الجمعة 15 ربيع الأول 1419هـ المصادف 10 تموز 1998م
(مولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله والوحدة الإسلامية والاعتصام بحبل الله)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ذي العزة والجبروت، والملك والملكوت، المتعالي عن أن يلد أو يولد، أو يكون له كفؤاً أحد، المتنزه عن اتخاذ الصاحبة والولد، خلق نور حبيبه محمدٍ صلى الله عليه وآله من صفوة نوره الساطع، وألبسه خلعة الاجتباء فلم يطمع في الوصول إلى درجة قربه طامع، وخلق أنوار الأئمة من آله من نوره وضمهم إليه، وجعل الكل بعرشه محدقين، وباسمه مسبحين، وخلق بعد ذلك الخلق ذراً يدرجون بين يديه في عالم الذر والأرواح، وعرض عليهم هنالك أنوار أولئك الأشباح، فآمن بهم من آمن وفاز بالفلاح والنجاح، ورفض ولايتهم من رفض وخاب من تلك الأرباح.
نحمده سبحانه على ما غذى به نفوسنا في عالم الذر من الشرب من كأس حبهم، وألهمه قلوبنا من التمسك بولايتهم، والشوق إلى الاجتماع بقربهم، فأصبحنا بمنِّه وفضله في هذه النشأة إلى مشايعتهم من المنسوبين، وعلى دينهم من الثابتين، وعلى كعبة جودهم من المعتكفين، وللفوز بسعادة الحشر في زمرتهم من الراجين المنتظرين.
ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له، تفرد بالألوهية فلا ند له، وتوحد بالربوبية فلا ضد له، واستغنى عمن دونه فلا وزير له ولا معين له، وتعزز عن اتخاذ الصاحبة والولد فلا صاحبة له ولا ولد له.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المنزل، والمنتجب في عالم الأزل، الداعي لتوحيد العبادة للرب الواحد الأحد، والناهي عن الشرك والجهالة والآمر بنبذ من جحد الله وألحد.
صلى الله عليه وآله الأئمة المنتجبين، والحكماء المصطفين، الذين نشروا دعوته في الخافقين، وبينوا أحكامه للثقلين، صلاةً تدوم بدوام الدنيا والدين، وتقرب إلى رب العالمين.
أيها الإخوة المؤمنون، والفضلاء المخلصون، أوصيكم وأوصي نفسي قبلكم بكلمة التقوى التي ألزمكم بها بارئكم، ونصحكم بها خالقكم، فاتقوا الله الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغادر قاصيةً ولا دانية، يعلم وساوس الصدور، وما تجنه القلوب في ورودٍ أو صدور، وأحذركم ونفسي قبلكم من التكبر على أوامره، والإصرار على معصيته، والسير في أودية الالتباس، والانصياع لوسوسة الخناس، فبتقوى الله سبحانه ينال الخلاص، ويرجى العفو من القصاص، في يومٍ لا مفر عنه ولا مناص، يوم يؤخذ فيه بالأقدام والنواص، وبتقوى الله سبحانه تدرك السعادة الأبدية، والخيرات الدنيوية والأخروية، واللذة السرمدية.
واعلموا عباد الله أن أسبوعكم هذا هو أسبوع البركة والخير على كافة البشر، ففي مثل هذا الأسبوع كانت ولادة أبي القاسم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله؛ سواءً كانت ولادته في الثاني عشر من هذا الشهر كما يذهب إليه الكليني رحمه الله[1] أو في السابع عشر من الشهر وهو بعد غدٍ كما يذهب إليه المشهور من علماء الشيعة أيدهم الله، ففي هذا الأسبوع ولد أبو القاسم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله الذي اصطفاه الله تعالى وقربه، واجتباه وأعلا قدره، وجعله رحمةً للعالمين، وختم به النبيين والمرسلين، وأنزل عليه الكتاب المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، مصدقاً لما قبله، ومهيمناً على ما يأتي بعده، نوراً يستضيء به المتقون، ويهتدي بسناه السالكون، ويفوز بشفاعته العاملون، وجعل الله سبحانه محمداً صلى الله عليه وآله حجةً له على كافة الخلق من الإنس والجن، من آمن به فاز بخير الدارين، ومن كذبه وجحد رسالته قُرن مع الشياطين، وخُلد في العذاب المهين، فدعا صلى الله عليه وآله إلى دين التوحيد، كما أمره الله سبحانه أن يدعوا إلى توحيد الرب وتوحيد الأمة حيث يقول سبحانه وتعالى: ]إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ[[2]، فدين الإسلام الذي جاء به محمدٌ صلى الله عليه وآله هو دين التوحيد بكل معنى الكلمة، توحيدٍ للذات الإلهية، وتوحيدٍ للصفات الربانية، وتوحيدٍ للمنهج الإلهي، وتوحيدٍ للمؤمنين بالرسالات السماوية، فلا تفرقة بين أنبياء الله ورسله، ولا تفرقة بين الوحي الذي نزل على محمدٍ صلى الله عليه وآله وما نزل على غيره من أنبياء الله ورسله، ]آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ[[3]، ويقول سبحانه وتعالى في موردٍ آخر من كتابه الحميد: ]وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ[[4]، فهذا الدين يدعوا للوحدة بين المؤمنين بالله سبحانه ولا يسمح بتفريق الصف الإيماني وتحزيبه، لأن إيجاد الأحزاب المختلفة على نحو ما هو معروفٌ في الفلسفات الشيطانية، والأنظمة الإبليسية أمرٌ غير مشروعٍ في هذه الديانة، بل الواجب على المسلمين أن يكونوا صفاً واحداً تحت راية لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله ولذلك يقول سبحانه لرسوله الكريم: ]إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ[[5], ودعا إلى توحيد الصف تحت راية الإيمان بالله سبحانه وتعالى بعبارةٍ واضحةٍ لا لبس فيها، وآيةٍ محكمةٍ لا شبهة فيها، فقال جلَّ من قائل: ]وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ
إِخْوَاناً[[6], ونهى جلَّ شأنه صراحةً في آيةٍ محكمةٍ أيضاً عن الفرقة والتحزب والمخاصمة والمجادلة فقال سبحانه وتعالى: ]وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ[[7], وتوعد الذين يتفرقون بعد ما جاءتهم البينات من الله سبحانه وتعالى بوجوب التوحد تحت رايته فقال: ]وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ[[8], بل نهى عن أن يتخذ أي فريقٍ من المؤمنين بطانةً وأحلافاً من خارج الصف الإيماني، لأن اتخاذ مثل هذه البطانة يسبب لهم الفشل والتنازع، ويسبب لهم الفرقة والاختلاف، ويؤدي بهم إلى الضرر البليغ، ويفتت صفهم، ويشتت كلمتهم، فقال سبحانه وتعالى في محكم آيات كتابه: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ[[9]، فالعمل على توحيد كلمة المؤمنين بالله واجبٌ ديني يسأل عنه المسلم، والعمل على تفريق كلمة المؤمنين تحت أي مفهوم ومن أجل أي غرض محرمٌ شرعي لا يجوز للمسلم أن يرتكبه، بل الواجب أن يكون المسلمون كلهم يداً واحدةً على من سواهم.
هذا المبدأ من أهم مبادئ الخير الذي جاء به محمدٌ صلى الله عليه وآله، ودعا إليه، وعمل على ترسيخه في نفوس المسلمين، وجعله خلقاً طبيعياً لهم، وسلوكاً عفوياً يصدر عنهم، ولكن يا للأسف ما إن فارق هذا الرسول الكريم هذه الدنيا حتى نبذ أتباعه مبادئه، وتفرقوا شيعاً وأحزابا يضرب بعضهم بعضا ويحارب بعضهم بعضا، وحتى أصبحوا لا يكادون يتعارفون، بل في الحقيقة لا يدرون كيف يتعاملون عندما يتفقون، ولا كيف يتواصلون حينما يختلفون، بل الأدهى من كل ذلك أن يكون الفريق منهم على استعدادٍ للتعاون مع أعداء الدين لكنه غير مستعدٍ للتفاهم والتحاور مع شركائه في العقيدة، فيروي لنا التأريخ أن الخوارج الذين خرجوا على عليٍ عليه السلام مروا على خنازير لبعض أهل الذمة فقتل أحدهم خنزيراً من تلك الخنازير، فثاروا عليه وقتلوه وقالوا له خفرت ذمة الإسلام، ثم مروا على رجلٍ من قراء القرآن الكريم مع زوجته وكانت حبلى، فسألوه عن عليٍ عليه السلام فأثنى عليه ومدحه فقتلوه وبقروا بطن زوجته، وهكذا صور لهم الجهل أهمية احترام خنازير أهل الذمة وعدم الاكتراث بدماء المسلمين الذين يخالفونهم في بعض الأفكار، وما أشبه الليلة بالبارحة حيث يتعاون من يدعي ولاية أهل البيت عليهم السلام مع الشيوعيين المنكرين لوجود الله ويدافعون عنهم ويبجلونهم بحجة أنهم مواطنون بينما يعتدون على أعراض المؤمنين وأموال المشاركين لهم في العقيدة لأنهم يختلفون معهم في بعض الأفكار، فيستحلون منهم المحارم، فهل هذا ما أمرهم الله ورسوله به من عدم اتخاذ بطانةٍ من دونهم، وهل هذا ما أمرهم الله به من عدم التفرق وعدم التحزب.
نسأله تعالى أن يهدينا جميعاً لمراضيه ويجنبنا ارتكاب معاصيه، وأن يجمع كلمة المسلمين على الهدى ويوحد صفوفهم على التقوى، ونعوذ به من التعاون مع الملحدين الذين أنكروا خالقهم، وتحللوا من أحكام ربهم، ودعوا إلى غير سبيل المؤمنين إنه نعم المولى ونعم النصير.
إن خير ما ختم به خطيب، واقتدى بهديه متقٍ لبيب، كلام الله الحسيب الرقيب، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[10].
وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الكريم والتواب الحليم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أبدع الأشياء على أرفق نظامٍ اقتضته الحكمة الأزلية، واخترع حقائق الموجودات بمقتضى مشيئته السرمدية، وأجرى قوانين الكون على أوفق ناموسٍ قادت إليه العناية الصمدية، وخلق الإنسان واختصه بالمنطق الفصيح والبيان، وشرفه بما كشف له من ينابيع الحكمة وعرف كيفية إقامة البرهان، وأخدمه الملائكة المقربين، وذلل له الشياطين والجان، وأخضع له الحيوانات الصعاب فهي لأوامره مطيعةٌ مسخرة، ومن نواهيه منزجرة، ومكنَّه من التصرف بما على الأرض وما حولها، وأخرج له كنوزها وأظهر له معادنها، وفجر له عيونها، وأسال له أنهارها، وعلمه كيف يستنبت أشجارها ويستفيد من زرعها وثمارها، وأعد له إذا شكره على هذه النعم المنازل الفاخرة في الدار الآخرة، ووعده بالحدائق الناضرة، والمقامات الباهرة، وسكنى قصور الجنات العامرة.
نحمده سبحانه حمد متضرعٍ إليه في طلب الحسنى وزيادة، وراغبٍ لديه في الاستفاضة من رواشح ألطافه السبحانية والاستفادة، وعائذٍ به من بواقع الدهر ومكر أولاده.
ونشهد ألا إله إلا الله الملك الحق الذي لا يظلم ولا يجور، ولا تغيره مرور الأيام والشهور، ولا يبليه تبدل الأزمنة والدهور، شهادةً تضيء لنا الديجور، وتؤنسنا يوم نلحد في القبور، وترفعنا إلى عالم النور وصقع البهجة والحبور.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، وحجته ودليله، وحبيبه وخليله، أرسله والناس في سكر الجهالة ثملون، وفي غي البطالة تائهون، وعلى عبادة الأصنام عاكفون، وللأرحام قاطعون، ولنيران الحروب مشعلون، وعلى أكل السحت والربى متسالمون، فصدع بالملة النوراء، والحنيفية البيضاء، حتى انتشر دين الله وهم كارهون.
صلى الله عليه وآله القائمين بأعباء تلك الشريعة المنورة، الداعين إلى الالتزام بهاتيك الطريقة المطهرة، صلاةً تغشاهم صباحاً وعشية، وتبل مراقدهم بصيِّب الرحمة المرضية، وتدفع عنا ببركتهم كل بلية.
عباد الله أوصيكم ونفسي الجانية أولاً بالأخذ بزمام الخوف والتقوى، فإنه العروة الوثقى والغاية القصوى لمن أراد النجاة غداً من تلك المشاق والبلوى، وهي الزاد كل الزاد والعماد كل العماد في ذلك السفر الطويل، والرفيق نعم الرفيق لاجتياز تلك الطريق، والخلاص من ذلك المضيق، فاستعدوا بالعمل الصالح لهذا السفر الذي يقطع القلوب ذكره، ويفطر المرائر خبره؛ سفر فيه من الأهوال ألف هولٍ أيسرها الموت[11] كما ورد في الروايات؛ على أن طعم الموت كما ورد في الخبر عن سادات البشر مر المذاق[12]؛ بل هو كمن سلخ جلده وهو حيٌ ينظره، وفي الخبر أن الحسن السبط عليه السلام: بكى عند موته فقيل له مالك تبكي وأنت ابن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عليه السلام: أبكي لشيئين من هول المطلع وفراق الأحبة[13]، وكثيراً ما كان أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه وسيد الموحدين يقبض على لحيته في خلواته، ويئِن أنين السقيم، ويتململ تململ السليم، ودموعه تجري على خديه وهو يقول: “آه من بعد السفر وقلة الزاد”[14]، “وقيل لأبي ذرٍ رحمه الله ما بالنا نكره الموت فقال لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنقلوا من العمران إلى الخراب، وقيل له كيف ترى قدومنا على الله عز وجل فقال أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، فقيل له وكيف حالنا عند الله تعالى فقال اعرضوا أعمالكم على الكتاب، فإن الله سبحانه يقول: ]إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ & وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ[[15], فقيل له فأين رحمة الله فقال: إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين”[16]، أفلا ينبغي لنا أيها الإخوة أن نقطع لذلك لذيذ الرقاد، ونضج ضجيج الثكلى لرب العباد، وننوح على أنفسنا كل مساءٍ وصباح، ونرتدع عن جميع الخطايا، ونتنصل عنده مما فعلناه من الذنوب والبلايا، ونسأله العفو عما ارتكبناه من السيئات، والإقالة من العثرات، ونتوسل إليه في هذا اليوم العظيم الذي هو سيد الأيام، بإكثار الصلاة والسلام على محمدٍ وآله العلام.
اللهم صلِّ على من لولاه لما خلقت الأفلاك[17]، ولا أوجدت الإنس ولا الجن ولا الأملاك، فهو علة كل موجودٍ إلاك، فلا فخر بعد فخره ولا سؤدد، النبي العربي المؤيد، والرسول الهاشمي المسدد، شفيع المذنبين ورحمة رب العالمين أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على العالم العلوي الكبير، والفجر الصادق المستطير، المسخرة لهيبته وأبهته أزمة المقادير، الميزان الإلهي لمعرفة الناجي من العاطب، والفاروق الفاصل بين المحب من الغالي والناصب، الإمام بالنص أمير المؤمنين بالحق علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على جوهر قلادة المروة والرحمة، ودرة تاج الصفوة والعصمة، ذات الهموم المتعاظمة، والأحزان المتفاقمة، أم الحسنين بنت نبينا فاطمة.
اللهم صلِّ على السيد المتفرع من دوحتي النبوة والإمامة، فهو شاهين ميزان العدالة والاستقامة، وإنسان عين الكمالات ابتداءً واستدامة، ذي الفضائل والفواضل والمنن، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلِّ على من باع نفسه القدسية ابتغاء مرضاتك، وبذل مهجته العلية في جهاد أعدائك، وعرض حرمه وأطفاله لسهام المنية، ليفوزوا عندك بتلك الأمنية، محزوز الوريدين، ومقطوع الوتين، الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.
اللهم صلِّ على الشارب بعده بفضل ذلك الكأس المشئوم، والمتجرع لبقية علقم تلك السموم، المسوق ذليلاً لإرضاء آل زيادٍ الأوغاد، وهو سيد العِباد وزين العُباد، الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين السجاد.
اللهم صلِّ على باقر علوم الأوائل والأواخر، وناشر كنوز المناقب والمفاخر، ومن أصبح وليس له في عصره مفاخر، الذي أُبلغ تحية جده المصطفى على يد جابر، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على الفجر الصادق في سماء العلوم والحقائق، والبدر المشرق في دائرة إيضاح الدقائق، الذي أذعن بفضله المخالف والموافق، الإمام بالنص أبي إسماعيل جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على البدر المحتجب بسحاب الخوف والتقية، والنور المتجلل بغيوم الغموم والبلية، حتى فشى بعد فقد أبيه القول بمذهب الفطحية، سيد الأبرار من آل هاشم، وحجة الله على جميع العوالم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على العالم بأسرار القدر والقضاء، المتساوي عنده ما تأخر من العلوم أو مضى، مقنن أبواب الفقه والقضاء، والشفيع لمن زاره يوم الفصل والقضاء، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على سليل الأئمة الأجواد، بحر العلم والسداد، ومنهل التقوى والرشاد، وباب الله لتحصيل كل مطلبٍ ومراد، الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على من سارت بأخبار فضله الركبان في الحضر والبوادي، وتعطرت بنشر فضائله المحافل والنوادي، وتغنى بنبله وجوده كل سائقٍ وحادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على الكوكب الدري في الشكل البشري، والنور الإلهي في الهيكل العنصري، العالم العبقري والليث الجري، الإمام بالنص أبي المهدي الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ على ذي الطلعة القدسية المهدية، والهيبة العلوية الحيدرية، مظهر القدرة الإلهية، وناشر الراية المحمدية، ومحقق العدالة الإسلامية، محقق دولة الإيمان، ورافع علم القرآن، باهر البرهان، والحجة من الله في هذا الزمان، الإمام بالنص الواضح البيان، مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والأوان.
أنار الله تعالى بطلعته أقطار البلاد، وأخمد بضوء نوره نيران الفتن والفساد، وقمع بصارم عدله ذوي الكفر والإلحاد، وأزال بصارمه شارعة البدع والأضاليل، ومحى بنور إرشاده الفسق والأباطيل، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة حريٌ جدير.
إن خير ما يختم به الكلام في كل مقام، كلام الله الملك العلام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[18].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه هو الغفور الرحيم.
[1] الكافي – ج 1 ص 439 – الشيخ الكليني
[2] سورة الأنبياء:92
[3] سورة البقرة: من الآية285
[4] سورة العنكبوت:46
[5] سورة الأنعام: من الآية159
[6] سورة آل عمران: من الآية103
[7] سورة الأنفال: من الآية46
[8] سورة آل عمران:105
[9] سورة آل عمران:118
[10] سورة العصر
[11] “إن بين الدنيا والآخرة ألف عقبة أهونها وأيسرها الموت”من لا يحضره الفقيه – ج1 – ص134 – الشيخ الصدوق
[12] “عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن فتية من أولاد ملوك بني إسرائيل كانوا متعبدين على ظهر الطريق قد سفى عليه السافي ليس يبين منه إلا رسمه فقالوا: لو دعونا الله الساعة فينشر لنا صاحب هذا القبر فسألناه كيف وجد طعم الموت، فدعووا الله وكان دعاؤهم الذي دعوا الله به: أنت إلهنا يا ربنا ليس لنا إله غيرك والبديع الدائم غير الغافل والحي الذي لا يموت لك في كل يوم شأن تعلم كل شيء بغير تعليم انشر لنا هذا الميت بقدرتك، قال: فخرج من ذلك القبر رجل أبيض الرأس واللحية ينفض رأسه من التراب فزعاً شاخص بصره إلى السماء فقال لهم: ما يوقفكم على قبري؟ فقالوا: دعوناك لنسألك كيف وجدت طعم الموت، فقال لهم: لقد سكنت في قبري تسعة وتسعين سنة ما ذهب عني ألم الموت وكربه ولا خرج مرارة طعم الموت من حلقي، فقالوا له: مت يوم مت وأنت على ما نرى أبيض الرأس واللحية؟ قال: لا ولكن لما سمعت الصيحة أخرج اجتمعت تربة عظامي إلى روحي فنفست فيه فخرجت فزعاً شاخصاً بصري مهطعاً إلى صوت الداعي فابيض لذلك رأسي ولحيتي”الكافي – ج3 ص261 – الشيخ الكليني
[13] لما حضرت الحسن عليه السلام الوفاة بكى, فقيل له: أبن رسول الله تبكي ومكانك من رسول الله صلى الله عليه وآله الذي أنت به؟ وقد قال فيك ما قال, وقد حججت عشرين حجة ماشياً وقد قاسمت مالك ثلاث مرات حتى النعل بالنعل؟ فقال: إنما أبكي لخصلتين: لهول المطلع وفراق الأحبةالكافي – ج1 – ص461 – الشيخ الكليني
[14] بحار الأنوار – ج41 – ص15 – العلامة المجلسي
[15] الانفطار:13/14
[16] “وقال رجل لأبي ذر رحمه الله: ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة فتكرهون أن تنتقلوا من عمران إلى خراب، قيل له: فكيف ترى قدومنا على الله؟ قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه، قيل: فكيف ترى حالنا عند الله؟ قال: أعرضوا أعمالكم على كتاب الله تبارك وتعالى: إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ & وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍالانفطار:13/14 قال الرجل: فأين رحمة الله؟ قال: إن رحمة الله قريب من المحسنين”بحار الأنوار – ج6 – ص137 – العلامة المجلسي
[17] في الحديث القدسي: “لولاك لما خلقت الأفلاك”شرح أصول الكافي – ج9 ص61 – مولي محمد صالح المازندراني
[18] سورة النحل:90
