بسم الله الرحمن الرحيم
جادلتنا فأكثرت جدالنا في رحيل الشيخ سليمان المدني (رحمه الله)
كتب: كريم المحروس
تتبعت الكثير مما كتب حول شخصية الراحل الشيخ سليمان المدني ( رحمه الله) وموافقه منذ نهاية عام 1978م حتى لحظة وفاته وتشييعه ،ولم اجد تعبيرا صريحا وموضوعيا ، محيطا إحاطة تامة بهذه الشخصية الاوسع محلا للجدال في البحرين على الصعيد الديني والاجتماعي والسياسي فضلا عن الثقافي ،كما لم اجد رؤية جديدة تسري في مجتمعنا وراء هذا الحدث المحزن عند قطاعات التوجيه الديني.
ومنذ اطلاعي البدوي الاول على نشاط هذه الشخصية ومعطياتها الاكثر الفاعلة على الشريط الشمالي لجزيرة البحرين ، تبادلت اطراف الحديث مع بعض اصدقائي حول الاثر الذي ستتركه هذه الشخصية في موازين القوى بين ثلاث نخب مثقفة على الصعد الاجتماعية والسياسية والدينية.
وقدرت لهذه الشخصية انذاك : انها ستكون محورا اساسيا على طريق ادراك وفهم كل الموازين ومكوناتها ودرجة وعيها واخلاصها لقضايا مجتمعنا ،ربما كان ذلك بسبب الدور الريادي الذي لعبته هذه الشخصية عند منتصف عقد السبعينات في شد نخبة رجال الدين وبعض المثقفين نحو لون جديد من مناهج وسبل العمل الثقافي والسياسي الذي لم تألفه البحرين من قبل ، إضافة الى طبيعة الظروف السياسية والامنية التي استجدت بين عامي 1975م وعام 1984م التي شهدت امتحانا خطيرا للمراحل حياة هذه الشخصية على صعيدي المنهج ووسائل العمل بما شملته من فاعليات نخبوية ظاهرة ، وكذلك على صعيد مهم جدا متمثل في بروز تعددية قطبية القت بظلالها على تلك الفاعلية النخبوية وساهمت الى حد كبير في انفراط عقدها .
وقد تطور حواري مع اصدقائي حول هذه الشخصية الى حد الجدال ، مع تحولات البلاد والمنتهى الذي وصلت اليه ، حتى وجدت المناهضين لهذه الشخصية الدينية والاجتماعية على مبررات اعتقدوا انها صحيحة وواقعية ، وألفيت المؤيدين على مبررات آمنوا بأنها لا تخرج على الحق ، كما ادركت المحايدين بين هذا وذاك على مبررات صدقوا بأنها موضوعية متمردة على أي حس عاطفي. واما أحاديث العامة ، فهي لم تخرج على مؤثرات ما وجدت بين كل تلك المبررات .
ثم اتسع جدالنا في الاوضاع والظروف والمواقف السياسية والاجتماعية . فهي مثيرة جدا ، وغير اعتيادية ، ومتعددة الاقطاب ، ومتلونة المواقف ، وكثيرة التظاهر والاستعراض، ودائمة النظر في فرص الكسب والربح بكيفيات تراها اكثر ملائمة لمجريات الساحة،وغير مستقرة المكاييل والمعايير ، وظاهرة في ازدواجيتها في اكثر الاحيان على نسق تقليدي ، ومتفائلة بانحياز القدر لصالح مسعاها في الضبط الريادي او الطليعي ، ومختلة الموازين لغير صالح المتطلعين للحقائق الوطنية المجردة عن المؤثرات الكارزمية النخبوية .. في ظل هذه الاوضاع والظروف .. رحل الشيخ المدني فجأة ، وخلف من ورائه ساحة تقدمها أحياء يدعون للانقاذ الاجتماعي على وجه السرعة مع تجميد لكل متعلقات السياسة ومخلفاتها السلبية على مستوى النخب والعامة ، ونبذ لكل الخائضين بلا وعي في وحل تلك الاوضاع والظروف والمواقف ومؤثراتها السلبية.
وبكل تواضع وصدق ، همت الاكثرية الى المشاركة في حشد كبير رفع جنازة الفقيد على الاكتاف ، وتقدم مسيرة ذلك الحشد الوان واصناف واتجاهات مختلفة من رجال العلم والفكر والسياسة والاجتماع ، إضافة الى المريدين والمحبين لهذه الشخصية ومعطياتها ومواقفها. وكأن ثلاثة عقود من الاختلاف المقيت الظاهر او الائتلاف الشكلي الخجول قد أخطات أهدافها لتقتحم رؤيا السراب .
ثم تسائل الكثير من اصدقائي المتجادلين بعد رحيل هذه الشخصية : ماذا بشأن مصير مخلفات النزاع والصراع وانعكاساته الفكرية والاجتماعية ؟ وهل كانت مبررات النزاع والصراع في ذلك الوقت بين هذه الشخصية ومناهضيها مقبولة على الصعيد السياسي والاخلاقي آنذاك ؟ ماذا بشأن واقعنا الراهن بعد رحيل الشيخ المدني ، وهل الباقيات بين كل الاطراف فينا صالحات منزهات مثاليات؟
بكل المقاييس العقلية التي أدارت رحى ذلك الجدال ، رأى صديق : بأن هناك من خلف اثر رحيل الشيخ المدني بين الناس سننا سلوكية غير مقبولة من جميع الوجوه ربما ترتد بين المجتمع في صور اجتماعية سلبية خطيرة قد تنال من الفضيلة بين العلماء ونخب المثقفين . الامر الذي يدعو الجميع بجد الى وجوب إعادة النظر في قيم النزاع والصراع والتنافس الاجتماعي او السياسي ، وجعل تلك الدعوة خير معين ، وخير رفيق وحليف ، وخير منقذ وصديق .
ثم أكثر بعض الاصدقاء الجدال ، وتسائلوا على هذا السبيل :
أمن الخير والصلاح ان نسجل في منعطف تاريخي خطير تمر به بلادنا حوادث نضالية نتبادل فيها تهما رخيصة وألقابا مبتذلة ، لا قصد من ورائها سوى العلو او غلبة المنافسين بأية وسيلة وبدون تدارس مسؤول للعواقب والنتائج ، وخصوصا تلك الناتجة عن التهم والالقاب التي شاعت بين الناس حتى أصبحت على لسان البعيد والقريب ؟.
أمن العدل ان نتجنب إشاعة الافكار النيرة والايجابية التي تحتاجها البنية الاجتماعية التحتية لمجتمعنا ، ثم نتفرغ الى إشاعة ما لا يستحق الذكر من كلمات واوصاف والقاب نحسبها وسيلة قمعية لمنافسينا ، وهي من اشد الوسائل خطورة على قيم المجتمع واعرافه وتقاليده.
ولماذا نسطر على هذا الطريق للناس مبادئ الازدواجية في الفكر والموقف مقيته ومنبوذة ولا اصل لها شرعي ولا حكمة سياسية ، ثم ندعوهم للمشاركة في تبنيها بدعوى انحصار الحق عند طرف دون الاخرين وانسداده على خاصة نخبوية دون غيرها؟
ولماذا نزرع في ذاكرة الناس : أن قيم التنافس الحقيقي والمثالي لا تقوم لها قائمة الا بالانضواء تحت لواء او شكل سياسي او اجتماعي خاص منفرد بقرار التوجيه والتحريك ، مرافق لتعبئة حادة ومضادة في أشكال دعائية همجية ، ثم اذا تحولت الظروف في غير حساب أو ضمت غيابا لمرض او رحيلا لموت ، لأحد اقطاب النزاع او الصراع او التنافس ، قلنا : أن واجبنا الان وفي اللحظة الراهنة ، هو الوحدة ووحدة الكلمة واعطاء المريض او الراحل حقه ؟ .
لماذا لا نعتبر المنافس المغرد خارج سربنا صاحب حق في التعبير وفي تبني الشكل والاسلوب النضالي الذي يؤمن بصحته ، فالمؤمن مرآة اخيه في أحوال التنافس ، ولا معيار اكثر مثالية سوى التقوى . فإن كان المنافس صاحب حق جلي وموقف مبين ، فله مثل ما علينا . وإن كان صاحب حق غير جلي الموقف فلم العجلة في الحكم ، فلربما تكون خاتمة أعمالنا مخزية او محرجة او محبطة ، او قد يتمثل فيها تبني قسري لمنهج عمل سياسي او اجتماعي كان قد تبناه منافسنا ، وكنا قد نبذناه من قبل ودعونا الى رفضه او تجنبه وحاربنا في ذلك واكثرنا من قتالنا . فنكون كمن تنافس او تنازع على حطام فوصل الى ما دونه ، ثم خلفنا وراء الظهور اهدافنا الحقيقية وقيمنا ومبادءنا النبيلة ضحية ما ارتكبت ايدينا.
كنت اول الرافضين بين اصدقائي المتجادلين ، الخوض في (سوالف) واحداث الامس بوجه سلبي ،او الطعن في طرفي المواجهة او المنافسة . فنحن أبناء اليوم ، وان الحكم لله على سنة علي (عليه السلام) لا على سنة الخوارج . فأين خاتمة الاعمال وماهيتها وانعكاساتها بشكل عام . أين الفوز واين الخسران ؟ .
إن كل ما حاولت بشكل موجز طرحه بين الاصدقاء في نهاية الجدال الكثير . ان المتنافسين والمتصارعين أخطأوا منذ بداية النضال في العشرينات من القرن الماضي في الكثير من مراحل نضالهم ، وكانت مظاهر الفشل والاحباط ظاهرة في الغلبة . ولكن تبقى القيم التي زرعت فينا منذ ذلك الوقت شامخة راسخة . فالامم الاخلاق ما بقيت … والحسين ( عليه السلام) مخلد …فإذا خيرنا بين امتلاك قيم خالدة نورثها الى اجيالنا ، وبين قصص حقيقية او واقعية او مختلقة ،نسردها للنيل من قدر فلان وفلان من الناس ، فإننا بلا أدنى شك ، سنحتفظ بقيمنا وننميها على حساب لهو الحديث .
وكنت بين اصدقائي المتجادلين ، أكثر من الترحم على الموتى ، وأدعو للمرضى بالشفاء العاجل . وأذكر دائما من تبقى من اصدقاء الحوار او الجدال ،بصورة استعرضها أمامي أحد المقربين من مناطق التأثير بين متنافسي او متصارعي المرحلة النضالية الاخيرة ، مفادها : ان الخطأ الكبير الذي وقع في تلك المرحلة ، وجر خلفه الجميع ، هو تلك الجهود الكبيرة التي بذلت في سبيل اشاعة المفاهيم السياسية بين الناس ، في فترة حرجة جدا كان الناس خلالها بأمس الحاجة الى قيم الدين وافكاره الحضارية قبل كل شيء . فأضحت النتيجة بائرة ، فيها : أن الحكم في ذلك الوقت كان للعبرة السياسية ، وكان الموقف رائد العبرة تلك وموجها لها . فسقطت على هذا الاثر أقطاب ، وبرزت أقطاب ، ونمت استقطابات وضمرت أخرى . واما الاثر الذي سيتركه رحيل هذه الشخصية على ميزان القوى بين فئات النشاط السياسي والاجتماعي ، فهو كبير جدا اذا ما أضفنا الى ذلك غياب الشيخ عبد الامير الجمري ( حفظه الله وشافاه من كل مرض). فكم كانت البلاد بحاجة الى ذلك التعدد بين تلك الاقطاب ومرئياتها وتصوراتها وخبراتها !
فرحم الله الفقيد الشيخ سليمان المدني ، وادخله فسيح جناته . وأعاد لنا الشيخ الجمري سالما معافى .
