الجمعة 6 شوال 1417هـ المصادف 14 شباط 1997م

(مواعظ مختلفة)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، وأفاض من حكمته على من اتبع هداه فأناب، وأوضح لذوي البصائر طرق السلامة والصواب، وفتح لعباده أبواب الهداية والرشاد، وأنار لقاصدي الخير سبل الإصابة والسداد، فميزوا بين منطق دعاة الصلاح ومنطق مريدي الإفساد.

أحمده سبحانه في السرَّاء والضرَّاء، وأشكره في حالتي الشدة والرخاء، وألتزم بشريعته وإن عم البلاء، وأقتفي أثار أوليائه وإن طم الابتلاء، وأعتمد حراسته جل ذكره في النجاة من تهديد الجهلاء، وأستدفعه تعالى غائلة ما يبيت الأعداء، وأستكفيه شر ما أبرم من القضاء.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له المطلع على ما تكنه الصدور، الذي لا تحجب دونه الستور، ولا يواري عنه الديجور، وهو الحكم العدل الذي لا يجور.

وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الصابر على نوائب الدهر وأهواله، وحبيبه الراضي بما قُدِّر عليه من الأذية في نفسه وآله، ونجيه الصادع بما حمَّله من الرسالة، ونبيه المكافح في إزالة مراسم الضلالة، القائم بين عباد الله بشئون الهداية، العامل على إنقاذ الناس من الغواية.

صلى الله عليه وآله الأئمة الأطهار، الحكماء الأبرار، الذين صبروا على ما نالهم من الأشرار، ولم يُثنهم عن طريق الرشد ما يلفقه حملة الأوزار، صلاةً دائمةً ما عاقب الليل النهار.

أيها المؤمنون الأبرار، والأتقياء الأخيار، وفقني الله وإياكم لاتباع هدايته، وجعلنا جميعاً ممن التزم بأحكامه وشريعته، وأخلص له في علنه وسريرته، وأسلس قياده لنبيه وأئمته، أوصيكم ونفسي قبلكم بالتدثر بلباس الخوف من مؤاخذته، والتدرع بمدارع الاتقاء من عقوبته ونقمته، والعمل على نيل جواز الدخول إلى دار رضاه وكرامته، والتنعم هناك بما أعده للطائعين في جنته، فجاهدوا أنفسكم على الصبر على طاعته، والمداومة على عبادته، ووطنوها على الكف عن معصيته، وكافحوا فيها إغراءات الشيطان ووسوسته، وتلبيسه لها القبائح بالحسن بحيلته، ولا تنساقوا مع الأهواء فتضلوا عن طريقته، ]أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ[[1].

عباد الله, اقتلعوا حب الدنيا من قلوبكم، ولا ترنوا لزينتها بأعينكم، وطهروا من الرغبة في العلو فيها أنفسكم، ولا تشغلوا بالتفكير في نيل مناصبها عقولكم، تفوزوا بالمجد عند خالقكم، وتحظوا برفيع المقام مع الخالدين، ]تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[[2].

عباد الله, ألا وإن الله سبحانه قد أقام الحجة عليكم، فبعث لكم الأنبياء والمرسلين، وجعل لكم الأئمة والمرشدين، وأنزل عليكم الكتاب نوراً للمستبصرين، ودليلاً للحائرين، ومرشداً للمدلجين، وختم النبوة بمحمدٍ صلى الله عليه وآله سيد المرسلين، الذي لم يأل جهداً في النصيحة لكم، ولم يقصِّر في إرشادكم، وبيان أحكام الله لكم، فما بقي بعد تبليغه صلى الله عليه وآله عذرٌ لمعتذر، ولا حجةٌ لمحتج أنه لم تبلغه أحكام الله سبحانه, فلا تتبعوا غير سبيله فتفترق بكم السبل عن منهجه، وتأخذكم الطرق إلى غير غايته، فقد أسفر الصبح لذي عينين، ]فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَ الضَّلالُ[[3], ]اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ & أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ[[4].

عباد الله, ألا وإن كل علمٍ ليس من كتاب الله فهو زخرف، وكل حقٍ ليس في كتاب الله فهو باطل، وكل حكمٍ ليس من كتاب الله فهو جور، وكل رأيٍ خالف كتاب الله فهو هوى، وكل دعوةٍ ليست للتمسك بهدي الله فهي ضلال. ]قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ[[5].

عباد الله, تمسكوا بآثار الصالحين، اقتدوا بهدي المعصومين، التزموا بشريعة سيد المرسلين، تذكروا أنكم للدنيا من المفارقين، ولنعيمها من التاركين، فاجتهدوا أن لا تكونوا في الآخرة من المغبونين، ]يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ[[6].

جعلنا الله وإياكم ممن بُصِّر فتبصر، وذُكِّر فتذكر، ونظر في أحوال الدنيا وأهلها فاعتبر بما فيها من العبر، ووفقنا جميعا لاقتفاء أثار المرسلين، والالتزام بأحكام الكتاب المبين، والعمل بسنة سيد المرسلين, ]إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ & نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ & نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ & وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ[[7].

إن أبلغ ما تلي على الأعواد، خاصةً في الجمعات والأعياد، كلام رب العباد، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[8].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والتواب الحليم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله بارئ النسم من العدم على الوجه الأتم، خالق الأرواح، ومنشئ الرياح، فالق الإصباح والصباح، لا تحويه الجهات والأقطار، ولا تدركه البصائر ولا الأبصار، اللطيف الذي لا يقاس بمقياسٍ ولا يُقدَّر بمقدار.

نحمده سبحانه على نعمه الغزار، وجوده المدرار، حمداً يرفع لنا لديه الأقدار، وتُبسط به الأنوار، وتُحط به الأوزار، ويطيب به الزار.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك القهار، العالم بخفايا الأسرار، المطلع على خبايا الأفكار، وما تجنه الصدور في الإيراد والإصدار، الشاهد لما يبيِّته الفجار من مكر الليل والنهار.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المختار، اللابس خلعة الاختيار، وآدم صلصالٌ كالفخار، ورسوله الذي رفع به لنا المنار، وأنقذنا به من لهيب النار.

صلى الله عليه وعلى ابن عمه الهزبر الكرار، صاحب ذي الفقار، ومن فداه ليلة الغار، حتى باهى به الملك الجبار ملائكته الأبرار، وعلى آلهما المعصومين من وصمة الدنس والأقذار، المستحفظين الكتب والأسرار, صلاةً مضمخةً بالورد والبهار.

أيها الإخوان التائهون في بيداء الآمال، المرتدون لحلل الإهمال، النائمون على سرر الأمان، الملتحفون بدثار الاطمئنان، أوصيكم وأبدأ بنفسي التي هي من أشد الملازمين لتلك الحال، السبَّاقة إلى معصية ذي الجلال، التائهة في أودية الغرور, المصدقة لأقوال الغرور، بالاستعداد ليوم المعاد، وما فيه من الأهوال الشداد، فالمسارعة المسارعة, قبل حلول القارعة, وما أدراك ما لقارعة، سَوْقٌ وسياق، وحسرةٌ وفراق، ونزعٌ وأنين، وبكاءٌ وحنين، وما بعده من القبر وضغطته، واللحد وظلمته، وهول المطلع وضيق المضجع، وسؤال منكرٍ ونكير، الذين من مقدمهما القلوب تطير، وما يعقب كل ذلك من أهوال المحشر، وما أدراك ما المحشر، أرض تغلي، شمس تصلي، ولسان ملجم، عرق مفعم، وترى الناس يومئذٍ بين مجرور ومسحوب، وآخر على وجهه مكبوب، يستغيث من الذنوب, وما جناه على نفسه من الحوب، فأنى لهذه النفوس الجزعة بالصبر على هذه النوائب، وكيف لهذه القلوب الهلعة بتحمل هاتيك المصائب.

أعاذنا الله وإياكم من هذه الأخطار، وأنجانا معكم من دخول النار، وحشرنا جميعاً في زمرة الأبرار، إنه هو الكريم الغفار.

ألا وإنكم في يومٍ أنار بدره، وشرف قدره، وهو يوم العيد والمزيد، فيه لله عتقاء وطلقاء من النار، ممن قام بواجب حقه العلي المنار، ألا وإن من جملة أعماله المأثورة، وأعظم مندوباته المبرورة، الصلاة والسلام على أرباب الكرم والجود، والعلة الغائية للوجود، محمدٍ وآله أقمار السعود، وأولياء الملك المعبود.

اللهم صلِّ على أشرف بني آدم، بل قطب سماء العالم، من لولاه لما خلقت الأفلاك، ولا أسجدت لأبيه آدم الأملاك، صاحب الوقار والسكينة، المدفون بأرض المدينة، يتيمة عقد الأشراف والأعاظم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم.

اللهم صلِّ على أخيه وخليفته المخصوص، المستغني بفضائله عن النصوص، شهاب الله الثاقب، وسيفه الضارب، ونوره المشرق لكل طالب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على المطهَّرة من الأرجاس، المعصومة من الأدناس، ذات الكبد الحرا, الحورية النورا، أم الحسنين فاطمة الزهرا.

اللهم صلِّ على سبطي الرحمة، شفيعي الأمة، سيدي شباب أهل الجنة، ومن حبهما من العذاب جُنَّة، إمامي الإنس والجِنَّة، شريفي الجدين، وكريمي العنصرين, الإمامين بالنص أبي محمدٍ الحسن وأخيه أبي عبد الله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ على مقدام العباد، وسيد أهل الرشاد، وموضِّح طرق الحق والسداد، الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين السجاد.

اللهم صلِّ على بحر العلم الزاخر، المشحون بنفائس الجواهر، وكنز الشرف الفاخر، المتربع على عرش المكارم والمآثر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على كاشف أستار الحقائق، ومقتنص الشوارد والدقائق، نور الله في المغارب والمشارق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على العالم بما حوته العوالم، مجدِّد المآثر النبوية والمراسم، ومشيِّد حصون المجد والمكارم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على قبس النور الذي أشرق وأضا, وطبَّق فضله الخافقين والفضا، شفيع الأمة يوم الفصل والقضا، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على ناشر راية الهداية والإرشاد، الخيرة من العباد، والذخيرة يوم المعاد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على سيد الحضر والبوادي، وناشر الحق في كل محفلٍ ونادي، السائرة فضائله في كل وادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.

اللهم صلِّ على السيد السري، والهمام العبقري، وارث المقام الحيدري، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.

اللهم صلِّ على البقية من العترة المصطفوية، المدَّخر لإزالة البلية عن الأمة المحمدية، صاحب الأخلاق النبوية، والشجاعة الحيدرية، شريك القرآن, وباهر البرهان، الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.

عجَّل الله تعالى فرجه، وسهَّل مخرجه، وبسط على وسيع الأرض منهجه، وثبتنا على القول بإمامته، ولقانا بركة دعوته، ووفقنا للقيام بنصرته، إنه حميدٌ مجيد.

إن أشرف ما جرت به الأقلام، وأفضل ما وُعظ به الأنام في كل مقام, كلام الملك العلام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[9].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه هو الغفور الرحيم.


[1]  سورة الجاثية:23

[2]  سورة القصص:83

[3]  سورة يونس: من الآية32

[4]  سورة الزمر:23/24

[5]  سورة يوسف:108

[6]  سورة الأعراف: من الآية79

[7]  سورة فصلت:30/31/32/33

[8]  سورة العصر

[9]  سورة النحل:90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *