نوالُ المعالي في قِراعِ الكتائِبِ
ونيلُ الأماني في ظهورِ النَّجائِبِ
وما كُلُّ ما يهوى الفتى بمَؤمَّلٍ
إذا هُوَ لَمْ يعرِفْ مآلَ المذاهِبِ
فإنْ كانَتْ الدُّنيا مَبيعَ مُقامِرٍ
فكيفَ استوَتْ في كلِّ تيهٍ لِراغِبِ
يُروِّجُها يومًا لتضييعِ بَذلَةٍ
ولَمْ يحترِزْ إلّا بأُنسِ المُلاعِبِ
كأنْ لَمْ يرَى -ما أبعدَ الحقَّ- كاملًا
توالَى عليهِ مِنْ بُطونِ الرّبائِبِ
عقيدتُهُ يومَ الطِّرادِ جليَّةٌ
وشاهدُهُ عندَ احتدامِ المَطالِبِ
فإنْ نازعَتهُ النَّفسُ للجِدِّ والعُلا
تداعَى ولَمْ يُبصِرْ سُلوكَ المَناسِبِ
فما سبعةُ الأيّامِ إلّا مَواقِفٌ
وما هِيَ إلّا ذاهِبٌ إثرَ ذاهِبِ
تُكابِدُها إنْ قلَّ عنكَ مُؤانسٌ
وترزحُ صبرًا في همومِ المتاعِبِ
وتحدو بكَ الأفكارُ حتّى تظنُّها
بما جُمعتْ أشتاتُ قومٍ لطالِبِ
فَدَعْ عنكَ ما ذلَّ الأنامُ وضيَّعوا
وحقِّكَ إنَّ (الحُزنَ فوتُ العواقِبِ)
ألستَ ترانا كُلَّ عامٍ بمأتمٍ
لرزءِ قتيلٍ ليسَ يُقضى بواجِبِ
نعدُّ لِشهرِ الحُزنِ كُلَّ قريحةٍ
ونرقَبُ بالدَّمعاتِ غضبَةَ غائِبِ
فهَلْ طرقَت في مسمَع الدَّهرِ ندبةٌ
بأفجَعَ رزءًا عندَ أشجى نوادِبِ
عشيَّةَ إذ شدَّ الحُسينُ بأهلِهِ
وودَّع أرضَ الخيرِ مِنْ خيرِ جانِبِ
وكادَ ضريحُ المُصطفى أنْ يضمَّهُ
خَلَا أنَّ أمرًا قد جرى دونَ حاجِبِ
فهذا حُسينٌ (يا ابنةَ الوحيِ) قَدْ طوَى
إلى مَصرعٍ قد شِيءَ بينَ القواضِبِ
تُآزرُهُ آسادُ فهرٍ كأنَّهُمْ
إذا وثبُوا شِبهُ الخُطوبِ الغَرائِبِ
ولاذَ ببيتِ اللهِ -وهو ملاذُهُ-
ولَمْ تُبقِ حَربٌ دونَهُ مِنْ مُحارِبِ
وبثَّتْ أباليسَ البغايا دسيسةً
كما حاربَتْ طهٰ بحقدٍ لغالِبِ
فعزَّ عليهِ أنْ يُرى وهو خائِفٌ
وكانَ أمانَ اللهِ عندَ النّوائِبِ
فسارَ لوعدٍ مُنذُ عهدٍ تقادَمت
عليهِ لدينٍ ليسَ ينأى بغارِبِ
فلمَّا سرَى سارَ الفَخارُ بركبِهِ
وغادَرَ بالأمجادِ بطنَ المواهِبِ
تعفَّتْ بيوتُ الخيرِ مِنْ خيرِ آهِلٍ
ولَمْ يَبقَ مَنْ يُعطي قِراها لِطالِبِ
فهَلْ درَتِ الأظعانُ لمّا تحمَّلت
بأنَّ عِمادَ الأرضِ أهوى لجانِبِ
عليها مصوناتُ النَّبيِّ عقائِلًا
ويُحمى حماها عَنْ عيونِ الأجانِبِ
وتدفعُ عنها كُلَّ شرِّ وخيفةٍ
أسودٌ تحامَتْ مِنْ سَنامِ الغوالِبِ
قلوبُهُمُ -إنْ شدَّ عَزمٌ- كأنَّها
وجيفُ المَنايا في عقولِ المُطالِبِ
معاقِدُهُمْ هامُ العِدى، ونوالُهم
يُريكَ فِعالَ المجدِ مِنْ كُلِّ صائِبِ
وإلَّا فهُمْ أحنى على الطِّفلِ كالتّي
أتاها غُلامٌ بعدَ طولِ التَّراقُبِ
مُقدَّمُهمْ سبطُ الهُدى بجلالِهِ
كما الشَّمسِ إذا حُفّتْ بأبهى كواكِبِ
وما طافَ في شتَّى البلادِ رِكابُهُ
وإلّا تمنَّتْ أنَّهُ غيرُ راكِبِ
يجدُّ السُّرى سعيًا، بتسليمِهِ القضا
وتلبيةً للهِ يا خيرَ نادِبِ
فلمّا استقرَّت في الطُّفوفِ وأُنزِلَتْ
عليهِمْ بأكدارٍ سِوَادُ النَّوائِبِ
أطلَّتْ عليهِمْ بالضَّلالِ أُميَّةٌ
لدحضِ هُدًى بادٍ بشَرِّ المعاطِبِ
ودونَ طرادِ القومِ أشبالُ حيدرٍ
تُدافِعُ بالأرواحِ سيلَ الكتائِبِ
وكُلُّهُمْ يومَ الكريهةِ في الوغَى
يلاقي المنايا باسِمًا غيرَ قاطِبِ
يردُّونَ حَتفَ الموتِ بالقتلِ خُلَّصًا
يقينًا بأنَّ (الموتَ أحلى المَشارِبِ)
متى صُرَّعُوا شقَّ الحُسينُ بفقدِهِمْ
فُؤادًا تهاوَى في فراقِ الأطايِبِ
أفدِّيهُمُ لمَّا تهاوَوا على الثَّرى
فما بينَ مطعونٍ وما بينَ ساغِبِ
وظلَّ حُسينٌ حينَها دونَ ناصرٍ
وحيدًا، وما في القومِ مأمونُ جانِبِ
فمالَ إلى الهيجا، ومزَّق شملَهُمْ
وكُلٌّ لخوفِ الموتِ أسرعُ هارِبِ
وفتَّتهُ حرُّ الظَّما، واصطبارُهُ
وغدرُ الأعادي مِنْ دعيٍّ وناهِبِ
وتهتاشُهُ أنذالُ صخرٍ بِخِسَّةٍ
ضباعٌ ولاقَت ثارَ أُسدٍ مُعاقَبِ
يعاني جِراحًا ضاقَ عَنهُ احتمالُها
ويشخُبُ مطعونًا دَمِيَّ الجوانِبِ
بِهِ أدركَ الأعداءُ ثاراتِ خيبرٍ
وأُحدٍ وبدرٍ، وانتهابَ المَناقِبِ
ومَنْ غصبُوا حقَّ الوصيِّ ثلاثةٌ
توسّطت الصَّدرَ الشَّريفَ بناشِبِ
فخرَّ وخرَّتْ أنجمٌ عَنْ سِماكِها
وفرَّتْ بناتُ المُرتضى للنَّوائِبِ
سِراعًا لذلك الذِّبْحِ علَّ نداءَها
يردُّ أباةَ الضَّيْمِ عندَ المَصائِبِ
و(زينبُ) ياللهِ ما حالُ صبرِها
وشُمّاتُها قد أقبلُوا كالثَّعالِبِ
فيومًا أتَتْ محروسةَ الخطوِ والحِمى
ويومًا تُباريها العِدى بالصَّعائِبِ
ويومًا أخوها بالمحامِلِ كافِلٌ
ويومًا على أقتابِها بالتَّناوُبِ
على عُجَّفٍ سارَتْ وما طابَ سيرُها
وإخوانُها فوقَ الرِّمالِ اللَّواهِبِ
فيا لهفَ نفسي كيفَ سِيقَتْ مذلَّةً
وكانَ أبوها (خيرَ ماشٍ وراكِبِ)
ويا صاحِبَ الأمرِ الذي في انتظارِهِ
يرى أنَّ طولَ الصَّبرِ أوبةُ آيِبِ
ويرقبُ وعدَ اللهِ بالثَّأرِ إنْ أتى
تشيبُ بِهِ الولدانُ قبلَ التَّجارُبِ
فما زالَ رزءُ الطَّفِّ غضًّا وواقِدًا
بصدرِ الزَّمانِ المُرِّ عالي المراتِبِ
وفي الخُلدِ ما زالَتْ دِماءٌ زكيَّةٌ
وفي الصَّدرِ حُرقٌ لافتجاعِ المواكِبِ
فعجَّل فداكَ النَّفسُ والمالُ والورى
ودكدِكْ حصونَ الأدعياءِ الغواصِبِ
ولا تبقِهمْ حتى تطَأَ الخيلُ عُنوةً
جماجِمَهُمْ مقسومةً بالحرائِبِ
فإمَّا تكُنْ في مَشرقِ الأرضِ مُدرِكًا
وحتّى تُرى فيهِمْ بأقصى المَغارِبِ
وإنْ علَّلوا أنَّ الدُّجى طالَ والنَّوى
أعلِّلُهمْ فالوعدُ ليسَ بكاذِبِ
