الجمعة 19 جمادى الأولى 1419هـ المصادف 11 أيلول 1998م
(التحذير من حب الدنيا)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله اعترافا بمنته، واستتماما لنعمته، وطلبا لمغفرته، وتزلفا لحضرته، وفرارا من معصيته، ولجوءا لقدرته، واعتمادا على حمايته، واتكالا على حياطته وعنايته. الذي برأ الخلق بقدرته، وشرع لهم الدين بحكمته، وتكفل لهم بالأرزاق بقوته، ونشر بينهم رياح العلم والمعرفة برحمته، وأنزل عليهم كتب الهداية بلطفه وعنايته، وبعث فيهم الأنبياء والرسل تكميلا لحجته، وإقامة لدعوته.
نحمده سبحانه على ما فطر نفوسنا عليه من معرفته، ونشكره تعالى على ما شرح به عقولنا من إدراك ألوهيته، ونسأله التوفيق للقيام بوظائف طاعته، والعمل بأحكام شريعته، ونعوذ به من شر إبليس ووسوسته، وما يزينه من الموبقات لمن استجاب لدعوته، ونلتمس منه العفو يوم ملاقاته ومحاسبته، والاجتماع مع أوليائه في دار رحمته.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نستجن بها من شر قدره وقضائه، ونتحصن بها مما حوت كنانة المضغن وغلوائه، ونستعين بها على بوائق الدهر وضرائه، ونتفيأ ظلالها يوم ننشر للقائه.
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله، علة وجود الكائنات، ولأجله دحيت الأرض ورفعت السماوات، وببعثته ختمت النبوة والرسالات، وبطاعته تكتسب الخيرات، وتحصل والبركات، وبالسير على هديه يحصل الرقي في الملكات، وتستنزل الرحمات.
صلى الله عليه وآله الأطياب، القادة الأنجاب، الذين ورثهم الحكمة وفصل الخطاب، وقرن بينهم وبين ما أنزل عليه من الكتاب، صلاة نستظل بها يوم الحساب، ونفوز بفضلها بالنجاة من العذاب.
عباد الله أوصيكم ونفسي قبلكم بامتثال أوامر الله سبحانه والإنزجار عن نواهيه، فإنه لا طريق إلى مرضاته إلا بطاعته ولا سبيل للفوز بجنته إلا بالسير على شريعته، والتمسك بهديه، ولزوم جادته التي أمر عباده بالسير فيها باتباع آثار أوليائه، والاستنان بسنن رسله وأنبيائه، وإياكم واستحلاء شهوات هذه الدنيا والانزلاق في حبائلها فإنها عدوة ماكرة، ومتصيدة خطرة، تغري عشاقها بأكل العلقم فيظنونه العسل في حلاوته، وتسقي محبيها نقيع أنيابها وهو السم الزعاف, فيخالونه الشهد من عذوبته، فلا يزالون من خمرة حبها ثملين، وبنشوة ألحانها طربين، وعما يصلحهم في مآلهم غافلين، تمدهم بطول الأمل، وتحضهم على تسويف العمل، وتوقعهم في شباك عدوهم وهو ابليس اللعين بالمكر والحيل، حتى إذا دنت منهم الآجال، وحملوا على رؤوس الرجال، وحُوسِبوا على ما أتوا من الأعمال، أفاقوا من نومتهم، وعضوا الأنامل على ما فرطوا في حق أنفسهم، وتذكروا قول بارئهم: ]وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَ مَتَاعُ الْغُرُورِ[[1].
فاعملوا رحمكم الله على الإفلات من وثاقها، وجاهدوا أنفسكم للخلاص من أسرها وانظروا إليها بعين صحيحة، لم يعشها العشق، ولم يعمها الهوى، ولم تصر بها الرغبة، وتذكروا قول بارئكم جل وعلا: ]وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى & فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى[[2].
جعلني الله وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]الْقَارِعَةُ & مَا الْقَارِعَةُ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ & يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ & وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ & فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ & فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ & وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ & فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ & وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ & نَارٌ حَامِيَةٌ[[3].
وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والتواب الحليم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله ذي الملك والملكوت، والعزة والجبروت، والعظمة واللاهوت، متوحد بوجوب وجود ذاته، متفرد بكمال صفاته، دل على قدرته بغرائب مخترعاته، وعلى قدمه بتجدد مصنوعاته، لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تلاحظه النواظر، ولا تحجبه السواتر، واحد لا بعدد، قائم لا بعمد، دائم لا بأمد، بل هو الفرد الصمد، الذي لم يلد فيكون في العز مشاركا، ولم يولد فيكون موروثا هالكا.
فله الحمد كما ينبغي له على عميم النعم المتواترة، التي من أعظهما نصب الآيات الباهرة، العاصمة لذوي الألباب من غلبة الأوهام الخاطرة، ومن أتمها جعل الدلالات الظاهرة، وله الشكر على أياديه المتكاثرة، وآلائه المتضافرة، شكر مستزيد من فيض ديم جوده الهامرة، ونسأله التوفيق لخير الدنيا والآخرة.
ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، المتقدس بوجوب وجوده عن وصمة الحدوث والإمكان، المتعالي بجلال كبريائه عن الحلول في الزمان والمكان، المتنزه حرم كماله عن الجوهرية والعرضية وسائر توابع الأكوان، المستغني بفردانيته عن اتخاذ الصاحبة والأبناء والوزراء والأعوان، ]وَمَا أُمِرُوا إِلاَ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ[[4].
ونشهد أن محمداً صلى الله عليه وآله بواب قدسه ولاهوته، وحاجب عظمته وجبروته، أقرب المقربين في مقام الصدق والوفاء، وأفضل المخصوصين من لدنه بالاجتباء والاصطفاء، عبده ورسوله، وأن عليا عليه الصلاة والسلام أمير المؤمنين والد أسباطه الأحد عشر، خليفته على كافة البشر، والصراط الذي بين الجنة وسقر.
صلى الله عليهما، وعلى الأئمة الهادين من ذريتهما، صلاة تدوم بدوام الدنيا والدين، وتقتضي الرضا من رب العالمين، وتؤهل لنيل الشفاعة من سيد المرسلين والفوز بالجنة مع الصديقين.
أيها الإخوان النائمون على فرش الاطمئنان، الملتحفون بأردية الأمان، التائهون في صحارى الآمال، الراتعون في مراتع الإهمال، الناسون لما هم مقدمون عليه من الأهوال، التي تذوب منها الجبال، أوصيكم وأبدأ أولا بنفسي التي هي أول تائق إلى تلك الخلال، وسابق إلى مخالفة ذي الجلال، بالاستعداد ليوم المعاد، وما فيه من الشدائد الشداد، فالمسارعة المسارعة، قبل حلول الواقعة، وما أدراك ما الواقعة، سوق وسياق، وحسرة وفراق، ونزع وأنين، وبكاء وحنين، ثم ما يعقب ذلك من القبر وظلمته، واللحد وضغطته، وهول المطلع، وضيق المضجع، وسؤال منكر ونكير، الذين من رؤيتهما الفؤاد يطير، ثم القيام إلى المحشر، وما أدراك ما المحشر، لسان ملجم، وعرق مفعم، وشمس تصلي، وأرض تغلي، والناس بين مجرور ومسحوب، وآخر على وجهه مكبوب، يستغيث من الذنوب، وما جناه على نفسه من الحوب، ونار شديد لهبها، عال لجبها، شرابها صديد، وأصفادها حديد، وإذا قيل لها هل امتلأت قالت هل من مزيد[5]، فأنى لهذه النفوس الجزعة، والقلوب الهلعة، بالصبر على هذه الأهوال، وتحمل ذلك الداء العضال، وكيف لهذا الجسم الذي تؤذيه الشمس بحرها، وتؤلمه البرودة بقرها، وهما أيسر برودة وأهون حرارة، فكيف بنار وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يرأفون بمن ألقي فيها من العباد[6] .
أعاذنا الله وإياكم من النار، وحشرنا معكم في زمرة الأبرار، إنه هو الكريم الغفار، ألا وإنكم في يوم شرف قدره، وأنار بدره، لله فيه عتقاء وطلقاء من النار ممن قام بواجب حقه العلي المنار، ألا وإن من جملة أعماله المأثورة، وأشرف أفعاله المبرورة، الصلاة والسلام على أرباب الكرم والجود، ومن هم العلة لكل موجود، محمد وآله أقمار السعود، وأمناء الملك المعبود.
اللهم صلِّ على من بعثته للموحدين نعمة وبشرى، ونقمة على من عبد يعوق ويغوث ونسرا، وأنزلت عليه القرآن هداية وذكرى، وجعلت مودة ذوي قرابته لرسالته أجرى، الحصن الإلهي المشيد، والرسول العربي المؤيد، أبي القاسم المصطفى محمد.
اللهم صلِّ على باب مدينة علمه، الشارب من منبع علمه وحلمه، عيبة العلوم الربانية، وكنز المعارف السبحانية، ووسيلة العوارف الرحمانية، الشهاب الثاقب، الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على الدرة النادرة، والجوهرة الفاخرة، والمعصومة الطاهرة، البتول الغراء، أم الحسنين فاطمة الزهراء.
اللهم صلِّ على السبط الممتحن، الصابر على عظائم المحن، من ذوي الحقد والإحن، المرتهن بحوادث الزمن، القائم بالفرائض والسنن، الإمام بالنص أبي محمد السبط الحسن.
اللهم صلِّ على مجلي حلبة السعادة، بما ناله من عظيم الشهادة، ومحلي جيد السيادة، بما رفع من أعلام الدين وشاده، مقطوع الوريدين، ومعفر الخدين، الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.
اللهم صلِّ على من أحيا رسوم العبادة، وأقام دارسها وشاده، خير من أنارت به أندية الصلوات، وأفضل من زهرت به حنادس الخلوات، الإمام بالنص أبي محمد علي بن الحسين ذي الثفنات.
اللهم صلِّ على مصباح العلم الزاهر، وبحر الحلم الزاخر، ذي الصيت الطائر، بين كل باد وحاضر، والذكر السائر في النوادي والمحاضر، الإمام بالنص أبي جعفر الأول محمد بن علي الباقر.
اللهم صلِّ على مجدد أركان الشريعة، وباني حوزتها المنيعة، ذي الدرجة الرفيعة، أفضل صادع بالحق وناطق، وأكمل بارع في نشر الحقائق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق.
اللهم صلِّ على ناظم قلائد العوارف والمراحم، ومؤسس مدارس الفضيلة والمكارم، الصابر على كل خطب متعاظم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم.
اللهم صلِّ على طود العلوم والمعالي، وكنز المفاخر المشحون بغوالي اللآلي، ومن ليس له مفاخر مدى الأيام والليالي، ذي الفضل الذي أشرق في سماء العالم وأضاء الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على ربيع البلاد، ومنبع الفضل والسداد، المتكرم بالطارف والتلاد، سيد الأجواد، الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد.
اللهم صلِّ على إمامي الأبرار، وخصمي الفجار، طيبي النجار، ومن بهما تحط الأوزار، العريين من وصمة الشك والرين، الإمامين المنصوصين، أبي الحسن علي الهادي وابنه أبي محمد الحسن العسكريين.
اللهم صلِّ عل الطلعة المجللة بالهيبة والظفر، والدولة المخدومة بالقضاء والقدر، والغرة المجللة بالنور الأزهر، شريك القرآن، وباهر البرهان، والحجة على كافة الإنس والجان، الإمام بالنص مولانا أبي القاسم المهدي بن الحسن صاحب العصر والزمان.
عجل الله تعالى فرجه، وسهل مخرجه، وبسط على وسيع الأرض منهجه، وجعلنا من المشمولين بدعوته، الآمنين أيام دولته، إنه على ما يشاء قدير.
إن أبلغ ما وعظ به الواعظون، واتعظ به المتقون، كلام من يقول للشيء كن فيكون، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[7].
وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفور رحيم وتواب حليم.
[1] سورة الحديد: من الآية20
[2] سورة النازعات:40-41
[3] سورة القارعة
[4] سورة التوبة: من الآية31
[5] يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ قّ:30
[6] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ سورة التحريم:6
[7] سورة النحل:90
