الجمعة 10 رجب 1422هـ المصادف 28 أيلول 2001م
(ورثة الأنبياء)
الخطبة الأولى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المتفرد بوجوب وجوده, الدّاعي إلى بساط أنسه بصادق وعوده, المتقرّب إلى عباده بكرمه وجوده, الذي خلق الليل والنهار بقوته, وميّز بينهما بلطيف حكمته, وأولج كلاً منهما في صاحبه للدلالة على قدرته, فمحا سبحانه آية الليل وجعله لخلقه لباسا, ينالون فيه اللذة والطّرب, ويقضون خلاله الشهوة والأرب, وسباتاً يستريحون فيه من حركات السعي والتعب, ونهضات الكسب والنصب, وجعل النهار مبصرا, ليستفيدوا فيه من فضله وفضائله, ويسعوا في أرضه طلباً لمنحه ونائله, كلّ ذلك إصلاحاً لشأنهم, وإقامةً لأودهم, وقطعاً لحجتهم ولجاجهم.
نحمده سبحانه على ما نصبه لنا من المنار اللائح, وما أقامه لنا من البرهان الواضح, وما هدانا إليه من الشرعة المحمّدية, واختصنا به من الولاية المرتضويّة, فميّزنا بها على سائر البرية, ونعوذ به جلَّ اسمه مما تحوكه لنا الزمرُ الغوية, وتبيّته لنا الجيوش الغربية أو الشرقية, ونتوكل عليه في دفع كل بلية, والتغلب على كل بائقةٍ دوية, ونسأله الأمن عند نزول المنية, والعفو عن كل سقطةٍ دنية.
ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له, ساطح المهاد, وبارئ العباد, الذي أبدع وأجاد, وابتدع وأعاد, وأهلك فرعون وعاد, ودحر نمرود وأباد, فهو القوام والعماد, وعليه الاتكال والاعتماد, في دفع أهل الشر والفساد, وقطع دابر ذوي الشقاق والعناد.
ونشهد أنّ محمداً صلى الله عليه وآله أفضل من استعبده وأرسله, وأشرف من حباه بالمواهب وبجّله, وفتح له كنوز الخير وبالخلق العظيم جلله, ابتعثه والدين منتكس الأعلام, منطمس الأحكام, والكفر منتشرٌ في الأنام, ذو مقامٍ وقوام, وجيوشٍ وأقوام, والناس في مهاد الغفلة نيام, يعبدون الأصنام, ويكرعون كؤوس المدام, ويتقاسمون بالأزلام, لا يوفون بعهد, ولا يرعون ذمام, فلم يزل صلى الله عليه وآله يقشع الظلم, ويوسع العفو والكرم, ويرفع للحنيفية الراية والعلم, حتى ذلل الشوامس, وأرغم المعاطس, وأيقظ النائم وأفاق الناعس, وأنار الدامس.
صلى الله عليه وآله أساس الدين, وعماد اليقين, وقادة المتقين, إلى ربِّ العالمين, فإليهم يفيءُ الغالي, وبهم يلحق التالي, ]أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ[[1].
عباد الله, أوصيكم وأبدأ بنفسي الأمّارة قبلكم بتقوى الله سبحانه, والعمل بما يرضيه, وأحذركم ونفسي قبلكم من الإصرار على معصيته, وارتكاب محرماته ومخالفته, ولا تشغلكم هذه الدنيا الفاتنة عن مراقبة يوم لقائه, فإنكم مهما تمكّن الشيطان أن يشككم في شيء فإنّه لا يستطيع أن يشكّكم في أنكم جئتم إلى هذه الحياة من دون رغبةٍ منكم ولا اختيار, وأنكم مرتحلون عنها من دون إرادتكم واختياركم أيضا, فعقيدة البعث الذي آمنتم بها ينبغي أن تجعلكم حريصين على فعل الطّاعات, والابتعاد عن ارتكاب الموبقات, ولكن هذه الدنيا التي وجدتم فيها للاختبار والابتلاء, تشغلكم عن تذكّر ما أنتم عليه مقبلون, والعمل لما له من الحساب والسؤال واثقون, ولو أنّ كلّ إنسانٍ تذكر يوم لقاء ربه, وعمل للفوز في آخرته, لما وجدتم شيئاً على ظهر الأرض من الشر أو الفساد, وإنما ينساق الناس في طريق الشيطان, ويسلكون مسالك الشر لأن إبليس يُنسيهم ذكرَ أنفسهم, ويشغلهم بهذه الدنيا عن ربهم, فتراهم يتصارعون ويتحاربون على مجدها وزعامتها وقيادتها, بدل أن يتنافسوا للفوز بقرب ربهم ورضاه.
وتذكروا أنّ من نعم الله على الناس أن حباهم بالأولاد والذرية التي بها يستمر بقاء النوع الإنساني, وحبّب ذلك لهم وجعله جبلةً لهم, فالأبناء هم جزءٌ من الإنسان بل هم فلذات أكباده، ترى الرجل والمرأة لا يستقرّ لهما قرار حتى ينجبا ولو فرداً واحدا لأنه عن طريق هذا الابن تستمر شخصيتهما في الوجود, وهذه سنة الله سبحانه وتعالى فحتى الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم وهم صفوة الله من البشر لم يخرجوا عن هذا المنهاج, فهذا نبي الله زكريّا عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام يقول في دعائه كما حكى الله تعالى عنه: ]رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً & وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً & يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً[[2]؛ فهذه الآية المباركة تبيّن بوضوحٍ أن حبّ الذرية والأولاد سنةٌ طبيعية, ولقد فطر الله الخلق في جميع أجناسه وأنواعه على هذه الجبلة حتى تستمر الحياة وتتكاثر هذه الأنواع, كما أنّ هذه الآية ترد على صنفين من النّاس: الصنف الأول الذين يدّعون بأن الأنبياء لا يوّرثون وأنهم يختلفون عن سائر الناس فما تركوه من مالٍ أو عقارٍ أو غير ذلك من حطامٍ يكون صدقةً أو يعود لنفس المنصب وينتقل لمن يحلّ محلهم فيه سواءً بصورةٍ شرعيةٍ أو غير شرعية, لأن زكرياّ قال في دعائه: (يرثني) فيرثه فيما ترك من متاعٍ دنيوي كسائر الناس بل قدّم له بقوله: ]وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائي[[3]؛ فالذي يرثه الموالي من الإنسان إنما هو الحطام الدنيوي وهو الذي يقول عنه سبحانه وتعالى في سورة النساء: ]وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً[[4]؛ فالموالي الذين لا يريد زكريّا أن يؤول لهم إرثه ونتيجة تعبه في هذه الحياة هم عينهم الموالي المذكورون في هذه الآية الذين يؤرثون ما يخلفه الإنسان ممّا جمعه في حياته من حطامٍ ومقامٍ لا يستطيع حمله معه إلى الآخرة, ومنه يتضح أن الأنبياء يؤرثون كما أن سائر الناس يؤرثون.
أما القضية الثاني التي تتكلم عنها هذه الآية المباركة هو أن الأنبياء كسائر الناس يحبون ويرغبون أن تحل أولادهم وذراريهم في المناصب التي أحلهم الله فيها, فعندما قال الله سبحانه وتعالى لإبراهيم: ]إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي[[5]؛ فطلبها لذريته أيضاً ويسأل زكريّا ربه في هذه الآية المباركة أن يجعل ولده الذي يلتمس من الباري أن يمنّ به عليه ويرزقه إياه حائزاً على الكفاءة والصفات التي تأهله أن يرث منصبه ويرث من آل يعقوب, وماذا يرث من آل يعقوب غير المنصب الديني نبوةً أو إمامةً أو وصايةً لنبي كما كان زكريا عليه السلام, فحبّ الإنسان وسعيه لأن يحل ابنه في المقام الذي بوأه الله إياه ليس أمراً يعاب عليه الإنسان طالما هو سنةٌ إلهيةٌ طبيعية وأن الأنبياء أنفسهم أحبُُوا ذلك ورغبوا فيه.
ولكنّ الأولاد والذرية يحمل وجودهم الأب المسئولية العظمى تجاههم فهذه النعمة الكبرى في حقيقتها ابتلاءٌ وامتحانٌ للإنسان, هل يحسن شكرها, ويؤدي ذلك لربه, هل يقوم بتنشئة ابنه كما يريد الله سبحانه ويعلمه العقائد الصحيحة, ويدربه على السلوك المستقيم, ويحضّه على العمل بأحكام الله سبحانه وتعالى ويرشده إلى ما يصلحه في دنياه وآخرته ويبعده عن أتباع الشيطان الذين يقفون للناشئة في كل مفترق طريق, وعلى قارعة كل درب يضلون عباد الله ويبعدونهم عن دين الله, هل سيقوم برعاية أولاده وبناته باعتباره راعٍ قد ألقى الله على كاهله مسئولية الجيل الجديد الذي يحب أن يرثوه في كل شيءٍ أن يرثوا ماله ويرثوا منصبه ويرثوا مقامه في قومه؟, أم تراه يهملهم يواجهون الدنيا من دون توجيه, ويقعون على الأمور بغير بصيرة؟ يقول الرسول الأعطم صلى الله عليه وآله: “كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته”[6]؛ فهل سيقوم لهم بحق الرعاية والنظر أم سيكتفي بتوفير الأكل واللبس وسائر الماديات لهم؟ ثمّ لا يكلف نفسه أن ينشأهم النشأة الصالحة التي تجعلهم موضع الاحترام في المجتمع, وموضع القبول والرضا عند الله سبحانه وتعالى؟
عباد الله, إنكم على باب عامٍ دراسيٍ جديد فوجهوا فلذات أكبادكم وخلفاءكم غداً على دينكم وحضارتكم, ووراث ما تخلفونه من نشبٍ أو مقامٍ تعبتم على تحصيله الوجهة الصحيحة التي تسعدهم في الدنيا والآخرة, ادفعوهم للتحصيل العلمي الذي به تقوم حياتهم وبه تدرّ معائشهم, وبه تقوى الأمة وتستغني عما في أيدي الأغيار من العلم والخبرة, ولكن أيضاً راقبوهم أشد المراقبة, وتفقدوا من يصاحبهم ومن يعلمهم وبمن يتأثرون من الأساتذة والأصدقاء والأصحاب فلم تعُد المدارس كما كانت سابقاً لا يقبل فيها إلا من عُلم بصلاحه وورعه وتقواه حتى يعتمد عليها في تهذيب الأخلاق وتثبيت العقيدة والدين, بل تغيرت الحال وأصبحت المدارس والمعاهد تعج بالمنحرفين سلوكياً وعقائدياً, أصبح فيها الملحد والفاسق والمبدع, ومن لا ينظر إلى الدين إلا على أنه من أساطير الأولين, فلا تغفلوا عن أبنائكم وبناتكم, وتتكلوا على المدارس في تنشأتهم وتهذيبهم فإن ميراث الله من عبده المؤمن ولدٌ صالحٌ يوحده ويطيعه, وأن للأب الثواب الجزيل عند الله وأن الابن هو استمرار لحياة الأب كما في حديث يموت المرء إلا من ثلاث[7] المتواتر بين المسلمين, كما أن الأب مسئولٌ غداً في القيامة عن تفريطه في تربية أولاده وذريته وتقصيره في إرشادهم وتعليمهم أمور دينهم أشد من مسئوليته لو تركهم من دون تعليم مهنةٍ يتكسبون بها ما يغنيهم عن السؤال.
فاتقوا الله عباد الله فيمن استرعاكم الله شئونهم, وابتلاكم بالقيام بلوازمهم من الأبناء والبنات، ولا تهملوا هذا الأمر الخطير فتقدموا فلذات أبنائكم لأولياء الشيطان لقمةً سائغة يحولونهم جيوشاً يحاربون بها دينكم وعقائدكم, ويسفهون بها أحلامكم ويسقطون بها حضارتكم ثم يدخلونهم للنار غداً فتتألمون لهم.
جعلنا الله وإياكم من المهتدين, ووفقنا جميعاً لما فرض علينا من فرائض الدين, وجعلنا وذرارينا من المؤمنين برب العالمين, وأنقذنا وأبناءنا من مكائد الملحدين وحلفاء الملحدين, وصرف عنا كيد الشياطين بحق محمدٍ وآله الطاهرين.
إنّ خير نُصحٍ وأبلغ خطاب, كلام الله الملك الوهاب, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]وَالْعَصْرِ & إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ & إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[[8].
وأستغفر الله لي ولكم إنه غفورٌ رحيم وتوابٌ كريم.
الخطبة الثانية:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله يضاعف الحسنات للطائعين, ويحفظ أجر العاملين, ويتقبل من المحسنين, ويقيل عثرة النادمين, ويقبل التوبة من المنيبين, ويمحو سيئات المستقيلين, أعلامه لائحة للقاصدين, وأبوابه مفتوحة للداخلين, وموائده معدة للطاعمين, ومشاربه مترعة للواردين.
نحمده سبحانه على أنْ شرح قلوبنا للإيمان بربوبيّته, وفطر عقولنا للإذعان بوحدانيته, وجعلنا ممن استجاب لدعوته, ونشكره على أن هدانا لتصديق رسله, وفتح لنا من أبواب الطّاعات ما يوصلنا إلى الاستفادة من لطفه وامتنانه، ويؤهلنا لنيل فضله وإحسانه.
ونشهد ألاّ إله إلاّ الله وحده لا شريك له, ذو النعم التي جلَّ عن الإحصاء عددها, والمنن التي عزّ على التحديد أمدها, والحجج التي انبهر بصدقها جاحدها, العالم بالخفيّات فلا يخفى عليه معتمدها, المطلع على النيّات فلا يشتبه عليه غافلها وعامدها.
ونشهد أنّ محمداً صلى الله عليه وآله عبده المجتبى في عالم الأشباح, ورسوله المنتجب في عالم الأرواح, حيث أخذ على كافة الأنبياء ميثاقه, وألزم جميع الموجودات وفاقه, ثم أخرجه إلى عالم الأكوان, وأنزل عليه القرآن, هدىً للناس وبينات من الهدى والفرقان, ورحمةً لمن أطاع الملك الديان, وحجةً على من أصر على الطغيان.
صلى الله عليه وعلى ابن عمه الذي بنفسه فداه, وأفشل ما بيّته أعداه, وعلى آلهما كنوز الرحمن, وأساس الإيمان, ومفاتيح الجنان, صلاةً تكون لنا يوم الفزع الأكبر مفتاح أمان.
عباد الله, أوصيكم ونفسيَ قبلكم بتقوى الله سبحانه, في السر والعلن, ومراقبته في كل ما ظهر من أفعالكم وما بطن, وأحذركم ونفسي أولاً من الانصياع إلى وساوس الشيطان, المصرّ على إخراجكم من ساحة الرحمة والغفران, وزجكم في حفائر العذاب والنيران, فلا تغترّوا بمكائده فإنه مخادعٌ مكّار, وقد نبّهكم على عداوته الملك الجبار, فالحذار الحذار من هذا العدو الغدار, لا تظنوا أن حِيَله لا تنطلي إلا على الملحدين, وأن مصائده لا يقع فيها غير الكافرين, بل والله زيّن المروق من الدين, لمن كانوا في النهار صائمين, وفي الليل قائمين، وللقرآن قارئين, حتى خرجوا على أمير المؤمنين, وكفّروا سيد الوصيين, وهم يظنون أنفسهم عن الإسلام مدافعين, وللحق طالبين.
فاتقوا الله عباد الله في أنفسكم, ولا تسلّموها إلى عدوكم, ولا تغتروا بتنميقاته الباطلة, ولا تصدقوا تعليلاته العاطلة, فلا ينفعكم عند الله إلا الزهد في هذه الحياة العاجلة, والعمل للآخرة وإن كانت آجلة, فإنّ هذه العاجلة آفلة, ولذاتها إلى الفناء آيلة، فانجوا بأنفسكم عن مواطن الهلكات, وتجنّبوا ارتكاب الشبهات, فإنّ من ارتكب الشبهات وقع من حيث لا يشعر في المحرمات, وحافظوا على حضور الجمعات, وأنصتوا لما يُلقى إليكم من المواعظ والعظات, ولا يصدنّكم عنها من سفِه نفسه من أهل الجهالات, بالأعذار الواهية والترّهات, فإنها مع اكتمال شرائطها من الواجبات, وقد استفاضت الأخبار عن السادة الأطهار بأن من تركها دون عذر ثلاث جمع متواليات, ختم على قلبه بخاتم النفاق[9]؛ واعلموا أن يوم الجمعة وليلتها من أفضل الأوقات, فيه تُستجاب الدعوات, وتتنزّل البركات وتُقبل التوبات, وتُمحى السيئات, وتقال العثرات, وترفع الدرجات, فبادروا رحمكم الله إلى ملء هذه الأوقات بالطّاعات, ولا تضيعوا ليالي الجمعات في المجالس بالسخافات, أو التحلق لمتابعة المسلسلات, والتسلي بما يعرضه الفسقة على الشاشات من الخلاعات, واجعلوا محافلكم مملوءةٌ بالذكر والمناجات, أو مشغولةٌ بتدارس الآيات, والتبصر فيما ورد لكم عن النبي والأئمة الهداة, خاصةً في هذا الشهر الذي تضافرت في فضله الأحاديث والروايات, ونبّه إلى الإستفادة من أيامه النبي صلى الله عليه وآله السادات, فإنّ شهر رجبٍ الأصبّ من المواسم التي أقامها الله تعالى لعباده, حتى يتنافسوا في حلباتها على طلب رضاه, والتزلّف إليه بالعبادات والقربات, فإن ذلك مما يدفع عنكم النقمات, ويضاعف لكم الحسنات.
جعلني الله وإياكم ممن ذكر فاستمع، ووعظ فاتبع، إنه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم.
ألا إنّ من أهمّ ما يُتقرب به إلى الملك العلام, ويتوسل به في محو الذنوب والآثام, خاصةً في هذا مثل اليوم الذي هو سيد الأيام, هو الإكثار من الصلاة والسلام, على محمدٍ وآله الأعلام.
اللهم صلِّ على من صلّيت عليه قبل المصلّين, وندبتَ إلى الصلاة عليه ملائكتك المقربين, ومن برأت من عبادك الصالحين, الذي اصطفيته وآدم بين الماء والطين, نبي الرحمة، وشفيع الأمة، محمد بن عبد الله الصادق الأمين.
اللهم صلِّ على آيتك الكبرى التي أظهرت بها فجر النبوة والرسالة, ورايتك العظمى التي نكست بها أعلام الغواية والضلالة, الشهاب الثاقب في سماء المجد والمناقب, سيفك الضارب, وسهمك الصائب, الإمام بالنص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
اللهم صلِّ على الشجرة الجنية المحمدية, والدوحة الزكية المصطفوية, والعقيلة المبجلة الهاشمية, المغصوبة على حقوقها جهرا, والمدفونة بأمرها سرا, أم الحسنين فاطمة الزهرا.
اللهم صلِّ على السيد السند, والكهف المعتمد, سبط الرسول الأمجد, وريحانة النبي المسدّد, المحارب في حياته من الفاسق الأنكد, المبغوض من كل حقيرٍ وضيع, المقتول بالسم النقيع, والمهدوم قبره في البقيع, العالم بالفرائض والسنن، الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن.
اللهم صلِّ على قاطن زوايا المحن والمصائب, وحليف البلايا والنوائب, المتردي ببردة الابتلاء, والمقتول ظلما بعراص كربلاء, كريم العنصرين, وزاكي الحسبين, الإمام بالنص أبي عبد الله الشهيد الحسين.
اللهم صلِّ على السيد الزاهد, الراكع الساجد, زينة المحاريب والمساجد, الجوهر الثمين, وحصن الإيمان الحصين, الإمام بالنص أبي محمدٍ علي بن الحسين زين العابدين.
اللهم صلِّ على الطيب الطاهر, والبدر الزاهر, والشرف الفاخر, الذي عمَّ شذاه البوادي والحواضر, الإمام بالنّص أبي جعفرٍ الأول محمد بن عليٍ الباقر.
اللهم صلِّ على الفجر الرّباني الصادق, واللسان الإلهي الناطق, ينبوع العلوم والحقائق, حجتك على أهل المغارب والمشارق, الإمام بالنص أبي عبد الله جعفر بن محمدٍ الصادق.
اللهم صلِّ على شجرة طوبى المحامد والمكارم, وسِدرة منتهى المآثر والمراحم, وجريد ديوان الأماجد والأعاظم, الإمام بالنص أبي إبراهيم موسى بن جعفرٍ الكاظم.
اللهم صلِّ على الرضيِّ المرتضى, والسيف المنتضى, الراضي بالقدر والقضا, وشفيع الشيعة يوم الفصل والقضا, الإمام بالنص أبي الحسن الثاني علي بن موسى الرضا.
اللهم صلِّ على هادي العباد, وشفيع يوم المعاد, بدر سماء الحق والرشاد, وشمس فلك الصِّدق والسداد, الإمام بالنص أبي جعفرٍ الثاني محمد بن عليٍ الجواد.
اللهم صلِّ على ضياء النادي, وغياث الصادي, السائرة بفضائله الركبان في الحضر والبوادي, الإمام بالنص أبي الحسن الثالث علي بن محمدٍ الهادي.
اللهم صلِّ على النور المضيء في الجسد البشري, والكوكب الدري في الجسم العنصري, السيد السري، والهمام العبقري, الإمام بالنص أبي محمدٍ الحسن بن عليٍ العسكري.
اللهم صلِّ على خاتم الأئمة, وكاشف اللمّة عن هذه الأمة, آخر الأوصياء, وسليل الأنبياء, المؤيد بالنصر المؤزر, والحجة من الله على الجن والبشر, مولانا الإمام بالنص المهدي بن الحسن المنتظر.
عجل الله تعالى أيام دولته وعدله, وبسط على وسيع الأرض بساط جوده وفضله, وجعلنا من المعدودين لنصرته, الداخلين في حياطته, المشمولين بدعائه وعين رعايته, إنه سميعٌ مجيب.
إن أنفع المواعظ زواجر الله, وأصدق الأقوال كتاب الله, أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
]إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[[10]. وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات, إنه غفورٌ رحيم ووهابٌ حليم.
[1] سورة البقرة: 157
[2] سورة مريم: 4 – 6
[3] سورة مريم: من الآية5
[4] سورة النساء: 33
[5] سورة البقرة: من الآية124
[6] بحار الأنوار – ج72 – ص38 – العلامة المجلسي
[7] “خير ما يخلفه الرجل بعده ثلاثة: ولد بار يستغفر له….”بحار الأنوار – ج6 – ص294 – العلامة المجلسي، “ولد صالح يستغفر له”بحار الأنوار – ج68 ص257 – العلامة المجلسي، “ولد يستغفر له”وسائل الشيعة (آل البيت) – ج19 ص174 – الحر العاملي، “وولد صالح يدعو له”تحف العقول – ص264 – طبع مؤسسة الأعلمي – الطبعة7 – بيروت 2002م 1423هـ
[8] سورة العصر
[9] “من ترك ثلاث جمع متعمدا من غير علة طبع الله على قلبه بخاتم النفاق”بحار الأنوار – ج86 ص166 – العلامة المجلسي
[10] سورة النحل: 90
