه, والمداومة على تلاوة آياته في لياليه وأيامه, ونستميحه العصمة من جرائره وإجرامه, والسلامة من خطاياه وآثامه.

ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له, تقدس عن الاتحاد بما نسبه إليه ذوو الإلحاد, وتعالى عن الاستعانة بمن سواه من العباد, وتنزه عن الشركاء والأضداد, وجلَّ عن اتخاذ الصاحبة والأولاد.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي اصطفاه, ونجيه الذي ارتضاه, وحبيبه الذي قربه وأدناه, ورسوله الذي رفع قدره وأعلاه, صدع بالإنذار وبالغ في الإعذار, وأوضح لطالب الحق المنار, وقطع بحجته الأعذار.

صلى الله عليه وعلى آله الأئمة الأطهار, المنتجبين الأخيار, حملة الأسفار, وشفعاء دار القرار, وأمناء الملك الجبار, صلاةً دائمةً ما عاقب الليل النهار, وغرد قُمريٌ على الأشجار.

عباد الله أوصيكم بادئاً بنفسي الأمارة قبلكم بمراقبة الله سبحانه في صغير الأمور وكبيرها, والنظر إلى ما يقربكم إليه من الأعمال الصالحة والمداومة عليها, وأحذركم ونفسي الجانية من نزع قلادة التكليف الشرعي من أعناقكم, والركون إلى الأماني, وتسويف التوبة، فإن عاقبة ذلك هو الخسران المبين, واعلموا أن كل شيءٍ في هذه الحياة إذا أفسدتموه يمكنكم تداركه, وأما ما يفوت من أمر الآخرة فلا يمكن إصلاحه بعد الوصول إليها, لأنك في آخرتك تحصد ما زرعته في دنياك, فالدنيا دار العمل ومحل الزرع والتبضع والمتاجرة, والآخرة هي بيت الاستقرار ومحل الحصاد, ولن يحصد الإنسان إلا ما قدمت يداه. 

عباد الله إنكم في بدايات شهرٍ جعله الله سبحانه باباً من أبواب رحمته, فيه تفتح أبواب الجنان, وتغلق فيه أبواب النيران, شهرٌ تضاعف فيه الأعمال, وتقبل فيه الحسنات, شهرٌ يعفو الله فيه عن المسيئين, ويتجاوز فيه عن المخطئين, شهرٌ قال عنه رسول الله صلى الله عليه وآله: “إن شهركم هذا ليس كالشهور إذا أقبل إليكم أقبل بالبركة والرحمة, وإذا أدبر عنكم أدبر بغفران الذنوب، هذا شهرٌ الحسناتُ فيه مُضاعفة وأعمال الخير فيه مقبولة ومن صلى منكم في هذا الشهر لله عز وجل ركعتين يتطوع بهما غفر الله له”[1], ثم قال صلى الله عليه وآله: “الشقي حق الشقي من خرج عنه هذا الشهر ولم تغفر ذنوبه, فحينئذ يخسر حيث يفوز المحسنون بجوائز الرب الكريم”[2].

عباد الله إن هذا الشهر كما تضاعف فيه الحسنات للعاملين تشدد فيه السيئات على المتجرئين, الذين لم يرعوا حرمته, ولم يقوموا بوظائفه, ولم يعطوه حقه من التوقير, فاتخذوا هذا الموسم الجليل سوقاً تتاجرون فيها مع الرب الكريم الذي يعطي الكثير من الأجر بالقليل من العمل, فتتبعوا ما يرضيه من أعمال البر والخير فأْتوا بها كل بحسب قدرته, ومن أهم هذه الأعمال أن يسعى الإنسان بالصلاح في هذه الأرض, فاعملوا على لم شمل المؤمنين, وجمع كلمتهم بإشاعة الكلمة الطيبة بينهم, بتفريغ قلوبهم ونفوسهم مما حُمِّلت من الأحقاد بعضهم على بعض, فالسعي بين المؤمنين إذا كان بالخير والصلاح والعمل على الإصلاح ولم الشمل ورص الصف, ومحاربة الفرقة, ودفناً للفاحشة كان من أعظم الأعمال المكسبة للثواب عند الملك العلام سبحانه وتعالى, فإنه يقول في كتابه المجيد: ]مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً[[3]؛ فالسعي بين المؤمنين بالكلمة الطيبة التي تستل السخيمة من النفوس, وتطهر القلوب من الحقد, وتطمئن الأفئدة إلى الوئام, عملٌ مجيدٌ لا ينساه الله ولا يهمله, بل يرفع درجة صاحبه ويتجاوز عن كثيرٍ من زلاته وأخطائه, مقابل ما قام به من العمل المجيد, حيث أحل الحب محل البغض, والوحدة بدل الشقاق والاختلاف, والسلام والأخوة بين المؤمنين عوض الخصومة والعداوة, والوئام بدل المشاجرة والتفرق، والسلام والاطمئنان بدل الخوف والترقب، مثل هذا العمل يمحو كثيراً من الذنوب والسيئات لأن الحق جلَّ شأنه يقول: ]إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات[[4]؛ وليس هناك عملٌ أعظم من أن يجمع الإنسان بين قلبين مؤمنين على الحب في الله سبحانه وتعالى، ولا شك أن هذا العمل في شهر رمضان يكون ثوابه عند الله مضاعفا, لأنه سبحانه يضاعف في هذا الشهر للعاملين. وبعكس هذا العمل المجيد من عمل على نشر الفرقة بين المؤمنين, وبث البغضاء في قلوب بعضهم على بعض وتشتت جمعهم, وجعلهم شراذم تلهو عن عدوها بحرب بعضها بعضا, بما يقوم به من نشر الفتنة, وإشاعة الحقد بالنميمة والبهتان والغيبة فإنه يكون هو الشقي الذي يخرج هذا الشهر الكريم عنه وقد تضاعفت سيئاته, وخسرت صفقته, بدل أن تغفر له الذنوب. فاتقوا الله عباد الله وأصلحوا ذات بينكم, وصلوا أرحامكم, وتوبوا إلى الله مولاكم لعلكم ترحمون.

جعلنا الله وإياكم من الفائزين في هذا الشهر الشريف بغفران الذنوب وستر العيوب والفوز بالمحبوب, وجنبنا معكم مزالق الشيطان، والإصرار على العصيان، ومخالفة الرحمن، إنه بنا رؤوفٌ رحيم.

إن أبلغ ما استن بهديه المتقون، كلام من يقول للشيء كن فيكون، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم

]الْقَارِعَةُ & مَا الْقَارِعَةُ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ & يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ & وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ & فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ & فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ & وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ & فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ & نَارٌ حَامِيَةٌ[[5].

وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيم وتوابٌ حليم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله يرفع درجات العاملين, ويجزل الثواب للمتقين, وينير الطريق للمتوسمين, ويكشف الضر عن المتوكلين, ويدفع السوء عن الصابرين, ويظهر زيف المضلين, الذي محق غسق الجهالة بنور دلالته, وأوضح طرق الدراية بشمس هدايته, فنجى من اتبع آياته وبينته, وهلك من أصر على عناده ومخالفته, فسبحانه لا إله إلا هو ما أعظم شأنه, وما أوضح بيانه, وما أتم برهانه, وما أبلغ حجته, وما أبلج طريقته.

نحمده سبحانه على ما خصنا به دون سائر الأمم, من جزيل هذه النعم, وجميل هذا الكرم, حمداً يُحطُ به عنا كبائرُ الذنوب واللمم, وينقذنا من ذات اللهب والحمم, ويجعلنا ممن لا يصيبهم نصبٌ ولا ألم.

ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له ذو العز الشامخ والكمال, والملك الباذخ والجلال, شهادةً تضاعف بها لنا الأعمال, وتفك بها عن رقابنا الأغلال, وتجعلنا من جيرة النبي محمدٍ والمعصومين من الآل.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله, الذي أخذ على كافة الأنبياء ميثاقه, وأكد عليهم نصرته ووفاقه, ونسخ بدينه جميع الشرائع والأديان, وأظهر برهانه على كل برهان.

صلى الله عليه وآله الذين هم ولاة عهده, والأئمة من بعده, خلفاؤه على دينه, وشركاؤه في يقينه, أولئك هم صفوة الملك العلام, وزعماء الإسلام, ومفاتيح دار السلام، ]أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[[6].

عباد الله اتقوا ربكم الذي إليه المآل, وتعرض عليه الأعمال, في يومٍ لا يغني فيه عن الإنسان ولدٌ ولا مال, فاحذروا غضبه الذي لا تتحمله السبع الشداد, وبأسه الذي دمر ثمود وعاد, فإن عذابه أليم, وعقابه عظيم, نارٌ متوقدٌ سعيرها, متغيظٌ زفيرها, قعرها بعيد, وقيودها حديد, وشرابها صديد, ويقال لها هل امتلأت فتقول هل من مزيد, فيا أيها الإنسان المغرور, انهض من غفوة الغرور, وحرر نفسك من الوهم والزور, ما دمت جالساً في البيوت والقصور, قبل أن تنقضي من عمرك الأيام والشهور, وخذ لنفسك الأُهبة لما أنت مقدمٌ عليه من السفر, فعن قليلٍ ستصبح عبرةً لمن اعتبر, وتنقل من قصورك وسررك وفرشك لتدفن في حفرةٍ من الحفر, ولن ينقلوا معك من ما جمعت شيئاً قل أو كثر, ليس لك من خلانك أنيس, ولا من رفقائك جليس, ولن يرافقك في تلك القفار الموحشة إلا عملك الذي قدمت, وسعيك الذي سعيت, فاجتهد أن يكون رفيقك في دار غربتك مؤنساً لا ضبعاً مفترسا.

فرحم الله أمرؤً كابر هواه, وكذب مناه, وراقب ربه, وتنكب ذنبه, سيما في هذا الشهر الذي ليس هو كسائر الأزمان والشهور, بل هو بالعفو والغفران مشهور, الأعمال الصالحة فيه راجحة, والمتاجرة مع الله فيه رابحة, فالسعي مشكور, والذنب مغفور, فطوبى لمن عفر فيه خده وجبينه, وملأ أسحاره ببكائه وأنينه, قد طوى مهاده, وهجر وساده, وقام منتصباً على أطرافه, داخلاً في أعطافه, قد اشتدت من الله رهبته, وعظمت فيما عنده رغبته.

ألا إن يومكم هذا من الأيام التي خصكم بها رب العباد, وكرمكم به الكريم الجواد, فاعرفوا قدره, وأكثروا شكره, واشحنوا صحائف الأعمال بالصالح من الأفعال والأقوال, سيما الصلاة على شفعاء دار المآل, محمدٍ والطيبين من الآل, عليهم صلاة ذي الجلال.

اللهم صلِّ على من بدأت بالصلاة عليه بنفسك, وندبت إلى الصلاة عليه كافة ملائكتك وأنسك وجنك, وخصصته بالقرب من حضرة قربك، رسولك العربي المؤيد, ونبيك الصادق المسدد، أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على كنز العلوم والمناقب، المشحون بلآلئ المفاخر والمطالب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على يتيمة عقد الشرف بلا امتراء, بضعة الرسول النوراء، والصديقة البتول العذراء، أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على البدرين الأنورين، والنجمين الأزهرين، السيدين السندين، والكهفين المعتمدين، الإمامين بالنص أبي محمدٍ الحسن وأخيه أبي عبد الله الشهيد الحسين.

الله صلِّ على زين العباد, ومصابح العُبَّاد، المعلم لطرائق الأوراد، الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين السجاد.

اللهم صلِّ على المتوج بتاج المفاخر, البحر الزاخر باللآلئ والجواهر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على النور البارق في ديجور الجهل الغاسق, واللسان الصادق في بيان الحقائق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على المجلي في حلبة المكارم بلا مزاحم, عنوان صحيفة الأكابر والأعاظم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على صاحب الفصل والقضاء, وذي الفضائل التي غصت بها فجاج الأرض والفضاء، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على أفضل من تكرم وجاد, ناهج سبل الرشد والسداد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على ضياء النادي، ومغيث المنادي، وموئل الحاضر والبادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.

اللهم صلِّ على الليث الجري, والسيد السري, الطالع شرفاً على الزهرة والمشتري، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.

اللهم صلِّ على محيي شرائع النبي الأمين, وناشر طرق المرسلين, ومبير الطغاة والكافرين, وقامع أهل الفجور والملحدين، المؤيد بالنصر المؤزر، مولانا المهدي بن الحسن المنتظر.

عجل الله تعالى فرجه وسهل مخرجه, وجعلنا من شيعته, المنتظرين لطلعته, المستعدين لخدمته، إنه سميعٌ مجيب.

إن أشرف خطابٍ بالإجماع, وأبلغ ما وعته الأذهان والأسماع، كلام الله الملك المطاع، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[7].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفورٌ رحيم.


[1]  فضائل الأشهر الثلاثة – ص73 – الشيخ الصدوق

[2]  وسائل الشيعة (آل البيت) – ج10 – ص313 – الحر العاملي

[3]  سورة النساء: 85

[4]  هود: من الآية114

[5]  سورة القارعة

[6]  سورة البقرة: 157

[7]  سورة النحل: 90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *