الجمعة 08 ربيع الأول 1419هـ المصادف 03 تموز 1998م

(وفاة الإمام الحسن العسكري وجور الظالمين وعشاق الدنيا عليه)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي أنار السبيل أمام العقول لإدراك وجوب وجود ذاته المقدسة العلية، فرتب أجزاء الكون على نظامي التضائف والعلية، أبدع طبائع الأشياء بمقتضى حكمته الشاملة الأزلية، وحكمها بالروابط الثابتة والنواميس الطبعية، صنع ما صنع من الموجودات من دون احتذاء مثالٍ أو إجالة روية، فتق السماوات والأرض بعد أن كانتا رتقاً بقدرته الإلهية، ورفع الخضراء بدون عمدٍ مرئية، وجعلها عوالم ومجرات لا يعلم عددها أحدٌ من البرية، إلا من شاء أن يطلعه الله على غيبه من ذوي النفوس الطاهرة القدسية، وبسط الغبراء على الماء لتصبح ملائمةً لمن شاء أن يسكنهم عليها من أصناف البرية، جلَّ مجده عن الحلول والزمان والمكان، وتقدست عظمته عن مقارنة الأجسام والأكوان.

فله الحمد كما ينبغي له على عميم النعم المتواترة، التي من أعظهما الهداية للإيمان بالرسالة المحمدية الباهرة، والآيات الإلهية الظاهرة، العاصمة لذوي الألباب من غلبة الأوهام الخاطرة، والتوفيق لموالاة العترة النبوية الطاهرة، والالتزام بأحكام الشريعة النيرة، وله الشكر على أياديه المتكاثرة، وآلائه المتضافرة، التي من أعظمها النجاة من أحابيل الأحزاب الملحدة الفاجرة، والإنقاذ من مصائد الزمر الكافرة، شكر مستزيدٍ من فيض ديم جوده الهامرة، ونسأله التوفيق لخير الدنيا والآخرة.

ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادةً يوافق فيها السر الإعلان وتمتثل لمقتضياتها الأركان، وتميزنا عن ذوي الجحود والعصيان، وتنجينا من دخول النيران، وتؤهلنا لاكتساب الجنان، والفوز برضا الملك الديان، إنه هو الرحيم المنان.

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده المنتجب، ورسوله المنتخب، من خير نجارٍ ونسب، أعطاه من الفضل أعلى الرتب، وبعثه إلى كافة العجم والعرب، لتبليغ الحنيفية السمحاء، والشريعة الغراء، والملة النوراء.

ونصلي عليه وعلى الأئمة الهادين من ذريته، صلاةً تدوم بدوام الدنيا والدين، وتقتضي الرضا من رب العالمين، وتؤهل لنيل شفاعة سيد المرسلين، والفوز بالجنة مع الصديقين.

عباد الله أوصيكم بادئاً بنفسي الأمارة قبلكم بتقوى الله سبحانه، ومراقبته في كل حركةٍ وسكون، والتزام طاعته فيما تقولون وتفعلون، فإنه سبحانه لا يتقبل إلا من المتقين، الذين يرجون رحمته، ويؤثرون طاعته، ويخشون عذابه، ويخافون أخذه، ويتوكلون عليه في كل ما أهمهم، فلا تشغلوا أنفسكم بهذه الدنيا فإن الأرزاق فيها مقدرةٌ مضمونة، لا يزيدها شدة الركض وراءها، ولا ينقصها الإجمال في طلبها، وابذلوا كل جهدكم في تحصيل الدرجات العليا في الحياة الآخرة، لأنها غير محددةٍ ولا مضمونة، بل متروكةٌ لسعي الإنسان وجهده، فليس للإنسان إلا ما سعى، ولن يجد هناك غير ما عمل، فإن كان من المتقين الذين أخلصوا لله نياتهم، وبذلوا في طاعته وسعهم، والتزموا شريعته، ]فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ[[1]، ولهم الجنة خالدين فيها وهم عنها لا يخرجون، وإن كان ممن أهمل العمل من أجل تلك الدار، وفرغ نفسه من أجل هذه الحياة الفانية، فاتخذها له دار مقامٍ لا يرى العز إلا عزها، ولا الخير إلا في عيشها، ولا السعادة إلا في ارتقاء مناصبها، فيا ويله غداً مما سليقى في أخراه من العذاب وما سيحل عليه من الشقاء.

انظروا إلى طلاب الدنيا وعشاقها ممن أسموا أنفسهم بالخلفاء وأمراء المؤمنين ونزوا على مناصب أهل البيت كيف استحوذ على أفئدتهم حب هذه العاجلة، حتى أعمى أبصارهم عن إدراك الحقائق، بل حتى عشيت بصائرهم عن معرفة ما يضرهم حتى فيما يجعلهم فيما اغتصبوا فيه من الدنيا هانئين، فأصبحوا لا يتهنون بطعام، ولا يلتذون بمنام، خوفاً من خروج الأمر من أيديهم، وجزعاً من أن تفلت السلطة منهم، فأخذوا يتتبعون أهل البيت عليهم السلام تحت كل حجرٍ ومدر، يضيقون عليهم عيشهم، ويشوهون بين الناس سمعتهم، ويبثون عليهم الأكاذيب، وينسبون إليهم الزور، ويفترون عليهم الأقاويل، بل ينقلونهم من بلد إلى بلد، ويلزمونهم بصحبتهم والسكنى معهم حيث ما كانوا، ويقتلون كل من عثر عليه أنه يواليهم أو يتقرب لهم، وينسبون إليه الكفر والغلو، كل ذلك خوفاً منهم على هذه الدنيا التي يعلمون أنهم عنها راحلون، بل في الحقيقة هم منها مرحلون، وخاصةً ما لاقاه الإمام أبو محمدٍ الحسن بن عليٍ النقي عليه أفضل الصلاة والسلام من جبابرة بني العباس وخاصةً عندما علموا أنه والد المهدي عليه الصلاة والسلام الذي سيكون هلاك الجبابرة على يديه، فسعوا لقتله بكل حيلة، وحاولوا إبادته قبل أن يولد له الولد بكل وسيلة، خاصةً المتوكل الذي لم يكن يبالي أن يعلن بغضه لعلي بن أبي طالبٍ عليه السلام وكذلك من جاء بعده من خلفاء بني العباس، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون، فلم يقدرهم الله سبحانه وتعالى عليه حتى ولد له الخلف المؤمل المرتجى عجل الله تعالى فرجه وجعل أرواحنا فداه، فشاء الله له بعد ذلك أن ينتقل من هذه الدنيا مظلوماً شهيداً مقتولاً مسموماً كما هو ديدن آباؤه وأجداده عليهم الصلاة والسلام، فعليه فليبك الباكون وليندب النادبون فإنه الحجة ابن الحجج، والإمام أبو الإمام ابن الأئمة.

فكونوا عباد الله له من الموالين، ولنهجه من المتبعين، وعلى طريقه من السائرين، فإن نهجه هو التقوى من رب العالمين، وطريقته هي الالتزام بشرعة سيد المرسلين، ولا تتخلقوا بصفات أعدائه من الجبارين الذين حليت الدنيا بين أعينهم فصدتهم عن السبيل وأنستهم لقاء رب العالمين.

إن خير ما تأمله المهتدون، وعمل به المتقون، كلام من يقول للشيء كن فيكون، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا & وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا & وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا & يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا & بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا & يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ & فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ & وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ[[2].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والبر الكريم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي لا يحويه مكان، ولا يحده زمان، المستغني عن الأجناد والأعوان، رفيع الشأن، عظيم السلطان، قديم الإحسان، برأ الخلق فأتقن صنع ما صنع، وأحسن تصوير ما ابتدع، أحصى عددهم، ورتب في الوجود تسلسلهم، وقدر أرزاقهم، ووقت أعمارهم، كل ذلك بما اقتضته حكمته، وجرت به مشيئته، لم يعنه في ذلك معين، ولا أرفده مشيرٌ ولا وزير.

نحمده سبحانه بجميع محامده، ونشكره تعالى على جوائزه وعوائده، ونستهديه لسلوك طرائق مقاصده، ونستعينه على القيام بما ندبنا إليه من شرائف عباداته، وأمرنا به من وظائف قرباته.

ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، لا شريك له في أزليته وسرمديته، ولا ندَّ له في جبروته وعزته، ولا شبيه له في أحديته وصمديته، فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ]وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ[[3].

ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله بواب قدسه ولاهوته، وحاجب عظمته وجبروته، أقرب المقربين له في مقام الصدق والوفا، وأفضل المخصوصين من لدنه بالاجتباء والاصطفاء، عبده ورسوله، وأن علياً عليه الصلاة والسلام أمير المؤمنين خليفته على كافة البشر، والصراط الذي بين الجنة وسقر.

صلى الله عليهما وآلهما الميامين، الأدلاء على رب العالمين، صلاةً تكافيء عظيم بلائهم في الدب عن الدين، وجسيم تحملهم ما لقوا من المعاندين.

أيها الإخوان النبلاء، والمؤمنون الأجلاء، أوصيكم بادئاً بنفسي قبلكم بتقوى الله سبحانه، ومراقبته في كل كبيرةٍ وصغيرة، وجليلةٍ وحقيرة، وأحذركم ونفسي قبلكم من الغفلة عن العمل والإستعداد ليومٍ تشخص فيه الأبصار، وتخرس الألسن الفصاح، يوم تعرض الخلائق على بارئها، وتأتي كل نفسٍ تجادل عن نفسها، فلا يفيدها جدالها ما لم تكن قد اتقت الله في ما أمرها ونهاها، وأخذت بالحزم في طاعته في حياتها، ولا تنخدعوا بهذه الخداعة الختالة، والجذاعة القتالة، تضيعون من أجل التنافس على رضاها أعماركم، وتبذلون في سبيل وصالها قواكم وملكاتكم، فإنما هي دار المحن والمصائب، ومنزل الفجائع والنوائب، فكم من شريفٍ أغرت به السفهاء واللئام، وكم رفيعٍ قد نكسته على الهام، وكم كريمٍ قد بكى فيها مما سددت إليه من صليبات السهام، حتى أوردته موارد الحمام، وما عسى أن يصل إليه طالبها من لذة وصالها، أو يتمتع به من بهجة جمالها، مع كثرة تقلبها، وتفننها في مصائبها، واشتداد الزحام على مواردها، وما يصاحب البقاء فيها من ضروب الآلام والأسقام، والأشجان والأحزان، فاعملوا فيها رحمكم الله عمل المفارقين، وكونوا في زهرتها من الزاهدين، وعلى ما يصيبكم من عرتها وجورها من الصابرين، ولضرتها من الخاطبين، وللرحيل عنها من المستعدين، فما هي إلا أيامٌ قلائل وقد انتقلتم منها إلى دار القرار، ومحل الصلحاء والأبرار، ومجاورة الملك الغفار، حيث الأنس والسرور، والبهجة والحبور، واغتنموا هذا اليوم الذي هو سيد الأيام كما ورد عن سادات الأنام، وأمناء الملك العلام، ففيه تمحى السيئات، وتكشف الكربات، وتضاعف الحسنات، وتتنزل البركات، وتقضى الحاجات.

ألا وإن من أعظم أعماله المأثورة الموصلة إلى هذه الخيرات، هي الصلاة على علل الوجود، وخلفاء الملك المعبود، محمدٍ وآله دوائر السعد والسعود.

اللهم صلِّ على شمس فلك الرسالة، وبدر سماء الدلالة، علة الوجود، وصفي الملك المعبود، النبي العربي المؤيد، والرسول الهاشمي المسدد، أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على أخيه وابن عمه، الراضع من مشكاة علمه، والوارث لمقامه وفهمه، ذي الصولات العظام، والضربات بالحسام، مجمع بحري الفضائل والمناقب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على الصديقة الطاهرة، والدرة الفاخرة، سيدة النساء في الدنيا والآخرة، المجهولة قدرا، والمغصوبة جهرا، والمدفونة سرا، أم الحسنين فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على السبطين الإمامين، والليثين الضرغامين، تفاحتي الرسول، وثمرتي فؤادي المرتضى والبتول، ذي الفضائل والجود والمنن، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن، وأخيه أسير الكربات، ورهين الغربات، المجدل على الرمال، والمخرق بالنبال، العاري عن كل وصمةٍ ورين، الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ على الراكع الساجد، زينة المحاريب والمساجد، الجوهر الثمين، ثمال اليتامى والمساكين، الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّ على البدر الزاهر، والبحر الزاخر بنفائس المفاخر، والكنز الذاخر للفضائل والمآثر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.

اللهم صلِّ على غواص بحور الدلائل والحقائق، وكشاف عويصات المسائل والدقائق، نور الله في المغارب والمشارق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.

اللهم صلِّ على مجدد المعاهد النبوية والمعالم، وبيت قصيد المفاخر والمكارم، وعنوان جريد الأكابر والأعاظم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.

اللهم صلِّ على الراضي بالقدر والقضاء، السيف المصلت المنتضا، ومفصل الأحكام والقضاء، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.

اللهم صلِّ على نورك المنبسط على العباد، ومرتضاك للهداية والإرشاد، حامل راية الحق والسداد، الشفيع لديك يوم التناد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.

اللهم صلِّ على من تغنى بفضائله الرائح والغادي، وغمرت أياديه سكان الحضر والبوادي، وانتشرت مكارمه في المحافل والنوادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.

اللهم صلِّ على البدر المضي، والسيد الزكي، الطالع شرفاً على الزهرة والمشتري، الليث الجري، والعالم العبقري، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.

اللهم صلِّ على ذي الغرة الرشيدة، والأخلاق المحمدية الحميدة، والصولات الحيدرية الشديدة، محيي مراسم الدين والإيمان، وموضح معالم الوحي والقرآن، الإمام بالنص الواضح البيان، مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والأوان.

عجل الله له الفرج، وسهل له المخرج، وفتح له وبه الرتج، وأوسع له المنهج، وجعلنا من الناعمين أيام دولته، المشمولين ببركة دعوته، إنه سميعٌ مجيب.

إن أبلغ الكلام، وأمتن النظام، كلام الله الملك العلام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[4].

وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه هو الغفور الرحيم.


[1]  سورة المائدة: من الآية 69

[2]  سورة الزلزلة

[3]  سورة الاخلاص:4

[4]  سورة النحل:90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *