الجمعة 10 شهر رمضان 1418هـ المصادف 09 كانون الثاني 1998م

(فضل القرآن ووجوب العمل به وفضل تلاوته)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله نُور النُّور، ومدبّر الأمور، المتعالي ذكرُه، والمعلّى فخره، القريبة رحمته، والبطيئة نقمته، العظيم ملكوته، الشديد جبروته، الذي يقضي فلا رادّ لقضائه، ويُمضي فلا مانع من إمضائه، بل أمره قضاء، ورحمته إمضاء، له العزّة والبهاء، والجلال والكبرياء، وله أشرف الأسماء، وبحمده يسبح كل أهل الأرض والسماء، وما في قعور البحار وأجواز الفضاء.

نحمده سبحانه حمداً لا يَفضِله شيء من المحامد، بل لا يأتي بمثله شاكر ولا حامد، حمدا يربط من النعم الشوارد، ويدفع من النقم كلَّ وارد، ونعتمده تعالى في الوصول إلى المقاصد، والنجاة في الآخرة من تلكم الشدائد.

ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، ذو العزة والسلطان، الممتنع بلا جنودٍ ولا أعوان، والجبروت الدائم على ممر الأزمان، لا يصيبه وهنٌ ولا نقصان، والشفيق المتصف بالرحيم الرحمن، الغافر لكل نادم من ذوي العصيان، والمثيب لكل عامل من أهل الإيمان.

ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله، أشرف من سيكون أو كان، وأكرم من مشى على الأرض في جميع الأزمان، عبده ورسوله المؤيد بالقرآن، النعمة العظمى على من تحلى بنياشين الإيمان، والنّقمة على من تسربل بثياب الكفر والعصيان، المبشِّرُ بالروح والريحان، والحور والولدان، والمنذر بعذاب النيران، وموالاة الشيطان.

صلى الله عليه وآله أسبابِ الإمكان، وأنوار الأكوان, وبدور الزمان، وخلفاء الملك الديان، وشفعاء دار الأمن والأمان، وقادة أهل الإيمان، إلى رضى الرحمن، صلاة مستمرة دائمة ما تعاقب الجديدان، واطرد الخافقان.

عباد الله, أوصيكم وأبدا بنفسيَ الأمارة، المؤثرةِ لهذه العمارة، بتقوى الله سبحانه فإنها أرفع إمارة، وأربح تجارة، ترفع لمن أخذ بها مَنارَه، وتطيب مزاره، وتطفئ ناره، وتحط أوزاره، فهي منعة الواثق الناجي، وعصمة الخائف الراجي، أمنٌ من العذاب وجُنّة، وفوزٌ في المئاب بالجنة، قد سلك سبيلها أقوامٌ ففازوا بجوار الملك العلام، وحُضُوا بجزيل الإنعام، وقطع مفاوزها أعلامٌ فوصلوا إلى أعلى مقام، في دار السلام، ولكنها لم تُفصَّل على كل قد ومقام، ولا تنال بالآباء والأعمام، ولا بالخال والجَدّ، وإنما بالتعب والجِد، ومعناها أن لا يفقدكم الله تعالى في مواضع طاعته، ولا يراكم متلبسين بمعصيته، وقال بعض العلماء قدس الله أسرارهم إن أدنى مراتب التقوى هو أداء الفروض من الأصول والفروع، واجتناب المحارم وغير المشروع، مع خلوِّ ذلك من الأغراض الفاسدة والمقاصد الكاسدة، ثم تتصاعد مراتبها على تصاعد خوف الله وخِشيته في قلب المكلّف، بحسب علمه بالله سبحانه وتعالى الموجب لانقطاعه إليه ومراقبته، ومدى علمه بأحوال النّشأتين، والفروق بين الضرتين، حتى يزهد في نعيم الدنيا، ويرغب في نعيم الآخرة، فتكون همته متوجهة إليها. والعلم بالله سبحانه ومحبته ومعرفة أحوال النُّشأتين له أسباب، لعل من أهمها قراءة القرآن ودراسته، وتدبر معانيه، فإن ذلك مما يُلين القلوب القاسية، وينور الأفكار المظلمة، يقول أمير المؤمنين صلوات الله عليه في إحدى خطبه في نهج البلاغة عن القرآن :”جعله الله رِيّاً لعطش العلماء، وربيعا لقلوب الفقهاء، ومحاجَّ لطرق الصلحاء، ودواءً ليس بعده داء، ونورا ليس له معه ظلمة”[1].

عباد الله, إن هذا شهر رمضان المبارك شهر الله, الشهر الذي أنزل فيه القرآن على رسول الله صلى الله عليه وآله، فهو ربيع القرآن، فأحيوا لياليه بتلاوته، وتعاهدوا فيه أمره، وتدبروا فيه آياته، فالقرآن “أفضل الذكر، به تشرح الصدور، وتستنير السرائر”[2]  كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام، والقرآن هو إمام الرحمة، والقائد إلى الهدى، والمنجي من الفتن والضلالة، من تدبره هداه، ومن استنصحه نصحه، ومن طبقه سَعُد في دنياه وآخرته، يقول سيد الموحدين صلوات الله وسلامه عليه في إحدى خطبه عن القرآن: “اعلموا أن هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب، وما جالس القرآن أحد إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى، أو نقصان من عمى”[3], فينبغي لكل مسلم أن يتعاهد أمر القرآن بالتلاوة والحفظ، والتدبر والتعلم، خاصة في الأزمان التي تثور فيها الفتن، وتنتشر فيها البدع, فعن علي بن أبي طالب أمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: أتاني جبرئيل فقال: يا محمد سيكون في أمتك فتنة، قلت: فما المخرج منها؟ فقال كتاب الله فيه بيان ما قبلكم من خبر، وخبر ما بعدكم، وحُكم ما بينكم”[4], وعن الصادق عليه الصلاة والسلام أنه قال: “من لم يعرف الحق من القرآن لم يتنكب الفتن”[5].

على أن القرآن كتابُ الله الذي أنزله بلفظه ومعناه, وجعله دليلا على صدق رسولكم صلى الله عليه وآله ومعجزة له على رسالته, وفيه يتجلى الله سبحانه لعباده من دون أن يكونوا قد رأوه بما أراهم من قُدرته، وفصّل لهم من حكمته، وأقامه لهم من صادق برهانه. 

ولقد حثّ النبي صلى الله عليه وآله والأئمة من أهل بيته عليهم الصلاة والسلام بتعاهد القرآن وتِكرار تلاوته, ويكفي في مدح من يواظب على تلاوة القرآن ما أنزله الله في كتابه حيث يقول: ]إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ[[6], وعن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال: “عليك بقراءة القرآن, فإن قراءته كفارة للذنوب، وستر في النار، وأمان من العذاب”[7].

فلا ينبغي لكم وأنتم أتباع الأئمة أن تجعلوا غيركم يسبقكم إلى تلاوة القرآن، وتدبر معانيه، والعمل بأحكامه، وحتى من كان منكم لا يجيد القراءة, لو توضأ وفتح المصحف ونظر فيه متقربا بذلك إلى الله سبحانه لكان له ثواب النظر إلى كتاب الله وثواب التلاوة لأنه أتى ما يقدر عليه، فاتلوا القرآن وأسمعوه الناس، وتحلقوا حوله، وتأدبوا أثناء تلاوته، وتدبروا آياته, يُنزل الله عليكم ملائكته يبشرونكم بمغفرته وجنته، ويُنزل عليكم شآبيب رحمته، ويشافي أدواء قلوبكم ببركته.

جعلنا الله وإياكم من التالين لكتابه، المتدبرين لآياته، المتبعين لهديه، إنه على كل شيء قدير. إن خير ما تأمله ذوو الأحلام، وعمل بحكمته الكرام، كتاب الله الملك العلام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ & اللَّهُ الصَّمَدُ & لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ & وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[[8].

وأستغفر لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والتواب الحليم. 

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله على ما أسداه من جليل النعم، وكفاه من بوائق النقم، الذي مد يده بالعطاء فأجزل، وأكرم ففضّل، وأنعم فأكمل، وعلّم فبجّل، سامع الأصوات، ومحي الأموات، ومخرج النبات، ودائم الثبات، خالق الرواح والأرواح، وفالق الصباح والإصباح، ذي الملك المتأبد بالخلود، والسلطان الممتنع من دون جنود، يخذل وينصر، ويبسط الرزق ويقدُر، ويضع ويرفع، ويعطي من يشاء من فضله ويمنع. 

نحمده سبحانه شكراً لنعمائه، واستجلاباً لعطائه، واستعظاماً لكبريائه، واستدفاعا لبلائه، واستسلاما لعزته، واستعصاما من معصيته، واستعانةً بقدرته، ولوذا بحمايته، وطلبا لحياطته ونصرته.

ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادة تجمعنا مع النبيين والمرسلين، وتجمعنا في حضيرة القُدس مع عباده الصالحين، من الشهداء والصِّديقين، والخلفاء المنتجبين وتفرق بيننا وبين الملحدين، وأولياء إبليس اللعين.

ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، سيد ذوي المجد والكمال، بل فاتح طرق المجد ومعلم أساليب الكمال، ومحقق الآمال، وشفيع يوم المآل.

صلى الله عليه وعلى من يتلوه من الآل، الذين بموالاتهم تُحط الأثقال، وتُمحى العثرات وتقال، وبشفاعتهم يُروى الظمئان بالكوثر الزلال، وبمتابعته، ينجى من الوقوع في مهاوي الضلال، والسير في سبل الإضلال. 

أيها الإخوان الأجلّاء، الشاربون من كئوس الغفلة نهلاً وعلّا، والمعتاضون عن لذيذ السلاف المعتقة خلاّ، ومن صافي الزُّلال السلسبيل طلا، ما لكم في ثياب التكبر رافلون، وعما يلقى لكم من المواعظ غافلون، وبما يُراد بكم غداً جاهلون، قد أقسى قلوبكم التشاجر والتفاخر، وألهاكم عن رشدكم التكاثر، وأصبح شغلكم الشاغل هو التهالك على الأموال والذخائر، فنسِيتم اليوم الآخر, وما الكلُّ إليه صائر حتى زرتم المقابر، وحللتم في الحفائر، وتساوى هنالك الأكابر منكم والأصاغر، كلا سوف تعلمون، بعد أن تنظرون نتائج ما كنتم تهملون، وتُجزون بما كنتم تعملون، كلا سوف تعلمون، علماً حقيقيّا وليس من باب المظنون، كلا لو تعلمون علم اليقين، بأن تكونوا من الموقنين المصدقين، والمؤمنين المتقين، لترون الجحيم، وما يُصب على أهلها من العذاب الأليم، وأنه لا طعامَ لهم ولا شراب لهم إلا من الغِسلين والحميم, ثم لترونها عين اليقين، يوم تخرجون من الأجداث مهطعين، ولإجابة الداعي مسرعين، يوم يُؤخذ بنواصي المجرمين، حيث لا دافع عنهم ولا معين، ثم لتسألن عن النعيم، وعن كل ما أنفقتموه من حقير أو جسيم، فما لكم يا أبناء التراب في الفخر والتفاخر، والتكبر والتشاجر، ألا تعتبر يا بن الإنسان أن كنت من نطفة قذرة، وستعود في النهاية جيفة قذرة، تفرُّ عنك الأصدقاء والأولاد، ويسدّ أنوفهم عن ريحك الأخلاء والأجداد، فلا تشمخ بأنفك، ولا تنظر في عطفك، وخذ حذرك، قبل أن ينصرم عمرُك، وينطفأ بدرك، وتحصد بذرك. فرحم الله امرأ استقبل توبته، واستقال خطيئته، وحاذرَ منيّته، وبادر أمنيّته، ألا وإن يومكم هذا من أشرف الأيام، التي تمر بكم مدى الأعوام وقد استفاضت الأخبار بعلوه وفضله، وسموه ونُبله، ألا وإن من أفضل وظائفه العلية، ولطائفه الجلية، هو الصلاة والسلام على الأنوار الملكوتية، والأبواب الجبروتية، محمد وآله العلل الوجودية.

اللهم صلِّ على النور المتجسد في الهياكل البشرية، الذي شرّف بنعله بساط الربوبية, وأفيضت عليه الأنوار الإلهية في الحضرة القدسية, النبي المؤيّد, والحصن الرباني المشيد, أبي القاسم المصطفى محمد. 

اللهم صلِّ على باب قلعة العلوم الربانية، المشافه بالمعارف الإلهية، أخي النبي المصطفى بل نفسه الزكية, بنص الآية القرآنية فخر دوحة لوي بن غالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على من فَطمْتَ محبيها من سقر، وجعلت لها الشفاعة في شيعة بعلها وولدها في المحشر, الدرة النّوراء والمعصومة الحوراء أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على السيِّد السري، والكوكب الدري، شمس سماء الإيمان وريحانة رسول الرحمان السبط الممتحن, الإمام بالنص أبي محمد الحسن.

اللهم صل على القمر المنخسف بسيوف بني أمية، والسبط الذي فرّطت في حفظه الأمة الشقية، ثمرة فؤاد فاطمة الزكية, ريحانة الرسول الأمي, الإمام بالنص أبي عبد الله الحسين.

اللهم صلِّ على خير العبّاد, وأفضل من تكرم وجاد، سيد الساجدين, الإمام بالنص أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّ على مُظهر العلوم الربانية، وناشر المعارف السبحانية, ذي الذكر الطائر بين كل باد وحاضر، والصيت السائر في جميع الحواضر, الإمام بالنص أبي جعفر محمد بن علي الباقر.

اللهم صلِّ على ممهِّد قواعد الدِّراية، ومحرّر ضوابط الهداية، قناص شوارد الدقائق، ومفتض أبكار الحقائق, ضياء المغارب والمشارق, الإمام بالنص أبي إسماعيل جعفر بن محمد الصادق. 

اللهم صلِّ على الشمس المحتجبة بغيوم التقية، والزكيِّ المبتلى بكل رزية, بدر سماء المكارم الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم.

اللهم صلِّ على بضعة النبي المصطفى, وسليل عليٍ المرتضى, المرتجى للشفاعة في يوم الجزاء, الإمام بالنص أبي الحسن علي بن موسى الرضا. 

اللهم صلِّ على خلف الأمجاد، وسليل الأجواد, معتمد المؤمنين في الإصدار والإيراد, الأمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد.

اللهم صلِّ على ضياء النادي, وملجأ المستغيث يوم ينادي المنادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي.

اللهم صلِّ على صاحب الفضل والكمال، المتردِّي برداء المجد والجلال, السيد السري, والإمام العبقري, أبي المهدي الحسن بن علي العسكري.

اللهم صلِّ على المرتجى لنصر الملة المحمدية، المؤمل لكشف البلية، الآخذ بثار العُترة النبوية, مقيم البرهان والحجة على جميع أهل الأديان, شريك القرءان, الإمام بالنص أبي القاسم المنتظر صاحب العصر والزمان.

عجل الله أيّام دولته، ومتعنا بالنظر إلى طلعته, وكرمنا بنصرته، وشرفنا بخدمته إنه سميع مجيب.

إن أحسن خطاب وأبلغ كلام كلام الله ذي الجلال والإكرام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[9]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفور رحيم وتواب حليم.


[1]  بحار الأنوار-ج89-ص21-العلامة المجلسي

[2]  ميزان الحكمة-ج3-2517-محمد الريشهري

[3]  بحار الأنوار-ج89جص24-العلامة المجلسي

[4]  بحار الأنوار-ج89-ص24-العلامة المجلسي

[5]  بحار الأنوار-ج2-ص242-العلامة المجلسي

[6]  سورة فاطر:29

[7]  بحار الأنوار-ج89-ص17-العلامة المجلسي

[8]   سورة الاخلاص

[9]  سورة النحل:90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *