الجمعة 26 شعبان 1418هـ المصادف 26 كانون الأول 1997م
(الاستعداد لاستقبال شهر رمضان ومراجعة النفس)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي يسَّر السبل لفعل الخيرات، وفتح أبواب السعي لاكتساب الحسنات، وأنار طريق السالكين بإنزال الرسالات، وتفصيل مناهج الطاعات، ومهد معارج الرقي للموقنين حتى فازوا بأعلى الدرجات، وهدى المخلصين للطيِّب من القول فتمسكوا بما سنَّ من التشريعات، فهو سبحانه بفضله وتوفيقه تتم الصالحات، وتتحصل البركات.
نحمده سبحانه على ما أنعم به علينا من ضروب الخيرات، ونشكره تعالى على ما أفاضه علينا من رواشح البركات، ونسترشده للتمسك بشريعة خاتم النبوات، ونستهديه للسير على مناهج الأئمة الهداة، ونلوذ به جلَّ اسمه على ما تبيته زمر الفسقة والطغاة، ونستلهمه الصبر على الطاعة ومجاهدة النفس عن اتباع الأهواء والشهوات.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، بديع الأرض والسماوات، رفيع الدرجات، موجد الكائنات، مجزل العطايا ودافع البليات، غافر الذنب وقابل التوبات، ستار العيوب مقيل العثرات.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المصفى من الزلات، المعصوم من ارتكاب الخطيئات، ورسوله الداعي إلى مسالك الجنات، الذائد عن الوقوع في مهاوي الهلكات، الحاض على التحلي فأفضل الملكات، والتعود على أحسن الصفات.
صلى الله عليه وعلى آله المنتجبين الأبرار، المصطفين الأخيار، حجج الملك الجبار، وخلفاء الواحد القهار، صلاةً دائمةً بدوام الفلك الدوار، منقذةً من عذاب النار، مقربةً من الرب الجليل الغفار.
عباد الله, أوصيكم ونفسي التي بين جنبي، والتي هي أعز مخلوق علي قبلكم بتقوى الله سبحانه، والسعي لنيل رضاه وقربه، وأحذركم بادئاً بنفسي من الوقوع في حبائل الشيطان الرجيم، الذي ما برح منذ أن خلق الله أباكم آدم، وعلم أن خلفاء الله في الأرض سيكونون من ذريته يحقد عليكم وعليه، ويعمل على إبعادكم عن بارئكم، ويزين لكم سوء العمل، ويسهل لكم المعصية، حسداً منه أن تكون خلافة الله تعالى في بني آدم لا فيه وفي ذريته، فاتقوا الله وحاربوا عدوه وعدوكم، وتنبهوا إلى حيله وتزويقاته، واربئوا بأنفسكم عن تصديقه والقبول منه، واعلموا أنه لا نجاة لكم من حبائل إبليس إلا بالتمسك بحبل الله سبحانه وتعالى، والالتزام بتعليماته ووصاياه، فراقبوا الله سبحانه في كل صغيرةٍ من أعمالكم وكبيرة، وتدثروا بملاحف خوفه، وتدرعوا بلباس خشيته، فإن الله سبحانه ولي كل متق، ومن كان الله وليه فلا غالب له.
عباد الله, هذا شهر الله سبحانه شهر رمضان, الشهر الذي جعله الله رحمةً للمؤمنين، يضاعف فيه لهم الأعمال، ويحط عنهم فيه الآصار، ويقيل لهم فيه العثرات، وتتنزل عليهم فيه البركات، فيه تغلق أبواب النيران، وفيه تفتح أبواب الجنان، ها هو قد أوشك أن يهل علينا، ويحل في ربوعنا، ويقيم بين صفوفنا، فماذا أعددنا لاستقباله؟ وبأي أسلوبٍ ننوي أن نعامل ربنا فيه؟ هل سنستقبله بقلوبٍ يعمرها الإيمان، ويملأها التقوى؟ هل سنستقبله ونحن كما يحب الله لعباده المؤمنين، أخوةً متحابين في الله، متعاونين على تنفيذ أوامر الله, متلاحمين تحت راية لا إله إلا الله, داعين إلى المحبة والألفة والتواصل والتراحم كما أراد الله سبحانه لعباده المؤمنين؟ أم سنستقبله بنفوسٍ يملؤها الحقد وتعمرها البغضاء، وقلوبٍ قد أكلها الحسد، وألسنٍ فاعلةٍ للغيبة والبهتان، ناشرةٍ للشر داعيةٍ إلى الفرقة؟
عباد الله, دعونا نفكر في أنفسنا، دعونا نراجع مواقفنا من الله سبحانه في هذا الشهر الفضيل، هل سيكون موقفنا موقف العبد الطائع، المقلع عن الخطايا، المتنصل عن الذنوب الراجع إلى حضيرة الله، بدلا من الإصرار على مخالفته، وتبرير المعصية للنفس الأمارة، بصياغة أوصاف الخير للشرور والآثام، ونعت المعصية بنعوت بالطاعة، ووصف دعوة الشيطان ومفاهيمه بالحق؟ فقد رأينا ما حلَّ بنا جراء معصية الله، من نكباتٍ أتت على المحسن والمسيء منا، ومصائب شملت كل صغيرٍ وكبير، حتى سفل أمرنا، وضعفت كلمتنا، ووهن بين الناس شأننا، لأننا وضعنا أيدينا بأيدي أعدائنا، وخالفنا ربنا ودعونا بدعوة عدونا، ونبذنا شرعة الله التي آمنا بها واتبعنا السبل الأخرى فأدت بنا إلى الضياع، وتفرقت صفوفنا, وانتشرت البغضاء والعداوة بيننا.
عباد الله, أعدُّوا أنفسكم لاستقبال شهر الله سبحانه بقلوبٍ يملؤها حب الخير، ويحدوها حادي الإيمان على سلوك طرق الصلاح والإصلاح، فلتكن للوحدة تحت راية الإسلام دعوتنا، ولتطبيق شريعة الله عملنا، ولنبذ المعاصي والشقاق جهدنا, حتى يمنَّ الله علينا بالرضا, فيغير ما نحن فيه من سوء الحال الذي أصابنا بسبب أفعالنا, فإنه سبحانه وتعالى يقول: ]وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ[[1], فجعل سبحانه وتعالى الإيمان والتقوى سبباً لتنزيل البركات, والمعصية والابتعاد عن الله بتكذيبه سبباً للأخذ بالشدة والبأساء.
عباد الله, أحيوا شهر رمضان بصيام نهاره، وقيام ليله، وراجعوا فيه أنفسكم، واستغفروا فيه لذنوبكم، وتوبوا إلى الله سبحانه من كل معصيةٍ وخطيئة، استحلوا في هذا اشهر من كل من ظلمتموه، أو أسأتم إليه، واعفوا واصفحوا في هذا الشهر عن كل من ظلمكم، أو أساء إليكم، واسألوا الله العفو والمغفرة عن خطاياكم وذنوبكم، صلوا في هذا الشهر الأرحام، وأفشوا فيه السلام، وتعطفوا فيه على الفقراء والأيتام، وابذلوا فيه الطعام، واعلموا أن الله سبحانه وتعالى يضاعف في هذا الشهر الأعمال، ولكن كما تتضاعف الحسنات كذلك تشدد في السيئات، فاحذروا من ارتكاب المخالفات، وفعل المحظورات, سيما ما يحرق الأعمال كالغيبة والنميمة والبهتان، والسعي في التفرقة بين أهل الإيمان.
جعلنا الله وإياكم ممن يوفق لصيام هذا الشهر الشريف وقيامه، ويُلقَّى فيه كل خيرٍ ينزله الله على أحدٍ من خلقه، ونجانا الله وإياكم فيه من الغفلة والكسل، والرياء وسوء العمل، ونصرنا فيه على أنفسنا وعلى عدونا وأوليائه، إنه على ما يشاء قدير, وبالإجابة حريٌ جدير.
إن أبلغ المواعظ مواعظ الله، وأعظم النصائح نصائح الله, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[2].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه هو الغفور الرحيم والمنان الكريم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي تجلى لعباده فيما أبدع من غريب مخلوقاته، ودلَّ على وجوده وقدرته بعجائب مصنوعاته، فهو الظاهر لذوي البصائر من دون رؤيةٍ ولا إبصار، الباطن المتقدس بجبروته من أن يوصل إليه بغوص الفطن والأفكار، المتنزه عن أن تدرك ذاته نوافذ الأفهام والأنظار، ]لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ[[3].
نحمده سبحانه بجميع محامده، ونشكره تعالى على جوائزه وعوائده، ونستهديه لسلوك طرائق مقاصده، ونعوذ به من وسوسة الشيطان ومكائده، ونستكفيه شر كل خاترٍ لا يذكر الله عند تحقيق رغباته ومقاصده، ونلوذ بحماه وهو المستجار من صولة كل طاغٍ قد أحدَّ لنا سهامه وآلاته، ونستعينه على القيام بما ندبنا إليه من شرائف عباداته، وأمرنا به من وظائف طاعاته.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثاقب العقول على الاعتراف بألوهيته وربوبيته، وفاطر النفوس على إدراك وحدانيته وصمديته، وقاهر الألباب على الإذعان لقدرته وإحاطته، شهادةً تؤهلنا لمجاورته, وتقربنا من حضرته، وتؤنسنا بمناجاته ومحادثته.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المرسل, وحبيبه المفضل, الذي عليه الكتاب أنزل، وصفاه من كل دنسٍ وكمَّل، فأحيا ببعثته القلوب الميتة، واستنقذ به النفوس الهالكة، وأطفأ بهديه الفتن الثائرة، ]هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[[4].
صلى الله عليه وعلى آله الصادعين بأوامر تلك الشريعة المطهرة، القائمين بأعباء هاتيك الملة المنورة، صلاةً تغشاهم بكرةً وعشية، وتبل مراقدهم بالرحمة الإلهية، وتدفع عنا ببركتهم كل بلية.
عباد الله, أوصي نفسي الأمارة وأوصيكم بتقوى الله سبحانه في السر والعلانية، فبتقوى الله سبحانه وطاعته تتحصل البركات السرمدية، وتدرك الخيرات الدنيوية والأخروية، فاتقوا الله سبحانه، وراقبوه في جميع الأقوال والأفعال، وأخلصوا له في جميع الأحوال، واحذروا الدنيا المذَّاقة الختالة، والقتالة المحتالة، فما هي إلا دار المحن والمصائب، ومركز الفجائع والنوائب، فكم من عظيمٍ سددت له صليبات النبال، وكم من رفيعٍ صرعته على الرمال، وداسته بالنعال، وكم من كريمٍ قد بكى فيها من الآلام، قد سلطت عليه السفلة واللئام، ونكست منه الهام، حتى أوردته الحِمام، فهل تجدون في رباعها إلا الغارات؟ وهل في جموعها غير التفرق والشتات؟ وهل من أخبارها غير فلانٍ قد مات وفلانٍ مات؟ فهل يطمئن للدنيا لبيب، ويسر بلذتها أريب؟
فاعملوا رحمكم الله فيها عمل المفارقين، وكونوا في زهراتها من الزاهدين، فما هي إلا أيامٌ قلائل, حتى تنتقلون منها إلا دار القرار، ومصاحبة الأبرار.
ألا وإن يومكم هذا هو سيد الأيام كما ورد ذلك عن سادة الأنام، وخلفاء الملك العلام, ومن إليهم المرجع في النقض والإبرام، ففيه تضاعف الحسنات، وتمحى السيئات، وتكشف الكربات, وتقضى فيه الحاجات. ألا وإن من أجلِّ أعماله المأثورة، ونوافله المذكورة, هي الصلاة على أقطاب الوجود، وأمناء الملك المعبود، محمدٍ وآله أهل الكرم والجود.
اللهم صلِّ على شمس فلك الرسالة، وبدر سماء الدلالة، علة الوجود، وصفي المعبود، النبي العربي المؤيَّد, والرسول الهاشمي المسدَّد, أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على أخيه وابن عمه، الراضع من مشكاة علمه، والوارث لمقامه وفهمه، ذي الصولات العظام، والضربات بالحسام، مجمع بحري الفضائل والمناقب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على الصديقة الطاهرة، والدرة الفاخرة, سيدة النساء في الدنيا والآخرة، المجهولة قدرا, والمغصوبة جهرا, أم الحسنين فاطمة الزهرا.
اللهم صلِّ على السبطين الإمامين، والليثين الضرغامين، تفاحتي الرسول, وثمرتي فؤادي المرتضى والبتول، ذي الفضائل والجود والمنن, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن، وأسير الكربات، ورهين الغربات, المجدل على الرمال, والمخرق بالنبال, العاري عن كل وصمةٍ ورَيْن، الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.
اللهم صلِّ على الراكع الساجد، زينة المحاريب والمساجد، الجوهر الثمين، ثمال اليتامى والمساكين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على البدر الزاهر، والبحر الزاخر بنفائس المفاخر، والكنز الذاخر بالفضائل والمآثر, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على غواص بحور الدلائل والحقائق، وكشاف عويصات المسائل والدقائق، نور الله في المغارب والمشارق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على مجدد المعاهد النبوية والمعالم، وبيت قصيد المفاخر والمكارم، وعنوان جريد الأكابر والأعاظم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على السيف المصلت المنتضى، ومفصل الأحكام والقضا، الراضي بالقدر والقضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على نورك المنبسط على العباد، ومرتضاك للهداية والإرشاد، حامل راية الحق والسداد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على من تغنى بفضائله الرائح والغادي، وغمرت أياديه سكان الحضر والبوادي، وانتشرت مكارمه في المحافل والنوادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على البدر المضي، والسيد الزكي، الطالع شرفاً على الزهرة والمشتري، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ على ذي الغرة الرشيدة، والأخلاق المحمدية الحميدة، والصولات الحيدرية الشديدة، محيي مراسم الدين والإيمان، وموضح معالم الوحي والقرآن، الإمام بالنص الواضح البيان، مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والأوان.
عجَّل الله له الفرج، وسهَّل له المخرج، وفتح له وبه الرتج، وأوسع له المنهج، وجعلنا من الناعمين أيام دولته، المشمولين ببركة دعوته, إنه سميعٌ مجيب.
إن أبلغ الكلام, وأمتن النظام, كلام من كلامه شفاءٌ للأسقام، وعفوه ممحاةٌ للآثام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[5].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه هو الغفور الرحيم.
[1] سورة الأعراف:96
[2] سورة العصر
[3] سورة الأنعام:103
[4] الصف:9
[5] سورة النحل:90
