الجمعة 26 جمادى الأولى 1419هـ المصادف 18 أيلول 1998م

(حفظ الأهل والأولاد وأهمية تعليمهم)

الخطبة الأولى:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله الذي محق غسق الجهالة بنورِ دلالته، وأوضحَ طرقَ الدراية بشمسِ هدايته، فنجى من اتبع آياته وبينتهَ، وهلك من أصر على عنادهِ ومخالفته، فسبحانه لا إله إلا هو ما أعظم شأنُه، وما أوضح بيانُه، وما أتم برهانُه، وما أبلغ حجتُه، وما أبلج طريقتُه، بلطفه ومنه ينيرُ الطريقَ للمتوسمين، ويجزلُ الثواب للعاملين، ويرفعُ الدرجات للمتقين، ويكشفُ الضر عن المتوكلين، ويدفعُ السوء عن الصابرين.

نحمده سبحانه بجميعِ محامده، ونشكره تعالى على جوائزهِ وعوائده، ونستهديهِ لسلوك طرائق مقاصده، ونعوذ به من وسوسةِ الشيطانِ ومكائده، ونتوكلُ عليه في دفع كل باغ لا يرقبُ الله عند تحقيقِ مقاصده، ونستعينهُ على القيام بما ندبنا إليه من شرائف عباداته، وأمرنا به من وظائف طاعاته.

ونشهدُ ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، فاطرُ العقولِ على الإذعان بوحدانيته، وثاقبُ الأذهانِ على الإنقياد لألوهيته، شهادةً نقرَّ بها عيونا إذا برقت الأبصار، وتبيّض بها وجوهُنا إذا اسودت الأبشار، ونحتمي بها من كلِ متكبرٍ جبار.

ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله عبده ورسوله، الذي انشق لإجابة دعوته القمر، واخضرّ العودُ اليابسُ في كفهِ وأثمر، وكان يرى من خلفه كما يرى من بين يديه إذا نظر، ونشهد أن الخليفة من بعده بلا فصلِ أمير المؤمنين صلوات الله عليه صاحبُ اللواء والكوثر, الذي لا ينكرُ فضلهُ إلا من ضل وكفر.

صلى الله عليهما وآلهما الأئمة الهداة، الذين بموالاتهم تكتسبُ الجنات، وتزول البليات، وبمتابعةِ أوامرهم تتجنب النكبات، وتقالُ العثرات، وترفع الدرجات، صلاة دائمة بدوام الأرض والسماوات، محفوفة بالتحياتِ والبركات، موصلةً لسكنى القصور والغرفات.

عباد الله أوصيكم وأبدأ بنفسي الجانية قبلكم بتقوى الله سبحانه، والسعيِ إلى تحصيل مرضاته، وأحذركم ونفسيَ أولا من الإصرارِ على معاصيه، والمداومة على ما يسخطه، فإن ذلك مما يجلبُ نقمته، ويوقعُ العبد تحت طائلةِ مؤاخذته، فاتقوا الله سبحانه في أنفسكم فألزموها بالطاعة، وزموها عن المعصية، وحاسبوها على ما تفرطُ في أمر سيدها قبل أن تحاسب غداً حساباً عسيرا.

واتقوا الله سبحانه فيمن استرعاكم أمورهم وولاكم شؤونهم من الأهل والأبناء فإنه سبحانه ندبكم إلى ذلك بل أمركم به وأوجبهُ عليكم فقالَ جل من قائل: ]يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ
 شِدَادٌ
[[1]، فوقايةُ النفسِ عن السقوط في النار يكونُ بكفها عن محارم الله سبحانه، وإلزامها بالقيام بفرائضه وواجباته، وتهذيبها بأخلاقه التي أوحاها إلى رسله، وأحبها لعباده؛ ووقايةُ الأهلِ والأبناء والتابعين تكونُ بتربيتهم على طاعة الله جل ذكره، وتعويدهم على الإلتزامِ بشرائعه، بالوعظ والنصح حينا، وبالتأديب ولو بالضرب غير المبرح حينا آخر. فإن الإنسان إذا تركَ القيامَ بما أوجبهُ الله عليه في حق أولاده وأهل بيته، كان محاسبا غدا على إهمالهم، وليس مقتضى التربيةِ والرعاية المأمور بها  مجردُ توفير المأكل والملبس لهم، ثم تركهم من دون تعليمٍ لعقائد الدين، وتعويدٍ على خلال الخير، وخلق الإسلام، وخاصةً الأبناء، لأنهم فروع الرجل الذين يحفظونَ بقاءهُ على قيدِ الحياة كما يقولُ الرسولُ الأعظم صلى الله عليه وآله: يموت المرء إلا من ثلاث صدقة جارية له في حياته فهي تجري له بعد وفاته، وولد بار يستغفر له وكتاب علم ينتفع به أو قال يعمل به[2]؛ فجعل الولد أحد الوجوه التي يبقى بها الإنسان حياً يرزقُ الثواب، ويخففُ به عنه العقاب، وفي الحديث أنه “مر عيسى بن مريم – على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام – بقبر يعذب صاحبه ثم مر به من قابل فإذا هو لا يعذب فقال : يا رب مررت بهذا القبر عام أول فكان يعذب ومررت به العام فإذا هو ليس يعذب؟ فأوحى الله إليه أنه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقا وآوى يتيما فلهذا غفرت له بما فعل ابنه”[3]؛ وكما يستفيد الإنسانُ من ولده الصالح ويكون وجودهُ وجودَ بابٍ يدخل عليهُ منهُ الثواب، كذلك يتضررُ الإنسان من ولده الفاسد إذا كان سببُ فسادهِ وانحرافه عن الدين راجعاً لإهمال أبيه له، وعدم قيامه بإعطائهِ حقهُ في التربيةِ والتوجيه، والنصحِ والتأديب، عندما كان صغيرا؛ والولد الصالحُ ميراث الله من عبده المؤمن، فعن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله: “ميراث الله عز وجل من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده”[4]؛ ولذلك ترى الأنبياءَ والصالحينَ والصديقينَ يسألونَ الله سبحانهُ الذريةَ الطيبة فهذا زكريا عليه السلام يقول كما حكى الله سبحانه عنه في كتابه:
]رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ[[5]، وقال عن الصديقينَ والصالحين ووصفهم بقوله تعالى: ]وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً[[6]؛ وإذا كان الإنسانُ مسئولاً عن ذريته التي ينجبها والتي تعتبرُ امتداداً لوجوده، ومعونةً له على جميع شئونهِ وهمومه، فيلزمه أن يقومَ لهم بواجبِ الرعايةِ والعناية من جميع الجهات، وأن لا يتركَ ثغرةً يدخلُ منها عليهم ما يضرُهم في دينهم أو دنياهم إلا سدها.

عباد الله وها أنتم على أبواب عامٍ دراسيٍ جديد، فغداً تفتحُ المدارسُ أبوابها فاعملوا على حثِ أولادكم على المثابرة على الدراسة، وشجعوهم على التحصيل العلمي في مختلفِ فروعِ المعرفة، فإن العلم كله بجميعِ أبوابهِ وأقسامهِ وفروعه يصلحُ أن يكونَ دليلاً على الخالقِ جل وعلا، فهو من وسائلِ المعرفةِ المنجية، إذا عرف صاحبها كيف يصلُ من خلالها إلى ساحل الحقِ واليقين، كما أنه موصلٌ والعياذ بالله إلى الهلكة إذا استعمله حاملهُ للعملِ على معصية الله سبحانه، والتشبيه على عباده، لأنه يكونُ في تلكَ الحالِ من الغاوين كما يقول سبحانه وتعالى: ]وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ[[7]؛ بالإضافةِ إلى أن العلمَ أيّ علمٍ كانَ هو من أسبابِ القوةِ في هذه الحياة، ووسيلةٌ للكسبِ والاحترام، بين أبناء الدنيا، فحثوا أولادكم على المراجعةِ والتحصيل العلمي، وراقبوهم حتى لا يهملوا ما يدرسون وينهمكوا في اللهو واللعب، فأنتم مقبلونَ على زمنٍ لن يتمكنَ من العيشِ فيهِ باحترام إلا من كانت له صنعة، وبيده عليها شهادة، فتجعلهُ مقبولاً في ميدانٍ من ميادين العمل، وإنّ رقيَ كلِ فئةٍ اجتماعية وكل شريحة وقوتها إنما تقاسُ بما بينَ أبنائِها من الخبراءِ والعلماءِ في شتى الميادين فإذا لم تلتفتوا إلى هذه النقطة وبقيَ الأبناءُ غيرَ جادينَ في تحصيلهم العلمي فسوف يعيشون في هذه الدنيا ضعفاءَ أذلاء، ويصدقُ عليهم ما يرغبُ لهم الأعداء أن يكونون فيه، أن يكونوا شريحةً من المجتمع جاهلةً متخلفة، لا تصلحُ إلا للأعمالِ الواطئة كأن يكونوا كناسين أو زبالين وأمثالها، وأن تكون جميعُ الوظائفِ والمناصبِ والمراكزِ بأيديهم هم , لأنهم المؤهلون لها دونكم، فلا تتساهلوا مع الأبناء في التحصيلِ العلمي، ولا تعذروهم في ذلك أبدا.

وكما يجب عليكم أن تأهلوا أبناءكم للعيش الكريم بالحثِ على الدراسة، كذلك يجب عليكم – بل هو أهم من تلك النقطة مع أهميتها وضرورتها – أن تهتموا بمستقبلِ هؤلاءِ الأبناء الديني والخلقي، لأن هذه الناحية هي السببُ الحقيقي للسعادةِ الدائمةِ في الدنيا والآخرة، فالمطلوب من الأب الحريصِ على مستقبل أبنائه أن لا يسمحَ لهم بمعاشرة الفسدةِ والغاوين والمنحرفين، فإن للعشرةِ تأثيراً على المعاشر وقديما قال الشاعر:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينهِ          فكلُ قرينٍ للمقارنِ ينسبُ

ولا تربط الجرباء قربَ صحيحةٍ          خوفا على تلك الصحيحةِ تجربُ

بل إن الله سبحانه تحدثَ عن قرين السوء فقال جل ذكره: ]وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً[[8]، وقال في آية أُخرى يصفُ فيها تذمرَ قرناءِ السوء من بعضهِمِ البعض وهم يصلون عذاب جهنم قال تعالى: ]وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ & وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ & حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ &وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ[[9]؛ وذكرَ الله سبحانهُ الناجين من أهل الجنة وهم يتحدثون عن قرين السوء الذي حاول أن يجرهم معه إلى النار لولا فضل لله سبحانه عليهم فقال عز وجل: ]فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ & قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ & يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ & أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ & قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ& فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ& قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ& وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ[[10]؛ فاتقوا الله عبادَ الله في أولادكم ولا تسمحوا لهم بمعاشرةِ المنحرفينَ عن دين الله سبحانه فيضلونهم عن سبيله، فإن الشيطانَ الذي يقيضُ لمن ينحرفُ عن الخط الإلهي لا يلزمُ أن يكون من شياطينِ الجن، بل قد يكون من شياطين الإنس الملحدين الضالينَ الغاوين، فيضَلهُ عن سبيلِ ربه، ويدخلهُ النارَ معه، وعندئذٍ تكونُ بضعةٌ منك وثمرةٌ من ثمراتك، وفرعاً من فروعك حطباً لجهنم، والعياذُ بالله، وقد تكون أيها الإنسان مع ذلك مؤاخذاً على تفريطك، في حقِ من استرعاكَ الله شأنه، فلم تقم بواجبِ الرعاية له.

جعلنا الله وإياكم من الموفقين العاملين، ونجانا معكم من نومة الغافلين المقصرين، وجعل لنا ولكم من الذريةِ الطيبةِ المؤمنةِ بربِ العالمين، المرتبطة بالولاءِ للأئمةِ المعصومين إنه بالمؤمنين رحيم.

إن أبلغ ما ختمَ به خطيب، وأعظمَ ما اتعظ به لبيب، كلامُ الله الحسيبِ الرقيب أعوذ بالله السميعِ العليمِ من الشيطانِ الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[11].

وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم والمنان الكريم.

الخطبة الثانية:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله يقيل عثرة النادمين، ويقبل التوبة من المنيبين، ويضاعف الحسنات للطائعين، ويمحو سيئات المستقيلين، ويحفظ أجر العاملين ويتقبل من المحسنين. أعلامه لائحة للقاصدين، وأبوابه مفتوحة للداخلين، وموائده معدة للطاعمين، ومشاربه مترعة للواردين.

نحمده سبحانه على عظيم النعماء، ونشكره على جزيل الآلاء، ونلجأ إليه في السراء والضراء، ونستدفع به كيد الحساد والأعداء، ونستكفيه مهمات الآخرة والأولى.

ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرد بالقدم في الوجود، فهو الأول في الإبتداء، الباقي بعد فناء الأشياء، فطر عقول الخلق على إدراك أزليته وأبديته، وشرح نفوسهم للإيمان بربوبيته وألوهيته.

ونشهد أن محمدا صلى الله عليه وآله سفيره في بريته، ورسوله إلى عامة خليقته، أنزل عليه الكتاب بالحق وأمره بإعلان دعوته، وجعله دليلا إلى جواد طاعته، فبلغ رسالات ربه، وبشر المذنبين، ليفوزوا بالمسارعة إلى التوبة عن معصيته وأنذر المنيبين أن ينزلقوا في مهاوي معصيته.

فصلِّ اللهم عليه وآله مصابيح الدجى، وكهف الورى، والعروة الوثقى، بأفضل صلواتك، وبارك عليهم بأطيب بركاتك، وحيهم بأزكى تحياتك، وعلى من شايعهم يإيمان، وتابعهم بإحسان، إنك حميد مجيد.

عباد الله أوصيكم ونفسي الجانية الآثمة قبلكم بتقوى الله حق تقاته، والقيام بواجب أوامره ومنهياته، وتوجيه المساعي تلقاء زواجره وعظاته، وما يقرب من طاعاته ومرضاته، وترصدوا للموت فلكل طالع أفول، وتزودوا لدار الإقامة فلكل غائب رجعة وقفول، واتخذوا الدنيا طريقا مسلوكا لا بيتا مملوكا، فما هي إلا حانوت لا يطرق إلا للتجارة، وبيت لا يسكن إلا بالإجارة، وما الحياة الدنيا إلا أنفاسٌ تتردد حتى تنقطع، وقاماتٌ تتمدد حتى تنقلع، فيا عجبا لمن عاين تلون الليل والنهار كيف يغتر بدهره، ومن أيقن أن بطن الثرى مضجعه كيف يمرح على ظهره، ومن عرف تقلب الدهر بأهله كيف لا يزهد فيه، ومن شغله هم الآخرة كيف يضحك بفيه. فإلى أين المفر والمهرب وهذا الموت في الطلب، وكل ما هو آتٍ قريب، ومن بعد الموت عجبٌ عجيب، فاستشعروا رحمكم الله الوقوف في عرصات الحساب، وقد طاشت هناك الألباب، وسدت الأبواب، وأرخي دون التوبة الحجاب، واصطفت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وأشرقت الأرض بنور ربها، ووضع الميزان[12] والكتاب، وجيء بالنبيين والشهداء والصديقين وقضي بينهم وهم لا يظلمون[13].

فرحم الله عبدا تفكر فاعتبر، وأبصر إدبار ما قد أدبر، وحضور ما قد حضر، ألا إنكم في يوم عظيم الشأن، وهو سيد الأيام، كما ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله الكرام، ففيه تضاعف الحسنات، وتمحى الآثام، وقد جعله الله لأسبوعكم مجمعاً وعيدا, ولكم وذخرا وكرامة وشرفا، وأوجب عليكم فيه الاجتماع من سائر البقاع، والإنصات لما يلقى من المواعظ والاستماع، ألا وان من أفضل الأعمال التي تكفر الذنوب في الحال، وتستر من العذاب في المآل، هي الإكثار من الصلاة والسلام على محمد والطيبين من الآل.

اللهم صلِّ على من ختمت به المرسلين، ونبأته وآدم بين الماء والطين، الدائس بساط قدسك بالنعلين، والفائز من قربك بقاب قوسين، نبيك المؤيد، ورسولك المسدد، أبي القاسم المصطفى محمد.

اللهم صلِّ على البدر الطالع من دوحته العلية، والنور المشع من دائرته المضية، أخيه بالمؤاخاة الظاهرة ونفسه الحقيقية، الذي جعلته رحمة للشيعة الأطائب، وميزتهم بحبه عن النواصب، آيتك في المشارق والمغارب، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.

اللهم صلِّ على الدرة السنية، والجوهرة العلية، والذات القدسية، البتول النوراء، بنت نبينا فاطمة الزهراء.

اللهم صلِّ على النور المتفرع من دوحتي النبوة والإمامة، ميزان الإقامة والاستقامة، ذي الفضائل والفواضل والمحن، السبط الممتحن، الإمام بالنص أبي محمد الحسن.

اللهم صلِّ على من باع نفسه الزكية ابتغاء مرضاتك، وبذل مهجته العلية في جهاد أعدائك، معفر الخدين ومحزوز الوريدين، الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.

اللهم صلِّ على من تجرع بعد أبيه كاسات المصائب، وقاسى الفجائع بقتل الغرر من آل غالب، قدوة الموحدين، ومصباح المتهجدين، الإمام بالنص أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين.

اللهم صلِّ على البحر الزاخر، بنفائس الجواهر، والغيث الهامر، باللؤلؤ الفاخر، صاحب المناقب والمفاخر، الإمام بالنص أبي جعفر الأول محمد بن علي الباقر.

اللهم صلِّ على غواص بحار الجفر والجامعة، المخرج منهما اليواقيت القدسية اللامعة، الفجر البارق في ديجور الجهل الغاسق، الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر الصادق.

اللهم صلِّ على قطر دائرة المآثر، بل عين المكارم، زينة الأكابر، بل مقتدى الأعاظم، الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفر الكاظم.

اللهم صلِّ على من ارتفعت ببركته حنادس التقية، وانزاحت بفضل حنكته عن شيعته البلية، الضامن لمن زاره الفوز يوم الجزاء، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي الرضا.

اللهم صلِّ على الهادي إلى طريق السداد، والقائد إلى سبيل الحق والرشاد، ملجأ الشيعة يوم التناد، الإمام بالنص أبي جعفر الثاني محمد بن علي الجواد.

اللهم صلِّ على من أذعن بفضله الخصوم والأعادي، وتعطرت بذكر محامده المجالس والنوادي، الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمد الهادي.

اللهم صلِّ على السيد السري، والبدر المضي، والكوكب الدري، الإمام بالنص أبي محمد الحسن بن علي العسكري.

اللهم صلِّ على الكنز المختوم، إلى الأجل المعلوم، النور المستتر عن الظهور، بغيوم الجور والفجور، والبدر المنقبض عن الظهور، حتى تعاظم في الدين الفتور، شريك القرءان، وباهر البرهان، وإمام الإنس والجان، الإمام بالنص مولانا المهدي بن الحسن صاحب العصر والأوان.

عجل الله تعالى فرجه، وبسط في فسيح الأرض منهجه، ومتعنا بالنظر إلى غرته الشريفة، ووفقنا لاستجلاء أشعة طلعته المنيفة، إنه على كل شيء قدير، وفعال لما يريد.

إن أمتن الكلام، وأبلغ النظام، كلام الملك العلام، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[14].

 أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات إنه غفور حليم وتواب رحيم.


[1]  سورة التحريم: من الآية6

[2]  “إذا مات المؤمن إنقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له” بحار النوار – ج2 ص22 – العلامة المجلسي، “لا يتبع الرجل بعد موته إلا ثلاث خصال: صدقة أجراها لله له في حياته فهي تجري له بعد موته، وسنة هدي يعمل بها، وولد صالح يدعو له”وسائل الشيعة – ج19 ص172 – الحر العاملي، “خير ما يخلفه الرجل بعده ثلاثة: ولد بار يستغفر له….”بحار الأنوار-ج6-ص294-العلامة المجلسي، راجع: بحار الأنوار – ج68 ص257 – العلامة المجلسيوسائل الشيعة (آل البيت) – ج19 ص174 – الحر العاملي – تحف العقول – ص264 – طبع مؤسسة الأعلمي – الطبعة7 – بيروت 2002م 1423هـ

[3]  الكافي – ج6 ص3 – الشيخ الكليني

[4]  الكافي – ج6 ص4 – الشيخ الكليني

[5]  سورة آل عمران: من الآية38

[6]  سورة الفرقان:74

[7]  سورة الأعراف:175

[8]  سورة النساء: من الآية38

[9]  سورة الزخرف:36-39

[10]  سورة الصافات:50-57

[11]  سورة العصر

[12]   وَوَضَعَ الْمِيزَانَالرحمن: من الآية7

[13]   وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونسورة يونس: من الآية54

[14]  سورة النحل:90

... نسألكم الدعاء ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *