الجمعة 18 ربيع الثاني 1418هـ المصادف 22 آب 1997م

(المداومة على عمل الخير)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله إيماناً بربوبيته، وتصديقاً بألوهيته، وبخوعاً لقدرته، واستسلاماً لعزته، وتزلفاً لحضرته، واستتماماً لنعمته، وطلباً لمثوبته، وفراراً من عقوبته، واعتصاماً بقوته، واعتماداً لحمايته، الذي فطر الخلق على التذلل لرفيع جلاله، ومنع العقول من التوغل في بديع جماله، وأعام واردة الأفهام في عباب كبريائه، وأتاه شاردة الأوهام في شعاب عليائه.

نحمده سبحانه على ما أسبغ من العطاء، وأسبل من الغطاء، ونشكره تعالى على ما أوضح من الدليل، وهدى من السبيل، وبعث لنا من الرسل الكرام، والأنبياء العظام، وأقام لنا من الأئمة الأعلام، ونهج لنا طريق الإسلام، ودعانا إلى دار السلام، والمحبة والوئام، والألفة والالتئام، والابتعاد عن الملحدين اللئام، الجاحدين لرب الجنة والأنام.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له في ملكه وملكوته، ولا معارض له في كبريائه وجبروته، الذي ذلت لسطوته الجبابرة، ودانت بعظمته الأكاسرة والقياصرة، لا يُعجله فوت فائت، ولا يبلغه نعت ناعت، ولا تواري دونه الأستار، ولا يُحتجب عنه بجدار، ولا يعزب عن علمه ما يجري في ليلٍ أو نهار.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الصادع برسالته نهياً وأمرا، البالغ في نشر لواء شرعه حثاً وزجرا، الداعي إلى الإيمان به براً وبحرا، المجاهد في سبيله سراً وجهرا، أرسله وبحر الانحراف جارفٌ كالتيار، ونار الفتن ترمي بالشرار، وتصطلم الأخيار فضلاً عن الأشرار، فقام صلى الله عليه بأعباء الرسالة، وبالغ في الهداية والدلالة، وخاض بنفسه المقدسة تلك النيران المضرمة، وكابد تلك الشدائد المؤلمة، حتى ثبت قواعد الدين على الطريقة المستقيمة، وأحكم بنيانه على المناهج السليمة.

صلى الله عليه وعلى آله الذين تبوَّأوا مكانه، وشيدوا بنيانه، وشدوا أركانه، فهم الأفلاك السائرة في اللجج الغامرة, والنجوم الزاهرة في النشأة الآخرة، ملوك الدنيا وشفعاء دار الآخرة.

عباد الله, أوصيكم ونفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه حق تقاته، والسعي في طلب مرضاته، والالتزام بأحكامه وتشريعاته، والمداومة على أعمال الخير, فإن قليل العمل الذي يداوم عليه الإنسان خيرٌ من كثير العمل الذي لا يستديم عليه، بل لا يؤثر العمل أثره في النفس فيردع عن المعصية ويحجب عن الشيطان حتى يستديم عليه فاعله، فإن الأعمال السلوكية متى ما تكررت وداوم عليها العبد أصبحت له من الملكات التي تنبعث عنه من دون تكلفٍ ولا تعمُّل، فيصبح الإنسان متخلقاً بأخلاق الله جلَّ وعلا التي أرادها لعباده، فيُكتب في ديوان المتقين الذاكرين.

وكذلك المعاصي إذا استدام المكلف في ارتكابها هانت على نفسه، ولم يحاسبه ضميره عند فعلها, فعندئذٍ تستولي عليه وتصبح له عادةً سهلةً لا يرى قبحها، ولا يشعر بالاشمئزاز منها، بل يتعجب ممن ينتقده بسببها، فتستحوذ على قلبه ظلمتها، ويتحول قلبه إلى مسكنٍ من مساكن الشيطان، قد عبق بنتن الخطايا، وتخرج منه الملائكة, يقول سبحانه وتعالى عن المداومة على ارتكاب الخطايا والذنوب: ]بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[[1], والكسب كما هو واضحٌ أنه نتيجة العمل, فلكل عملٍ يقوم به الإنسان, سواءً كان عمل خيرٍ أو عمل شرٍ نتيجةٌ تنتج عنه، وهذه النتيجة هي الكسب الذي يجنيه العامل من عمله. فنتيجة الأعمال الخيرية تكون من جنس تلك الأعمال, ملكاتٍ خيرية، وصفاتٍ ملكوتية، وأخلاقٍ رحمانية، أما الأعمال الشرية التي هي من وحي الشيطان وتزيينه فثمرتها لا تكون إلا من جنسها, ملكاتٍ رديئة، وعاداتٍ ذميمة، وأخلاقٍ إبليسية، من الحقد والطمع والشره والحسد والتكالب, وغير ذلك من نتائج الأعمال الشرية، ومن يزرع الشوك لا يمكن أن يجني منه العنب.

واعلم أيها الأخ المؤمن أن للنية والإخلاص لله سبحانه دخلٌ كبير في تصفية النفس وتهذيبها، فليس العبرة بالعمل أن يكون من جنس ما أمر الله به, كالصلاة والصوم والحج والصدقة وأمثالها، فإن هذه الأعمال ما لم تكن بقصد طاعة الله والتقرب إليه بها لا تعد من العبادات أو القربات، بل ربما تنقلب من المعاصي والسيئات، فلو صلى الإنسان بقصد أن يغتر به الجهال فيتخذونه إماماً ورئيساً وزعيماً قائدا, فهذه الصلاة لا تعد من العبادات في شيء, بل هي مصيدةٌ للناس, ووسيلةٌ من وسائل تحصيل الدنيا من غير حلها, فيحاسب يوم القيامة على فعلها, ويعاقب على القيام بها, لا أنه يثاب عليها.

فالعبرة بالعمل الذي يشعل النور في قلب صاحبه، كما في الحديث ما معناه أن الإنسان إذا عمل الحسنة نكت في قلبه نكتة بيضاء فلا تزال تكبر وتكبر حتى تعم القلب[2]؛ إنما هو العمل المأتي به عن إخلاص لله تعالى وتزلفاً لحضرته، فهذا العمل هو الذي يضيء ظلمات القبر، ويكون نوراً يسعى بين يديه في القيامة، وهو المخرج من حجة العلم.

فعوِّدوا أنفسكم رحمكم الله على فعل الخيرات, وأكثروا من المبرات، وداوموا على الطاعات، فلو كُشف للناس الغطاء, وعلموا ما هم مقدمون عليه, لما شغلوا أنفسهم بشيءٍ من أمور هذه الدنيا وإن كان مباحاً محللا.

وفقنا الله وإياكم لمراضيه, وجعل مستقبل كل منا خيراً من ماضيه، ونجانا معكم من مكر أعاديه، والوقوع في معاصيه, إنه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم.

إن خير ما تُلي على المنابر، ووُشِّحت به الكتب والدفاتر، كلام الله الملك الغافر، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ        

]الْقَارِعَةُ & مَا الْقَارِعَةُ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ & يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ & وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ & فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ & فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ & وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ & فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ & نَارٌ حَامِيَةٌ[[3].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم, والتواب الحليم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد, الذي لا من شيءٍ كان، ولا من شيءٍ كوَّن الأكوان، ليس بذي مقدارٍ فيُكال، ولا بذي حدٍ تضرب فيه الأمثال، قصرت عن نعوته تصاريف الصفات، وكلَّت دون صفاته تعابير اللغات، متكلمٌ لا بلهوات، ناطقٌ لا بحروفٍ وأدوات، حارت دون ملكوته عميقات الفكر، وانعكست عن النظر إلى جمال بهائه أشعة النظر.

فله الحمد كما ينبغي له على عميم النعم المتواترة، التي من أعظهما نصب الآيات الباهرة، العاصمة لذوي الألباب من غلبة الأوهام الخاطرة، ومن أتمها جعل الدلالات الظاهرة، وله الشكر على أياديه المتكاثرة، وآلائه المتضافرة، شكر مستزيدٍ من فيض دِيَم جوده الهامرة، ونسأله التوفيق لخير الدنيا والآخرة.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له أحسن الخالقين، وأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين. وضع بحكمته شرائع الدين، وأنزل برحمته الكتاب المبين، وأقام بلطفه البراهين، وحذَّر من اتباع الغاوين.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده الذي ظلله بالغمام، وبعثه رسولاً للخاص والعام، وفضَّله على من خلق من الملائكة والجِنَّة والأنام، وأنزل عليه شريعة الإسلام، وأمره بالدعوة إلى دار السلام، ومحل الاعزاز والإكرام.

ونصلى عليه وآله الكرام، الأئمة العظام، وخلفاء الملك العلام، وشفعاء دار السلام، القوامين على الإسلام، والمقربين عند الملك العلام، صلاةً تدوم بدوام الليالي والأيام.

أيها الإخوان النائمون على فرش الاطمئنان، الملتحفون بأردية الأمان، التائهون في صحارى الآمال، الراتعون في مراتع الإهمال، الناسون لما هم مقدمون عليه من الأهوال، التي تذوب لوقعها صمُّ الجبال، أوصيكم وأبدأ أولاً بنفسي التي هي أول تائقٍ إلى تلك الخلال، وسابقٍ إلى مخالفة ذي الجلال، بالاستعداد ليوم المعاد، وما فيه من الشدائد الشِداد، فالمسارعة المسارعة، قبل حلول الواقعة، وما أدراك ما الواقعة، سَوْقٌ وسياق، وحسرةٌ وفراق، ونزعٌ وأنين، وبكاءٌ وحنين، ثم ما يعقب ذلك من القبر وظلمته، واللحد وضغطته، وهول المطلع، وضيق المضجع، وسؤال منكرٍ ونكير، ثم القيام إلى المحشر، وما أدراك ما المحشر، لسانٌ ملجم, وعرقٌ مفعم، وشمسٌ تصلي، وأرضٌ تغلي، والناس بين مجرورٍ ومسحوب، وآخر على وجهه مكبوب, يستغيث من الذنوب، وما جناه على نفسه من الحوب، ونارٌ شديدٌ لهبها, عالٍ لجبها، شرابها صديد، وأصفادها حديد، وإذا قيل لها هل امتلئت قالت هل من مزيد.

فأنى لهذه النفوس الجزعة، والقلوب الهلعة بالصبر على هذه الأهوال، وتحمل ذلك الداء العضال، وكيف لهذا الجسم الذي تؤذيه الشمس بِحَرِّها، وتؤلمه البرودة بِقَرِّها، وهما أيسر برودةً وأهون حرارة، فكيف بنارٍ وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكةٌ غلاظٌ شداد، لا يرأفون بمن ألقي فيها من العباد.

أعاذنا الله وإياكم من النار، وحشرنا معكم في زمرة الأبرار، إنه هو الكريم الغفار، ألا وإنكم في يومٍ شرف قدره، وأنار بدره، لله فيه عتقاء وطلقاء من النار ممن قام بواجب حقه العلي المنار.

ألا وإن من جملة أعماله المأثورة، وأشرف أفعاله المبرورة، الصلاة والسلام على أرباب الكرم والجود، ومن هم العلة لكل موجود، محمدٍ وآله أقمار السعود، وأمناء الملك المعبود.

اللهم صلِّ على شجرة طوبى المكارم والإفضال، بل صورة حقيقة المجد والكمال، مشيِّد أساس الحق بعد اندراسه, ورافع علم الدين بعد انطماسه، سيد الأنبياء والمرسلين، والمبعوث رحمةً للعالمين, محمد بن عبد الله الصادق الأمين.

اللهم صلِّ على من قام بعده بأعباء الدين، وجذع معاطس المعاندين، وقاتل القاسطين والمارقين، المخصوص بالزهراء دون كل خاطب، المفضَّل عند النبي على جملة المتنسلين من لوي بن غالب, الإمام بالحق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على المدنَفة العليلة، والسيدة الجليلة، ذات الأحزان الطويلة في المدة القلية، البتول العذراء، أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على سيد المسلمين, ووارث أمير المؤمنين، المكابد لعداوة أهل الحقد والإحن, سبط النبي المؤتمن، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.

اللهم صلِّ على أسير الكربات، ورهين المصيبات، الممنوع من شرب ماء الفرات، المجدل على الصعيد، والمقطوع منه الوريد، الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين الشهيد.

اللهم صلِّ على النور المنبسط على العباد، مشيِّد قواعد الهداية والرشاد، ومهذب طرق الدراية والسداد، الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين السجاد.

اللهم صلِّ على كنز المفاخر، البحر الزاخر بنفائس الجواهر، باقر علوم الأوائل والأواخر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على سابق كل سابقٍ إلى كنوز المكارم والحقائق، والبحر الرائق بجواهر الدقائق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على من استعصى عدُّ ما عنده من المكارم على كل ناثرٍ وناظم، مفترض الطاعة على جميع العوالم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على من طبَّق بأنوار فضله الأرض والفضا، وتلألأ سنا نوره في سماء المجد أضا، الراضي بالقدر والقضا، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ جواد الأجواد، وربان سفينة النجاة والرشاد، المقتول بغياً على أيدي ذوي العناد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على ضياء النادي، وشفاء العليل الصادي، وذخر المؤمن يوم ينادي المنادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.

اللهم صلِّ على الكوكب الدري، والسيد السري، ومن إذا قامت سوق المكارم فغيره البائع وهو المشتري، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.

اللهم صلِّ على بقية البقية، ومنقذ البشرية من المظالم الدوية، وباسط العدالة الإلهية بين سكان الوطية، الآخذ بثار العترة النبوية، والناشر للسنن المحمدية، المحفوف بالنصر المؤزَّر، الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن المنتظر.

اللهم عجِّل له الفرج، وسهِّل له المخرج، واكشف به اللجج، وأحي به ما اندرس من المنهج، ووفقنا لنصرته، وأهلنا لخدمته، واكشف عنا السوء ببركته، إنك على كل شيءٍ قدير, وبالإجابة جدير.

إن أبلغ ما خُتم به مقال، وأفضل ما نظمت على وفقه الفعال، كلام الله المتعال, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[4].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات، إنه هو الغفور الرحيم.


[1] سورة المطففين: من الآية14

[2] “عن أبي جعفر ع قال: ما من عبد إلا وي قلبه نكتة بيضاء فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتى يغطي البياض، فإذا تغطى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً وهو قول الله عز وجل: كَلاَ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” الكافي – ج2 ص273 – الشيخ الكليني

[3]  سورة القارعة

[4]  سورة النحل:90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *